اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
ينتقد ميثم بادامجی نظرية التسامح عند ملكيان لعدم تمييزها بين المجالين الخاص والعام وتركيزها على أصالة الثقافة؛ وهو نهج أدى إلى العزوف عن السياسة ولا يصلح لبناء التوافق في السياسة الديمقراطية.

ملكيان فيلسوف خلّاق تتمتع نظرياته بأصالة فريدة. فهو ليس مقلدًا لأحد في تنظيره، ونظريته في التسامح ليست استثناءً من هذا الحكم. ومع ذلك، ينبغي أن تظل ذروة مشروعه الفكري هي نظرية العقلانية والمعنوية. يبدو أن ملكيان قد استخلص نظريته في التسامح والعلمانية السياسية (التي شُرحت في الملاحظة السابقة) عبر بسط بعض عناصر نظرية العقلانية والمعنوية (التي تناولناها في الملاحظات من الأولى إلى الثالثة) إلى مجال السياسة. غير أن العقلانية والمعنوية هي قبل كل شيء مشروع يتعلق بالممارسة في المجال الفردي والمجتمع المدني، وعليه، وكما سأشرح لاحقًا، فإن هذا البسط لم يحدث على ما يبدو دون إشكال.
نقد أصالة الثقافة
ينبغي أولاً أن أشرح مذهب أصالة الثقافة عند ملكيان وأنقده. وفقًا لمذهب أصالة الثقافة، فإن أكبر علة أو علة العلل لمشكلات مجتمع ما هي مشكلاته الثقافية؛ أي أن أكبر مشكلات المجتمع تحدث حين يكون لدى أفراده "معتقدات" لا ينبغي أن تكون لديهم، و"مشاعر وعواطف" لا ينبغي أن تكون لديهم، و"رغبات" لا ينبغي أن تكون لديهم. بعبارة أخرى، «أكبر علة (إن لم نقل العلة الوحيدة أو علة العلل) لانتظامات أو اختلالات حياة البشر، سواء في الساحة الفردية أو الجماعية، هي معتقداته» ("تقليل الحقيقة وتقرير المرارة"، ص. 14).
وفي تأكيد ملكيان، فإن هذه النقطة هي إحدى التعاليم المشتركة بين الأديان والمذاهب العالمية أيضًا. أي أن أي تغيير موضوعي لا بد أن يسبقه تغيير ذاتي. أي أنه ما لم يتغير باطننا، فلن يتحقق تغيير مرغوب في الخارج. (انظر على سبيل المثال محاضرة "المباني الثقافية للديمقراطية" في جامعة طهران)
تقوم نظرية أصالة الثقافة على نوع من السيكولوجية التي بموجبها تكون جميع مسائلنا ومشكلاتنا ذات جذور نفسية وأخلاقية، و«حتى لو كانت مؤسساتنا الاجتماعية لا تمتلك النظام الذي ينبغي أن تكون عليه، فذلك لأن القائمين على تلك المؤسسات غير أسوياء من الناحية النفسية أو الأخلاقية أو كليهما، ويعانون من عيوب ونقائص.» ("روح مثقف لا يهدأ"، مقابلة ملكيان مع عدد مايو-يونيو 2012 من أنديشه بويا، ص 25) ويؤكد ملكيان أنه «لا توجد أية مسألة أو مشكلة اجتماعية، بما فيها السياسية، إلا وتؤول بواسطة أو اثنتين أو ثلاث أو عدة وسائط إلى مسألة ومشكلة نفسية أو أخلاقية.» (المصدر نفسه) ومن هذا المنطلق، فهو يولي في أعماله أكبر قدر من التأكيد على الصحة النفسية والكمال الأخلاقي للمواطنين.
