اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يدّعي سيد جواد طباطبائي دخول قصر نص «فينومينولوجيا الروح» لهيغل، غير أن فحص محاضراته الثماني يُظهر أن التفسير الذي قدّمه لم يتجاوز محاولات حميد عنايت السابقة، وأن وعود ترجمة النص لم تتحقق.

هيغل هو أحد أولئك الفلاسفة الغربيين الذين حظوا باهتمام كبير في مجتمعنا؛ إذ تُرجم وأُلِّف حتى الآن عدد كبير من الكتب والمقالات حول فلسفته باللغة الفارسية، وسعى باحثون كثيرون إلى تعلّم فلسفته وتعليمها للآخرين. أحد هؤلاء الباحثين هو المفكر الرفيع المقام، الدكتور سيد جواد طباطبايي، الذي تُعَدّ محاضراته الثماني حول فينومينولوجيا الروح لهيغل معروفة تمامًا لدى دارسي هيغل في مجتمعنا. لحسن الحظ، سُجِّلت هذه المحاضرات وأُتيحت للمهتمين، وقام السيد مصطفى نصيري بتدوينها كتابيًا، وأخرج النتيجة في كتاب إلكتروني بصيغة PDF يقع في ١٢٠ صفحة، وهو متاح على الشبكة العالمية للإنترنت. هذا الكتاب، وإن لم يكن مصدرنا الرئيسي في هذه المقالة بسبب ما لوحظ فيه من عدم دقة في تفريغ المحاضرات سنشير إلى بعضها لاحقًا (مصدرنا الرئيسي هو المحاضرات الثماني المذكورة)، إلا أنه استُخدم في الإحالات ليتمكن القارئ المحترم بمساعدة هذه الإحالات من العثور على أصل المطلب في المحاضرات.
ما يضاعف شوق المهتمين بفلسفة هيغل في إيران لقراءة هذا الكتاب أو الاستماع إلى تلك المحاضرات الثماني هو أن الدكتور طباطبايي لا يكتفي بعرض حصيلة ٣٥ عامًا من جهوده ومتابعاته في مباحث فلسفة هيغل في أربعة بلدان مهمة فلسفيًا، هي إنجلترا وفرنسا وإيطاليا وألمانيا، بل يتناول أيضًا تيارين تفسيريين لفينومينولوجيا الروح لهيغل، أحدهما في ألمانيا والآخر في حقل خاص في فرنسا. (ص٣) وفوق هذا كله، يدّعي أن «الفلسفة في إيران تُدرَّس عادةً عبر المختصرات وتاريخ الفلسفة، ولا يُدرَّس النص، ولا سيما النصوص الأصلية. وأنا هنا أحاول أن أفسر تدريجيًا بعض النصوص المهمة التي لا يسعنا ألا نعرفها وألا نقرأها، بوصفها نصوصًا أصلية.» (نفسه، ص) و«كل ما كُتب أو تُرجم باللغة الفارسية حول فينومينولوجيا الروح هو نقاشات تدور خارج هذا القصر، وهي في الواقع توصيفات من الخارج» (ص ١٩).
نحن الآن على استعداد لإلقاء نظرة على حصيلة جهد ٣٥ عامًا للدكتور طباطبايي، وبتقييمها نجيب على سؤال: ما هي الخطوة الكبيرة التي خطاها إلى الأمام في ميدان دراسة هيغل في مجتمعنا؟
الدخول إلى داخل القصر
يشبّه الدكتور طباطبايي فينومينولوجيا الروح لهيغل بقصر شامخ، ويعتبر نفسه أول من دخل هذا القصر باللغة الفارسية. ما يعنيه بالدخول إلى قصر الفينومينولوجيا هو الاشتباك مع نص الكتاب نفسه وترجمة عباراته وتفسيرها. ينقل عن غادامير في أحد الملتقيات الفلسفية في ألمانيا قوله: «يجب علينا، معشر الهيغليين، أن نتعلم تهجئة هيغل. كان غادامير يعني أن معاني كلمات هيغل ينبغي أن تُستخلص من سياق نص هيغل نفسه. وقد أكد هذا الموضوع مشاركون آخرون أيضًا، ونتيجة لذلك بدأت حقبة جديدة في الدراسات الهيغلية كان شعارها العودة إلى النص. ومنذ ذلك الحين، خلصوا إلى أنه ينبغي الدخول إلى داخل هذا القصر الكبير وشرحه من الداخل.» (ص٤)
مع هذا التوضيح، يتوقّع قارئ كتابه أن يجد في تفسير الدكتور طباطبائي ترجمةً لنصٍّ وتفسيرًا له، لكنّه يلاحظ بدهشة بالغة أن خمس صفحات فقط من أصل خمسمائة صفحة من كتاب «فينومينولوجيا الروح»، أي ما يقارب واحدًا في المئة منه، هي التي تُقرأ وتُفسَّر. وهذه الصفحات الخمس تتعلّق أيضًا ببحث هيغل حول «السيادة والعبودية» الذي سبق أن ترجمه المرحوم حميد عنايت ونشره إلى جانب تفسير كوجيف له. والعمل الإضافي الذي قام به الدكتور طباطبائي على هذه الترجمة والتفسير، عدا عن نقده لترجمة كلمتين أو ثلاث لا تُحدث تغييرًا محسوسًا في ترجمة عنايت وتفسير كوجيف لها (الذي أورده عنايت إلى جانب النص الأصلي)، هو التأكيد على أن هيغل عندما يتحدث عن السيادة والعبودية لا يتحدث عن وجود وعيَيْن ذاتيَيْن في إنسانَيْن، بل عن وعيَيْن ذاتيَيْن في كيان إنسان واحد يتصارعان، وأن مبحث السيادة والعبودية في أثر هيغل ليس سوى تمثيل لهذا التعارض داخل الفرد الإنساني. ومن وجهة نظر الدكتور طباطبائي، فإن خطأ كوجيف هذا الذي تكرّر من بعده على أيدي كثيرين (ومنهم حميد عنايت في مجتمعنا)، كان منشأ أحد أوجه سوء الفهم لفينومينولوجيا الروح عند هيغل. سنعود لاحقًا إلى تقييم هذه النقطة التفسيرية التي ينبّه إليها الدكتور طباطبائي؛ ولكن فيما يتعلق بتلك الكلمتين أو الثلاث وترجمتها، ينبغي القول إنه لم يُنجز عملٌ مهمٌّ من قِبَله في هذا الحدّ. إذ إن وجود هذا المقدار من الهفوات في ترجمة أي نص، لا سيّما إذا كان نصًّا بالغ الصعوبة (وقد أقرّ الدكتور طباطبائي بأن «فينومينولوجيا الروح» إن لم يكن أصعب كتاب في تاريخ الفلسفة كلّه، فهو من أصعبها)، يُعدّ أمرًا طبيعيًّا، بل ولا يُستبعد حتى من قِبَله هو شخصيًّا. وشاهدنا على هذا الادعاء هو أنه في ترجمته لكتاب «تاريخ الفلسفة الإسلامية» لكوربان، ورغم نجاحه في اكتشاف وتصحيح أكثر من ألف خطأ في الترجمة الفارسية السابقة لهذا الأثر (التي أنجزها المرحوم أسد الله مبشري)، إلا أنه لا يزال يقرّ في مقدمة الطبعة «السابعة» من ترجمته بأنه «مع ذلك كلّه، لا يشعر المترجم بالرضا التام عن نتيجة العمل، ويأمل أن تتاح له فرصة أخرى لتلافي بعض الإشكالات الأخرى في هذا النص وتقديم طبعة أكثر تنقيحًا للقراء.» (طباطبائي، ۱۳۸۸: ث). فحين يكون وجود بضعة أخطاء على الأقل في ترجمة كتاب أبسط ككتاب كوربان أمرًا محتملًا ومتوقّعًا تمامًا، فإن هذا الاحتمال ينبغي، بالأولى، أن يُعتبر أكثر طبيعية في ترجمة كتاب أصعب ككتاب هيغل. ومن ثمّ، فإن هذا المقدار من الخطأ في ترجمة عنايت لا ينتقص من قيمتها، وإذا كان لا يمكن القول إن الدكتور طباطبائي لم يقدّم ترجمة موفّقة للكتاب المذكور بسبب أخطاء في ترجمة بضع كلمات، فلا يمكن القول أيضًا إن عنايت لم يقدّم ترجمة وتفسيرًا موفّقَيْن لمبحث السيادة والعبودية في «فينومينولوجيا الروح» لهيغل بسبب تلك الأخطاء القليلة. علاوة على ذلك، يقرّ الدكتور طباطبائي نفسه بأن مشكلة عنايت فيما يتعلق بنص هيغل هي مشكلة تفسيرية فحسب، أما ترجمته فمقبولة. (ص ۶۶). إذن، وفي حدود ترجمة وتفسير هذه الصفحات الخمس من «فينومينولوجيا الروح»، إذا غضضنا الطرف مؤقتًا عن تلك النقطة التفسيرية الواحدة (المتعلقة بكون علاقة السيادة والعبودية داخلية)، فيمكن القول جزمًا إن الدكتور طباطبائي لم يقم بعمل مهم في الولوج إلى قصر «فينومينولوجيا الروح» أكثر مما كان قد أنجزه حميد عنايت من قبل.
كما يَعِد في بداية تفسيره بترجمة مقدمة (Vorrede) فينومينولوجيا الروح أيضًا (ص ۱۸)، وهو أمر لا يفي به أبدًا حتى نهاية المحاضرات.
