اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يشرح إبراهيم صحافي الجهاز النظري لجواد طباطبائي حول انتقال إيران من التقليد إلى الحداثة وصياغة «المشكلة الإيرانية». تدعو هذه النظرية إلى تحويل النظام العلمي لحل الأزمات وبلورة فلسفة سياسية محلية.

يُعرف جواد طباطبائي بوصفه فيلسوفاً سياسياً لإيران، وذلك بفضل تنظيره في مجال الفلسفة والفكر السياسي. ومن أوجه فكره أن الانتقال من التقليد إلى الحداثة في إيران أمر لا مفر منه. وتنظيره في هذا المجال ذو أبعاد ومستويات مختلفة، وهو لا يقتصر على تأكيد الحداثة فحسب، بل يغوص في تحليل تاريخ الفكر في إيران وتحولاته، ووضع الجذور الفكرية والعلمية والفلسفية فيها. ومن خلال هذا المنهج، يؤكد على وجود وتكوّن فكر سياسي وفلسفي خاص يمكن التعرف عليه باسم إيران. واستناداً إلى هذه المباحث ذاتها، يتحدث أيضاً عن الهوية الوطنية والقومية الإيرانية. كما يعتقد أن ما يُسمى إيران ينبغي أن يخضع لمزيد من البحث والدراسة والتنظير. لأن إيران، من وجهة نظره، لا تزال موضوعاً مجهولاً لم يُدرس إلا من منظور المنظرين الغربيين والمستشرقين وكتاب الرحلات الأوروبيين، ولم يُنجز داخلها إلا القليل من الأعمال التي يمكن اعتبارها قيّمة وجديرة بالاعتبار. لذلك، في النظرية المطروحة، تمت صياغة موضوع بعنوان «مشكلة إيران»، والذي ينبغي بناءً عليه وضع نظرية لإيران تدرسها من أبعاد مختلفة وتستطيع أن توفر الأرضية لحل الأزمات والقدرة على الإجابة عن المسائل لإيران.
وبهذا، طُرحت في مجال الفلسفة والعلوم الاجتماعية، عبر نظريته، مفاهيم جديدة أصبح من اللازم والضروري بناءً عليها إعادة النظر في طريقة ومقاربة النظر إلى موضوعات العلوم الاجتماعية والفلسفة. ولهذا السبب، يجب أن تتطور الجامعة والنظام العلمي في البلاد أيضاً ليتمكنا من امتلاك القدرة والكفاءة على المواجهة والاجتهاد في مجال موضوعي بعنوان «مشكلة إيران». أما في حال استمرار الظروف الراهنة في النظام العلمي والجامعات الإيرانية، فبالإضافة إلى هدر الوقت والموارد، ستُخلق بؤر ومجالات لأزمات جديدة في إيران، مما يؤدي في النهاية إلى العجز عن الإجابة عن مسائل إيران، وهو ما ستكون له نتائج مخيبة للآمال وخطيرة بالطبع على حفظ إيران وكيانها. وإلى جانب هذه المباحث، تُولى منظومته النظرية اهتماماً بمسيرة الفكر السياسي في أوروبا وتحولاته، وذلك للتمكن من خلال فهم الحداثة والفكر الغربي من توفير المفاهيم والمواد اللازمة للاجتهاد في الحداثة الغربية. فهو يعتقد أنه من أجل الانتقال من التقليد إلى الحداثة، يجب من خلال فهم التقليد والفكر السياسي في إيران والاجتهاد في الحداثة الغربية، خلق مجالات التحول في التقليد والانتقال منه إلى الحداثة في إيران. وفي النهاية، هدفه من هذه التنظيرات هو تأسيس وتبيين فلسفة التاريخ والفلسفة السياسية لإيران.
.
.
قبل حوالي 500 عام، حدثت تحولات عميقة في أوروبا لم تؤثر على أوروبا فحسب، بل على العالم بأسره. وقد أُطلق على هذه التحولات اسم الحداثة. بدأ مسار تحولات الحداثة منذ عام 1000 ميلادي. في الديانة المسيحية، كانت الكنيسة قد أعلنت عام 1000 باعتباره عام ظهور السيد المسيح، ولكن مع انقضاء عام 1000 وعدم ظهور المسيح، نشأت أزمة في الكنيسة والديانة المسيحية. ومع هذه الأزمة، طُرحت ضرورة التغيير والتحولات الفكرية داخل الكنيسة. وبهذا الشكل، ومع تقلبات كثيرة على مدى عدة قرون، حدثت نهضتان (رنسانسان) في أوروبا وتهيأت الأرضية لتحولات كبرى وبداية العصر الحديث. النهضة (الرنسانس) تعني العودة، وفي موضوع الحداثة، تعني النهضة العودة إلى الفلسفة اليونانية والحقوق الرومانية. وفي ضوء هذه النهضة، نضجت تحولات الفكر والتأمل في الكنيسة وهيأت أرضية الحداثة. بعد حدوث النهضة الثانية، أصبح فرانسيس بيكون ورينيه ديكارت مؤسسي الثورة العلمية، وظهرت أولى بوادر التحول العلمي الناتج عن الحداثة. أحدث ديكارت بعبارته "أنا أفكر، إذن أنا موجود" ضجة في عالم الفلسفة والعلم. الإنسان الذي كان في العالم القديم تابعًا ولا يستطيع التفكير بشكل مستقل، صار الآن، ومع هذه التحولات، قد حصل على حرية الفكر والتأمل والعمل. انفتح فضاء واسع أمام الإنسان، وأراد الإنسان الحديث أن يبني بعقله وفكره عالمًا جديدًا. وبهذا الشكل توسع العلم والتكنولوجيا ونما، واستطاع الإنسان تحقيق إنجازات كثيرة. لكن هذه الإنجازات المذهلة في عصر الحداثة، أوجدت لدى الإنسان تصورًا بأنه يستطيع بعقله أن يدمر كل شيء ويبنيه من جديد. مفهوم العقل الديكارتي يؤكد على هذا الموضوع، ويقابله العقل الكانطي الذي يرى أن عقل الإنسان ومعرفته محدودان، بحيث لا يستطيع الإحاطة والتحكم بكل الظواهر وأجزائها، وبالتالي لن ينجح في تدمير وهندسة بعض الظواهر والمؤسسات. على الرغم من النتائج الوخيمة للعقل الديكارتي، مضت الحداثة قدمًا على أي حال، ونشأ عالم جديد في مقابل العالم القديم. يقول مارشال بيرمان، الفيلسوف الأمريكي، إن الحداثة أشبه بدوامة عظيمة تبتلع كل شيء فيها. ويعتقد يورغن هابرماس، الفيلسوف الألماني، أن الحداثة مشروع لم يكتمل. إذن، تحولات الحداثة ما زالت مستمرة ولم تتوقف.
مفاهيم الحداثة والتحديث والحداثوية الثلاثة متشابهة ظاهريًا، وتُستخدم عن طريق الخطأ مكان بعضها البعض. لكن هذه المفاهيم الثلاثة ليست متطابقة، ولا يمكن اعتبار هذه المفاهيم متكافئة مع بعضها. التحديث والحداثوية هما من مكونات الحداثة، وفي الواقع يُعتبران نتيجة لتحولات العصر الحديث. إذا اعتبرنا الحداثة ناشئة عن تحولات الفكر والتأمل التي أوجدت العالم الجديد في مقابل العالم القديم، وحلت فيها الفلسفة والعلم الحديثان محل فلسفة وعلم ما قبل الحداثة، ففي هذه الحالة يجب اعتبار التحديث من مكونات ونتائج الحداثة. التحديث غالبًا ما يكون قابلاً للمس والملاحظة بشكل فيزيائي. الإمكانيات والتكنولوجيات التي نمت في العصر الحديث واستخدمها الإنسان تندرج تحت مفهوم التحديث. بعض المؤسسات المجردة مثل الحقوق والقانون تندرج أيضًا تحت مفهوم التحديث. أما مفهوم الحداثوية فيشير إلى التحولات والآثار الجديدة التي نمت وترعرعت في العصر الحديث في ساحة الفن والموسيقى والرسم والنحت والثقافة.
لم تؤثر الحداثة على أوروبا فحسب، بل على العالم وإيران أيضاً. حدث أول لقاء جدي للإيرانيين مع الحداثة في الحروب الإيرانية الروسية. فعندما واجه الجيش الإيراني بعتاده البالي وتنظيمه القيادي التقليدي الجيشَ الروسي المجهز، مُني بهزائم متكررة، ولم يحرز نجاحاً رغم تعبئة الناس بفتاوى المراجع الدينية. حتى أن الجيش الروسي تقدم حتى قزوين. عباس ميرزا الذي بلغ به اليأس مبلغه، سمع بعد لقائه بممثل الحكومة الفرنسية أن أموراً حدثت في أوروبا والعالم لا علم لكم بها أيها الإيرانيون، وأنكم لو حاربتم الجيش الروسي مراراً فستُهزمون. وهكذا واجهت مجموعة من الإيرانيين الحداثة وآثارها لأول مرة. أدت هذه الأحداث إلى تشكل أول دافع لدى الإيرانيين لمعرفة أوروبا، فأُرسلت مجموعات إلى أوروبا لدراسة الأوضاع عن كثب. ما شاهدوه في أوروبا (فرنسا وإنجلترا) من تقدم وإنجازات الأوروبيين كان يفوق التصديق. ما كان يرويه أو يكتبه هؤلاء المبعوثون عن رحلتهم إلى أوروبا كان يتركز غالباً على الأوضاع الظاهرية لأوروبا. لكن أثمن ما تلقوه واستخلصوه من أوروبا كان محصوراً في "كلمة واحدة" أسموها "القانون". من وجهة نظرهم، ما أدى إلى النمو والتطور في أوروبا هو هذه "الكلمة الواحدة" أي "القانون".