هذه السيكولوجية وأصالة الثقافة، رغم ما تنطوي عليه من نقاط قوة كثيرة في حد ذاتها، قد أدت أيضًا إلى نوع من العزوف عن السياسة واللا سياسية في منظومة ملكيان الفكرية: «لأقولها بصدق: لم أبدِ رأيي قط في المسائل السياسية عن رضا ورغبة واهتمام قلبي وباطني، ولم أفعل ذلك إلا حين رأيت نفسي ملزمًا أخلاقيًا بإبداء الرأي، وذلك عندما يكون لأمر سياسي آثار ونتائج جلية على نفسية الناس وأخلاقياتهم. فمثلاً، العنف أو الخداع الصريح يستهدفان بوضوح الصحة النفسية والأخلاقية للمواطنين. لكن بصرف النظر عن العنف، الذي هو أبشع أشكال التعدي على حرية البشر، والخداع، الذي هو أقبح تلاعب بعقلانية البشر النظرية، فإن أي شيء آخر يحدث في عالم السياسة أتركه لأهله.» ("روح مثقف لا يهدأ"، صص 26-25)
أريد أن أستنتج أن هذا الاعتقاد بأن الجذر الأساسي والبنية التحتية لجميع مشكلات المجتمع هي الثقافة، وأن بقية المشكلات بنيوية فوقية، قد جعل ملكيان يمضي قدمًا في التنظير في مجال الفلسفة السياسية بشيء من الإهمال. وبناءً على ذلك، فقد تألق ملكيان في مجال الأخلاق الفردية أو الاجتماعية بنظرية العقلانية والمعنوية، لكنه في المجال السياسي قدم نظرية في التسامح تنطوي على إشكالات مهمة. سنتناول هذه الإشكالات لاحقًا. وسأستفيد في نقدي من بعض مضامين الليبرالية السياسية عند رولز.
نقد نظرية التسامح عند ملكيان
الإشكال الرئيسي في نظرية التسامح عند ملكيان، في رأيي، هو أنها تخلط بين مقام الفعل في المجال الخاص[2] أو المجتمع المدني، ومقام الفعل في المجال العام[3] أو السياسي.[4] لقد بيّن رولز في كتابه «الليبرالية السياسية»[5] وخصوصاً في نظريته عن العقل العام[6] بشكل جيد أن مقام الفاعلية في المجالات العامة والمجتمع المدني ليس واحداً، ولكلٍّ منهما لوازمه. وبتعبير رولزي، فإن نظرية التسامح القائمة على تقسيم القضايا إلى موضوعية بالقوة وبالفعل وذاتية، أي نظرية ملكيان، هي نظرية شاملة[7] ومثيرة للجدل، لا يمكن أن تكون أساساً للفعل والإجماع في المجال العام للسياسة الديمقراطية. ووفقاً لليبرالية السياسية، ينبغي التعبير عن مبادئ العدالة في المجال العام بلغة سياسية فحسب، أي لغة يمكن أن تكون مقبولة لدى أكبر عدد من الأفراد ذوي المذاهب الشاملة المختلفة والمتنوعة.
يبدو أن ما يتوجب على المواطنين الفاضلين السعي إليه بحزم انطلاقاً من بحثهم عن الحقيقة، هو الصدق في المجال الخاص أو المجتمع المدني، أي عندما نكون في عزلتنا وخلوتنا، أو عندما نجتمع في كنف الأسرة أو في إطار الجمعيات المدنية الودّية أو النقابية في المجتمع المدني. وعلى هذا المنوال، فإن كون الديمقراطية يجب أن تكون أساساً لقراراتنا انطلاقاً من البحث عن العدالة، يكتسب معناه قبل كل شيء في أفعال المجال العام، ولا يمكن أن نجد معنىً محصّلاً للرجوع إلى صندوق الاقتراع في المجال الخاص، عندما نكون وحدنا وفي خلوتنا الوجودية.
