اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
على إثر الجدل الأخير، تُعادُ نشر انتقادات مصطفى ملكيان لـ«نظرية الانحطاط» التي صاغها سيد جواد طباطبائي، والمستقاة من حوار أُجري عام 1382 مع «ياس نو». يتناول ملكيان الفارق بين تقليد النقد في إيران والغرب وملامح الوضع الفكري في إيران.

انتشار حوار بين مصطفى ملكيان وهومان دورندش حول الدكتور السيد جواد الطباطبائي أثار جدلاً، إذ لم تُنتقد المشروع الفكري للدكتور في ذلك الحوار، لكن مصطفى ملكيان انتقد قبل ذلك في أماكن أخرى المشروع الفكري للسيد جواد الطباطبائي وهو «الحداثة الإيرانية» و«نظرية الانحطاط». رأينا أنه من المناسب إعادة نشر هذه الانتقادات في السياق الراهن.
من الضروري التذكير بأنه بما أن هذه الانتقادات أنجزت قبل أكثر من عقد من الزمن، فمن الممكن أن تكون بعض نقاطها لا تنطبق حالياً على الدكتور الطباطبائي الذي طوّر وأحياناً صحح ونقد آراءه ونظرياته.
أول انتقاد لمصطفى ملكيان للدكتور جواد الطباطبائي هو حوار أجراه مع جريدة ياس نو في سنة 1382 وقد نُشر في جزأين. يمكنك تحميل هذا الحوار من هنا أو قراءته أدناه.
التواجه بين المفكرين في إيران ليس سنة مألوفة. فهذه سنة الغرب حيث يتم نقد وجهات النظر بين المثقفين بصراحة وشفافية. لكن في إيران يبدو أن تفاعل النخب ينضاف إلى الأخلاق الشائعة العامة. لهذا السبب تؤدي هذه المواجهات إما إلى مستوى نزاعات واسعة وتهبط بالضرورة عن المستويات المعرفية، وإما تتخذ صيغاً استعارية وتلميحية لدى النخب التي لا تريد تحويل العلاقات إلى جدل. «نظرية انحطاط إيران» (للسيد جواد الطباطبائي) لم تثر صدى واسعاً في مجال الفكر لأهمية هذا المشروع فحسب، بل أيضاً لشهرة صاحبه. وهذا الصدى الواسع جعل البحث عن نظّار ينتقد هذه النظرية يبدأ. الدكتور مصطفى ملكيان، بوصفه نظاراً لـ «العقلانية والروحانية»، هو أحد أنسب هؤلاء الأشخاص. يقول ملكيان: من حيث النفسية فهو منطو على الذات، ثم يضيف أنه لا يهتم بالتشاجر مع الآخرين. ربما لهذا السبب يتحاشى علناً الإجابة عن سؤال بشأن جهاز أفكار أحد المثقفين المسلمين. يؤكد الأستاذ بإصرار أنه يقبل الحوار فقط بشرط ألا ننشر صورة له. نقول له إن هذا يفسد تصميم الصفحة الأصلي... لكن على أي حال، لا يوافق؛ وبالطبع، الحوار مع ملكيان يستحق أكثر من هذا.
طُرحت نظرية العقلانية والروحانية وتابعت لكي تكون سبيلاً للخروج من الإفراط والتفريط الذي لا يظهر فقط في الحالة الثقافية لإيران المعاصرة، بل في الحالة الثقافية للعالم المعاصر أيضاً. أريد أن أقول إن المشكلة التي تسعى هذه النظرية بتواضع إلى حلها ليست مشكلة اختصاصية بإيران المعاصرة، بل هي مشكلة عامة وشاملة. بالطبع لا شك في أن إيران المعاصرة تتمتع بخصائص فريدة وفريدة من نوعها؛ فمن جهة لم تكن موجودة في إيران الأمس ولن تكون موجودة في إيران الغد، وهي أيضاً لا توجد في بقية المجتمعات المعاصرة، وتجعل هذه الخصائص نظرية الجمع بين العقلانية والروحانية في هذا المجتمع تواجه مشاكل ومسائل مختلفة عن المشاكل والمسائل التي تواجهها في المجتمعات الأخرى.