كان هذا إنجازاً جيداً، لكن البعثات لم تستطع أن تقف على الجذور الفكرية والفلسفية لهذه التحولات وتعيها، وكان ذلك نقصاً مهماً في نتيجة سفرهم إلى أوروبا. لاحقاً، عندما ازدادت الاتصالات بين الإيرانيين والأوروبيين، كثرت الرحلات بين الجانبين. كما سافر ناصر الدين شاه إلى أوروبا عدة مرات. لكن بالنسبة لممثلي التراث، كانت الظواهر الحديثة غير قابلة للتصديق. فعلى سبيل المثال، عندما وصلت آلة التصوير إلى إيران لأول مرة، أرادوا أن يلتقطوا صورة للملا هادي السبزواري، فيلسوف إيران آنذاك، لكنه لم يصدق الصورة، ولم يكن يرى أن التقاط صورة للوجه أمر ممكن، وكان يقول إن الكيفيات غير قابلة للانتقال! وهكذا كان اللقاء مع الحداثة وآثارها مقترناً بالشك وعدم التصديق لدى أولئك الذين يمثلون التراث. في الواقع، في منظومة المفاهيم الفكرية والفلسفية لهؤلاء الفلاسفة، لم تكن مثل هذه الظواهر ممكنة!! في نصف القرن الأخير أيضاً، ظهرت تيارات فكرية مختلفة كانت لها آراء متباينة حول الصراع بين التراث والحداثة. يرى سيد حسين نصر أنه يجب علينا العودة إلى التراث بالرجوع عن الحداثة ونبذها. ويقول جلال آل أحمد بفكرة "العودة إلى الذات" إنه يكفينا أن ندخل التحديث فقط، لكن لا حاجة لنا بإدخال الفكر والتفكر لأن لدينا الأفكار والتفكرات في ثقافتنا الخاصة. كما ينشر علي شريعتي أفكاراً مستلهمة من الاشتراكية، لكنه لكي يقدمها للإيرانيين، يكسو ظاهر فكره الاشتراكي بمفاهيم دينية وإسلامية ليتمكن من تقديمه للإيرانيين بظاهر إسلامي. بعض المنظرين مثل آرامش دوستدار يطالب بزوال النزعة الدينية في إيران حتى يمكن الخطو نحو الحداثة، ولهذا السبب يعتقد أن على الإيرانيين أن ينبذوا الدين كلياً حتى تتوفر شروط الانتقال إلى الحداثة!!
أما جواد طباطبائي، بصفته منظراً وفيلسوفاً سياسياً، فيعتقد بالانتقال من التراث إلى الحداثة. وهو يرى أنه يجب، من خلال معرفة التراث والفكر الإيراني ثم معرفة الفكر والحداثة الغربية الذي سيكون مصحوباً باجتهاد في الحداثة الغربية، تهيئةُ أرضيات التحول في التراث حتى يمكن، بالاستفادة من بعض عناصر التراث المتحول، التنظيرُ للانتقال إلى الحداثة بالنسبة لإيران. وبهذا، لا يعتقد السيد طباطبائي بالعودة إلى الماضي، ولا يرى في الانتقال من التراث إلى الحداثة أن التحول الغربي الكامل ممكن بأي وجه من الوجوه. من وجهة نظره، إن التحول الغربي الكامل، وهو نتاج العقل الديكارتي، ينطوي على مخاطر وكوارث لإيران لا يمكن تداركها.
.
لفهم الجهاز الفكري لجواد طباطبائي فهماً دقيقاً وعميقاً، ينبغي لنا أن نتعرف على العقل الديكارتي والعقل الكانطي. لقد تحول الإنسان، بعبوره من حقبة ما قبل الحداثة إلى الحقبة الحديثة، إلى ذات. وهذا الإنسان يريد، بأداة العقل، أن يغير العالم ويبدل الكون وما فيه. غير أن الإنسان وقع في وهم أنه لم يعد بحاجة إلى الماضي، وأن العقل بلغ مرتبة تمكنه من إدراك كل ما كان في الماضي على نحو تام، وبناء كل ما يحتاجه للعالم الجديد من جديد بعقله هو. وبناءً على هذا التصور، يخلص الإنسان إلى أن كل ما كان في الماضي ما هو إلا خرافات، ويجب نبذه بالكلية. وهذا هو عين العقل الديكارتي الذي يتجاهل الماضي والتقاليد جملةً وتفصيلاً. وبناءً على العقل الديكارتي، يُتصور خطأً أنه يمكن تدوين وإقرار القوانين والأسس الحقوقية دون الالتفات إلى الماضي، واستخدامها لإنشاء الدولة الحديثة والمجتمع الحديث. وينبغي التنبه إلى أن العقل الديكارتي فعال جداً في هندسة وصناعة المنتجات وابتكار التقنيات، ولذلك فهو ناجع تماماً في التحديث. بل إن العقل الديكارتي فعال حتى في أكثر البلدان تخلفاً لتطوير البنى التحتية وتطبيق التقنيات. لذلك، لا ينبغي أن يُتصور أن العقل الديكارتي، الذي يُسمى أيضاً بالعقل التنظيمي أو العقل الأداتي، مدمر بالكامل. لأن الكثير من منجزات الحقبة الحديثة تستند إلى هذا النوع من العقل. لكن المشكلة تنشأ من حيث يظن أنصار هذا العقل، من بيكون وديكارت وهوبز وصولاً إلى سائر الأشخاص المؤيدين لهذا النوع من العقل، أن جميع شؤون المجتمع والمنجزات البشرية غير القابلة للملاحظة، مثل السوق والملكية والحقوق والمؤسسات المجردة التي تؤدي دوراً أهم في الحضارة البشرية الحديثة، يمكن بناؤها أو إنشاؤها بسهولة دون الالتفات إلى ماضي ذلك المجتمع. إن البلدان التي لم تستطع الانتقال إلى الحداثة والنمو لا تستند إلى هذه المؤسسات المجردة، أو أن هذه المؤسسات لم تنشأ في تلك البلدان. ولكن، بناءً على العقل الديكارتي، نشأ وهم هندسة المجتمع والقانون والحقوق والأخلاق. بحيث يتصور الإنسان، بناءً على هذا الوهم، أنه يمكنه هندسة كل هذه الأمور وتغييرها وبناء مجتمع جديد حديث. وهذا الوهم هو آفة خطيرة تورط فيها الإنسان وما زالت مستمرة.
يقف العقل الكانطي في مقابل العقل الديكارتي. فقد أحدث إيمانويل كانط، بعد أن رأى نتائج العقل الديكارتي، إصلاحات في عقل الحقبة الحديثة. وإضافة إلى كانط، أخذ فلاسفة ومفكرون آخرون، بعد أن شهدوا فظائع وجرائم الثورة الفرنسية، يفكرون ملياً لاكتشاف أسباب هذه الفظائع. وقد أجرى إدموند بيرك تحليلاً دقيقاً للثورة الفرنسية وأشار إلى أهمية التقاليد. وبهذه الصورة، وجه بيرك وعدد من المفكرين نقدهم للعقل الديكارتي.
لكن أهمية منظور كانط تكمن في أنه تناول الموضوع من مجال الإبستمولوجيا. فقد قدم كانط نظرية أحدثت تحولاً في الفلسفة عُرف في الفلسفة بالثورة الكوبرنيكية. وقد أكد في نظرية المعرفة أن المعرفة الإنسانية محدودة، ولهذا السبب فهي غير قادرة على إدراك كل التفاصيل. وبهذه النظرية تتم استعادة التراث من جديد، وبهذا يُطرح العقل العرفي الذي يكتسب فيه كل من العقل والتراث أهمية. ونتيجة لذلك يتشكل مفهوم العقل التكويني. لكن كل هذا لا يعني أن التراث لا ينبغي أن يتغير أو لا ينبغي أن يتحول، بل إن منطق تحول التراث يقوم على آلية غير الاتكاء على العقل التنظيمي والعقل الأداتي.
إضافة إلى العقل الديكارتي والعقل الكانطي، هناك مفهوم العقل العملي والعقل النظري. العقل العملي والعقل النظري يعودان إلى العصر القديم. فبناءً على العقل العملي في العصر القديم، كانت تتم هندسة وبناء البنى التحتية التي يحتاجها الإنسان. وكان العقل النظري في إطار الأفكار الفلسفية للعصر القديم. لكنه لم يكن يؤدي إلى التناقض كما هو الحال مع العقل الديكارتي، لأنه في عصر ما قبل الحداثة، على عكس العصر الحديث، لم يكن بمقدور الإنسان والعقل تغيير العالم والإنسان، ولهذا السبب لم تكن مشكلات وكوارث العقل الديكارتي تحدث في عصر ما قبل الحداثة.
المنظومة الفكرية لطباطبائي لا تنسجم مع العقل الديكارتي. فالذين يفكرون بناءً على العقل الديكارتي لا يمكنهم قبول منظومة طباطبائي الفكرية. لأن تصورهم يقوم على أنه بالتحديث أو جلب قوانين وأسس حقوقية للدول المتقدمة، يمكن توجيه المجتمع نحو الحداثة. والإجراء الذي قامت به أمريكا بالهجوم العسكري على العراق وأفغانستان هو مصداق للتوسل بالعقل الديكارتي الذي أورط هذين البلدين في أزمات عميقة. لذلك، وبحسب اعتقاد جواد طباطبائي، فإنه ما لم يتحول العقل العقلائي، لا توجد إمكانية للعبور إلى الحداثة. إنه يعتقد بعقل تكون جذوره في التراث، ولهذا السبب فهو يعارض العقل الديكارتي.