إمكانات لغوية غير كافية
من المثير للاهتمام أن الدكتور طباطبائي يدّعي من جهة: «يمكننا، إلى حدٍّ ما، أن نفهم ما حدث في الفلسفة الغربية حتى ديكارت وبعده بقليل، وما هي الفلسفة الغربية الحديثة إلى حدٍّ ما، ولكن حين نصل إلى بداية القرن التاسع عشر (حوالي عام ۱۸۰۰) يحدث فجأة زلزال أساسي في التاريخ البشري، وينفتح هناك صدع لم نستطع أبدًا عبوره.» (ص۶) «… إمكاناتنا اللغوية، هي إمكانات لغوية ما قبل الصدع، في الجانب الآخر من الصدع، بينما يناقش هيغل في الجانب الآخر من الصدع.»(ص۸-۷)
ومن ناحية أخرى، سعى في تفسيره لكتاب فينومينولوجيا الروح لهيغل، مستعينًا بإمكاناتنا اللغوية القاصرة التي لا تسمح لنا بشرح سوى الفلسفة السابقة للقرن التاسع عشر، إلى تقديم فلسفة هيغل، على نحو لائق وكافٍ، ومن الداخل تحديدًا، إلى العالم الناطق بالفارسية. والأكثر إثارة للاهتمام أنه لا يستعين في ذلك باللغة الفلسفية الجافة والمجردة فحسب، بل يستخدم من هنا وهناك في الثقافة الفارسية والإسلامية، من القصص الرمزية في الأدب (مثل قصة السيمرغ في منطق الطير للعطار) إلى الأحاديث القدسية وغير القدسية (مثل: «كنت كنزًا مخفيًا…» و«المؤمن مرآة المؤمن» و…) ومن أشعار الشعراء (مثل «كل لحظة يظهر المعشوق الفاتن بهيئة أخرى» و…) إلى مصطلحات الفلسفة الإسلامية (مثل «الحركة الجوهرية»، «ربط الحادث بالقديم»، المعقول بالذات والمعقول بالعرض و…) كل ذلك وأكثر يوظفه ليتمكن، عبر هذه الإمكانات اللغوية في اللغة الفارسية، من التعبير عما تعجز إمكاناتنا اللغوية عن قوله!
الدخول إلى بعض القاعات
بخصوص الدخول إلى قصر الفينومينولوجيا، يقول الدكتور طباطبائي: «إن خوض غمار الدخول إلى هذا القصر ليس في وسعنا البتة. ربما نحتاج إلى قرن من الزمان لنبلغ حدًا من الألفة بالفلسفة يمكّننا من المجازفة بالدخول والتجوال في هذا القصر. لذا فإن عملي الأساسي سيكون أن أدخلكم، في بعض الحالات وفي المواضع الأقل خطورة، إلى بعض غرف وقاعات قصر فينومينولوجيا الروح… كان مقصدي من هذا التوضيح أن أقول إنني لا أستطيع، ولن أناقش، جميع فصول وأقسام فينومينولوجيا الروح.» (ص٦)
في العبارات أعلاه، يريد الدكتور طباطبائي أن يقر بأن التفسير الداخلي للعمل بأكمله ليس في وسعه، وأنه ينوي فقط تفسير بعض أجزاء هذا الكل. غير أن الأمر:
أولاً، الفصول التي يتم تفسيرها (باستثناء مبحث السيد والعبد) تُفسَّر من خارج النص، ولا يُورط الدكتور طباطبائي نفسه، كما فعل في مبحث «السيد والعبد» حيث ترجم وفسر خمس صفحات من نص هيغل، في عبارات هذه الفصول الصعبة والعمل الشاق لترجمتها وتفسيرها تفسيرًا داخليًا؛
وثانيًا، إن فهم بعض أجزاء كلٍّ لا يفضي بنا أبدًا إلى فهم ذلك الكل. لو كانت تلك الفصول خلاصات للكتاب كله، لربما توصلنا بتفسيرها إلى تفسير إجمالي للكتاب كله، لكن الفصول المذكورة ليست خلاصات للكتاب كله، بل هي أجزاء من الكتاب كله، وفهم بعض أجزاء كلٍّ لا يستلزم البتة فهم ذلك الكل؛ أشبه بمن يقلب كتابًا ويقرأ بعض صفحاته ويفهم المضمون في حدود تلك الصفحات، لكنه لن يستطيع أبدًا إدراك موقع مضامين هذه الصفحات في الكتاب كله ومعنى الكتاب كله بتلك المطالعة المتفرقة لبضع صفحات، ما لم يرجع إلى تقارير الآخرين الخارجية عن النص الأصلي للكتاب.
بطبيعة الحال، تبرير الدكتور طباطبائي لاقتصاره على بعض فصول الكتاب هو أن «كتاب فينومينولوجيا الروح… ليس فيه من أوله إلى آخره سوى مبحث أساسي واحد، لكن هيغل يعيد عرض هذا المبحث في ٥٠٠ صفحة وفي مقاطع تاريخية مختلفة ومع أشخاص مختلفين وعلى مسارح متباينة.» (ص٣٤) ولكن ما هي تلك النقطة الأساسية الواحدة؟ يجيب الدكتور طباطبائي على هذا السؤال كالتالي: «لهذا القصر خصائص داخلية، ومن حيث الهندسة المعمارية الداخلية، له بنية بحيث إذا فهمنا إحدى هذه القاعات فهمًا صحيحًا بكل زواياها الممكنة، أمكننا أن نكوّن تصورًا عن القاعات الأخرى ونفهم بنيتها المعمارية أيضًا. لأن هذا هو المنطق نفسه الذي يتكرر في كل مكان آخر، بأساليب وصور مختلفة؛ أي أن تظاهر الروح ليس سوى شرح لما قلته هنا في منازل مختلفة. الروح عين ذاته وليس شيئًا سوى ذاته، وهو في الواقع يحمل ضده أيضًا في داخله. في هذا المسار الجدلي، يخلق الروح لا ذاته في مقابل ذاته ليصل من خلاله إلى وحدة أخرى وإلى هوية وذات أخرى لذاته.» (ص ٤٦)
يتضح من العبارات أعلاه أن مقصود الدكتور طباطبائي من ذلك المبحث الأساسي هو المنطق الجدلي الهيغلي بعينه؛ ولكن ما المقصود من هذا المنطق الكامن وراء الوعي في كتاب فينومينولوجيا الروح؟
من العوامل التي لطالما سبّبت إشكالاً في فهم الجدل الهيغلي، التمييز بين هذا الجدل في «مقام تعريف» هيغل له، وهذا الجدل في «مقام تحقّقه»، كما يظهر في مباحث هيغل الفلسفية. هذه المسألة هي مسألةٌ تنبّه إليها تقريباً جميع دارسي هيغل. إنّ كون الروح في بدايته هو ذاته وليس غير ذاته، ثم يظهر ضده فيه، ومن أجل التغلّب على هذا التناقض، يرتقي الروح إلى مرحلةٍ أعلى يُحفَظ فيها التناقض المذكور ويُرفَع في آنٍ معاً، هو توصيفٌ للجدل الهيغلي في مقام تعريفه له، لكن عملياً، لا يسير هيغل دوماً وفق هذا النموذج؛ إذ «في بعض هذه الثلاثيات، يكون العضو الثاني من الثلاثية معكوساً مباشراً وواضحاً للعضو الأول، كما أنّ «الوجود» ضدّ «العدم» المحض، أو «الماهية» ضدّ «الظهور». وفي أخرى، يكون للتناقض طبيعة أقل تطرفاً (مثلاً مفهوم «الكل» و«أجزائه» يفسح المجال لمفهوم شديد الشبه به هو «القوة» و«تجلياتها»). وفي بعض الثلاثيات، يكون العضو الثالث خياراً واضحاً يتوسّط بين العضوين الآخرين، كما تتوسّط الروح بين «الفكرة المنطقية» و«الطبيعة»، أو كما يركّب «المقياس» بين «الكم» و«الكيف». وفي حالات أخرى، يكون العضو الثالث من الثلاثي مجرد أحد الأمور التي يمكن أن يتحد فيها العضوان الأولان، كما يتوسّط مفهوم «الدليل» بين «التماثل» و«الاختلاف». وفي حالات أخرى، لا تكون الوظائف التصالحية للعضو الثالث واضحةً إطلاقاً، كما تتوسّط الغائية بين الروابط الميكانيكية والروابط الكيميائية، أو كما تنبثق تلك الكونية المعذّبة من الرواقية والشكّية. إنّ الثلاثيات التي ينبثق فيها العضو الثالث وحده من العضو الثاني هي أكثر من الثلاثيات التي ينبثق فيها العضو الثالث من ارتباط العضوين السابقين.
إنّ الانتقالات الجدلية من مفهومٍ أو من مرحلةٍ من مراحل الوجود إلى المرحلة التالية، تختلف من حالةٍ إلى أخرى…» (فيندلي، ۱۳۹۰: ۸۸) «إذا أردنا أن نحكم على قيمة المنهج الجدلي، فيجب أن يكون هذا الحكم على أساس ما هو كائن، وليس على أساس التفسير الأحادي الجانب لبعض ادعاءات هيغل بشأنه، وإلا فسنجد أنفسنا في موقف مكتاغارت الذي، بعد أن انساق إلى تفسيرٍ لـ«المنطق» يختلف عن تصريحات هيغل نفسه، اضطرّ إلى نبذ كل ما تبقى من النسق كنوعٍ من المغامرة شبه التجريبية غير المقبولة من الناحية الجدلية.» (المصدر نفسه، ص۹۱)
والحاصل أنّه إذا كان قصدنا أن نعرف ما الذي قام به هيغل فعلاً في فينومينولوجيا الروح، وما هو المنهج أو المناهج التي استخدمها في فكره، فينبغي ألا نكتفي بذلك التعريف المثالي لجدله، وأن ندرس هذه المناهج عملياً وفي كتابه، واحدةً واحدة، وحالةً حالة، بمعزلٍ عن بعضها البعض.
وهنا نجد أنفسنا أمام انتقادين نوجههما للدكتور طباطبائي: الأول هو أن الثلاثيات التي يطرحها هيغل في أعماله، وخصوصاً في فينومينولوجيا الروح، لا تسير دوماً وفق نموذجه المثالي للجدل، وبالتالي لا يمكن، بفهم هذا النموذج، الوصول إلى فهم المنطق الكامن خلف مباحث هيغل. إذا استطاع أولئك الذين يخالفوننا الرأي أن يقدّموا لنا عشرة حالات متوالية على الأقل من ثلاثيات هيغل في «فينومينولوجيا الروح» يكون فيها العضو الثاني ضداً للعضو الأول، والعضو الثالث حفظاً ورفعاً في آنٍ معاً للعضوين السابقين، فسنسحب هذا الانتقاد.