بصراحة، لا أستحسن كثيراً التعبير «الإفراط في مجال العقلانية». ما لا يمكن الدفاع عنه في مجال العقلانية هو ألا تحظى العقلانية بالسعة والعمق اللائقين. بعبارة أخرى، ما يجب الحذر منه هو عقلانية إما أن تكون «ذات سقف واحد وهواءين»، وبالتالي تم قطع الطريق أمام اتساعها الطبيعي والمنطقي، أو عقلانية لم تخترق أعمق طبقات الفكر. أي أن الطريق قد قطعت أمام تعمقها. «كون الشيء ذا سقف واحد وهواءين» يعني أيضاً أننا نكون عقلانيين حقاً في حقل أو حقول معينة، بينما نتهرب من العقلانية إلى حد ما أو بأكثر من اللازم في الحقول الأخرى.
بلى، هناك سمات في الوضع الحالي لهذه الأرض والحدود قد لا توجد مجموعتها إلا في إيران المعاصرة، وكل هذه السمات قد أخذت في الاعتبار في صياغة ومتابعة نظرية «العقلانية والروحانية». إحدى هذه السمات هي التفسير الأصولاني للإسلام، الذي له أنصار جادون إلى حد ما، وهناك أشخاص يؤمنون به فعلاً أو يتصرفون كما لو كانوا يؤمنون به. السمة الثانية هي نوع من روح الاستقبالية والتقليدية وتجنب الاستدلال، وهو ما لا يزال شائعاً بين قسم معتبر من شعبنا، وقد أدى بدوره إلى انتشار الجزم والجمود. السمة الثالثة هي تفسير خاطئ لمفهوم «الذات» و«الآخر»، وهو ليس سوى الاستعجاب بالنفس (في حقل الذات) والحكم المسبق السلبي (في حقل الآخر). السمة الرابعة هي نوع من الاعتقاد ب«أصالة السياسة» أو بعبارة أخرى، نوع من الهستيريا السياسية التي استحوذت على الكثيرين منا؛ ومقصودي من الاعتقاد ب«أصالة السياسة» هو الاعتقاد بأن أعظم مشكلة أو المشكلة الوحيدة أو علة العلل لمشاكل المجتمع هي المشكلة السياسية للمجتمع، وهذا اعتقاد أراه خاطئاً تماماً ويجب أن يسلم مقامه للاعتقاد ب«أصالة الثقافة». أي يجب أن نؤمن بأن علة العلل لمشاكلنا هي المشكلة الثقافية. وأخيراً، السمة الخامسة هي انتشار حزين لنوع من «المادية الأخلاقية» (لا المادية الفلسفية والميتافيزيقية) بين شعبنا. في مجتمعنا، قلة قليلة جداً تعتقد أن الله أو الحياة الآخرة غير موجودة، وبالتالي فإن المادية الفلسفية ليست شائعة كثيراً. ما هو شائع تماماً هو المادية الأخلاقية. أي أننا غالباً ما نعيش كما لو أنه لا شيء سوى المادة والماديات في العمل.
لا أفهم تماماً قصدكم من «عودة حقل الفكر إلى طريقه الأصلي». أي طريق أصلي لحقل الفكر ابتعد عنه أو انحرف عنه حتى يريد الناس إعادته إلى تلك الطريق الأصلية؟ بالتأكيد، من وجهة نظري، يجب أن يكون الفكر موجهاً نحو العمل. لذلك، إذا كانت حالة الفكر عند فرد أو مجتمع بحيث أنها إما لا تسعى إلى حل المشاكل العملية (بالمعنى الواسع للكلمة) أو لا تميز المشاكل الحقيقية عن الشبهات (Pseudo-Problems) وتشتغل بالشبهات نفسها، فأرى أيضاً أن هذه حالة فكرية غير مرغوبة.