علم المفاهيم هو أحد الأبعاد الأخرى للمنظومة النظرية لجواد طباطبائي. إذا أمكن استخراج الكلمات العلمية من لغة أي بلد أو أمة، فإنه يمكن التعبير عن المفاهيم في تلك اللغة. هذه المفاهيم تُستخدم في الفلسفة والعلوم الاجتماعية والعلوم التجريبية. لكن إمكانية استخراج المفاهيم العلمية من لغة ما تتوقف على سعة تلك اللغة. لم تكن اللغات في الهند تمتلك هذه السعة، لكن اللغة الفارسية، بالتحول الذي طرأ عليها، أصبحت لغة علمية. في البلدان التي تمتلك لغتها سعة علمية، والتي نشأت فيها المفاهيم في إطار العلم والفلسفة القديمة، ينبغي لها في مواجهة العالم الحديث أن تكون قادرة، من خلال التحول في المفاهيم، على خلق مفاهيم جديدة. هذا الموضوع يُسمى تحول مضمون المفاهيم. في نظرية طباطبائي، استُخدم مصطلح الجديد في القديم، والذي يعني تحول مضمون المفاهيم من القديم إلى الجديد. تحول مضمون المفاهيم يمكن أن يحدث على عدة مراحل. أولاً يحدث تحول المفاهيم من القديم إلى الجديد، ثم يحدث التحول داخل العالم الحديث تدريجياً. علم تحول مضمون المفاهيم طرحه هيغل في القرن التاسع عشر، وبعد ذلك، اكتسبت المفاهيم تاريخاً. الإيديولوجيات تفتقر إلى تحول مضمون المفاهيم. لأن الإيديولوجيات هي حزم حقيقية تنطبق على طول التاريخ، وبالتالي ليس لها تاريخ، ونتيجة لذلك فالمفاهيم بشأنها غير قابلة للتحول. على سبيل المثال، في عتبة الدستورية، كان التقليديون يقولون إن القوانين الإلهية هي لكل التاريخ، ولا حاجة لتصويب القانون من قبل المجلس. وبهذا، فإن علم تحول مضمون المفاهيم لا موضوعية له بشأن الإيديولوجيات. طباطبائي، بطرحه هذه المباحث، أدخل علم المفاهيم وعلم تحول مضمون المفاهيم إلى إيران، وله دور خاص في هذا المجال.
.
في الجلستين الأولى والثانية، طُرحت مقدمات الإطار العام للمباحث المتعلقة بالمنظومة النظرية لجواد طباطبائي واتضح على أي مفاهيم تأسس وترسخ منهجه والمفاهيم الأولية لنظريته. أما مباحث الجلسة الثالثة فقد صُممت حول كيفية المعرفة والفهم المنسجم للمنظومة النظرية لطباطبائي، ومن هذا المنطلق قُدمت عناصر نظريته التي تشكل بناء منظومته النظرية بشكل عام. وفي هذا السياق، يحتل فحص تاريخ الفكر في إيران وفي أوروبا من قبل طباطبائي مكانة أساسية ويشكل العمود الفقري لنظريته، وهو ما سُمي وشرح في النص التالي تحت عنوان «المنهج القائم على فحص تاريخ الفكر». وقد تأسست سائر عناصر نظريته على أساس هذا المنهج نفسه، وتشمل هذه العناصر «نظرية اضمحلال الفكر»، و«نظرية الانحطاط»، و«تصلب التقليد»، و«امتناع الفكر»، و«جدال الجديد والقديم»، و«المفاهيم الجديدة في القديم»، و«النهضة الإيرانية»، و«مشكلة إيران». وفي النص التالي، شُرحت هذه النظريات والعناصر بشكل عام، وتم التأكيد على أن طباطبائي أوضح، في ضوء هذه النظريات، شروط إمكانية النهضة الجديدة في إيران وتأسيس فلسفة جديدة للعبور إلى الحداثة.
للدخول إلى منظومة طباطبائي الفكرية وقراءة أعماله، لا بد من مراعاة منهج ومنطق خاصين. فإذا أراد القارئ أن يختار مقالاً أو كتاباً أو جزءاً من مقال أو كتاب للقراءة والاستشهاد، فلن يتمكن من تكوين معرفة منسجمة بآراء ونظريات جواد طباطبائي. كما أن نثره خاص، ونظراً لأن جزءاً من ثقافة إيران وفكرها متجذر في الأدب والأشعار الإيرانية، فقد أشير في كتبه بشكل متناوب إلى الأشعار الإيرانية. لذا، فإن قراءة أعمال طباطبائي بشكل متفرق وعدم مراعاة منطق تتبع كتاباته، يجعل منظومته الفكرية تبدو للقارئ غامضة وغير منطقية.
علاوة على ذلك، فإن منهجه، بسبب إيمانه بالعقل العقلائي، يقوم على أساس دراسة تاريخ الفكر والفكر السياسي في إيران منذ تأسيس الإمبراطورية الأخمينية قبل الإسلام وحتى ما بعد دخول الإسلام إلى إيران وصولاً إلى الوقت الحاضر. وبهذا الشكل، واستناداً إلى رؤية طباطبائي، يمكن من خلال المعرفة الدقيقة لمكونات الفكر السياسي الإيراني، الشروع في التنظير لإيران. ونتيجة لذلك، فإن المنظومة الفكرية لطباطبائي تشتمل على نظريات مختلفة. لا سيما أنه بالإضافة إلى دراسة تاريخ الفكر في إيران، قام أيضاً بدراسة تاريخ الفكر في أوروبا. للتعرف على فكر طباطبائي، ينبغي أن يكون أول كتاب يُختار للمطالعة هو كتاب «تاريخ الفكر السياسي في إيران» والذي من الضروري أن تُدرس مقدمته حتماً حتى يتبين للقارئ منطق أعماله. عند قراءة جميع الكتب، يجب الانتباه إلى نقطة مهمة وهي أن كتبه ليست تأريخاً أو تاريخاً للأحداث في إيران، بل هو من قام بتدوين تاريخ الفكر الإيراني. وبشكل خاص، فإن العوامل المتعددة التي أدت إلى التحولات الفكرية في إيران، قد درسها طباطبائي وتم التنظير لها تحت عنوان «انحطاط الفكر السياسي». إن انحطاط الفكر السياسي من وجهة نظره، هو العامل في نهاية العصر الذهبي الثقافي في إيران. فبعد العصر الذهبي الثقافي، تحولت كتابة التاريخ إلى تسجيل للأحداث واقتصرت فقط على تسجيل أعمال الملوك وحياتهم اليومية. بينما في العصر الذهبي الثقافي، نواجه عشرات ومئات الفلاسفة والمفكرين والعلماء الذين كانوا، في شتى فروع الفكر مثل الفلسفة والطب والفلك والكيمياء والرياضيات والعلوم المختلفة، عاملاً لإشعاع الفكر والثقافة الإيرانية. ولكن مع انحطاط الفكر، يحدث الأفول في ميدان الفكر الإيراني. يصف طباطبائي انحطاط الفكر في جملة واحدة: «في العصر الذهبي الثقافي، كان التدبير مع العقلانية هو السائد، وبعد هجوم المغول تحول إلى تقدير. ونتيجة لذلك، فإن حصيلة انحطاط الفكر هي تحول التدبير إلى تقدير.» ومن الجدير بالذكر أن جميع هذه المفاهيم لها تفاصيل أكثر سيتم بيانها وشرحها في الجلسات القادمة، وما تم ذكره هنا كان فقط للتأكيد على منهج طباطبائي القائم على العقل العقلائي، حيث تم عرض مختارات من نظريته في مجال تاريخ الفكر وانحطاط الفكر. بالإضافة إلى «نظرية انحطاط الفكر»، فإن المكونات الأخرى لنظريته تشتمل على «نظرية الانحطاط»، و«نظرية تصلب التقاليد»، و«نظرية امتناع الفكر» والتي تمت صياغتها بناءً على منهج دراسة تاريخ الفكر. وقد تم شرح الخطوط العامة لهذه النظريات في تتمة النص وتبيان موقع كل منها في المنظومة النظرية لطباطبائي.
يشرح جواد طباطبائي، باستعارة مفاهيم من هيغل، تحليل ودراسة الحقبة الأخمينية وتاريخ الفكر في ذلك الزمان. وهو يسمّي الإمبراطورية الأخمينية حتى نهاية الفترة الساسانية بـ«الوحدة في الكثرة»، ويؤكد على نظرية هيغل التي اعتبرت الأخمينية أول دولة. لقد طُرح مصطلح «الوحدة في الكثرة» لأن الأقوام المختلفة بلغاتها وأديانها وثقافاتها المتباينة تجد وحدتها في ثقافة واحدة وتندرج تحت دولة أخمينية واحدة. الفارق المهم الذي أكد عليه طباطبائي استناداً إلى منطق «الوحدة في الكثرة» الهيغلي هو أن إيران، على عكس البلدان الأخرى، لم تندرج تحت الخلافة بعد الإسلام. وهو يشير إلى كتب السياسات التي كُتبت في إيران بعد الإسلام، مؤكداً على انتقال «الفكرة الإيرانية الشهرية» إلى ما بعد الإسلام في إيران، مما كان له أثر بالغ في عدم اندراج إيران تحت الخلافة. ومع بلوغ العصر الحديث، وبالنظر إلى «علم المفاهيم» و«علم تحول مضمون المفاهيم»، برزت مفاهيم جديدة من اللغة الفارسية وأثرت في الفكر السياسي في إيران. ولا سيما أنه مع التعرف على الحداثة دخلت مفاهيم جديدة إلى إيران، وفي الدستورية، تحقق «الجديد في القديم». بمعنى أنه في الدستورية صارت إيران صاحبة قانون، وهذا القانون هو «قانون حديث». فالقانون الأساسي، والقوانين الموضوعية، ومتمم القانون الأساسي، والقانون المدني، هي جديدة وحديثة ولكنها ليست مستوردة، بل هي «الجديد في القديم». كل هذا يعني أنه في الدستورية، استُخرجت المفاهيم من التقاليد الإيرانية الثلاثية وامتزجت بالمفاهيم الحديثة. فبالاجتهاد وتحول التقاليد، يتحول قسم من التقاليد إلى الجديد، ويتحول قسم آخر من التقاليد العاجز عن التحول إلى خرافات ويفقد أهميته. يتركز القسم الأكبر من تنظير طباطبائي على هذه المسألة بالذات، ويؤكد أن استمرارية تحول التقاليد لم تتواصل بعد الدستورية. هذا القسم هو إحدى العقد المركزية في نظريته، والتي يُشرح على أساسها أن الطريق لاستمرار ما انتصر في الدستورية قد أُغلق. تفتح هذه المسألة مباحث جديدة يشير فيها طباطبائي إلى عدم رسوخ الأسس النظرية للدستورية. لأنه برأيه، حدثت الدستورية في الواقع وبحكم الضرورة، ولم تُؤسس على ضرورة نظرية. وكانت نتيجة هذا الوضع عدم وقوع تحولات جادة بعد الدستورية وعدم تحقق «الجديد في القديم». في منظومة طباطبائي الفكرية، تُشرح هذه المسألة بنظرية «تصلب التقاليد» التي حدثت قبل الدستورية، وبعدها بنظرية «امتناع الفكر». وهذه المفاهيم والنظريات تحتاج بدورها إلى مزيد من الشرح في الجلسات القادمة.