والثاني هو أنّه، بافتراض أن المنطق الكامن خلف ظاهرات الوعي (القدر المشترك لكل هذه الانتقالات من صورةٍ من صور الوعي إلى صورة أخرى) هو، وفقاً لما ذكره السيد طباطبائي، أنّ «الروح عين ذاته وليس شيئاً سوى ذاته، وهو في الواقع يضمّ ضدّه أيضاً في داخله. وفي هذا المسير الجدلي، يخلق الروح غير ذاته في مقابل ذاته كي يصل من خلاله إلى وحدة الآخر وإلى هوية ذاته الأخرى.» (ص ۴۶) ألا يكون من غير المقبول، في هذه الحالة، أن نقول: «ما الفائدة من رؤية بضع ردهاتٍ بمفردها؟ فبما أن للقصر منطقاً معمارياً داخلياً يسري ويجري في كل زوايا الفضاء الداخلي للقصر، يمكننا بفهم وتعميم منطق عمارة بهوٍ واحد، أن نفهم الأثر كله.» (صص ۲۰-۱۹) حقاً، هل يمكن، بفهم هذه الأسطر القليلة في قالب مثالين أو أكثر، الادعاء بأنّ أثر هيغل كله قد فُهم؟!
صور الروح الناقصة وغير المنتظمة
يرى السيد الطباطبائي أن الصور التي يظهر فيها الروح والتي نوقشت في كتاب فينومينولوجيا الروح لهيغل تشمل بعضاً وليس كل صور الروح من وجهة نظر هيغل: «يظهر الروح في صور مختلفة، وفينومينولوجيا الروح لهيغل هي توضيح وشرح وتفسير لبعض هذه الصور.» (ص ۱۲۰) كما أنه، بالإضافة إلى عدم اعتقاده بشمولية صور الروح في فينومينولوجيا هيغل، يخلط ترتيب هذه الصور أيضاً، ويسير في عرضها وفقاً لنظم وترتيب الأب لوبريه. (ص ٤۹)*
غرض السيد الطباطبائي من حصر صور الوعي في بعض صوره الممكنة، هو أن يفسح المجال لصور أخرى لم يتطرق إليها هيغل، ليجد مكاناً لفينومينولوجيا الوجدان الإيراني منكوس الرأس. (ص ۱۲۰)
يصرح هيغل في إعلان كتبه لكتاب فينومينولوجيا الروح بأنه «في هذه الفينومينولوجيا، يُرتّب غنى ظواهر هذا الروح، الذي يبدو للوهلة الأولى غير منظم ومضطرباً، إلى مرتبة النظام العلمي الذي يُظهر هذه الظواهر في ضرورتها.» ينقل السيد الطباطبائي هذه الجملة عن هيغل (ص ۳۰) ويبدو أن السيد الطباطبائي لم ينتبه إلى معنى هذه الجملة على نحو صحيح. ذلك أن كل مرحلة تُستنتج من صميم المرحلة السابقة وتصبح هي نفسها مقدمة للاستنتاج الجدلي للمرحلة التالية. بحيث تكون نسبة كل مرحلة إلى المرحلة التي قبلها والتي بعدها، نسبة ضرورة. فما لم توجد الصورة الأولى التي هي أبسط صور الوعي (اليقين الحسي)، لا يحين دور الصورة الثانية (الإدراك)، وما لم يتم تجاوز مرحلة الإدراك، لا يحين دور مرحلة الفهم. من هنا يمكن أن ندرك أنه من وجهة نظر هيغل، ليست هذه المراحل ناقصة (بمعنى أنه قد سقطت مرحلة ما من أبسط صور الوعي إلى أكمل صوره، أي من اليقين الحسي إلى المعرفة المطلقة) ولا غير مرتبة (بمعنى أنه يمكن تغيير ترتيب وتقدم وتأخر مراحل وصور الروح، وبدلاً من استنتاج مرحلة من المرحلة التي قبلها، يتم استنتاج نفس المرحلة المُستنتَجة من المرحلة التي بعدها). لو لم يذكر هيغل بعض صور الروح في كتابه، فكيف كان يمكنه الانتقال من صورة من صور الوعي إلى صورة أخرى؟ الانتقال من المرحلة الأولى (اليقين الحسي) إلى المرحلة النهائية (المعرفة المطلقة) دون المرور ببعض المراحل الوسيطة على الأقل يستلزم الطفرة، وهو أمر مرفوض من وجهة نظر هيغل، إذ في هذه الحالة لن يكون لدينا مسوغ للعبور من مرحلة إلى أخرى. كذلك، فإن خلخلة ترتيب هذه الصور وتقديمها وتأخيرها، سيجعل عمل الاستنتاج الجدلي، من وجهة نظر هيغل، يواجه مانعاً جدياً.
منهجُ ما قبل البحث
يعتبر هيغل الجدل بالنسبة له منهجاً، لكنه لا ينظر إلى هذا المنهج بوصفه سابقاً على المعرفة، بل ممتزجاً بها. هذا القول الذي ينسبه السيد الطباطبائي أيضاً إلى هيغل (ص ۳۱) يستلزم أنه لا يمكن امتلاك منهج بحث قبل البحث، لكن السيد الطباطبائي يعتزم، من خلال دراسة مقاطع متفرقة من فينومينولوجيا الروح لهيغل، التوصل إلى المنطق الكامن وراء صور الوعي هذه، والذي هو المنهج الجدلي الهيغلي ذاته (في المرتبة الأولى)، ومن ثم لاحقاً (في المرتبة الثانية) باستخدام هذا المنطق، يتم توضيح صور الوجدان الإيراني منكوس الرأس (ص ۱۲۰). في حين أنه، من أجل فينومينولوجيا الوجدان الإيراني منكوس الرأس، فإن تحصيل منهج قبل هذه الفينومينولوجيا يستلزم وجهة نظر مضادة للهيغلية؛ لأن هيغل يعتقد بأن المنهج لا يمكن اكتسابه قبل المعرفة وتطبيقه فيها.
بالطبع، لا إشكال في أن يستخدم باحث إحدى وجهات نظر هيغل لأغراضه الخاصة، استخداماً يكون في تعارض صريح مع وجهات نظر هيغل الأخرى، وعليه فإن ما مر آنفاً ليس «ملاحظة نقدية». لكن يمكن اعتباره «ملاحظة مثيرة للاهتمام» أن شخصاً يستخدم فلسفة هيغل لأغراضه، يكون استخدامه لهيغل مضاداً للهيغلية.
الوعي بالوعي في العصر الحديث
ما هو ذلك الزلزال الذي حدث في الفلسفة الغربية في مطلع القرن التاسع عشر، والذي انفتح بسببه صدع لم نستطع قط أن نعبره؟ الجواب الذي يقدمه السيد الطباطبائي على هذا السؤال هو أنه في مطلع القرن التاسع عشر تحول الوعي إلى موضوع للوعي.(ص ٨) «لكن الفلسفة الغربية الحديثة تطرح مسألة الوعي بالذات من هذه الحيثية أيضاً، وهي أننا بينما نكتسب وعياً، نكتسب وعياً في مسار آخر من الوعي أيضاً. بعبارة أخرى، الوعي، منذ زمان ومنزل فصاعداً، يجعل من وعي ذاته موضوعاً لوعيه. أي أن العلم يصبح موضوعاً. كنا قد نقلنا عن فيشته قوله إننا بحاجة اليوم إلى مذهب العلم أو معرفة المعرفة. كانت الفلسفة الأوروبية في مطلع القرن التاسع عشر قد تجاوزت هذه المرحلة … . هنا نشأ صدع في وعي الإنسان الأوروبي لم نستطع قط أن نعبره.» (ص٧)
معرفة المعرفة أو الإبستمولوجيا بمفهومها الكانطي، كانت بالطبع ظاهرة ناشئة في العصر الحديث. لم يكن القدماء يشكون في حجية العقل في معرفة الأمور غير التجريبية، وكانوا يستخدمون العقل بجزم في معرفة هذه الأمور. لكن كانط وضع إمكان المعرفة الميتافيزيقية موضع تساؤل، وأوجد الفلسفة النقدية التي تبحث في إمكان المعرفة العقلية. قبل كانط كانت هناك بالطبع نقاشات فلسفية حول مسألة المعرفة، لكن هذه النقاشات لم تكن تتعلق بإمكان المعرفة (إلا بغرض دفع شبهة المشككين) بل كانت محصورة في مسألة كيفية المعرفة (من النوع الذي كان سائداً مثلاً في الفلسفة الإسلامية وفي بحث الوجود الذهني). بتعبير آخر، كانت إبستمولوجيا القدماء (وهو مصطلح شاع لاحقاً على يد الكانطيين الجدد)، أي معرفة المعرفة، من الداخل. لم يكونوا يخرجون من المعارف بالشك فيها، ولم يفحصوا المعرفة من الخارج مثل كانط، لكن إبستمولوجيا كانط كانت خارجية. لقد أراد، بتعبير هيغل، أن يُقيّم المعرفة من خارج المعرفة، وهو أمر كان مستحيلاً بالطبع من وجهة نظر هيغل. من وجهة نظر هيغل، الذي أوضح رأيه بوضوح في مقدمة (Einleitung) الفينومينولوجيا، يجب بدلاً من فحص الوعي من الخارج، أن نفحصه من الداخل، وكان هذا العمل في الواقع نوعاً من العودة إلى فكر القدماء (ما قبل كانط). ورغم أن إبستمولوجيا هيغل، بسبب طابعها الداخلي الذي كان يضعها في طبقة إبستمولوجيا القدماء، كانت نوعاً جديداً من هذه الإبستمولوجيا تميزت مواضيعه بالجدة. لذلك، وخلافاً لقول الدكتور الطباطبائي، فإن الوعي بالوعي ليس مقصوراً على الإنسان الحديث وحده. فالقدماء أيضاً كان لديهم وعي بالوعي. في العصر الحديث، حدث الوعي من خارج الوعي، الذي كان ثمرة مساعي كانط وليس هيغل (القرن التاسع عشر)، وكان هيغل نفسه، مثل القدماء، صاحب إبستمولوجيا داخلية. ما لم نقل إن نوعاً خاصاً من الوعي الداخلي بالوعي، من النوع الهيغلي (وليس من النوع ما قبل الكانطي)، هو خاص بالعصر الحديث ومن خصائص الإنسان المتجدد، لكن هنا أيضاً يُطرح فوراً هذا السؤال: هل فلسفة هيغل هي ممثلة فلسفة الإنسان المتجدد؟ وهل هناك تلازم وثيق بين التجدد وفلسفة هيغل؟ وفي هذه الحال، ماذا سيكون مصير كل هذه الفلسفات الحديثة التحليلية والقارية المختلفة عن فلسفة هيغل في البلدان المتقدمة؟ هذه أسئلة لا يمكن إيجاد جواب لها في تفسير السيد الطباطبائي لهيغل.