الجمع بين العقلانية والروحانية هو تقديم طريقة (مهما كانت لا تخلو من الغموض واللبس والتعميم) للقضاء على مشاكلنا العملية؛ سواء في الحقل الفردي أو الحقل الجماعي (أي في مختلف جوانب الحياة الاجتماعية). لذلك يجب الحكم على نجاحها أو فشلها من هذا المنظور أيضاً. أي يجب الانتباه إلى أننا أولاً: لم نخلط بين المشاكل والشبهات، وثانياً: إذا استخدمنا أدلة وقرائن، فهل هي قادرة على حل مشاكلنا أم لا؟
رسالة الحوزة الفكرية الموجهة نحو العمل تتمثل في أمرين: أحدهما الفهم الصحيح للمشاكل، والآخر إيجاد السبل لحل المشاكل. في كلا الجانبين، من المهم أن نعرف ما إذا كانت المشاكل البشرية مترابطة بعلاقة علية إنتاجية بحيث يمكننا أن نعتبر أم المشاكل كلها واحدة أو اثنتين أو ثلاثاً أو عدة مشاكل معدودة، أم لا. إن كانت الإجابة إيجابية، فإن تشخيص هذه المشكلة أو المشاكل القليلة عمل في غاية الأهمية والضخامة. حالة الفكر لا تكون منتظمة ومطلوبة إلا حين تسير في هذه الاتجاهات[۱].
إن كان المقصود بـ «انحراف حوزة الفكر» عدم اهتمام هذه الحوزة بمقام العمل أو عدم التمييز بين المسائل والمسائل الوهمية أو عدم النجاح في تشخيص جذور المشاكل، فيمكن[۲] القول إننا نشهد، إلى حد ما، مثل هذه الانحرافات في حوزتنا الفكرية (أيضاً)؛ أما إن كان المقصود شيء آخر، فلا أملك أن أنفيه أو أثبته لأنني لا أعرف ما هو ذلك الشيء الآخر.
بخصوص المعضلة التي تشيرون إليها، لا أعرف بداية تاريخية محددة ولا نطاقاً جغرافياً محدداً. لا توجد مرحلة تاريخية محددة تنقطع عن ماضيها بشكل سببي واضح بحيث تستحق أن تُعتبر نقطة تحول في هذا الصدد؛ وليس هناك منطقة جغرافية محددة منقطعة إلى هذا الحد عن سائر المناطق الجغرافية بحيث تستحق أن تُعتبر منشأ ومصدر هذه المعضلة. في كل مرحلة تاريخية ومنطقة جغرافية، ما دام طريقة التفكير الأسطورية أو القائمة على مرجعية وثقة شخص أو أشخاص محددين أو الخالية من الدقة والوضوح أو غير القائمة على الاستدلال أو اللاواقعية والهروب من الواقع أو المناقضة للحاجات العميقة البيولوجية والعقلية والنفسية للإنسان تظل سائدة، فإننا نتعامل بمقدار سيادة هذه الطرق من التفكير مع المعضلة المشار إليها. كل اهتمام المفكرين والمنورين الحقيقيين موجه نحو تجنب هذه الستة أنواع من طرق التفكير، وأكرر التأكيد على أنني لا أعرف مرحلة تاريخية أو منطقة جغرافية محددة تكون منشأ أو مصدر هذه المعضلة.
بلى، أنا أعترض على تحديد مرحلة تاريخية معينة، سواء كانت تلك المرحلة بداية حكم الصفويين أو أي مرحلة أخرى. وكذلك فإن منطقة جغرافية معينة ـ في رأيي ـ لا يمكن أن تعتبر منشأ هذا الانحطاط. بالطبع لا أشك في أن ظهور السلالة الصفوية قد تسبب خسائر ثقافية عظيمة للأراضي الخاضعة لحكم هذه السلالة. لكن ظهور هذه السلالة لم يكن حدثاً مفاجئاً وعرضياً ومنقطعاً عن الماضي، بل كان هو نفسه نتيجة سلسلة من العلل الثقافية والسياسية والاقتصادية؛ وخاصة إذا لم تكن ظروف مناسبة لهذه السلالة قد تكونت في عقول وضمائر الناس الذين وقعوا تحت حكمها، فإن ظهور هذه السلالة نفسه لم يكن ممكناً. بشكل عام، في رأيي، في مجال الحياة الإنسانية لا يسبق ظهور أي حقيقة موضوعية (Objective) لم تحدث من قبل ظهور حقائق ذاتية أو عقلية (Subjective). لكن بشأن تعبير «تراجع الفكر» دعني أعلق ملاحظة: إذا كان المقصود من الفكر منتجاً (Product) عقلياً يمكن بطبيعة الحال التعبير عنه في شكل قضية، فإنني أرى أن هذا الكلام صحيح: الفكر، بوصفه