والنتيجة هي أنه على الرغم من عدم اهتمام ملكيان، ووفقاً لليبرالية السياسية، فإن أنواعاً مختلفة من العقلانية ضرورية للمجال الفردي والمجال السياسي: فنظرية عقلانية قصوى، مثل نظرية العقلانية التي يقدمها ملكيان في «العقلانية والمعنوية» وتتجلى في نظريته عن التسامح في تقسيم القضايا إلى موضوعية بالقوة وبالفعل وذاتية، هي نظرية عقلانية شاملة تصلح تماماً للمجال الخاص أو المجتمع المدني. وفي المقابل، في المجال السياسي أو العام، يكفي اتباع نوع من العقل العام الأدنى القائم على المعقولية لاتخاذ القرار، ولا حاجة إلى اللجوء إلى نظريات أقوى للعقلانية يصعب جداً إجماع مواطني مجتمع ديمقراطي عليها (مثل نظرية ملكيان المعرفية حول التسامح) لاتخاذ القرار في المجال السياسي. وبناءً على الليبرالية السياسية، في المجال العام، إما أن نجعل المعقولية فقط أساساً للقرار الجمعي ونضع الحقيقة جانباً (رأي رولز)، أو نسمح للحقيقة بدخول السياسة فقط بمعنى أدنى نسميه الحقيقة السياسية (رأي جوشوا كوهين).[8]’[9] وطبقاً لليبرالية السياسية، من الضروري أن نعتبر البحث عن الحقيقة جزءاً من مفهوم الخير لدى المواطنين الفاضلين في مجالهم الخاص، وأن نتمسك في المجال العام بمفاهيم أقل إثارة للجدل كالعدالة والمعقولية والعقل العام. إن ملكيان، أكثر من كونه فيلسوفاً سياسياً، هو فيلسوف أخلاق بارع.
في الختام، لا بأس من إشارة مقتضبة إلى نقد ملكيان للفكر السياسي عند ريتشارد رورتي، والذي تجسّد في مقالة كتبها بعنوان "أولوية الفلسفة على الديمقراطية"، وذلك رداً على ترجمة مقالة رورتي "أولوية الديمقراطية على الفلسفة" إبان وجوده في إيران عام 1383هـ.ش.[10] نقد ملكيان، وإن تضمن نقاطاً بارزة ومهمة، لا يخلو من سوء فهم لمقالة رورتي المذكورة، والتي هي بالمناسبة شرحه لليبرالية السياسية عند رولز أيضاً. لا يتفق الكاتب مع قراءة رورتي المناهضة للميتافيزيقا لرولز، لكنه لا يرى قراءة ملكيان لرورتي خالية من القصور كذلك. في رده على رورتي، يؤكد ملكيان بحق أنه في بلدان مثل إيران، حيث التقاليد الديمقراطية ليست قوية، ثمة حاجة ماسة إلى دفاع فلسفي عن التسامح (ص.199)، ويتساءل متسائلاً من رورتي، الذي يعتقد أن الدفاع عن الليبرالية لا يحتاج إلى أساس فلسفي: لو أن شخصاً أصولياً في بلد إسلامي لم تترسخ فيه التقاليد الديمقراطية بعد بالقدر الكافي، ادّعى أنه لا ينبغي التسامح ووجب التعامل بالعنف مع المخالفين، فماذا عسى رورتي أن يقول له؟ ليس أمام رورتي سوى طريقين: إما أن يطالب، دون الدخول في نقاش عقلاني، وبشكل تعسفي وتحكمي، بأن يستمر البشر في التقدم نحو مزيد من الليبرالية الديمقراطية؛ وإما أن يخوض في جدل ونقاش فلسفي ويسعى للدفاع عن حقانية الليبرالية الديمقراطية القائمة على التسامح وتبريرها المعرفي والأخلاقي. كلا الطريقين غير مرغوب فيه بالنسبة لرورتي – فالأولى تجاهل وإهانة لروح التسامح التي يؤيدها رورتي، والثانية تقتضي الرجوع إلى أنثروبولوجيا فلسفية وتبني نظرية حول الطبيعة البشرية، وهو ما يتهرب منه رورتي، كما شرح ملكيان. (ملكيان، "أولوية الفلسفة على الديمقراطية"، صص 187-188) هذه الانتقادات لوجهة نظر رورتي المناهضة للميتافيزيقا ولقراءته لرولز واردة تماماً، لكن هناك نقطة في شرح رورتي لليبرالية السياسية أغفلها ملكيان في رده، وهي بالمناسبة، كما أشير أعلاه، آفة نظرية التسامح خاصته أيضاً، ألا وهي أن إدخال النظريات الفلسفية الجامعة والمثيرة للجدل والمفاهيم القوية للحقيقة في السياسة العامة (التي لا ينبغي خلطها بالممارسة السياسية في المجتمع المدني) يمكن أن يؤدي إلى الطائفية والفرقة في مجتمع ديمقراطي ويحول دون التوافق، وبناءً على ذلك ينبغي تجنبها قدر الإمكان في المجال العام (وأؤكد مرة أخرى، لا في مجال المجتمع المدني أو الخاص).