في دراسته لتاريخ الفكر الأوروبي، يهدف طباطبائي إلى معرفة ودراسة «جدال القديم والحديث» وشرح منطق استخراج المفاهيم الجديدة من التقليد في أوروبا. النقطة الأساسية في هذا السياق هي الجدال في الفكر الذي يمكّن من الانتقال من المفاهيم القديمة إلى المفاهيم الجديدة وتفسير وتوضيح منطق «جدال القديم والحديث». لذلك، لا يمكن اعتبار كل نوع من الجدال ذا أهمية في هذا المجال، بل إن منطق «جدال القديم والحديث» هو المهم ويجب أن يحظى بالاهتمام. على الرغم من أن تاريخ الفكر الأوروبي قد دُرِّس في الجامعات الإيرانية وفي كتب مختلفة لمؤلفين إيرانيين، إلا أن جواد طباطبائي يعتقد أنه لا يمكن استخراج منطق «جدال القديم والحديث» من هذه الأعمال، ولهذا السبب قام بدراسة تاريخ الفكر الأوروبي بشكل مستقل. في دراسة تاريخ الفكر، يعتبر الاهتمام بأهمية التقليد المسيحي والإصلاح الديني في تحولات الفكر الأوروبي أمرًا بالغ الأهمية. يعتقد البعض في إيران أنه يمكن إحداث تحول وإجراء إصلاح ديني تمامًا كما حدث في أوروبا، بينما حدث الإصلاح الديني في الدستورية. حيث بيّن بعض علماء الإسلام والمراجع الدينية أن القوانين الشرعية خاصة بالدين، وإلى جانبها يمكن صياغة قوانين جديدة بالاستناد إلى القوانين الأوروبية، ومن أهمها القانون المدني. في هذا السياق، يُعد التقليد أهم آفة في التحول من التقليد إلى الحداثة. لا يمكن توقع أن تحدث هذه التحولات في إيران كما حدثت في أوروبا. لأن هذه التوقعات تعني عدم الاهتمام بالتقاليد والعقل العقلاني وعدم الاهتمام بـ «جدال القديم والحديث». بينما وفقًا لنظرية «تصلب التقليد»، فإن القديم في سبات وغير قادر على الجدال. الجدال في التقليد يحدث بشكل تلقائي وداخل خطاب ينبثق من التقليد القديم، وهو أمر لم يصبح ممكنًا أساسًا في إيران بسبب «تصلب التقليد». من خلال امتلاك المواد التاريخية للفكر والتقاليد الأربعة في إيران والاهتمام بمنطق «جدال القديم والحديث» وتحول المفاهيم في الفكر الأوروبي ثم الاجتهاد فيها، يمكن المبادرة إلى تأسيس فكر جديد في إيران تكون ثمرته فلسفة التاريخ وفلسفة القانون والفلسفة السياسية.
استنادًا إلى نظرية المفكرين الغربيين، حدث العصر الذهبي الثقافي في إيران على مدى حوالي ۳۰۰ عام من القرن الثالث إلى السادس الهجري، وهو ما يسمونه «النهضة الإيرانية»، وقد قبل جواد طباطبائي هذا الرأي. كان تأسيس الفلسفة على يد الفارابي في إيران استنادًا إلى الفلسفة اليونانية هو بداية العصر الذهبي الثقافي. تكمن أهمية هذا الموضوع في أن تأسيس الفلسفة نادرًا ما حدث في العالم. لذلك، يُعتبر تأسيس الفلسفة على يد الفارابي إنجازًا مهمًا لساحة الفكر الإيراني. في العصر الذهبي الثقافي، كما ذُكر، نشأ وازدهر إشعاع وتفتح ثقافي عظيم في الفلسفة والعلوم المختلفة والأدب والشعر. ولكن بعد ذلك، يستسلم الإيرانيون للقدر بسبب انحطاط الفكر، وتسود العصور الوسطى في إيران بعد العصر الذهبي الثقافي. يجب التأكيد هنا على أن انحطاط الفكر لا يعني تدمير الفكر، بل إن ما حدث في حركة الدستورية يدل على أن الفكر العقلاني في إيران، وإن كان واهنًا وضعيفًا، قد استطاع أن يواصل حياته بعد العصر الذهبي الثقافي وأن يظهر في لحظات حاسمة مثل أحداث الدستورية.
من وجهة نظر طباطبائي، ينبغي أن يحدث عصر نهضة من جديد في إيران، لكن النهضة في إيران لا يمكن أن تكون مماثلة للنهضة الأوروبية. النهضة في أوروبا هي عودة إلى الفلسفة اليونانية والقانون الروماني. أما في إيران، فالنهضة لا تعني فقط العودة إلى العصر الذهبي الثقافي، بل إن هذا الحدث يحتاج إلى تنظير جديد يمر عبر صياغة وفحص «نظرية انحطاط الفكر» و«نظرية التدهور» ونظريات أخرى تشمل «تصلب التقليد» و«امتناع الفكر». من وجهة نظر طباطبائي، وبالاعتماد على هذه النظريات، ولا سيما الاهتمام بالتدهور التاريخي (استناداً إلى نظرية التدهور)، ينبغي للنهضة الجديدة في إيران أن تظهر مجدداً بالعودة إلى العصر الذهبي الثقافي من جهة، والاجتهاد في الحداثة الغربية لتأسيس فلسفة جديدة (استمراراً لما حدث في المشروطة) من جهة أخرى. وبدعم من النهضة الجديدة، تنشأ في إيران أرضية تكوّن وبروز فلسفة التاريخ، والفلسفة السياسية، وفلسفة القانون، الأمر الذي سيكون عاملاً لإرساء أساس نظري متين للعبور إلى حداثة جديدة في إيران. ويؤكد جواد طباطبائي هنا على نقطة مهمة أخرى، وهي أن هذه التحولات الجديدة تحتاج إلى تحسين وتطوير الجامعة في إيران. ذلك أنه بسبب هيمنة وسيطرة الإيديولوجيات التي تسود فضاء الفكر في إيران منذ أربعينيات القرن الرابع عشر الهجري الشمسي، والاعتماد المحض على العلوم الاجتماعية والمعرفة الفلسفية الغربية، فقدت الجامعة قدرتها على الاجتهاد والتنظير لإيران. هذه الجامعة، بتعبير طباطبائي، ليست جامعة إيرانية، وبهذه الجامعة لا يمكن البحث عن حل لـ«مشكلة إيران». لذلك، فإن التحول في النظام الجامعي والعلمي في إيران هو من أولى الالتزامات والمتطلبات الأساسية لبروز تحولات كالنهضة الجديدة، وتأسيس فلسفة جديدة، والعبور إلى الحداثة في إيران.
.
ينبغي لمشكلة إيران أن يتم التنظير الفلسفي لها على أساس فلسفة جديدة. في مقابل مشكلة إيران، تقع مسائل إيران، كالمسائل الاجتماعية والاقتصادية. لكن في إيران بقيت المسائل دون حل، وهو ما يعود إلى غياب التنظير المرتبط بمشكلة إيران.
النقطة الأولى في هذا الشأن هي أنه عندما أسس الفارابي الفلسفة في إيران، لم يكن أهم كتب الفلسفة السياسية لأرسطو، المسمى "السياسات"، متاحًا. وهو الكتاب الذي كان يمكن أن يصبح متاحًا لاحقًا في عصر النهضة الأوروبية، لكن الأمر استغرق قرونًا حتى تُرجم في إيران. بينما كان السبات العميق للعصور الوسطى، وجمود التقاليد، وانحطاط الفكر، قد أبعدت إمكانية الاستفادة من النصوص الفلسفية عن فضاء الفكر في إيران. لذا لم يحظ كتاب "السياسات" المهم لأرسطو بالاهتمام. قامت فلسفة الفارابي على الفلسفة الأفلاطونية التي صُممت على أساس السعادة، وظل مفهوم المصلحة العامة المهم، الذي طُرح في الفلسفة السياسية لأرسطو، خفيًا عن الفارابي وبقي مجهولًا في إيران. حتى الفلسفة السياسية في الحكمة المشائية التي أسسها الفارابي لم تتقدم، واقتصر الاهتمام عمومًا على الفلسفة المحضة. ونتيجة لذلك، لم تتهيأ إمكانية بسط الفلسفة اليونانية، وبالتالي لا نواجه في إيران فلسفة سياسية متماسكة تنمو بعد الفارابي.