منتجاً، يستلزم قبولية (Acceptability)[۳]؛ أي أن كل فكر يمكن التعبير عنه في شكل قضية. في هذه الحالة، تراجع الفكر لا يعني إلا فقدان صحة ذلك الفكر، وصحة الفكر النظري تعني تطابقه مع الواقع، وصحة الفكر العملي تعني فعاليته في تحقيق هدف معين. إذا كان المقصود من الفكر عملية (Process) عقلية ـ أي التفكير والتأمل والتدبر ـ في هذه الحالة فإن تراجع الفكر يعني عدم التفكير وهذا يعني أن تحدث ظروف تمنع عملية التفكير. يمكن أن نتصور معنى ثالثاً لـ «تراجع الفكر» وهو أن عملية التفكير تصاب بأحد المعاطب الستة التي سردتها في إجابتي على السؤال السابق. تعبير «تحجر التقليد» أيضاً لا يملك معنى واضحاً ومتمايزاً في نظري. ما هو «التقليد» نفسه؟ وكيف ينوجد؟ هل هو من مقولة الحقائق (Facts) أم من مقولة الخصائص (Properties) أم من مقولة العلاقات (Relations) أم من مقولة الأحداث (Events) أم من مقولة العمليات (Processes) أم من مقولة الحالات (States of affairs) أم من مقولة المجموعات (Sets). في النهاية كل ما ندعي وجوده يجب أن يملك، في نظر الفلاسفة الميتافيزيقيين، أحد هذه الأنواع من الوجود. أياً من هذه الأقسام تختاره يجب أن تتخيل «تحجراً» متناسباً مع ذلك القسم، ثم تبين أنه في مرحلة معينة من التاريخ وفي منطقة محددة من الجغرافيا قد أصاب التقليد هذا التحجر.
في رأيي، الإقرار بلبس وغموض تعريف التقليد سيعني الإقرار بعدم قابلية نظرية «انحطاط إيران» للنقد. الكلام الذي يعتريه أحد هذه الثلاثة عيوب يصبح غير قابل للنقد. لأنه لكي ننقد كلاماً ونحدد نقاط قوته وضعفه يجب أولاً أن نفهم ذلك الكلام، وفهم كلام يعتريه أحد هذه العيوب غير ممكن طالما لم يتم التخلص من ذلك العيب.
«الانتماء إلى العصر القديم» أيضاً تعبير حاله ليس أفضل من حال تعبير «التقليد». ما وجه أو وجوه الاشتراك التي تميز المفكرين المسلمين من الفارابي إلى ملا هادي السبزواري والتي تبرر وتشرح ضمهم معاً في مجموعة واحدة؟ إذا تم توضيح وجه أو وجوه الاشتراك هذه بدقة وتم إظهار أنها تنطبق على جميع المفكرين المسلمين من الفارابي إلى السبزواري، فعندئذ سيتضح لماذا اعتبروا جميع هؤلاء المفكرين ينتمون إلى العصر القديم وسيتم إزالة الغموض عن تعبير «العصر القديم».
يجب أن أنبّه إلى أنني أملك فهماً واستنباطاً خاصاً من تعبير «تصلب التقليد» الذي يجب على صاحب نظرية «انحطاط إيران» الفكرية أن يحكم عليه؛ وهو أن الفرد أو المجتمع إذا وقع في وضع بحيث يلجأ فيه لحل المسائل الجديدة أو معالجة المشاكل الجديدة إلى الطرق ذاتها التي أثبتت فعاليتها في حل المسائل القديمة أو معالجة المشاكل القديمة، وليس لديه غيرها (أي إذا وقع الفرد أو المجتمع في الوهم الباطل بأن المسائل أو المشاكل الجديدة لا تختلف اختلافاً جوهرياً وأساسياً عن المسائل أو المشاكل القديمة، وبناءً على قاعدة «حكم الأمثال فيما يجوز وفيما لا يجوز واحد» يجب أن يظل ملتزماً بالحلول والطرق القديمة) وبعبارة ثالثة إذا تغيرت الظروف الموضوعية والعينية للفرد أو المجتمع جوهرياً عن الوضع السابق، لكن الفرد أو المجتمع احتفظ بحالته العقلية والذهنية على ما كانت عليه من قبل، في هذه الحالة يمكن القول إنه يعيش حالة تصلب التقليد. إن كان مقصود صاحب نظرية «انحطاط إيران» من «تصلب التقليد» هو هذا، فيجب القول أولاً إن هذا التعبير ليس تعبيراً مناسباً وملائماً تماماً للمقصد والغرض المعني، وثانياً يجب الاعتراف بأن منشأ وأصل هذا الوضع غير قابل للتحديد الدقيق والقاطع.
