ترى محاضرات سيد جواد طباطبائي أن بداية الفكر السياسي الحديث تنشأ من قطيعة العلاقات القائمة والانتقال من البلاط إلى ميدان الحرب؛ فالقوة لا تدور حول العدالة، بل حول علاقات القوى، وكتاب «الأمير» هو بيان لإنقاذ إيطاليا.

تعد دروس سيد جواد طباطبائي عن نيقولو مكيافيلي من أهم جهوده لإعادة قراءة أسس الفكر السياسي الحديث وصلته بمسائل الدولة والحرية والجمهورية وتاريخ إيران. وهذه السلسلة، التي قدمت في أواخر عقد ۱۳۸۰ الهجري الشمسي، ليست مجرد شرح لأعمال مكيافيلي؛ بل هي محاولة لفهم التحول الذي أحدثه في لغة السياسة ومنطقها: الانتقال من تصور السياسة بوصفها حكما واحدا وإضفاء طابع أخلاقي على السلطة، إلى فهمها بوصفها مجالا للقوى والمؤسسات والصراعات والمصالح العامة.
يقدم طباطبائي مكيافيلي في هذه الدروس بوصفه أحد المؤسسين الرئيسيين للفكر السياسي الحديث؛ مفكرا أخرج السياسة من الأطر التقليدية القائمة على الوحدة، وفهمها في صلتها بالواقع التاريخي وعلاقات القوة والمؤسسات المدنية. فالسلطة، في هذا التصور، ليست جوهرا ثابتا خارج المجتمع، بل هي حصيلة علاقات القوى الحاضرة فيه والمؤثرة بعضها في بعض. ولذلك لا يمكن فهم السياسة من دون معرفة آليات توزيع السلطة، وسبل التعبير عن التذمر، والمؤسسات التي تحول الصراع إلى نظام مستقر.
ويخصص قسم مهم من هذه الدروس للسياق التاريخي لإيطاليا عشية عصر النهضة وفي زمن مكيافيلي: أوضاع فلورنسا والبندقية وغيرها من دول المدن، والصراع بين الجمهورية والأوليغارشية والحكم الفردي، ودور أسرة ميديشي، ودخول القوى الأجنبية إلى إيطاليا، ومكانة شخصيات مثل سافونارولا وغويتشارديني وسودريني. ويبين طباطبائي أن مكيافيلي كان يفكر في السياسة في صميم هذه الأزمات، حين اختل توازن القوى في إيطاليا وانتقل مجال السياسة من البلاط إلى الحرب والدبلوماسية، ولم يعد بقاء الدول قابلا للتفسير بالمواعظ الأخلاقية أو الشرعية الوراثية.
وفي هذه الرواية، يعد مكيافيلي منظرا للحرب الحديثة ومن أوائل المفكرين الذين أولوا اهتماما أساسيا لتنظيم الجيش والاستراتيجية والصلة بين الجيش وبقاء الدولة. ولا تقتصر أهمية هذه المسألة لديه على الجانب العسكري: فالدولة التي لا تستطيع الدفاع عن نفسها وإيجاد قوة تلائم ضروراتها التاريخية لا تستطيع حفظ حريتها واستقلالها. ومن هذا المنظور، ترتبط مسألة بقاء النظام السياسي ارتباطا لا ينفصم بالمؤسسات والقانون والتربية المدنية وقدرته الدفاعية.
ويؤكد طباطبائي أيضا مكانة اللغة في أعمال مكيافيلي. فلغته الإيطالية ثمرة عصر لم تكن فيه الوحدة السياسية واللغوية لإيطاليا قد تحققت بعد، وكانت فيه طبقات لغوية واجتماعية وتاريخية متنوعة متداخلة. ولذلك لا تكفي ترجمة المصطلحات لقراءة مكيافيلي؛ بل ينبغي فهم تحول معاني كلمات مثل stato وordine وvivere libero وparte وgrandi وres publica في أفقها التاريخي. وفي هذا الجهاز، لم تكن الدولة بعد مفهوما مجردا تماما ومستقلا عن الحاكم، كما أن «المصلحة العامة» ليست مجرد اسم لمصالح جماعة خاصة.
ومن المحاور الرئيسة في الدروس تفسير المطارحات والأمير. وعلى خلاف القراءة التي تعد الأمير كتابا مستقلا ودليلا للحكم الفردي فقط، يقرأه طباطبائي في صلته بمشروع مكيافيلي الأوسع في المطارحات. فـالمطارحات تأمل في تاريخ روما وإمكان الجمهورية، في حين يرتبط الأمير بمسألة التأسيس وإنقاذ إيطاليا وضرورة إنشاء نظام جديد. وفي هذا التفسير، يكون مكيافيلي أقل دفاعا عن الحكم المطلق منه منظرا للجمهورية والحرية المواطنية؛ وهي حرية لا تتحقق إلا في ظل مؤسسات مستقرة وتوزيع للسلطة.
والنموذج المحوري لمكيافيلي هو الجمهورية الرومانية. ويشرح طباطبائي أن السلطة في التجربة الرومانية كانت موزعة بين ثلاث قوى: الحكام والأشراف والشعب. وكان ظهور مؤسسات مثل التريبونات، التي توسطت بين الشعب والأشراف، سبيلا لتحويل الصراع الاجتماعي إلى آلية سياسية. وبهذا المعنى، ليست الجمهورية مجرد نقل للسلطة من جماعة إلى أخرى، بل هي نظام تنال فيه كل قوة اجتماعية موقعا ونصيبا من السلطة، وتشكل مجموع هذه العلاقات السلطة السياسية.