التطور في الحركة الجدلية
هل الحركة من صورة من صور الوعي إلى صورة أخرى من صور الوعي في فينومينولوجيا الروح، هي حركة تطورية أم غير تطورية؟ يقول السيد الطباطبائي في هذا الشأن: «يرى هيغل أن الجدل هو سير الوعي بالذات وسير الروح في اتجاه الصيرورة مطلقاً. يستخدم هيغل هنا كلمة Entwicklung لهذا السير، وقد ترجمها البعض إلى تكامل وهو غير صحيح. يقول هيغل إن الجدل عبارة عن Entwicklung؛ … جدل هيغل هو سير جدلي أو جدالي، بمعنى أنه ينفي الوضع القائم أو وضع الأمر الطبيعي واللاواسطة ليصل إلى المنزل التالي، وهذا المنزل هو منزل يحفظ المنزل السابق ويكون منزلاً أعلى في الوقت نفسه.» (صص ٤٧-٤٦)
وبالطبع يصر السيد الطباطبائي على استخدام تعبير «منزل أعلى» وليس مرتبة أعلى: «هيغل بالطبع، خلافاً لفلسفتنا وعرفاننا، لا يقول مرتبة عليا، لأن مراتب هيغل ليست طولية بل عرضية.»(ص٤٧)
ولكن الطريف أن السيد الطباطبائي نفسه، في موضعين آخرين من هذه المحاضرات، عند وصفه للمرحلة اللاحقة بالنسبة للمرحلة السابقة، يعتبرها «مرتبة أعلى» من المرحلة السابقة، وينسى القول المذكور آنفاً بأنه لا ينبغي الحديث عن مرتبة أعلى عند هيغل: «يتبع هيغل نموذجاً منطقياً سارياً وجارياً في كل مكان، أي أن هذا النموذج المنطقي وهذه النسب تتكرر في مرتبة أعلى وأكثر تعقيداً بالطبع...» (ص ١٠٥) و«كل فلسفة تجعل الأصل هو التوترات والتناقضات، دون أن تقوم برفع التناقض بينها في مرتبة جدلية أعلى، هي فلسفة أحادية الجانب.» (ص ١١١)
أما بخصوص ما إذا كانت الحركة الجدلية تطورية أم لا، فيجب القول إنه في موضع من محاضرته يصف هذه الحركة صراحة بأنها تطورية: «الجدل عبارة عن السير التكويني للأمور في عبورها لمراحل ومنازل هذا الطريق المختلفة، على هذا النحو الذي تنحل فيه الصور الأولية للأمور وتزول، وتظهر الصور اللاحقة الأكثر اكتمالاً.» (ص ٣١)
ربما لا بأس لو علمنا أنه في فلسفتنا أيضاً، وبالصدفة، تُعتبر الحركة الاشتدادية فقط (التي يمكن اعتبار الحركة الجدلية الهيغلية أحد مصاديقها) حركة تطورية؛ ذلك أن المتحرك في كل مرحلة يكون أكمل من المرحلة السابقة، على عكس الحركات الأينية والوضعية التي لا يعتبرها كثير من فلاسفتنا تطورية (مطهري، ١٣٨٣: ١٥٨-١٥٩)
غشتالتنات الروح
يظهر الوعي على ذاته في صور شتى. هيغل يسمي هذه «الصور» Gestalt، وجمعها بالألمانية Gestalten. الطريف أن السيد الطباطبائي، في شرحه لصور الوعي، في محاضراته (وقد انعكس هذا الكلام أيضاً في نص الـ PDF المأخوذ من محاضراته)، يقوم بجمع الجمع المذكور مرة أخرى ويتحدث عن «غشتالتنات» الروح:
أولاً: «يقول هيغل إن الفينومينولوجيا تشمل الصور المختلفة لـ Geist والكلمة التي يستخدمها لـ «صورة» هي Gestalten والتي تعادل كلمة Figure الإنجليزية.» (ص ٢٤)
ثانياً: «إذن، فينومينولوجيا الروح هي في الدرجة الأولى بحث في «الغشتالتنات» والصور المختلفة التي يتخذها الروح.» (نفس الصفحة)
ثالثاً: «... مقتضى الجدل، أي هذا السير التكاملي، هو أن على الجميع أن يطووه، وفي هذا السير يجب أن يظهروا في صور أو Gestalten مختلفة.» (ص ٢٧)
رابعاً: «ما ذُكر ... هو بداية مرحلة أخرى من سير تجربة الوعي، التي سيظهر فيها هذا الوعي أيضاً في مراحل وتجارب لاحقة وغشتالتنات أخرى.» (ص ٩٣)
خامساً: «كل هذه الصور والغشتالتنات التي ذكرها هيغل حتى الآن ...» (ص ١٢٠)
لكن عدا الحالات الخمس المذكورة، هناك أربع حالات أخرى يمكن أن تقودنا إلى نتيجة مغايرة:
سادساً: «المنازل المختلفة لهذا الطريق الذي يسلكه الوعي ليبلغ الروح المطلق، عبارة عن صور _Gestalten_ هي ... .» (ص ٤٧)
سابعاً: «أول Gestalt أو صورة يناقشها هيغل ... .» (ص ٤٩)
ثامناً: «... التاريخ، من الآن فصاعداً، لن يرى صورة جديدة، أو بالتعبير الألماني Gestalt جديداً، و... .» (ص ٦٢)
تاسعاً: «يقترب هيغل هنا من صور (Gestalten) هي ... .» (ص ٦٤)
بخصوص الحالات من السادسة إلى التاسعة، يمكن إدراك الحقيقة بالرجوع إلى نص المحاضرات:
في الحالة السادسة، رغم أن السيد الطباطبائي يورد كلمتي «صورتها» و«غشتالتن» متتاليتين، إلا أنه يتحدث فوراً عن «غشتالتنها»، وللأسف لم يُدرجها المحرر في النص المكتوب؛
في الحالة السابعة، يجب القول إن المقرر، للأسف مرة أخرى، لم يتصرف بدقة، وبدلاً من كلمة «غشتالتنها» التي ذُكرت مرتين أيضاً في هذا الموضع من المحاضرات، أورد كلمة «غشتالت»؛
في الحالة الثامنة، للأسف تدخل المقرر مرة أخرى في النص وأضاف من عنده عبارة بالتعبير الألماني «Gestalt» إلى النص؛
وفي الحالة التاسعة، في بداية المحاضرة الخامسة، تحدث السيد الطباطبائي عن "Gestalten" غير أن المقرر (السيد نصيري) حذف علامة الجمع منها!**
برأيي لا يمكن أن تكون أخطاء السيد الطباطبائي من قبيل زلات اللسان؛ لأن زلة اللسان أمر "عرضي" يقع في حالات قليلة، بينما نشهد في حالة السيد الطباطبائي عدداً كبيراً جداً من هذه الأخطاء تكررت في مواضع مختلفة وبصورة "منتظمة".
ومع ذلك لا أصدر حكماً نهائياً في هذا الشأن، لكن بما أعرفه عن السيد الطباطبائي فأنا على يقين من أنه لو رأى هذا الخطأ في كتاب «أفكار هيغل» لاتهم مؤلفه، كما فعل في حالات أخرى مثل هذه الكلمة في ذلك الكتاب، بأنه "لا يعرف الألمانية".
الذهن أم الروح
من مظاهر الحساسية التي يبديها السيد الطباطبائي ما يتعلق بترجمة اللفظ الألماني Geist حيث يصر كثيراً وبشكل متكرر على أن هذه الكلمة ينبغي أن تترجم إلى الروح لا إلى الذهن (ص 3، 9، 13، 20، 27، 42 و112) حتى إن من ترجموا عنوان كتاب هيغل إلى «فينومينولوجيا الذهن»، مثل رامين جهانبكلو، وُصفوا لمجرد هذه الترجمة بأنهم لم يفهموا البتة مراد هيغل من هذا الكتاب (ص 3).
غير أن السيد الطباطبائي، إذ يشير إلى مطلع مقدمة هيغل لفينومينولوجيا الروح، حيث يصرح هيغل بأن ما هو جوهر هو أيضاً ذات، بصرف النظر عن تناقض يقع فيه حين يقول من جهة في موضع عن ترجمة subject إلى الذهن: «إن ما نسميه العاقل في اللغات الأوروبية subject يُترجم عادة إلى الذهن، لكن هذا ليس صحيحاً على نحو عام في هذا السياق.» (ص 39) ومن جهة أخرى يترجم هو نفسه subject إلى الذهن في موضع آخر: «الذهن بمعنى subject في الفلسفات الحديثة.» (ص 12)، لكن بصرف النظر عن هذا التناقض، فهو في محاضراته كلها يجعل الجوهر مرادفاً للموضوع ويجعل الذات مرادفاً للذهن، ويؤكد باستمرار أن المطلق عند هيغل هو موضوع هو عين "الذهن"، و"ذهن" هو عين الموضوع (ص 32 و33 و37 و38 و40 و42 و51-52) حتى إنه يترجم عنوان كتاب إرنست بلوخ (Subjekt –Objekt) عن هيغل إلى الذهن-الموضوع (ص 8). وكل هذا يستلزم أن يكون Geist الهيغلي ذهناً، لكنه ذهن متحد مع الموضوع وغير متحد به في آن (وحدة في عين الاختلاف)، ومثل هذا الذهن، وإن كان ذهناً عجيباً غريباً بالنسبة لفلسفات الفاهمة، فهو في نهاية المطاف "ذهن". لا أدري لماذا يصر السيد الطباطبائي، مع كل هذا التأكيد منه على أن المطلق الهيغلي ذهن هو عين الموضوع، على القول بأن المطلق (الغايست) ليس ذهناً البتة؟! ويدعي على هذا الأساس أن من يترجم عنوان كتاب هيغل إلى «فينومينولوجيا الذهن» لم يفهم هيغل أصلاً.