ما إذا كان يجب في التأريخ أن تسود قوة الحكم على قوة الخيال أم لا، وما مقدار نصيب كل من هذين العاملين في التأريخ الذي يمكن الدفاع عنه وقبوله، هذا سؤال ليست لدي القدرة على الإجابة عنه. لكن ألا يكون هذا الادعاء نفسه بأن «في تاريخ إيران قوة الفهم مقهورة تحت قوة الخيال»، سواء كان ادعاءً صحيحاً أم خاطئاً، ألا يكون ادعاءً تاريخياً بحد ذاته؟ وكيف يمكن التحقق من هذا الادعاء التاريخي؟ ألا يكون هذا الادعاء نفسه نوعاً من التأريخ على مستوى كلي جداً؟ ما أريد أن أقوله هو أن من ينفي إمكانية التأريخ بالاستناد إلى هذا الادعاء، يصل إلى نتيجة تتناقض مع المقدمة التي تستند عليها هذه النتيجة، أي بعبارة أوضح وأكثر صراحة، يرتكب تناقضاً.
لم أحصل على جوابك. هل توافق على أن صاحب نظرية انحطاط إيران لجأ إلى التأريخ، بصرف النظر عما إذا كانت هذه الإمكانية موجودة أم لا، وما إذا كان هذا الجهد قد نجح أم لا؟
نعم، بلا شك أن صاحب النظرية لجأ إلى التأريخ، لكنه مارس التأريخ أيضاً. أي أنه جعل عملية، يعتقد هو أنها تحققت في تاريخ إيران في آخر أربعمئة سنة وانتبه لها للمرة الأولى، جعلها محور تأريخه.
لا أفهم كلام فريديه هذا أصلاً. لكن إذا كان صدر تاريخنا فعلاً تابعاً لتاريخ الغرب، فإن توضيح العلاقة بين هذا الصدر وهذا التابع هو توضيح العلاقة بين شيء وذاته!! إلا إذا كان قصدكم أن توضيح العلاقة بين ما له صدر، أي تاريخنا، وما له تابع، أي تاريخ الغرب، هو مقصود الدكتور طباطبائي. في هذه الحالة يجب القول: أولاً، لماذا توضحون العلاقة بين تاريخنا وتاريخ الغرب بهذا التعبير المعقد والغريب والعجيب؛ ثانياً، غير تاريخنا، تواريخ أخرى لها أيضاً صدور، وغير تاريخ الغرب، تواريخ أخرى لها أيضاً تابعات؛ وثالثاً، ماذا يعني بالضبط توضيح العلاقة بين تاريخنا وتاريخ الغرب؟ هل يعني أنكم تفحصون الصلة والنسبة والتبادل بين ماضينا التاريخي والماضي التاريخي للغربيين؟ إذا كان الأمر كذلك، فكيف تنتجون نظرية انحطاط إيران من فحص هذه الصلة والنسبة؟ بالطبع هذه الاعتراضات موجهة إلى تعبيركم، وأنا الآن لا أعرف إلى أي حد يطابق تعبيركم تعبير الدكتور طباطبائي فعلاً.