.
.
[1] سلسلة المقالات التي يشكل هذا المقال جزأها الخامس والأخير هي أجزاء معربة من فصل أكثر تفصيلاً حول الفكر السياسي والأخلاق الاجتماعية عند ملكيان، سيُنشر باللغة الإنجليزية هذا العام في كتاب المؤلف بعنوان Post-Islamist Political Theory: Iranian Intellectuals and Political Liberalism in Dialogue, Springer Publishing, 2017.
[2] private
[3] public
[4] للتفريق بين المجال السياسي ومجال المجتمع المدني، انظر الجزء الثاني من الفصل التاسع من هذا العمل: Will Kymlicka, Contemporary Political Philosophy, OUP, 2002. قام بترجمة هذا العمل إلى الفارسية الكاتب ومحمد مباشري، ومن المقرر أن يصدر قريباً عن دار نشر نكه معاصر.
[5]انظر خصوصاً الفصل السادس ومقدمة طبعة 1996 من هذا العمل: John Rawls, Political Liberalism, Columbia University Press, expanded edition, 2005. ليبرالية رولز السياسية قام بترجمتها مؤخراً إلى الفارسية موسى أكرمي وصدرت عن دار نشر ثالث.
[6] Public reason
[7] comprehensive
[8] See Joshua Cohen, “Truth and Public Reason”, Philosophy and Public Affairs, Vo. 37, No. 1, 2009.
[9] لعل ملكيان يقول دفاعاً عن نفسه إنني أدافع عن حكم العلم في مجتمع ديمقراطي، وما أعنيه بالصدق الذي لا ينبغي المساس به في الديمقراطية هو الصدق العلمي لا أكثر. لكن هذا الادعاء لا يبدو بالضرورة قابلاً للدفاع عنه بالنظر إلى التطورات التي حدثت في مجال فلسفة العلم منذ عهد الوضعيين المنطقيين فصاعداً. فعلى سبيل المثال، يرى بوبر أننا نستطيع أن نكون على يقين من كذب بعض القضايا العلمية عبر دحضها، أكثر مما نستطيع أن نكون على يقين من صدق القضايا العلمية، أو أن كوهن وفايرابند يوسعان نطاق نوع من النسبية حول مفهوم الصدق ليشمل مجال العلم أيضاً. حول بوبر، انظر: منطق الكشف العلمي؛ وحول كوهن، انظر: بنية الثورات العلمية؛ وحول فايرابند، انظر: Science in a Free Society
[10] انظر: مصطفى ملكيان. "أولوية الفلسفة على الديمقراطية"، ناقد، خرداد-مرداد 1383؛ صص. 192-167.
Richard Rorty, “The Priority of Democracy to Philosophy” in Objectivity, Relativism, and Truth, Cambridge University Press, 1990, pp. 175-196. هذه المقالة ترجمها خشايار ديهيمي إلى الفارسية في كتاب بعنوان أولوية الديمقراطية على الفلسفة ونشرته دار طرح نو.
.
.
.
.
العلوم السياسية
العلوم السياسية
العلوم السياسية
العلوم السياسية
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.