السيادة والعبودية
هل ما يقصده هيغل بالسيادة والعبودية هو العلاقة بين وعيي ذات في إنسانين اثنين أم العلاقة بين وعيي ذات في فرد واحد؟ يتبنى السيد الطباطبائي التفسير الثاني ويأخذه عن مفسرين مثل الأب لاباريير (ص 93). ومن وجهة نظره فإن خطأ كوجيف وأمثاله كان في أنهم اعتبروا هذه العلاقة ليست داخلية في الفرد بل خارجية وبين إنسانين (ص 78). يذكر السيد الطباطبائي دليلين لتبرير هذا التفسير: الأول أن هيغل تحدث عن وعيي ذات وليس عن إنسانين، والثاني أن هذا المبحث (السيد والعبد) قد ورد في النصف الأول من فينومينولوجيا الروح وليس في نصفه الثاني الذي يتعلق بمباحث فلسفة التاريخ. لو استطاع السيد الطباطبائي أن يثبت داخلية هذه العلاقة لدى هيغل، بالطبع في حدود تلك الصفحات الخمس من أصل خمسمائة صفحة من الفينومينولوجيا التي ينقلها عن ترجمة عناية لهيغل (وبتفسير كوجيف) (بصرف النظر عن الكلمتين أو الثلاث التي ينتقدها في ترجمة عناية وقد قلنا سابقاً إنه نقد غير مهم كثيراً)، لكان قد استطاع أن يخطو خطوة أساسية في طريق الأبحاث الهيغلية المتمحورة حول النص ومن داخل قصر فينومينولوجيا الروح الهيغلي. لكن هل أدلته على داخلية هذه العلاقة مقنعة حقاً؟ جوابنا على هذا السؤال سلبي. رداً على دليله الأول، حجتنا هي أنه إذا كان هيغل قد تحدث عن وعيي ذات وليس عن إنسانين، فإنه تحدث عن شخصين، ومن البديهي أن الشخص (Person) مساوق للإنسان؛ ورداً على دليله الثاني، نقدنا هو أنه في النصف الأول من الكتاب نفسه، ذُكرت مباحث ناظرة إلى فترات تاريخية أيضاً، مثل مباحث في الرواقية والشكية والضمير المعذب، والتي يناقشها السيد الطباطبائي بتفصيل، خاصة في ما يتعلق بالثالث (الضمير المعذب في اليهودية ومسيحية القرون الوسطى ومسيحية زمن هيغل). وبالطبع تبريره هو أن هذه المباحث لم تصبح تاريخية بعد لكن لها ما بإزاء تاريخي (ص 95). لكن كيف يمكن أن يكون بحث ناظر إلى أمر داخلي ولكن ما بإزائه خارجي وتاريخي؟! إذا كان هذا التضاد الداخلي قد شُبه فقط بحرب شخصين، ففي هذه الحالة يجب أن يكون «المشبه» ذا ما بإزاء تاريخي لا «المشبه به».
وبالطبع يجب أن يؤخذ في الاعتبار أن مقصودنا من الأدلة أعلاه هو مجرد مخالفة أدلة الدكتور الطباطبائي وليس مخالفة نتيجة هذه الأدلة: كلام هيغل حول علاقة وعيي الذات في وجود إنسان واحد.
نقطة أخرى هي أنه إذا كانت علاقة السيادة والعبودية، فرضاً، ليست علاقة بين إنسانين بل علاقة بين وعيين في وجود الفرد الإنساني، ففي هذه الحالة يكون شرح بعض المطالب التي قالها هيغل حول هذه العلاقة صعباً، والإتيان بهذه الشروح إلزامي. على سبيل المثال، حيث يتحدث هيغل عن العبد وعمله الذي يسبب إحداث تغييرات في العالم المادي، يجب أن يُسأل: إذا كانت هذه العلاقة داخلية، فما معنى التغييرات التي يحدثها وعي الذات المغلوب في العالم المادي (مع الانتباه إلى أن عالم وعي الذات هو العالم الداخلي وليس العالم المادي والخارجي)؟ للأسف، تفسير السيد الطباطبائي خالٍ من هذا النوع من الشروح والإيضاحات.
ما يجعل بحث السيد الطباطبائي عن «السيد والعبد» في فينومينولوجيا الروح لهيغل أكثر إثارة للاهتمام هو أنه يقوم فجأة، في ضمن هذا البحث، بمقارنة ثقافتنا بالثقافة الغربية ويقول إن الوعي في ثقافتنا لا يتم عن طريق نفي الغير وإثباته بالمعنى الهيغلي، بل عن طريق نفي الذات في الغير. السيد الطباطبائي، لكي يستخدم بحث هيغل لحل مشكلاتنا الثقافية، يُخلي كلامه فجأة عن داخلية هذه العلاقة وينساها ويعتبر المسألة خارجية: «البارادايم الفكري الرئيسي لدينا، خصوصاً في القرون المتأخرة، أي منذ أن حل المبحث العرفاني محل البحث النظري العقلي والفلسفي، هو نفي الذات عن طريق الفناء في الغير، وهو ما لا يمكن أن يخلق ديالكتيكاً... الأساس النظري لوجودنا قائم على الفناء، بينما الأساس النظري في الفلسفة الغربية الحديثة قائم على البقاء.» (ص 71) و«يقدم هيغل هنا، من جانبه، أحد بارادايمات علاقة الأنا والغير ليبين أن الإنسان إنما يكون إنساناً في هذه المناسبات لا في العزلة.» (ص 93)
«في الثقافة الغربية، يقف الإنسان في مواجهة الآخر سعياً إلى الاعتراف به كشخص، ويحاول إثبات ذاته في صراع حتى الموت، أما في الثقافة الشرقية، فبدلاً من أن تثبت الأنا ذاتها في مواجهة الآخر، يكون هدفها الفناء في الآخر.» هنا تصير علاقة الأنا بالآخر علاقة خارجية (بين الإنسان والإنسان، أو بينه وبين موجود خارج عنه) لا علاقة داخلية؛ في حين أصرّ السيد الطباطبائي على أن هذه النسبة داخلية وليست خارجية.
والواقع أنه إذا كانت النسبة داخلية، فينبغي القول إن هذا الصراع له ما يقابله تاريخياً في ثقافتنا (صوفيةً كانت أم غير صوفية)، وليس حكراً على الثقافة الغربية. ففي الرياضات الصوفية، ثمة دوماً حرب وتعارض بين الأنا التي تريد أن تسلك طريق العرفان والأنا التي لا تريد ذلك. وكذلك في غير التفسير العرفاني، يجد كل إنسان (غربياً كان أم شرقياً) تعارضات في ذاته؛ فهو يريد من جهة أن يكون على نحو، ويريد من جهة أخرى أن يكون على نحو آخر، فالحديث إذن عن صراع بين «رغبات» لا عن مسألة «فضيلة» كما يقول السيد الطباطبائي (ص94).
وفوق هذا كله، يتحدث هيغل عن حرب بين وعيي ذات، لا عن توافق وتفاهم بينهما. وهذا الوضع إن كان له ما يقابله تاريخياً، فمصاديقه هي تلك الحروب التي وقعت على مر التاريخ البشري، وأفضت إلى سيادة الطرف الغالب واستعباد الأمم المغلوبة، وبهذا المعنى لا فرق البتة بين الشرق والغرب؛ إذ لطالما وجدت هذه الحروب والاستعباد وسيادة الطرف الغالب في كليهما.
وإذا كان لأخلاقنا أن تُعتبر فردية لا اجتماعية، وقيل إن الأخلاق اليونانية التي كانت جمعية تحولت بعد الغزو المغولي في العالم الإسلامي إلى أخلاق فردية (ص 92)، فإن هذه الأخلاق يمكن أن تُرى متسقة مع الأخلاق الرواقية، والرواقية في فينومينولوجيا الروح عند هيغل مرحلة أرقى من مرحلة السيادة والعبودية وأسمى منها، لا أدنى.
فلسفة الفن عند هيغل بناءً على فينومينولوجيا الروح
يقول السيد الطباطبائي في تفسيره لآراء هيغل الفنية في فينومينولوجيا الروح: «فالمنازل المهمة إذن هي: الوعي، والوعي بالذات، والعقل، ومن هنا فصاعداً يطرح هيغل مباحثه الاجتماعية حتى يصل إلى كيفية صيرورة العقل إلى روح، وكيف يُظهر ذاته في ثلاث مرايا مختلفة: الفن، والدين، والفلسفة. المرآة الأولى وهي الفن، منزلٌ يُظهر فيه المطلق ذاته في فنون شتى، من النحت الذي هو عند هيغل أكثر الفنون مادية، إلى الشعر والموسيقى اللذين هما في غاية التجرد. ... [الفن] هو المرحلة الأولى لانتقال الروح ... ويُعرّف هيغل المرآة الثانية بأنها الأديان المختلفة التي أظهرت الروح ذاته فيها. يقول هيغل ... إن الفن عتبة انتقال الإنسان إلى الدين، ويُسمي أديان البشر الأولين بالأديان الفنية.» (ص 29)
ما نُقل آنفاً عن السيد الطباطبائي لا صلة له البتة بفينومينولوجيا الروح لهيغل، ولا يعرض فلسفته في الفن في ذلك الكتاب، بل هو تقرير شديد الإيجاز لآراء هيغل المتأخرة حول الفن في «دروس في علم الجمال» و«موسوعة العلوم الفلسفية»، وهي مطالب تُذكر تقريباً في كل كتاب تمهيدي عن هيغل.