النقطة الثانية هي أن التحولات التاريخية في إيران ارتبطت وتشابكت مع الأدب. وقد طرح توكفيل هذا الموضوع بشأن الثورة الفرنسية أيضًا. بمعنى أن الأدباء في فرنسا أصبحوا مفكري الأمة بسبب صلتهم بالبلاط، وتحولوا عمليًا في أثناء الثورة الفرنسية إلى منظّرين سياسيين، واختلط الأدب بالنظرية السياسية. لكن هذه الظاهرة كان يمكن أن تتحول إلى نتائج عكسية، لأن الأساس الفلسفي المختلف للمجالين المختلفين كان يؤدي إلى عدم تكوّن أسس الفلسفة السياسية التي يمكنها طرح سؤال المشكلات والانحطاط وتوفير إمكانية التنظير. وفي إيران أيضًا، على مر التاريخ، وبسبب غزوات الأقوام الأجنبية واختلاط الأدب بالوقائع التاريخية، لم تتشكل نظرية تاريخية وفلسفية في إيران.
النقطة الثالثة هي أنه بسبب امتناع الفكر وانتشار الإيديولوجيات، لم يستمر الفهم الوطني الذي ظهر في عصر حركة الدستور، ولم يُفضِ إلى التنظير. ومن ناحية أخرى، دخل علم الاجتماع الغربي إلى إيران بشكل مباشر واستُخدم دون اجتهاد، مما لم يكن بوسعه أن يكون حلالًا لعقدة مشكلة إيران. ما يهم لمشكلة إيران هو الانتباه إلى أن التنظير لمشكلة إيران هو مسألة فلسفية، وأن أسسها النظرية والفلسفية لم تتكوّن في إيران. وقد أدى هذا النقص إلى أن الفكر الغربي الحديث نفسه لم يُعرف جيدًا في إيران أيضًا.
للأسباب المذكورة في القسم السابق، ولتعقيدات إيران وخصائصها، والاختلاف الذي تنطوي عليه تحولاتها التاريخية عن أوروبا، من الضروري إجراء تنظير لإيران. على سبيل المثال، تشكلت الدولة-الأمة في أوروبا بشكل مختلف عن إيران. ففي أوروبا، تشكلت الدولة والأمة في فترة قصيرة وبشكل متزامن بعد انهيار الإمبراطورية الجرمانية-المسيحية. أما في إيران، فقد تشكلت الأمة أولًا، وكانت لها دولتها أحيانًا، ويحكمها الأجنبي أحيانًا أخرى. في هذه الظروف، يحتاج مفهوم الأمة والدولة في إيران إلى فهم ونظرية مختلفين. من ناحية أخرى، تمت كتابة التاريخ القومي في إيران تقليدًا للغرب في العصر الحديث، لكنه كان في الوقت نفسه مناهضًا للغرب ومعاديًا للأجنبي. بينما كان من اللازم أن يُكتب تاريخ إيران كموضوع، وأن يُسلط الضوء على الحقيقة المعقدة لإيران. لقد دفعت معاداة الغرب ومعاداة الحداثة لدى المثقفين، وهيمنة الإيديولوجيا في إيران، مجال الفكر في إيران في نهاية المطاف إلى الابتعاد عن التفكير العلمي والتنظير الفلسفي، وتسببت في عدم استمرار الجدل بين القديم والجديد الذي حدث في عصر الدستور. وبهذا الشكل، لم يستمر الوعي الوطني بعد ذلك، ولم يتمكن من خلق أساس نظري متين لمشكلة إيران.
الانحطاط لا يعني الانهيار في لحظة واحدة، بل يعني الأفول التدريجي. وانحطاط الفكر والثقافة هو على هذه الحال أيضًا، ويعني مفهوم الأفول التدريجي للفكر، ولا يؤدي أبدًا إلى الفناء، بل يصيبه الضعف والعجز. ومن جهة أخرى، فإن لانحطاط الفكر منشأً ماديًا ومنشأً معنويًا. أي أنه لا يحدث لأسباب مادية فحسب، بل ثمة مجموعة من العوامل المادية والمعنوية مؤثرة في انحطاط الفكر. ومن مصاديق انحطاط الفكر في إيران، الاستبدال التدريجي لكتابة السياسات بكتابة الشرائع، وهو ما طُرح في الجلسات السابقة تحت عنوان استبدال التدبير بالتقدير. وبالتزامن مع هذه التحولات، تعتري الشريعة في إيران أيضًا الانحطاط.
فكما ينتقل التقليد الديني من الإمام محمد الغزالي، ذي النزعة العقلانية في التمحور حول الشريعة، والذي يعتقد بضرورة الاستعانة بالقرآن في الشريعة وبالبرهان في الفكر لحل المسائل الدنيوية، إلى ظروف تُهمّش فيها الشريعة العقلانية، لتحل محلها الشريعة التعبدية القدرية. بينما كان العقل والتقليد الفلسفي قبل ذلك مهيمنَين على ساحة الفكر إبان العصر الذهبي الثقافي. في هذا المسار لانحطاط الفكر، يعتري الانحطاط أولاً التقليد الفلسفي، ثم التقليد الإيرانشهري، وأخيرًا التقليد الديني. تؤدي هذه العملية إلى طغيان الشريعة القدرية على الفكر الفلسفي، وتزيد من الضغط على الفلاسفة. يحدث الضغط على الفلاسفة بدايةً على الصعيد النظري، لكنه لاحقًا يطال أرواحهم ويهددها، فعلى سبيل المثال يُقتل الشيخ شهاب الدين السهروردي، مؤسس فلسفة الإشراق وحكمته. استمر هذا الانحطاط تدريجيًا بعد العصر الذهبي الثقافي، بحيث نصل في عصر انحطاط الفكر، بعد تألق السهروردي ومن ثم مقتله، إلى القرن التاسع الهجري، وهو زمن ظهور الملا صدرا. والملا صدرا هو آخر فيلسوف مهم في الحكمة المشائية، يُنظّر في مجال الفلسفة بعد عدة قرون من انحطاط الفكر. فبعد الملا صدرا، وبسبب آثار انحطاط الفكر، لم يُشهد في فضاء الفكر الإيراني فيلسوف ذو أهمية. وبهذا الشكل، وفي الفترة الزمنية الطويلة التي تلت العصر الذهبي الثقافي، لم يظهر مفكر ذو أهمية باستثناء السهروردي والملا صدرا، مما أدى إلى تآكل المؤسسات السابقة وإلى انقضاء أنفاس الحضارة العظيمة التي نشأت في العصر الذهبي الثقافي.
لقد كان للأفول التدريجي للفكر السياسي وفقدان بريق العصر الذهبي الثقافي أثر فاعل في الانحطاط التاريخي. بمعنى أن النقص في الفكر يُفقد الفكرَ تماسكه تدريجيًا، ويُصيب المؤسسات الراسخة بالضعف والعجز. وفي هذه الظروف، يختلّ النظام في الحضارة القائمة ويذوي، فتصيبها الانحطاط. وعندما تشهد الأقوام والحضارات الغريبة هذا الضعف في حضارة عريقة، تطمع فيها، وتهاجم حوزتها الترابية وتغزوها، ساعيةً للسيطرة على تلك الحضارة أو تدميرها. ومثل هذه الهجمات، بالإضافة إلى نقصان الفكر وانحطاطه، تعمل كأثر مادي للانحطاط في الحضارة، وبهذا الشكل ترسم الانحطاط التاريخي لتلك الحضارة. في إيران، كان هجوم المغول من أهم وأفظع الهجمات التي شنتها الأقوام الغريبة على الحوزة الترابية الإيرانية، وقد استطاع، بالإضافة إلى آثار انحطاط الفكر، أن يؤثر تأثيرًا بالغًا على الانحطاط التاريخي في إيران. لقد كان هجوم المغول وما ارتكبوه من قتل وتدمير على قدر من الوحشية، بحيث أن الكثير من الآثار الحضارية والمؤسسات القائمة آنذاك لم تُرمم أبدًا ودُمّرت بالكامل. وبهذا الشكل، تلقت إيران ضربات موجعة فاقمت من انحطاط الفكر والانحطاط التاريخي. وفي الوقت نفسه، أدت مثل هذه الهجمات والأحداث إلى أثر متبادل بين الانحطاطين، وعززت الأفول في إيران أكثر فأكثر. ومن الضروري بالطبع أن نذكر أن الإيرانيين قد هُزموا في الساحة العسكرية والحرب، لكنهم استطاعوا تدريجيًا استيعاب الأقوام المغولية في الثقافة والفكر الإيرانيين، وبهذا الشكل جعلوا استمرارية إيران ممكنة.
تكتسب نظرية الانحطاط أهميتها من كونها شرطاً لإمكانية استعادة المجد الترابي والثقافي؛ فإذا لم توجد مثل هذه النظرية ولم تُشرَح أبعاد الانحطاط التاريخي وتُبيَّن، فإن هذه العودة تصبح غير ممكنة. وكما جرى التأكيد سابقاً، فقد ضعفت النظرية والفكر الفلسفي في إيران بفعل أفول الفكر، وتحول التأريخ للأحداث في سياق التحولات التاريخية إلى أساس للتفكير، وبهذا لم تُدوَّن نظرية الانحطاط في إيران. لقد أقدم جواد طباطبائي، من أجل تأسيس فلسفة تاريخ إيران، على التنظير في مجال الانحطاط التاريخي، لكي تتوفر، مع نظريات أخرى تقوم إلى جانبها، الأسس والمواد اللازمة للتنظير بشأن مشكلة إيران، ويتحقق الهدف النهائي في هذا المجال وهو تأسيس الفلسفة السياسية وفلسفة القانون.