ماذا يقصد بنسق المفاهيم الغربية؟ ما هي المفاهيم الغربية؟ هل يمكن تقسيم المفاهيم إلى مفاهيم غربية وغير غربية، أو شرقية؟ (فلنتجاوز كون التمييز بين الغرب والشرق بالنسبة لي تمييزاً بين شيئين غير معروفين وغير محددين). ربما يمكن القول إن المقصود بالمفاهيم الغربية هي المفاهيم التي وجدت مصداقها أولاً في تاريخ الغرب. أي بالطريقة ذاتها التي وجدت بعض الأمور العينية والملموسة (Concrete) مثل السيارة أو الهاتف مصداقها لأول مرة في أوروبا أو أمريكا. بعض الأمور المجردة (Abstract) أيضاً مثل الدولة أو الديمقراطية وجدت مصداقها كذلك لأول مرة في أوروبا أو أمريكا، ويمكننا أن نسمي هذه الأمور ظواهر غربية والمفاهيم التي تعبر عن هذه الأمور مفاهيم غربية. إذا كان المقصود من المفاهيم الغربية هو ما أوضحته، فيمكن القول إنه إذا وجدت هذه المفاهيم، التي وجدت مصداقها أولاً في الغرب، مصداقها أيضاً في تاريخنا، فبالتأكيد يمكننا بالاستعانة بهذه المفاهيم أن ننظر إلى تاريخنا أيضاً وأن نصفه. لأنه تماماً كما أن السيارة أو الهاتف، رغم أنها ظهرت لأول مرة في الغرب، انتشرت لاحقاً إلى بلدان غير غربية، فليس من المستحيل أن تنتشر الأمور المجردة الغربية أيضاً لاحقاً إلى بلدان غير غربية. بالطبع، لاحظوا أنني أقول: «ليس من المستحيل أن تنتشر» وليس: «انتشرت». على أي حال، كلما وجد مفهوم ما مصداقه، بالطبع يمكننا بواسطة هذا المفهوم أن نحكي عن ذلك المصداق، لذلك فإن السؤال عما إذا كان يمكننا بالاستعانة بنسق المفاهيم الغربية أن ننظر إلى تاريخنا وأن نصفه يرجع إلى السؤال: «هل وجدت المفاهيم الغربية مصداقها أيضاً في تاريخنا أم لا»، وجواب هذا السؤال الأخير هو: «نعم، بعضها وجد مصداقه وبعضها لم يجد مصداقه بعد».
قصدي من الحقائق التاريخية التي تكون مواد خام التاريخ هو تلك الأمور التي في الرواية التي نقدمها عنها يتم استخدام المفاهيم التجريبية (Empirical Terms)، وليس المفاهيم النظرية (Theoretical Terms). أن معاهدة معينة بين إيران وروسيا قد تم إبرامها وتوقيعها في تاريخ معين، هذه حقيقة تاريخية، لأن جميع مفاهيمها من المفاهيم غير النظرية.
قصدي من كتابة التاريخ هو أن نتوقف عن مجرد سرد الأحداث الجزئية والخاصة التاريخية ونصل إلى وصف نظري يعبر عن وقوع أو عدم وقوع أمر كلي وعام في الماضي.
إذا كان المقصود من «الإصابة بالأيديولوجيا» أن نتبنّى رأياً أو عقيدة أو مجموعة من الآراء أو العقائد دون أن نملك رجحاناً معرفياً إزاء الآراء والعقائد والمجموعات الأخرى، أو دون أن نكون مستعدين لمواجهة ذلك الرأي أو العقيدة بالواقعيات أو بالآراء والعقائد الأخرى أو لإخضاعه للاختبار والتمحيص، أو إذا أبدينا تعصباً وجموداً إزاءه، فعندئذ أقبل أن الإصابة بالأيديولوجيا يمكن أن تكون من الأسباب والعوامل الرئيسة للانحطاط.
وصحيح أيضاً أن الإصابة بالأيديولوجيا لا تختص بالمفكرين الدينيين أو المفكرين غير الدينيين أو المفكرين المناهضين للدين، وأن جميع هؤلاء قد يصابون (لاحظ أنني أقول قد يصابون، وليس أنهم لا بد أن يصابوا) بالأيديولوجيا.
وصحيح أيضاً أن بعض النظريين الذين أصيبوا بالأيديولوجيا عرضوا أو يعرضون أفكارهم في صيغة التنديد الديني الحديث.
الشيء الوحيد الذي لا أستطيع فعله هو قبول أو رفض الأمثلة التي أشار إليها الدكتور طباطبائي في أحاديثه أو كتاباته.