هيغل في فينومينولوجيا الروح، خلافاً لما ينسبه إليه السيد طباطبائي، يتحدث أولاً عن ثنائية الدين والفلسفة بوصفهما نمطين من أنماط إدراك المُطلق، بدلاً من ثلاثية الفن والدين والفلسفة، وهو ما يذكره في إعلان الكتاب الذي ينقله السيد طباطبائي أيضاً (ص ٣٢). في أعمال هيغل المتأخرة، يستقل الفن عن الدين ويقدم نمطاً خاصاً به في إدراك الروح المطلق، أما في الفينومينولوجيا فلا يُناقش الفن إلا في إطار نوع من الدين (الدين اليوناني). وهذا فرق جوهري بين فلسفة الفن عند هيغل في الفينومينولوجيا وأعماله الأخرى. في الفينومينولوجيا، وخلافاً لما يقوله السيد طباطبائي، ليس الفن هو المرحلة الأولى لانتقال الروح. المرحلة الأولى هي الدين في شكله الطبيعي، ثم إن الأديان الأولى في الفينومينولوجيا، خلافاً لما قاله السيد طباطبائي، ليست أدياناً فنية، بل إن الدين الفني يأتي بعد الأديان الأولى (الأديان الطبيعية) وليس عينها. في الفينومينولوجيا أيضاً، من موارد اختلاف الرأي بين هيغل المتقدم والمتأخر في فلسفة الفن أن النحت، بوصفه فناً في المرحلة الأولى، لا يزال خاماً وناقصاً، بينما في أعمال هيغل المتأخرة، ذروة الفن الإنساني هي الفن الكلاسيكي، وذروة الفن الكلاسيكي هي النحت. طبعاً السيد طباطبائي لا يعترض على هذه النقطة الأخيرة، لكننا ذكرناها لبيان فلسفة الفن المتقدمة والمتأخرة عند هيغل.
الخلاصة أن السيد طباطبائي قد خلط بين فلسفة الفن المتأخرة عند هيغل وفلسفته المتقدمة في تفسيره لفينومينولوجيا الروح، وهو ما لا يُنتظر من شخص في مكانته. طبعاً هو يلتفت إلى هذا الأمر حيث يقول: «طبعاً هيغل لا يطرح جميع المباحث في الفينومينولوجيا، بل إن منظومته الفكرية قد اكتملت في كتب مختلفة» (٢٩). هذا الكلام للسيد طباطبائي لا يبرر تفسيره غير ذي الصلة لفلسفة الفن عند هيغل استناداً إلى كتاب فينومينولوجيا الروح، لأنه تصدى لمناقشة فلسفة الفن عند هيغل وهو بصدد تفسير فينومينولوجيا الروح، خصوصاً مع الانتباه إلى النص والرجوع إليه، وليس بصدد تقديم تفسير لفلسفة الفن اللاحقة عند هيغل، دون رجوع إلى النص ومجرد نظرة من خارج قصر أعمال هيغل. ثم إن هيغل لم يكمل فلسفته في الفن في أعماله الأخرى فحسب، بل الأهم من «التكميل» أنه قام «بتجديد» نظرياته، وهي تجديدات أشرنا إلى بعضها آنفاً، وفي غضون ذلك أشرنا إلى بعض الفروق بين فلسفة الفن عند هيغل استناداً إلى فينومينولوجيا الروح وفلسفته اللاحقة في الفن.
استعارة المصطلحات من الفلسفة الإسلامية
الحركة الجوهرية: يترجم السيد طباطبائي المصطلح الهيغلي Selbstbewegung إلى لغة الفلسفة عند الملا صدرا بـ «الحركة الجوهرية» ويقول: «Selbstbewegung… تعني الحركة الذاتية أو التحرك الذاتي، أي أن الذات تحرك نفسها، وأنا أترجمها بالحركة الجوهرية…. من مشخصات الفلسفة الحديثة أنها تنقل عامل الحركة والتحول من الخارج إلى الداخل. ذروة هذه الحركة عند هيغل الذي يقول إن الحركة ليس لها عامل خارجي، بل عاملها داخلي، أي أنها الحركة الجوهرية نفسها.» (ص ٧٦) ثم يحاول السيد طباطبائي في قالب عبارات أخرى تأكيد جوهرانية الحركة الديالكتيكية استناداً إلى اصطلاحية الملا صدرا.
مشكلة السيد طباطبائي أنه لا يدقق في أن الحركة الجوهرية حركة ذاتية لا عرضية، والحركة الذاتية أمر ضروري أو واجب لا ممكن (مناط الاحتياج إلى العلة عند الملا صدرا وسائر الفلاسفة الإسلاميين هو الإمكان)، وبالتالي لا تحتاج إلى عامل وفاعل للحركة؛ لذلك ليس صحيحاً أن نقول إن لهذه الحركة عاملاً وعاملها هو نفسها. لهذا السبب تحدث فلاسفتنا في الحركات العرضية عن الجعل المركب، وفي الحركات الذاتية عن الجعل البسيط. في الحركة الذاتية، الجاعل يُوجد الشيء نفسه، ولأن الشيء متحرك بالذات، فإن الحركة تتحقق بجعل الشيء، أما في الحركات العرضية فهناك حاجة إلى جعلين (جعل مركب): جعل الشيء نفسه وجعل الحركة فيه (تحريكه).
لقد ناقش فلاسفتنا الحركةَ أيضاً بالنظر إلى فاعلها، وقسّموها إلى ثلاثة أقسام: طبيعية وقسرية وإرادية، وليس أيٌّ منها بحركات جوهرية. علاوةً على ذلك، فإن هذا البحث القائل بأن المتحرّك لا يمكن أن يكون هو نفسه فاعلَ حركته، له دليل واضح في فلسفتنا التقليدية: لو كان المتحرّك هو نفسه محرّكاً لذاته، لكان المحرّك فاعلاً للحركة، وكان المتحرّك (الذي هو المحرّك نفسه) قابلاً للحركة، واجتماع هاتين الحيثيتين (حيثية الفعل وحيثية القبول) في أمر واحد محال ويؤول إلى التناقض، لأن إحداهما حيثية وجدان والأخرى حيثية فقدان.
في فلسفتنا، كونُ فاعل الحركة هو نفس المتحرّك أمرٌ محال لا ممكن، ومن ثمّ فمن غير الممكن أن يكون فلاسفتنا قد استدلّوا على جوهرية حركة متحرّكٍ ما بكون فاعل الحركة فيه هو ذلك المتحرّك نفسه. (إن أدلة إثبات الحركة الجوهرية غريبة كلّ الغرابة عن هذه النظرية القائلة بأن فاعل الحركة هو المتحرّك نفسه). والحاصل أنه لا يمكن، من منظور الفلسفة الصدرائية، اعتبارُ حركةٍ يكون "فاعلها" هو المتحرّك نفسه حركةً جوهرية.
المعقول بالذات: يرى السيد الطباطبائي أن كلمة Objekt في فلسفة هيغل تتطابق من حيث المعنى (لا من حيث المصداق) مع «المعقول بالعرض»، وكلمة Gegenstand تتطابق من حيث المعنى مع «المعقول بالذات» في فلسفتنا، وينسب هذين المصطلحين إلى ملّا صدرا (ص ۳۹)، في حين أن أول من استخدم هذين المصطلحين (المعقول أو المعلوم بالذات، والمعقول أو المعلوم بالعرض) ليس ملّا صدرا، بل إن هذين المصطلحين يردان قبله بكثير حتى في كلمات ابن سينا (ابن سينا، ۱۳۶۳: ۱۸۹)
وثانياً، مقارنة Gegenstand بالمعقول بالذات خطأ من أساسه. ذلك أن مقصود ملاصدرا من المعقول بالذات، كما أشار إليه السيد الطباطبائي أيضاً، هو الصورة الذهنية للشيء الخارجي. فعلى سبيل المثال، يمكن لكوب في العالم الخارجي أن تكون له صورة في الذهن. هذه الصورة الذهنية هي الكوب نفسه لكنها كوب ذهني. وإذا كنا نعقل هذا الكوب فالمقصود هو هذا الكوب (الكوب الذهني) وهذا الكوب هو المعقول بالذات؛ إذ إن كونه معقولاً أو معلوماً ليس حاصل إضافة أو نسبة بين الذهن والصورة الذهنية، بل الصورة الذهنية هي عين العلم، وبالتالي فهي معقولة (معلومة) بالذات. أما في فكر هيغل، ففي علمنا بالأشياء الخارجية لا توجد صورة ذهنية لتلك الأشياء في الذهن. ففي مقدمة (Einleitung) فينومينولوجيا الروح، يسعى هيغل بكل جهده إلى تنحية هذه التصورات (العبثية على حد تعبيره) القائلة بأن المعرفة (العلم) أداة (النظرة المرآوية للذهن) أو واسطة (النظرة النظّارية للذهن) جانباً، وبعبارة أخرى، إلغاء الصورة الذهنية بوصفها واسطة بين الذهن والعين. (خلافاً لكانط الذي قال بوجود واسطة هي العالم الظاهري بين الذهن والأشياء في ذاتها (العينية)). لذلك، لا يكون الشيء بأي نحو من الأنحاء (شيء ذهني أو شيء عيني، كالكوب الذهني والكوب العيني) معلوماً بالذات في فلسفة هيغل. فالأشياء من وجهة نظر هيغل ليست معلومة بالذات، وإلا لما كان لدينا سوى Gegenstand وليس Objekt، بل تصير معلومة بعَرَض شيء آخر (تنتقل من حالة Objekt إلى حالة Gegenstand)، وتلك الواسطة التي تجعل المعلومية عارضة على الأشياء ليست «الصورة الذهنية» (كالكوب الذهني مثلاً)، بل «التحليل الديالكتيكي للمفاهيم أو الأشياء». والتحليل الديالكتيكي الفلسفي من سنخ الفعل لا من سنخ الصورة الذهنية، وخلافاً للصورة الذهنية للكوب التي هي – بالطبع، بلحاظٍ آليٍّ منا – كوبٌ واحد، فإن التحليل الديالكتيكي للكوب (مثال الكوب الذي يذكّر الإنسان قبل كل شيء بقلم الحبر ليس مثالاً مناسباً لبحثنا، لكن بما أن السيد الطباطبائي استخدم هذا المثال فقد استخدمناه نحن أيضاً مجاراةً له، ومن الواضح طبعاً أن لا مشاحة في المثال) ليس كوباً بأي نحو من الأنحاء (ذهني أو عيني) حتى يمكن اعتباره معلوماً (ففي مثالنا الفرضي، يتعلق العلم بالكوب والكوب هو المعلوم أو المعقول، فإذا لم يكن الكوب العيني معقولاً بالذات، فالكوب الذهني (الصورة الذهنية للكوب) غير موجود أيضاً حتى يكون ذلك النحو من وجود الكوب معقولاً ومعقولاً بالذات (لأن الصورة الذهنية هي العلم نفسه وهي علم بذاتها (بالذات)). وبعبارة أخرى، في العلم بالكوب، الكوب معلوم أو معقول (في الفلسفة الإسلامية يُستعمل المعقول هنا مرادفاً للمعلوم)، وإذا كان هناك كوبان موجودان (أحدهما في الذهن بوجود ذهني والآخر في الخارج بوجود عيني)، فهناك إذن معقولان موجودان، أحدهما معقول أو معلوم بالذات لأنه عبارة عن العلم نفسه (الصورة الذهنية هي العلم نفسه)، والآخر معقول بواسطة الأول. أما في فكر هيغل، فحيث إن الصورة الذهنية لا تحول بين الذات والأعيان الخارجية، فليس لدينا أكثر من كوب واحد، وهذا الكوب بالطبع ليس معلوماً بالذات، لأنه لا يمكن معرفته ما لم يجرِ عليه التحليل العقلي الديالكتيكي؛ إذن، فنحن في فلسفة هيغل نتعامل فقط مع المعقول بالعرض لا المعقول بالذات.