لشرح نظرية تصلب التقليد، ينبغي أولاً تحديد مفهوم التقليد. ومن ثم تبيين دور التقليد في الحياة الاجتماعية. وكذلك شرح خصائص التقليد في إيران. فبحسب اعتقاد جواد طباطبائي، التقليد في إيران متكثر. أما في أوروبا حتى عصر النهضة، فالتقليد أحادي الأساس ونصه هو الإنجيل. وفي المحيط الحضاري حول إيران، التقليد الإسلامي أيضاً أحادي الأساس ونصه هو القرآن. في هذه الظروف حيث التقليد واحد والنص واحد، لا ينطوي تحليله على تعقيد كبير. لكن في إيران، التقليد والنص ثلاثيان، وهذا التقليد الثلاثي متشابك مما يجعل تحليله شديد التعقيد.
من جهة أخرى، تتطور هذه التقاليد عبر الزمن، وإذا عجزت عن التطور فإنها تتحول إلى تقليد متصلب أو إلى خرافات. وتزداد هذه التعقيدات حين يظهر، في العصر الحديث حيث ينبثق الجديد في قلب القديم، نص جديد أيضاً، مما يجعل الحاجة إلى البحث والتنظير أكثر إلحاحاً من ذي قبل.
يشرح جواد طباطبائي، لطرح نظرية تصلب التقليد، أن التقليد والفكر الإيرانيين يفقدان، بفعل أفول الفكر ثم الانحطاط التاريخي، العناصر العقلانية في التفكير، ويعجزان عن التحول، وبهذا يسود تصلب التقليد في ساحة الفكر. بحيث أنه حين تصل آثار وبريق الفكر الغربي الحديث إلى إيران، يقف التقليد أمام هذا الفكر غير مكترث، وخلافاً لما حدث في الغرب، لا ينبثق السؤال من داخل هذا التقليد، ولا ينشأ صراع القديم والجديد. ولا يزال عدم الاكتراث هذا مستمراً بسبب هيمنة الإيديولوجيات وامتناع الفكر. يصف طباطبائي تصلب التقليد بأنه حاضر غائب. أي أن التقليد موجود لكنه لا يستطيع أن يطرح سؤالاً جديداً، وأن يحدث تحولاً في داخله عبر صراع القديم والجديد، وهو عملياً قوة تحولت إلى مانع للتطور. وفي هذا السياق يؤكد أن تصلب التقليد خلّف في أيدينا شهيداً اسمه التقليد، كان حاضراً على الدوام لكنه أخلَى الميدان أمام الموجات الجديدة للفكر الحديث وعجز عن أن يبدي رد فعل فاعلاً ويتحول.
.
لدراسة امتناع الفكر في إيران، ينبغي البحث في جذور هذه المسألة. في الجلسات السابقة، قيل بشأن ظاهرة الحداثة في أوروبا إن تحولات الفكر كانت العامل الرئيسي في نشأة الحداثة. وقد جرت هذه التحولات في صورة صراع بين القديم والجديد في أوروبا. غير أن الجذور الفكرية والفلسفية لهذه الظاهرة لم تحظ باهتمام الإيرانيين. ذلك أن أفول الفكر والانحطاط التاريخي والسبات القروسطي في إيران حال دون أن تتمكن إيران، في مواجهتها للحداثة، من تقديم رد فعل مناسب. ومن جهة أخرى، أدى تصلب التقاليد، وفقاً لطباطبائي، إلى أن يكون التقليد حاضراً غائباً. كان حاضراً بوصفه مانعاً لفهم فكر الحداثة، وغائباً في إمكانية التحول داخل التقليد ونبذ التقاليد الخرافية. لكن في نهاية المطاف، وبعد هزيمة إيران أمام روسيا في الحروب التي وقعت في عهد فتحعلي شاه، اتضحت ضرورة الإصلاحات للإيرانيين. وقد أدت هذه الضرورة إلى تحولات انتهت إلى انتصار الدستورية في إيران. تُعد الدستورية أهم حادثة في العصر الحديث في إيران، والتي بموجبها تم تدوين الدستور بشكل حديث وإقراره في إيران. وبهذا الشكل، تأسست الدولة أيضاً بشكل حديث وجديد في إيران، وإلى جانبها، نظم مفهوم الأمة، الذي كان قد تكون في إيران قبل ذلك وتحول في الدستورية بالمفاهيم الجديدة في القديم، دولة-أمة إيران في العصر الحديث.
لكن بعض القوى التي كانت مؤثرة في انتصار الدستورية، تحولت تدريجياً، بسبب أفكارها وإيديولوجياتها المقتلعة والتي لا أساس فلسفياً لها، إلى مانع أمام استمرار تحولات الدستورية. هذه القوى والأفكار وقفت بشكل جاد منذ عقد العشرينيات الشمسية فصاعداً في وجه منجزات الدستورية. وقد لعب الناشطون السياسيون دوراً رئيسياً في هذا المسار، وبسبب معارضتهم للشاه وحكم البهلوي، تصوروا أن حكم البهلوي هو استمرار للدستورية، ونتيجة لذلك أصبحت معارضة الشاه عين معارضة الدستورية. وفي استمرار لهذه التحولات، نصل إلى أحداث عقد الأربعينيات الشمسية حيث تظهر جماعات فكرية وسياسية مختلفة لا تصب مقارباتها وأهدافها في اتجاه إحياء وتعزيز الأمة والدولة الإيرانية، بل أهدافها هي تحرير البروليتاريا في العالم أو سعادة الأمة الإسلامية ومحاربة الاستكبار العالمي. وإضافة إلى هذه الجماعات السياسية، كانت بعض التيارات الفكرية مثل شريعتي وجلال آل أحمد وشايغان وفرديد نشطة أيضاً، وكانت تحمل أفكاراً في اتجاه تصفية الحساب مع منجزات الدستورية. وقد أدت أفكار هؤلاء المفكرين إلى العداء للغرب والعداء لأمريكا في إيران، وهو ما رسم في النهاية أحداث الثورة. هناك نقطة مهمة ينبغي التأكيد عليها بشأن الإيديولوجيات، وهي أن الإيديولوجيات ظواهر حديثة وتظهر في قالب وشكل حديثين، لكنها في الواقع وفي الممارسة العملية تُعتبر انحرافاً عن الحداثة. إن امتناع الفكر وسيادة الإيديولوجيات في إيران، من السمات البارزة لفضاء الفكر الإيراني في العقود الأخيرة، لكن بوادر التفكير والتأمل وأرضيته بدأت تتشكل كغرسة نحيلة منذ عقد السبعينيات، مما أتاح آمالاً في نقد الإيديولوجيات وحزم الحقيقة، التي تحتوي على الحقيقة المطلقة. في الواقع، يبدأ التفكير من نقد الإيديولوجيات ورفض الحقيقة المطلقة، والآن بدأت حوارات بين الشباب والمثقفين والمفكرين تشكل نقطة انطلاق للاهتمام بالمصالح الوطنية ونقد الإيديولوجيات. ذلك أنه حين يُطرح الحديث عن المصالح الوطنية، يُطرح سؤال ماذا ينبغي أن يحدث في تأمين المصالح الوطنية، ومن هذه النقطة بالذات يمكن بلوغ فهم نقد الإيديولوجيات والحقيقة المطلقة، وتهيئة أرضيات التفكير والتأمل القائم على فكر عميق ذي جذور فلسفية في فضاء الفكر الإيراني.
عند دراسة النص والتقليد، ينبغي أولاً تناول التقليد ومعرفة ما هو التقليد؟ وفي هذا الصدد، يجب التأكيد على أن للتقليد، بوصفه مفهوماً في المنظومة الفكرية، أهمية أساسية، ولا بد من إدراك المفهوم العميق للتقليد. تصل التقاليد من الماضي إلى البشر المعاصرين، وهي أداة ووسيلة للتفكير اليوم. التقاليد تتحول في العصر القديم كما في العصر الحديث، وتظهر بأشكال جديدة. التقاليد التي لا تجد إمكانية التحول تصبح خرافات، والتقاليد المتحولة التي اتخذت شكلاً جديداً تُستخدم كوسيلة وأداة لحياة البشر.
يجب أن تستند التقاليد إلى نص أو نصوص. النص هو مستند وفكرة أساسية، وإذا استندت التقاليد إلى هذا النص، فإنها تستطيع أن تخلق ظروفاً راسخة لحضارة ما. في أوروبا، استند التقليد المسيحي والكنسي إلى نص هو الكتاب المقدس. وفي الخلافة الإسلامية أيضاً، نواجه نصاً واحداً وتقليداً واحداً. نصه القرآن، والتقليد إسلامي. أما في إيران، فتوجد تقاليد ونصوص مختلفة.
.
كانت التقاليد دوماً وسيلة للحياة الاجتماعية السلمية، وهي في حالة تحول وتغير دائمين. تحول التقليد يحدث من خلال صراع القديم والجديد. إذا لم يحدث تحول التقليد، تتحول التقاليد إلى خرافات وتزول إمكانية التحول في المجتمعات. في أوروبا أيضاً، التقاليد في حالة تحول دائم. نشوء الحداثة وظهورها كان أيضاً نوعاً من التحول في التقاليد حدث في أوروبا. وبالطبع، يجب التأكيد على أن صراع القديم والجديد الذي أدى إلى نشوء الحداثة في أوروبا كان أعمق بكثير من التحولات العادية الدائمة في التقاليد الجارية دوماً في جميع المجتمعات، بما فيها أوروبا. لكن الحداثة وما صاحبها من خصائص وسمات نشأت مع صراع القديم والجديد والتحول في التقاليد، أحدثت تحولات كثيرة في أوروبا والعالم.