وفي هذا الإطار، لا يكون الصراع علامة على انهيار المجتمع، بل جزءا من حياته. واستنادا إلى لغة مكيافيلي، يتحدث طباطبائي عن «طبعين» أو قوتين دائمتين في المجتمع: الشعب والعظماء. فلا يريد الشعب أن يقع تحت الهيمنة، بينما يميل العظماء إلى الأمر على الآخرين. ولا يمكن إزالة أي من هذين الطبعين؛ فمسألة السياسة هي إقامة توازن دائم الاضطراب بينهما. والمجتمع الحر ليس مجتمعا بلا توتر، بل مجتمعا يملك قنوات قانونية لظهور التوترات وضبطها وإعادة تنظيمها.
ولهذا يكتسب القانون والمؤسسات دورا أساسيا في فكر مكيافيلي. فالمؤسسات تفكك السلطة وتجريها في المجتمع، وتمنع الخلافات من الظهور في صورة تمرد أو فئوية أو ثورة مدمرة. وحين تغلق الطرق العادية والمؤسسية للتعبير عن التذمر، تبرز القوى الاجتماعية عبر مسارات استثنائية وخارج المؤسسات، وهي حالة قد تقود إلى زوال الحكم. ويؤكد طباطبائي هنا أهمية الاحتجاج والمنافسة وآليات الإصلاح الداخلي: فالنظام السياسي المستقر ليس نظاما لا تظهر فيه مشكلات، بل نظام قادر على معالجة المشكلات الصغيرة قبل تحولها إلى أزمات كبرى.
ويخصص قسم آخر من الدروس لنظرية الحكم المختلط. فمكيافيلي، مستندا إلى تقليد معروف منذ أرسطو، يرى أن لا شكل خالصا من أشكال الحكم يبقى مستقرا بمفرده. فالدوام السياسي رهين امتزاج عناصر السلطة المختلفة وتوازنها. وفي هذا المنظور، لا تكمن الأهمية في اسم الحكم أو صورته الظاهرة، بل في مضمون النظام السياسي وعلاقات القوى ومدى تأمين المصالح العامة. والجمهورية، بمعنى res publica، هي المجال الذي يصبح فيه الشأن العام موضوعا للسياسة.
ويتناول طباطبائي في تحليله نقد مكيافيلي للأخلاقوية السياسية أيضا. فمكيافيلي لا يفسر السياسة بما يظهره الفاعلون السياسيون، بل بما يجري في واقع علاقات القوة. ولا يعني ذلك رفض الأخلاق أو الدين رفضا كاملا. ففي هذه الدروس لا يفصل الدين عن السياسة، بل يبحث موقعه في تأسيس النظام وتنشئة الأخلاق المواطنية وحفظ التماسك العام. فالمؤسس، في نظر مكيافيلي، لا ينشئ مؤسسات جديدة فحسب، بل قد ينشئ أيضا أخلاقا وأفقا مشتركا للحياة السياسية. لكن حين تتحول المؤسسات الدينية إلى مصدر للفساد والاستبداد، فإنها قد تصبح من أهم أسباب زوال النظام السياسي.
وتحتل مسألة التأسيس والإصلاح مكانة خاصة في هذه السلسلة. ويميز طباطبائي بين إقامة النظام وإصلاحه: فالتأسيس يقع في لحظة لا تكون فيها المؤسسات القائمة قادرة بعد على إيجاد نظام جديد؛ أما بعد ذلك، فإن دوام النظام يتوقف على نقل السلطة إلى المؤسسات والمواطنين القادرين على صون المصلحة العامة. وبهذا المعنى، لا ينبغي مساواة المؤسس بالحاكم المستبد. فأهميته تكمن في إنشاء مؤسسات تفتح طريق الحرية وتمكن الحياة السياسية من الاستمرار بعده.
ولا تقتصر هذه الدروس على تقديم قراءة واسعة لمكيافيلي، بل تتناول أيضا كثيرا من سوء الفهم الشائع في اللغة السياسية الفارسية: من الخلط بين حكم الشعب والديمقراطية إلى الاستعمال غير الدقيق لمصطلحات مثل الدولة والسيادة والحرية المدنية ومصلحة النظام والأرستقراطية والأوليغارشية والفرقة. ومن خلال إعادة هذه الكلمات إلى تواريخها المفهومية، يبين طباطبائي أن فهم الفكر السياسي الحديث لا يمكن من دون دقة في اللغة ومعرفة بتاريخ تحول المفاهيم.
وينشر التسجيل الصوتي لهذه الدروس كي يكون هذا الإرث الفكري في متناول الناطقين بالفارسية والمنحدرين من أصول إيرانية والمهتمين بالفكر السياسي في أنحاء العالم. وهذه السلسلة دعوة إلى قراءة مكيافيلي لا بوصفه اسما مرادفا للخداع وانعدام الأخلاق، بل بوصفه مفكرا طرح مسائل السلطة والحرية والقانون والمؤسسة والبقاء السياسي بلغة جديدة وفي أفق تاريخي.
.
العلوم السياسية
الفلسفة
العلوم السياسية
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٣ تعليق
با تشکر صمیمانه از مساعی بزرگواران .امیدوارم دوستان تلاش کنند تا در دسترس قرار گیرد.
دقیقا بابک درست میگن. بنده چندین سال پیش در تبریز در یک کتابفروشی آثار مذکور را در قالب لوح فشرده دیدم و متاسفانه در تهیه آن تعلل ورزیده و بعدا دیگر جایی آنهارا پیدا نکردم
درود بر استاد طباططبایی بزرگوار بسیار استفاده کردم امیدوارم دیگر درسگفتار های ایشان مانند درسگفتار انقلاب فرانسه درسگفتار های فلسفه حقوق و ایدئالیسم آلمانی و ... نیز در صدانت منتشر شود.