والحاصل أن كون الشيء معقولاً بالذات رهين بكونه صورة ذهنية، وفي فلسفة هيغل، مع إنكار الوجود الذهني (إنكار تلقي المعرفة بوصفها أداة أو واسطة)، لا يمكن العثور على أي مصداق لهذا المفهوم (المعقول بالذات).
منهج الواقعية: يقسم السيد الطباطبائي تاريخ الفلسفة الغربية إلى ثلاث حقب: حقبة التمحور حول العين (من اليونان القديمة حتى نهاية العصور الوسطى)، وحقبة التمحور حول الذهن (من ديكارت حتى زمن هيغل)، وحقبة التمحور حول الذهن-العين (بالتعبير الذي يستعيره من إرنست بلوخ والذي يبلغ ذروته في فلسفة هيغل). سمة الحقبة الأولى هي اعتبار العالم الخارجي فاعلاً والذهن منفعلاً، وفي الحقبة الثانية، على العكس من الحقبة الأولى، الذهن هو الفاعل الذي يفهم العالم وفقاً لنماذجه وصُوَره، بتعبير كانط. (ص11) ثم يعتبر السيد الطباطبائي الحقبةَ الأولى حقبةً واقعية، ويعتبر سنخ المباحث المطروحة في «أصول الفلسفة والمنهج الواقعي» للعلامة الطباطبائي رحمه الله منتمياً إلى هذه الحقبة الأولى من تاريخ الفلسفة الغربية. ومن وجهة نظر السيد الطباطبائي، لا توجد لدينا فلسفة جديدة، وفلسفتنا هي الفلسفة القديمة نفسها. وعليه، فإن منهج الواقعية هو المنهج الفلسفي نفسه في الحقبة الأولى من تاريخ الفلسفة (حقبة التمحور حول العين). (ص 10)
ما نُقل عن الدكتور الطباطبائي يمكن دحضه بسهولة من خلال دراسة كتاب «أصول الفلسفة والمنهج الواقعي»؛ ذلك أن العلامة كان يعتبر حتى آراء أمثال ديكارت (الذي لم يكن يؤمن بموضوعية الكيفيات الثانوية) وكانط (الذي كان يعد الزمان والمكان وهميين) آراءً واقعية في الفلسفة، لأن هؤلاء، رغم امتلاكهم فكرًا خاطئًا، لا ينكرون أصل وجود حقائق خارجة عن الذهن. (الطباطبائي، بلا تاريخ: ١٦)
المثير للاهتمام أن الدكتور الطباطبائي حين يتحدث لاحقًا عن نقد هيغل لكتابة المقدمات في الفلسفة، لا يرى أن كتابة المقدمات أو نظرية المعرفة الخارجية، التي بلغت ذروتها في أعمال الفلاسفة المحدثين وخاصة كانط، منفصلة عن منهج الواقعية عند العلامة الطباطبائي. (ص٣٧-٣٨) ومع ذلك، فهو الذي كان يربط سابقًا منهج الواقعية الذي يقصده العلامة الطباطبائي بالدور الأول من تاريخ الفلسفة (دور التمركز حول العين)، يربطه فجأة وبتناقض صريح بالدور الثاني (دور التمركز حول الذهن). ناهيك عن أن من يقرأ على الأقل المقالتين الأولى والثانية من كتاب العلامة الطباطبائي بدقة، سيدرك أن مقصوده من منهج الواقعية ليس التمركز حول العين ولا نظرية المعرفة. إن سماحته يعد الفلسفة مرادفة للواقعية، والسفسطة مرادفة للمثالية، ويسعى في هذا الكتاب إلى التعريف بالمتصوفين المتظاهرين بالفلسفة، وفي مقدمتهم الماركسيون. في المنهج الصحيح للتفلسف من منظور العلامة الطباطبائي، ينبغي على الأقل قبول بديهيات مثل وجود شيء خارج الذهن وإمكانية المعرفة (أن هناك شيئًا خارج الذهن في الجملة، وأنه يمكن حصول معرفة في الجملة) وما إلى ذلك، ومن يؤمن بهذه الأسس يكون منهجه في الفلسفة واقعيًا (غير سفسطائي). أما أناس كالماركسيين وغيرهم، ممن يدوسون صراحة على كثير من البديهيات الأولية، أو يكون إنكار مثل هذه البديهيات لازمًا لأفكارهم الأصيلة (فعلى سبيل المثال، يرى العلامة أن لازم الاعتقاد بأن الفكر من صنع الدماغ هو القول بنظرية الأشباح والإنكار المطلق للعلم بالخارج)، فهم بعيدون عن منهج الواقعية ومن أهل السفسطة. (الطباطبائي، بلا تاريخ: ١٧)
بضع ملاحظات نقدية أخرى
تجاوز تفسير جان هيبوليت: يرى السيد الطباطبائي (ربما للتقليل من قيمة كتاب السيد مجتهدي المعنون «فينومينولوجيا الروح بحسب رأي هيغل») أن تفسير هيبوليت لفينومينولوجيا الروح لهيغل (بعنوان «تكوّن وبنية فينومينولوجيا الروح لهيغل») هو تفسير متجاوز لا أهمية له ولا يقرؤه أحد. (ص ٣) وهو يعتبر كتاب الدكتور مجتهدي مجرد اقتباسات من كتاب هيبوليت، في حين أن الدكتور مجتهدي أولاً قد صرح في مقدمة كتابه بأن كتاب هيبوليت ليس الكتاب الوحيد الذي استعان به، وأنه استعان أيضًا بكتب هيغل نفسه وبتفاسير أخرى (ذكر مجتهدي في قائمة مصادره في نهاية كتابه، عدا الترجمة الفرنسية لهيبوليت لـ«فينومينولوجيا الروح» وتفسير هيبوليت لها، ثلاثة تفاسير لثلاثة باحثين آخرين في هيغل)، بل إن الدكتور مجتهدي صرح بسبب النظرة الوجودية لهيبوليت بأنه «لا يمكن الموافقة على رأيه في جميع الحالات.» (مجتهدي، ١٣٨٠: ٢٢) لذا لا يمكن مسايرة السيد الطباطبائي في ادعائه بأن كتاب الدكتور مجتهدي مجرد اقتباسات من تفسير جان هيبوليت؛
وثانيًا، وعلى عكس ما يقوله السيد الطباطبائي، فإن كثيرًا من الباحثين البارزين والمعروفين في هيغل اليوم يقرؤون كتاب هيبوليت ويوصون قراء أعمالهم بقراءته، ونكتفي هنا بذكر ثلاثة منهم: جون ن. بربيدج (الرئيس السابق لجمعية هيغل الأمريكية الذي انتُخب رئيسًا فخريًا لجمعية هيغل لبريطانيا العظمى عام ٢٠٠٨) يعرّف بكتاب «تكوّن وبنية فينومينولوجيا الروح لهيغل» لجان هيبوليت كمصدر ثري ويوصي قراء أعماله بدراسته (بربيدج، ١٣٩٠: ٢٢٢)، ويتناول إينوود في قسم الببليوغرافيا في نهاية «معجمه الفلسفي لهيغل» التعريف بكتاب هيبوليت كأحد مصادر عمله. أما بايزر، وهو من أساتذة فلسفة هيغل المعروفين، فيذكر في كتابه - الذي يحوي في الأصل دروسه التي ألقاها في ربيع ٢٠٠٢ في جامعة هارفارد حول فلسفة هيغل ونشره عام ٢٠٠٥ - في معرض تعريفه بكتب للمطالعة الإضافية، كتاب هيبوليت الذي «رغم أنه يصبح غامضًا أحيانًا إلا أنه قيّم» (بايزر، ١٣٩١: ٤٩٠)
تحقیر جهان انگلیسی زبان: از جمله ادعاهایی که آقای طباطبایی میکنند و ادعای خیلی سنگینی هم هست این است که ایشان در مورد جهان انگلیسی زبان ادعا میکنند که در این جهان هنوز کسی نتوانسته است به درون کاخ پدیدارشناسی روح هگل راه یابد و مفسرانی سعی کردهاند پدیدارشناسی را توضیح بدهند اما همچنان بیرون کاخ بلند پدیدارشناسی روح مانده و تنها از بیرونِ این کاخ و از فاصلهی دور به توصیف کلی آن پرداخته اند. (ص ۴-۳) و البته این یک افتخار برای ما فارسزبان-هاست که از انگلیسیزبانها در این زمینه جلوتر هستیم و برخلاف آنها که هنوز بیرون از کاخ بلند پدیدارشناسی روح ماندهاند، به واسطهی مساعی دکتر طباطبایی توفیق ورود به درون کاخ پدیدارشناسی را پیدا کردهایم!