في الجلسات السابقة قيل إن انحطاط الفكر الذي بدأ منذ أواخر العصر الذهبي الثقافي في إيران تعمّق تدريجياً وتحوّل التقليد في نهاية المطاف إلى تقليد متصلب. وفي هذه الأثناء، كانت تحولات جديدة قد حدثت في أوروبا أسفرت عن نشأة الحداثة. وقد وصلت أمواج هذه التحولات إلى إيران في وقت كان التقليد فيه متصلباً. غير أن هذا التقليد المتصلب لم تكن لديه القدرة، في مواجهته للفكر الحديث الغربي الجديد، على طرح جدال القديم والجديد، ولم يستطع إحداث تحول في إيران. وبعد ذلك، في زمن الدستورية (المشروطة) أيضاً، اتخذ الجديد في القديم طابعاً سياسياً محضاً، ولم يقترن الجديد في القديم بعمق فلسفي. وفي هذه الحالة، تحول الجديد في القديم، لافتقاده النص الرابع، إلى أنواع من التفكير الإيديولوجي وخلق عقبات أمام التحولات الجديدة. وهكذا يمكن القول إنه بسبب عدم التنظير لفلسفة التاريخ وفلسفة السياسة وفلسفة الحقوق في الدستورية، نمت داخل الدستورية إيديولوجيات مناهضة للدستورية، قامت في نهاية المطاف، في إطار الصراع ضد حكم بهلوي، بتصفية حساباتها مع الدستورية.
لكن ميزة التقليد الثلاثي تكمن في أنه خلق ثقافة التسامح في إيران، والتي عُبّر عنها بمفهوم الوحدة في الكثرة. هذه الوحدة في الكثرة هي التي جعلت إيران أول بلد إسلامي ينشأ فيه الجديد في القديم من خلال إعادة بناء الوحدة في الكثرة. ونتيجة لذلك، كانت إيران أول بلد إسلامي يُقام فيه حكم القانون. ولكن بسبب عدم إلمام المثقفين ودعاة الدستورية العميق بالتقليد الثلاثي الإيراني، لم تتوفر إمكانية التنظير ليُصار إلى الاجتهاد من خلال معرفة دقائق وفروق التقليد الثلاثي الإيراني عن التقليد الأحادي الأوروبي، وتهيئة شروط إمكانية تحول التقليد والفكر في إيران. وفي هذه الحالة، نشأ تصور مفاده أن ما هو موجود ظاهرياً في أوروبا يمكن استيراده وإحداث تحول في إيران. لكن هذه الأحداث أدت في النهاية إلى نمو الإيديولوجيات في إيران. كما أن النظرة الأحادية إلى نص وتقليد إيران من قبل التيارات الفكرية المختلفة كانت إشكالية نشأت في القرن الذي تلا الدستورية. فعلى سبيل المثال، يبرز البعض تقليد إيرانشهري والعودة إلى عهد كورش الباهر!! وهو أمر غير منطقي بالمرة. أو أن البعض الآخر لا يعتبر سوى تقليد الإسلام الإيراني تقليداً للإيرانيين ويسعى إلى إبرازه، وهذا النهج خاطئ أيضاً. إن تجاهل النصوص والتقاليد الإيرانية الأخرى بهذا الشكل هو عملياً وقوف في وجه الناس ويؤدي إلى أزمة، كما حدث بالفعل.
في الوقت الذي كانت فيه تحولات جدال القديم والجديد في أوروبا قد بدأت بهدوء وجرت، كانت إيران في سبات العصور الوسطى. فبعد عصر التنوير الذي نشأت فيه الفلسفة الجديدة في أوروبا، ووقوع الثورة الصناعية الأولى في أوائل القرن الثامن عشر، واجه الإيرانيون مظاهر الحداثة وأدركوا أن أموراً حدثت في العالم لا يعلمون عنها شيئاً. في ذلك الوقت، كان قد مضى أكثر من 500 عام على بداية تحولات الفكر في أوروبا وعصر النهضة الأول. ولكن كما قيل، في زمن بداية هذه التحولات في أوروبا، كان انحطاط الفكر في إيران قد بدأ، واشتد مع الغزو المغولي. ففي الوقت الذي كانت فيه النهضة الثانية تحدث في أوروبا، كان الفكر والتقليد في إيران قد تصلب، ولم يستطع أن يعير التحولات في أوروبا أهمية، وكان لا مبالياً إزاء هذا الوضع. وهكذا حلّ التقدير محل التدبير الناجم عن الفكر العقلاني للعصر الذهبي الثقافي، ولم يعد الفكر السياسي يظهر لتنظيم الأمور، وكانت نتيجة ذلك كوارث عصر التقدير. لكن في العصر القاجاري استيقظ الإيرانيون من غفلة السبات في مواجهة أمواج العصر الحديث، واستطاعوا، مع تغلغل المفاهيم الجديدة، أن يحققوا الدستورية، وهي أهم حدث وتحول تاريخي في إيران في العصر الحديث.
وبالطبع، وكما تم التأكيد سابقاً، فإن الدستورية في إيران حدثت بدافع الضرورة وفي الممارسة العملية، ولم تستند إلى فكر فلسفي عميق ناشئ عن جدال القديم والجديد، وبالتالي لم تكتسب قواماً وأساساً متيناً.
سنت سهگانه ایرانی در آستانه مشروطه و رسیدن به دوران جدید، به دلیل اینکه مربوط به دوران قدیم ایران است در دستگاه نظری جواد طباطبایی، نظام سنت قدمایی نامیده شده است. بنابراین زمانی که گفته میشود سنت متصلب شده است، به این مفهوم است که هر سه پایه سنت ایرانی شاملِ اندیشه ایرانشهری، اسلام ایرانی و سنت فلسفی متصلب شده است. در شرایطی که نظام سنت قدمایی متصلب شده بود، جدال قدیم و جدید در دورن آن امکانپذیر نبود. به همین دلیل امکان تحول و پدید آمدن جدیدِ در قدیم در ناحیههای بسیار محدودی از نظام سنت قدمایی وجود داشت و پیروزی مشروطه به صورت سطحی صورت گرفت. در یک سده پس از پیروزی مشروطه نیز صاحبانِ ایدئولوژیهای رنگارنگ به مقابله با دستاوردهای مشروطه و تسویه حساب با جدیدِ در قدیمهای ناشی از مشروطه برخواستند. اما علیرغم تسلط ایدئولوژیها و امتناع اندیشه، جای امیدواری است که در سه دهه اخیر، خدشه و خللی در اندیشههای ایدئولوژیک حاصل شده و نشانههایی از بارقههای فکری جدید پدیدار شده است. دلیل این واقعه نیز، نتایجی است که پس از دهه ۴۰ و ۵۰ در ایران به وجود آمده است. این رخداد، شاخههای مختلف اندیشه را به این مساله متوجه کرد که آنچه را از انقلاب انتظار داشتند در عمل حاصل نشده است و نتایج بر خلاف آرمانها و اهدافی است که در زمان انقلاب پیگیری میکردند. لذا به فکر افتادند و پرسشهایی مطرح کردند که دلیل این وضعیت چیست و ریشه مشکلات کجاست. در نتیجه به مرور، شرایط مطالعات جدید و گفتگو در قلمرو عمومی فراهم شد. ادامه این مسیر، امیدواریها را برای رفع امتناع اندیشه و دوری از بستههای ایدئولوژی فراهم میکند و زمینههای لازم را برای حل مشکل ایران پدید میآورد.
.
تُعَدُّ دراسة تاريخ الفكر الإيراني إحدى موضوعات المنظومة النظرية لجواد طباطبائي. وذلك لأنه وفقاً لرؤيته، يُشكّل التقليد أحد أُسس التحول في أي بلد، ومن ثمّ فإن أحد أُسس التقليد الإيراني، ألا وهو الفكر الإيرانشهري، ينبغي أن يحظى بالاهتمام والبحث. لذا، وخلافاً لرأي بعض النقاد، فإن الفكر الإيرانشهري ليس الدال المركزي في منظومة طباطبائي النظرية، غير أنه نظراً لبقاء مضمون هذا الفكر بعد دخول الإسلام، رغم خفوته، واستمراريته داخل الثقافة والأدب الإيرانيين، فإنه يجب أن يُولى اهتماماً في أبحاث تاريخ الفكر. كما أن لمكانة الفكر الإيرانشهري داخل الفكر السياسي وفي زمن سيطرة العرب والقبائل التركية على أرض إيرانشهر أهميةً خاصة، حيث كان يؤدي إلى الحفاظ على الوحدة الترابية بالاستناد إلى الفكر السياسي الإيرانشهري. ويُعدّ خواجه نظام الملك أحد أبرز مُمثّلي الفكر الإيرانشهري، والذي أدّى دوراً بصفته وزيراً في حقل الممارسة، أي إدارة البلاد، وفي حقل النظر، أي كتابة سير الملوك (السياسة نامه)، في زمن سيطرة القبائل التركية على إيران. وبالنظر إلى هذه النقاط، فإن التقليد الإيراني، كما ذُكر في الجلسات السابقة، يقوم على ثلاث دعامات، إحداها الفكر الإيرانشهري. وكلما بَرزت إحدى هذه الدعامات وجرى التأكيد عليها، تظهر أزمة في البلاد. وعليه، فإن الادعاء بأن العودة إلى الفكر الإيرانشهري قد جرى التأكيد عليها في فكر طباطبائي ليس صحيحاً، بل إن مجرد الاهتمام بهذه الدعامة من التقليد الإيراني، أي الفكر الإيرانشهري، إلى جانب الاهتمام بسائر عناصر الفكر والتقليد الإيراني، هو ما يتسم بالأهمية والضرورة من وجهة نظره، وليس للعودة إلى هذا الفكر مكانة في منظومته النظرية.