بخصوص أي شخص، سواء الدكتور سروش أو غيره، فإن إجابة سؤالك تتوقف على ما إذا كان أحد الفروق الثلاثة التي ذكرتها في جواب سؤالك السابق ينطبق على هذا الشخص أم لا.
دعني لا أتحدث عن الآخرين وأتجنب التعامل مع الأمثلة والمصاديق، كي لا أعرّض مطالبتي بالحق للوقوع في شبهات وتساؤلات أخرى. فضلاً عن أن مثل هذه الأحكام الكلية الجزافية احتمال إصابتها للواقع دائماً قليل.
بالطبع الدكتور طباطبائي لم يذكرني بين المفكرين الدينيين، وأنا بنفسي، لأنني أعتبر الفكر الديني مفهوماً متناقضاً (Paradoxical)، لا أعتبر نفسي مفكراً دينياً. أعتبر نفسي فقط من جملة الباحثين عن الحقيقة. وما دمت إنساناً فأنا بطبيعتي قابل للخطأ بل واجب الخطأ، وما دمت باحثاً عن الحقيقة فإنني أسعى، بقدر ما أستطيع التمييز، إلى دفع كل ما يتنافى مع البحث عن الحقيقة عن نفسي. لكن هذا البحث عن الحقيقة ذاته يقتضي أن أقول إنني لا أزال أعاني بدرجة ما من جميع الفروق الثلاثة التي ذكرتها في جوابي على سؤالك ذاك. أي أنني أملك خيارات لا تقوم على الرجحان المعرفي الصرف، لم أعرّض جميع آرائي وعقائدي لمواجهة الآراء والعقائد الأخرى وللواقعيات، وما أزال لم أتطهر تماماً من الجمود والتعصب.
طباطبائي في نظريته، في استمرار اعتقاده بأن الخروج من الانحطاط يستلزم فهم التراث ونقده من منظور الحداثة، يسعى للإجابة على السؤال: هل يمكن بحث إيران بوصفها موضوع علم والتنظير بشأنها؟ السؤال الأول هو: هل تعتقد أن مثل هذا المسعى ممكن أم لا؟ والسؤال الثاني هو أن صاحب نظرية الانحطاط يعتقد أنه إذا نجحنا في هذا العمل وربطنا إيران المنظَّرة بالتاريخ العالمي، فإن «النهضة الإيرانية» ستحدث وسنخرج من الانحطاط. في القسم الثاني أود بشكل خاص أن أعرف رأيك بخصوص «النهضة الإيرانية» والطريق إليها (وهو تحرير التراث من الجمود من خلال فهمه وتقصيه من منظور الحداثة).
«إيران» تعني ماذا؟ هل «إيران» اسم مجتمع يعيش في حدود مكانية معينة؟ إن كانت الإجابة بنعم، فأي حدود مكانية؟ الحدود المكانية الحالية أم حدود قبل مائتي سنة أم ألف سنة أم ألفي سنة أم ...؟ هل «إيران» اسم مجتمع يعيش في حدود زمنية معينة؟ إن كانت الإجابة بنعم، فأي حدود زمنية؟ إيران الحاضرة أم إيران قبل مائة سنة أم إيران قبل أربعمائة سنة أم ...؟ هل «إيران» اسم شعب معين؟ أي شعب؟ هل يوجد أصلاً شعب خالص نقي؟ هل يجب اعتبار إيران هوية جغرافية أم هوية تاريخية أم هوية عرقية أم هوية ...؟ إحدى مشاكل نظرية انحطاط إيران، من وجهة نظر شخص مثلي يميل إلى التحليل الفلسفي، أنه لا يتضح على الإطلاق أن هذه «إيران» التي تشهد تطوراً وانحطاطاً وركوداً وتوقفاً و... ما هي في الحقيقة وكيف نوع من الموجودات هي؟
من جهة أخرى، بصرف النظر عن أي من الهويات الثلاث التي أشرت إليها تعتبر مقومة للإيرانية، فلا شك أن إيران، مثل أي مجتمع آخر، قابلة للمعرفة، أي أنه لا توجد في إيران خصوصية فريدة تجعل معرفة إيران مستحيلة بسببها. لكن عندما تعرف إيران، فمعرفتك فعلاً تتنوع وتتعدد بتنوع وتعدد الظواهر الموجودة في هذا المجتمع. مثلاً، مرة تعرف ثقافة إيران، ومرة سياستها ومرة اقتصادها، ومرة مؤسسة الأسرة في إيران، ومرة مؤسسة الحقوق في إيران، ومرة مؤسسة التعليم والتربية في إيران، ومرة مؤسسة الدين في إيران و.... ومن هنا أود أن أثير نقطة أخرى بخصوص نظرية انحطاط إيران، وهي: من أي جهة انحطت إيران؟ انحطاط أي شيء دائماً ما يكون انحطاطاً من جهة واحدة أو اثنتين أو ثلاث أو n جهة، والحديث عن انحطاط عام دون ذكر الجانب الذي حدث فيه الانحطاط ليس حديثاً يمكن الدفاع عنه.