کسانی که حداقل ارتباطی با آن سوی مرزها داشته باشند به خوبی میدانند که جهان انگلیسیزبان نه مشکلات و محدودیتهای زبانی ما را دارد (در دانشگاههای ما بسیاری از کسانی که فلسفهی هگل درس میدهند زبان آلمانی نمیدانند) و نه مشکلات و محدودیتهای ما را در اخذ ویزا برای رفتن و استفادهی علمی از دانشگاهها و موسسههای تحقیقاتی در آلمان. در جهان انگلیسیزبان، کارِ تخصصی کاملا تعریف شده است و برخلاف ما که بیشتر در حد تاریخ فلسفه (بقول خود آقای طباطبایی) به فلسفهی غرب میپردازیم تعداد قابل ملاحظهای از محققان انگلیسی زبان، به کار تخصصی از جمله در فلسفهی هگل میپردازند، بدون اینکه مشکلات ابتدایی ما چون اخذ ویزا و ندانستن زبان آلمانی و … را داشته باشند. آنها از نتایج کار کسانی که در زمینهی تخصصیشان در آلمان کار میکنند آگاهند و حتما آثار آنان را در راستای تحقیقات خود، مطالعه می کنند. بنابراین چگونه ممکن است که پژوهشگرانی که نه در زبان آلمانی مشکل دارند و نه در رفتن به مراکز تحقیقاتی در آلمان یا در دسترسی به و فهمِ کتابهای آلمانی، این آثار را ندیده باشند و با آثاری که آلمانی زبانها یا آلمانی-نویسها در باب فلسفهی هگل پدید آوردهاند آشنا نباشند؟ مگر این که بگوییم این پژوهشگران انگلیسیزبان، خواندن آثار محققان آلمانی را بر خود تحریم کردهاند!
به عنوان نمونه، یک مورد از ارتباط محققان انگلیسی زبان با مراکز تحقیق فلسفی در آلمان ذیلا ذکر میشود:
رابرت ویکس استاد فلسفه در دانشگاه آریزونا در پایان پینوشتهای مقالهی خویش با عنوان «نظری اجمالی به زیبایی شناسی هگل»، می نویسد: «مایلم از پژوهندگان مرکز بایگانی هگل در بوخوم در آلمان بویژه از هلموت اشنایدر و کریستوف یامه سپاسگزاری کنم؛ زیرا دوستی و تشویق خارقالعادهی آنها درک مرا از هگل بینهایت گسترش بخشید و پژوهشهای مرا دربارهی زیباییشناسی هگل در جمعشان بسیار دلپذیر ساخت. نیز مایلم از Fulbright Kommission تشکر کنم که از اقامت من در آلمان برای این پژوهشها حمایت کرد. (ویکس، ۱۳۹۱: ۴۰۰)
نتیجهگیری
يَعِدُ السيد الطباطبائي في مستهل محاضراته بالرجوع إلى نص هيغل نفسه وتقديم تفسير داخلي (لا نظرة من خارج إلى صرح فينومينولوجيا هيغل)، لكنه يكتفي عملياً بتلك النظرة من الخارج، ولا يتوغل في هذا البناء إلا بالقدر (نحو 5 صفحات ومبحث السيد والعبد) الذي سبق أن توغل فيه حميد عنايت. فهو من جهة يرى أن إمكاناتنا اللغوية غير كافية للتعبير عن فلسفة هيغل، ومن جهة أخرى يدّعي، مستخدماً هذه الإمكانات اللغوية ذاتها، تقديم أفضل تفسير لفلسفة هيغل في اللغة الفارسية. ومن وجهة نظره، ربما لن نتمكن حتى القرن القادم من الاقتراب من أصل الفينومينولوجيا، ومع ذلك يدّعي أننا إذا استطعنا فهم المنطق الحاكم على بضعة مباحث من مباحث الفينومينولوجيا، نكون قد فهمنا العمل بأكمله والروح الحاكمة عليه. وهو في موضع من محاضراته لا يعتبر صور الوعي ذات حركة تكاملية، ويتحدث في موضع آخر عن كونها تكاملية. ومن مظاهر التناقض الأخرى أنه يتحدث من جهة عن خطأ ترجمة Geist إلى ذهن، ومن جهة أخرى، مما يقوله في تفسير كون الجوهر ذاتاً، يلزم بالضرورة كون Geist ذهناً. وأمر آخر هو أنه في مبحث السيد والعبد، الذي يستغرق ربع محاضراته (جلستان من أصل ثماني جلسات)، يصر على أن هذه العلاقة هي علاقة داخل الفرد الواحد وليست علاقة إنسانية بإنسان آخر، لكنه لاحقاً، وعلى أساس أن هذه العلاقة هي علاقة بين الإنسان وغيره، يعقد مقارنة بين الثقافة الغربية والثقافة الإيرانية. فلسفة الفن التي يقدمها على أساس كتاب فينومينولوجيا الروح لا صلة لها بكتاب فينومينولوجيا الروح لهيغل، وهي صورة موجزة من فلسفة الفن المتأخرة عند هيغل. كما أن اقتباساته من الفلسفة الإسلامية مغلوطة في أغلبها ولا مبرر لها. فالمعقول بالذات ليس مرادفاً لـ Gegenstand الهيغلي، والحركة التي فاعلها هو المتحرك نفسه ليست، من وجهة نظر فلاسفة المدرسة الصدرائية، حركة جوهرية. ومنهج الواقعية، في اعتقاد العلامة الطباطبائي، هو منهج التفلسف الصحيح الذي لا تُطرح فيه البديهيات الأولية، كوجود العالم الخارجي وإمكانية المعرفة أو ما يلزم عن هذه البديهيات، موضع شك أو إنكار من الأساس، وليس كما ينسبه هو مرة إلى العلامة بمعنى العين محورية، ولا كما ينسبه مرة أخرى إلى العلامة بمعنى الإبستيمولوجيا. ثمة انتقادات أخرى توجه إلى مجموع ما طرحه في محاضراته، وقد أشرنا إلى بعضها في متن هذه المراجعة النقدية.
في اعتقادي، إن الكتب المتوفرة، تأليفاً كانت أم ترجمة، في اللغة الفارسية، وعلى الرغم من جميع أوجه القصور فيها، أكثر توفيقاً في التعريف بفلسفة هيغل من محاضرات الدكتور الطباطبائي، ولا ينبغي للقراء الناطقين بالفارسية أن يمنعوا أنفسهم، بفعل تحذيراته، من قراءة تلك الأعمال.***
ومع ذلك كله، وبعيداً عن نطاق المباحث الفلسفية البحتة، فإنني أكن للدكتور الطباطبائي ولسائر أعماله قيمة كبيرة، والنقاط المذكورة لا تنقص ذرة من شكري واحترامي له، وأتمنى له مزيداً من التوفيق في مواصلة البحث في مجال الفكر السياسي.
* علي أصغر مروت أستاذ مساعد في جامعة بيام نور بهمدان.
.
.
ملاحظات:
* للأسف، حذف المحرر المحترم (السيد نصيري) أجزاءً من كلام السيد الطباطبائي في هذا الشأن، ولذا من الأفضل الرجوع إلى المحاضرات نفسها (مطلع الجلسة الرابعة).
** المحاضرات المسجلة التي بحوزتي من دروس تفسير فينومينولوجيا الروح للدكتور الطباطبائي تتضمن أقراص دي في دي تم فيها فصل محاضراته الثماني إلى 17 مقطعاً. للتحقق مما ادعيناه هنا، يُرجى في الشأن السادس الرجوع إلى المقطع 6، الدقيقة 41-42، وفي الشأن السابع إلى الدقائق الأولى من المقطع 7، وفي الشأن الثامن إلى الدقيقة الرابعة من المقطع 9، وفي الشأن التاسع إلى الدقائق الأولى من المحاضرة الخامسة (المقطع 10).
*** كوننا قد جعلنا مصادرنا في هذا المقال، كلها من الأعمال الفارسية أو المترجمة إلى الفارسية، كان أمراً مقصوداً إلى حد ما. غرضنا كان أن نبين أنه بهذه المصادر ذاتها يمكن تقييم محاضرات الدكتور طباطبائي حول هيغل من موقف رفيع، والمضي في فهم فلسفة هيغل أبعد مما يقدمه أثره.
.
.
ستيس، و. ت. (۱۳۷۲) «فلسفة هيغل» ترجمة حميد عنايت، طهران، انتشارات وآموزش انقلاب إسلامي.
إينوود، مايكل (۱۳۸۸) «المعجم الفلسفي لهيغل» ترجمة حسن مرتضوي، طهران، نيكا.
بوعلي سينا (۱۳۶۳) «التعليقات» قم، مكتبة آية الله النجفي.
بايزر، فريدريك (۱۳۹۱) «هيغل» ترجمة سيد مسعود حسيني، طهران، ققنوس.
سينغر، بيتر (۱۳۷۹) «هيغل» ترجمة عزت الله فولادوند، طهران، طرح نو.
طباطبائي، سيد جواد (بلا تاريخ) «تفسير فينومينولوجيا الروح لهيغل» تقرير مصطفى نصيري.
طباطبائي، سيد محمد حسين (بلا تاريخ) «أصول فلسفة الواقعية» بجهود سيد هادي خسروشاهي، قم، مركز البحوث الإسلامية.
فيندلي، جون. ن؛ بربيدج، جون. و. (۱۳۹۰) «أقوال في فلسفة هيغل» ترجمة حسن مرتضوي، طهران، نشر جشمه.
كربن، هنري (۱۳۸۸) «تاريخ الفلسفة الإسلامية» ترجمة جواد طباطبائي، طهران، كوير.
مجتهدي، كريم (۱۳۸۰) «فينومينولوجيا الروح وفقاً لرأي هيغل» طهران، شركة انتشارات علمي وفرهنكي.
مطهري، مرتضى (۱۳۸۳) «دروس الأسفار» ج ۲، قم، صدرا.
ويكس، روبرت (۱۳۹۱) «نظرة إجمالية إلى جماليات هيغل» مندرج في «مدخل إلى جماليات هيغل» (۱۳۹۱) ترجمة ستاره معصومي، طهران، آرشام.
.
.
.
.
نقاش حول هذا المقال٢ تعليق
مقاله ی بسیار خوبی بود، و به صورت مستدل نشان داده مدعیات خود برتربینانه آقای طباطبایی تا چه حد بی پایه و اساس است که تنها از طریق تخریب شهرت و حیثیت مترجمان و روشنفکران دیگر تلاش دارند خود را بزرگ جلوه دهند، در حالی که خدماتی که به فرهنگ و اندیشه ی ما کرده اند بسیار کمتر از همان کسانی است که ایشان آنها را متهم به بیسوادی می کنند.
دقیقا