في الفكر الإيرانشهري، كانت الملكية المثالية مؤسسةً تُستخدم كمنسّق لسائر المؤسسات. وفي زمن إحياء الفكر الإيرانشهري بعد دخول الإسلام إلى إيران، بَرزت مؤسسة الوزارة كمنسّق لسائر المؤسسات. لقد استمر إحياء الفكر الإيرانشهري مع كتابة سير الملوك (السياسة نامه)، لكن العبء العقلاني لسير الملوك تضاءل تدريجياً مع بدء انحطاط الفكر. حتى أن كتابة سير الملوك استمرت حتى العصر القاجاري، ولكن بسبب خفوت الوزن العقلاني لسير الملوك، تحول عنصر التدبير، قياساً على ذلك، في سير ملوك خواجه نظام الملك إلى تقدير واستسلام للأقدار في سير الملوك التي كُتبت في العصر القاجاري.
على الرغم من أن عنصر العقلانية يؤدي دوراً ومكانةً محوريين في إحياء الفكر الإيرانشهري على يد الدهاقين والفردوسي الذي كان دهقاناً، إلا أن المصلحة العامة، التي تُعدّ من الخصائص الأساسية للفكر الإيرانشهري قبل الإسلام ومن العناصر العقلانية في هذا الفكر، كانت غائبة في تيار إحياء الفكر الإيرانشهري هذا، ومن ثمّ فإن عنصر المصلحة العامة لا يُرى في سير الملوك التي كُتبت لإحياء الفكر الإيرانشهري بعد الإسلام. وبالطبع، لم تكن المصلحة العامة العقلانية لما قبل الإسلام في الفكر الإيرانشهري فلسفية، ولا تُعرف كفلسفة سياسية. وخلافاً لذلك، فإن فلسفة الفارابي، المتأثرة بأفلاطون والتي طرحها الفارابي بعد الإسلام، هي فلسفة سياسية. ومما يستحق التأمل أيضاً أن المصلحة العامة التي طُرحت في كتاب السياسات لأرسطو لم تُعرف أبداً في إيران بسبب عدم الإدراك بوجود كتاب السياسات، غير أن مفهوم المصلحة العامة هذا كان موجوداً في الفكر الإيرانشهري قبل الإسلام، مما يُظهر وزن وأهمية الفكر الإيرانشهري قبل الإسلام.
نظرًا لأن مفاهيم الفلسفة والعلوم الاجتماعية دخلت إيران من الغرب في العصر الحديث، فإن العديد من المفاهيم في إيران تُستخدم لوصف تاريخ التحولات الإيرانية تمامًا كما تُستخدم في أوروبا. ومفهوم الدولة-الأمة الأوروبي في وضع مماثل، فمع دخول الفكر القومي من الغرب، نشأ في إيران التصور ذاته عن الدولة-الأمة، واعتُقد أنه ينبغي تطبيق مفهوم الدولة-الأمة هذا على إيران أيضًا. ولكن وفقًا لتنظير طباطبائي، كان الوعي القومي موجودًا في الإمبراطوريات ما قبل الإسلامية في صورة وحدة في الكثرة، وهو مفهوم هيغلي. وقد تحققت هذه الوحدة في الكثرة، مع وجود جميع الأقوام واللغات والأديان بشكل شامل في أرض إيرانشهر، تحت اسم إيران والشعب الإيراني. ولهذا السبب، كان اسم الأمة الإيرانية موجودًا في العصر القديم لإيران تحت مسمى إيران والإيرانيين، وكانت لهم دولتهم القومية أيضًا. وإن كانت الحكومات في بعض الفترات، وعلى الرغم من أن الأمة الإيرانية كانت في أرض إيرانشهر، لم تكن دولًا قومية، وفي فترات أخرى كانت الحكومات دولًا قومية. وبالطبع، تختلف الدولة في العصر القديم من حيث مضمون هذا المفهوم عنها في العصر الحديث، وهي نقطة يجب الانتباه إليها أيضًا.
لذلك، يجب إدراك الاختلاف بين التحولات ومنطقها في إيران وأوروبا، وهو أمر بالغ الأهمية في دراسة تاريخ إيران. ولهذا السبب، فإن الوعي القومي للإيرانيين، الذي يمتد لأكثر من ألف عام، يختلف اختلافًا جوهريًا عن مفهوم القومية الغربية. وهذا المفهوم القديم للأمة في إيران، عندما نصل إلى عصر المشروطة، يتبلور في صورة الجديد في القديم، وتتشكل الدولة-الأمة الإيرانية في العصر الحديث.
في مختلف المدن الإيرانية، يمكن ملاحظة تجلي الوحدة في الكثرة بوضوح. ففي مدينة مثل تبريز وغيرها من المدن، تعيش الأديان واللغات والمذاهب المختلفة جنبًا إلى جنب على الرغم من الاختلافات. ومن وجهة نظر طباطبائي، فإن ثقافة التسامح هذه في إيران هي التي أدت إلى انتصار المشروطة، حيث كانت مختلف الأديان والمذاهب ممثلة في مجلس الشورى الوطني، وكانت حقوقهم متساوية، في وقت كان فيه أقل من اثنين بالمائة من سكان إيران يعرفون القراءة والكتابة. ولكن هذا الوضع من الوحدة في الكثرة للأمة الإيرانية يتعرض للتهديد من جانبين. فمن ناحية، تُمارس في بعض الأوقات ضغوط من قبل الحكومات والدول على الأقوام، وهو أمر غير صحيح ولا يمكن الدفاع عنه، ويجب إصلاح هذه السياسات. ومن ناحية أخرى، وبسبب بعض القضايا السياسية والأيديولوجية، تُطرح موضوعات من قبل البعض تحت عنوان المطالب القومية، وهي لا تتوافق مع الظروف التاريخية والاقتصادية لإيران. إن أهم خطر يهددنا هو الاقتباس من البلدان الأخرى، وخاصة البلدان المتقدمة، والمطالبة بنقل نفس المفاهيم والأفكار التي طُرحت في تلك البلدان وفي الغرب، مثل مسألة الفيدرالية واللغات. لذا، واستنادًا إلى رؤية طباطبائي، لا يمكن العيش بدون الفكر الغربي، ولكن في الوقت نفسه، لا يمكن خلق ظروف اجتماعية جديدة بمجرد نقل الفكر والمفاهيم الغربية إلى إيران كما هي، بل يجب، مع مراعاة الثقافة والفكر الإيراني والماضي التاريخي لإيران، تهيئة ظروف الانتقال إلى الحداثة والتحول في إيران عن طريق الاجتهاد.
يعتقد جواد طباطبائي أن ساحة الفكر ليست ساحة للتسلية، ولا هي ساحة للتخصص، بل هي ساحة فوق التخصص. ولهذا السبب، إذا كان شخص ما ينوي دخول ساحة الفكر، فعليه أن يعرف في أي فضاء مهول يدخل، ومن الضروري أن يكون واعيًا بأنه بدون الانتباه إلى دقائقها، قد يسقط في مهاوٍ خطيرة. مع هذه المقدمة، يجب التأكيد على أن المهتمين الراغبين في فهم المنظومة النظرية لجواد طباطبائي عليهم دراسة جميع زوايا فكره وألا يركزوا على جزء واحد فقط. فالتركيز على جزء واحد من فكره قد يخلق الكثير من سوء الفهم، كما حدث لبعض الباحثين. فمسائل مثل العودة إلى فكر إيرانشهري أو العداء للأقوام واللغات هي أمثلة على سوء الفهم هذا الذي لا مكان له في المنظومة النظرية لجواد طباطبائي.
للتعرف على المنظومة النظرية لجواد طباطبائي، ينبغي الانتباه إلى أن هذه المنظومة الفكرية تتألف من قسمين رئيسيين. القسم الأول يتعلق بتاريخ الفكر في إيران، والقسم الثاني يتعلق بتاريخ الفكر الغربي. لذا يُوصى بأن يتم تناول تاريخ تطورات الفكر في إيران وأوروبا، الذي قام جواد طباطبائي بدراسته وتحليله، من خلال دراسة أعماله بشكل كامل. لقد قام في أعماله التي تشمل كتبًا ومقالات ومحاضرات متنوعة، بدراسة وشرح مسار تطور التفكرات والأفكار السياسية والفلسفية في إيران، وكذلك الأفكار السياسية والفلسفية لمفكري وفلاسفة الغرب. إن دراسة وفهم هذه المنظومة المترابطة برمتها قد تتطلب سنوات من الجهد والكد. بل ربما كان من الضروري، لإجراء فحص أدق لكل قسم من كتابات طباطبائي، أن تتم دراسة أعماله والبحث فيها أكثر من مرة، حتى يحصل الباحثون في هذا المجال على معرفة كاملة ودقيقة بآرائه.
.
.
العلوم السياسية
الفلسفة
العلوم السياسية
الدين
البيئة
نقاش حول هذا المقال١ تعليق
اگرمشگل ایران امری فلسفی است آیا به مانند یونانی ها وآلمان ها نمیباید ایرانی ها از چنان دستگاه فلسفی برخوردار باشند که فرم ومحتوا تناقض نداشته باشد؟ مثلا اگر دستگاه فلسفی یونانی ها را در نگاه مسلمانان که جهان از هیچ بوجود آمده بکار ببرم فلسفه به کلام تبدیل میشود. نظام فکری هگل دیالکتیک را درذهن ومفهوم میفهمد ماتریالیسم دیالکتیک مارکس نفهمیدن دیالکتیک است که اصلا ماتریالیستی نیست. این نص جهارم آقای جواد طباطبایی که نص خاص ما ایرانی هست داری چه خصوصیاتی باید باشد که با فلسفه کشورهایی که مشگلشان فلسفی بوده متفاوت باشد. طبیعتا آقای طباطبایی هم ادعای تاسیس چنین فلسفه ای را ندارد. سوال اینجاست که این فلسفه در چه شرایطی امکان دارد؟