«إيران التي تمت نظرتها بربطها بالتاريخ العالمي» تعني ماذا؟ كيف تكون إيران التي تمت نظرتها إيرانية؟ ثم هل يجب ربط إيران بالتاريخ العالمي؟ إيران، مثل أي مجتمع آخر، مرتبطة بالتاريخ العالمي من تلقاء نفسها. لأنني لا أفهم المعنى الدقيق لهذه العبارة لا يمكنني القول ما إذا كانت نهضة إيرانية ستظهر بعد ربط إيران «المنظورة نظرياً» بالتاريخ العالمي أم لا.
معنى «النهضة الإيرانية» أيضاً ليس واضحاً تماماً. إذا كان المقصود بها الحالة المثالية للمجتمع الإيراني فيجب القول إن هذه الحالة المثالية لا تتحقق فقط بإخراج التقليد من الجمود، وحتى ذلك فقط من خلال الفهم والسؤال من منظور الحداثة (طبعاً كلامي يتعلق بتعبيرك؛ وإلا فلا أتذكر أن الدكتور الطباطبائي نفسه استخدم هذا التعبير بالذات في موضع ما). بل يجب إخراج التقليد من الجمود (بالمعنى الذي ذكرته في الرد على إحدى الأسئلة السابقة) وكذلك يجب نقد الحداثة نفسها وكذلك يجب الالتفات إلى أن ما لم ينتج عنه تغيير من الداخل لن ينتج عنه تغيير مرغوب من الخارج.
لا يمكن إظهار درجة الموافقة أو المخالفة مع النظرية وبيانها ما لم تُفهم النظرية فهماً كاملاً، وما أعتقده هو أن ما منع الفهم الكامل لهذه النظرية هو أن مطورها المفكر لم يعرض تفكيره في أشكال تعبيرية واضحة وجلية.
مع ذلك، بقدر ما فهمت هذه النظرية، فإن أعظم نقطة قوة فيها هي أنها أعطت الأفضلية للجانب الفكري والثقافي على سائر جوانب الحياة الجماعية، وحتى أنها، بطريقة ما، اعتبرت أي تغيير مرغوب في الحياة الاجتماعية متوقفاً على تصحيح وإصلاح الجانب الفكري والثقافي لدينا.
وفي الوقت ذاته، لم يُفتح التفاعل الجدي والعميق بين الثقافة والسياسة بشكل كافٍ داخل النظرية.
بخصوص الجزء الأخير من سؤالك يجب أن أقول إنني، بحسب رأيي، يمكن القول إن الجمع بين العقلانية والروحانية هو سبيل لمعالجة حالتنا الحالية غير المرغوبة.
.
.
[۱]. في النص الأصلي «جهان» (العالم).
[۲]. في النص الأصلي «نمیتوان» (لا يمكن).
[۳]. في النص الأصلي Assertabillity.
.
.
العلوم السياسية
العلوم السياسية
العلوم السياسية
العلوم السياسية
العلوم السياسية
نقاش حول هذا المقال١ تعليق
بسیار زیبا بود. اگر لطف کنید و ابتدا اصل نظریه انحطاط را هم در ابتدای بحث بگذارید، باعث می شود بنده که آن نظریه را نمی دانم، بهتر در جریان صحبت های استاد قرار بگیرم. یا لطف کنید و این نظریه را برایم ارسال کنید، ممنون می شوم. سپاس