اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
تستند نظرية التسامح عند ملكيان إلى تمييز إبستمولوجي بين المعتقدات الموضوعية والذاتية؛ وبناءً عليه، فإن طلب الحقيقة في المعتقدات الموضوعية الفعلية ينفي التسامح، بينما يقتضي طلب العدالة في المعتقدات غير اليقينية القبول بالديمقراطية والتسامح.

في المقالات السابقة شرحنا نظرية العقلانية والمعنوية عند ملكيان ونقدناها. نظرية التسامح والعلمانية السياسية عند ملكيان هي موضوع هذا القسم والمقال التالي من هذه السلسلة. وكما سنرى، فإن نظرية ملكيان السياسية هي قبل كل شيء نظرية حول أي المعتقدات ينبغي على المواطنين، في مجتمع مثالي، ألا يتسامحوا معها انطلاقاً من البحث عن الحقيقة، وأي المعتقدات ينبغي أن يدعموها بواسطة عدالة حكم الديمقراطية والتسامح وصناديق الاقتراع. يقوم فكر ملكيان على افتراض أن المواطنين لديهم التزامان أخلاقيان أساسيان: التزام معرفي يقضي بجعل الصدق اليقيني، أو ما يسميه بالفعلي الآفاقي، أساساً لحياتهم الفردية والجمعية، والتزام عدالتي يقضي بجعل الديمقراطية أساساً للحكم بينهم وبين الآخرين عندما لا يكون الصدق اليقيني محرزاً. نقد نظرية التسامح عند ملكيان، ومدى نجاحه في الربط بين القيمتين الأخلاقيتين الأساسيتين: البحث عن الحقيقة والبحث عن العدالة من جهة، والدفاع السياسي عن الديمقراطية من جهة أخرى، هو موضوع سنتناوله في القسم الخامس والأخير من هذه المجموعة من المقالات.
من التقسيم المعرفي للمعتقدات إلى آفاقية وأنفسية وصولاً إلى بحث التسامح السياسي
يقسم ملكيان، لشرح نظريته حول التسامح[1]، معتقدات البشر من الناحية المعرفية إلى قسمين كبيرين: المعتقدات الآفاقية[2] أو الموضوعية، والمعتقدات الأنفسية[3] أو الذاتية[4]. يقصد ملكيان بالمعتقدات الآفاقية أو الموضوعية تلك المعتقدات التي يمكن افتراض أنها صالحة لجميع البشر و«افتراض وجود أدلة لا تقبل الدحض لها ليس محالاً» ("المباني النظرية للتسامح"، ص. 116). ويقصد بالمعتقدات الذاتية أو الأنفسية، في المقابل، المعتقدات التي لا يمكن افتراض أنها صالحة لجميع البشر و«افتراض وجود أدلة لا تقبل الدحض لصالحها محال». (المصدر نفسه) الفارق الفاصل بين المعتقدات الآفاقية والأنفسية هو أنه لتحديد وتشخيص صحة وسقم القسم الأول، يمكن تصور وجود ملاك أو معيار أو ميزان أو محكٍّ يكون محل تراضٍ بين جميع البشر، بمن فيهم الموافقون والمعارضون لتلك المعتقدات، وبالرجوع إليه يمكن حسم الخلافات والنزاعات، أما في القسم الثاني فلا يمكن تصور مثل هذا الافتراض. مثلاً، هذه القضايا: «هذا الشيء المحدد أحمر اللون» أو «تقع طهران شمال أصفهان» (أي القضايا المشاهداتية المباشرة)، أو «مجموع زوايا المثلث 180 درجة» (أي القضايا الضرورية في الرياضيات والمنطق)، أو «سرعة الضوء 300,000 كيلومتر في الثانية» و«يوجد الأوكسجين في الكوكب الفلاني الذي يبعد عنا 500 مليار سنة ضوئية» (أي القضايا العلمية) أو «برويز أكبر سناً من أبيه» (أي القضية القابلة للتحقق الكاذبة) هي موضوعية، ولكن هذه القضايا: «التفاح ليس فاكهة لذيذة»، «اللون الأزرق أجمل الألوان»، «شعر سعدي أكثر إثارة للشجن من شعر حافظ»، هي مصاديق للقضايا الذاتية. تجدر الإشارة إلى أن القضية الموضوعية ليست صادقة بالضرورة ويمكن أن تكون كاذبة. (مثل قضية «برويز أكبر سناً من أبيه»).
النقطة المهمة هي أننا نعتقد بوجود صدق بين-ذاتي في حالة القضايا الموضوعية (وإن لم يكن هذا الصدق في متناول أيدينا بالفعل، أي في حالة المعتقدات الموضوعية بالقوة)، أما في حالة المعتقدات الذاتية فالصدق والكذب شخصيان وذاتيان تماماً وغير بين-ذاتيين، أي يختلفان من فرد إلى آخر. اعتبر بعض المعرفيين الرجوع إلى الذاكرة ملاكاً لموضوعية القضية البين-ذاتية، واعتبره بعضهم الرجوع إلى العقل، وبعضهم الإدراك الحسي، وبعضهم الاستبطان، لكن على أي حال، عندما تكون القضية آفاقية يمكن الاعتقاد بصدقها وكذبها البين-ذاتي (ملكيان، "المباني النظرية للتسامح"، 117؛ قارن مع ملكيان، "العلمانية والحكومة الدينية"، صص. 256-255).
تنقسم العقائد الموضوعية بدورها إلى صنفين: أ- عقائد موضوعية لا يوجد ميزان تحديد صوابها وخطئها وتشخيصه نظرياً وبالقوة فحسب[5]، بل هو متاح عملياً وبالفعل[6] أيضاً في «الوضع الراهن للعلوم والمعارف البشرية». ب- عقائد موضوعية لا يوجد ميزان تحديد صوابها وخطئها إلا نظرياً وبالقوة، غير أن الوضع الراهن للعلوم والمعارف البشرية ليس بالدرجة التي تتيح لنا الوصول إليه عملياً وبالفعل. فعلى سبيل المثال، تنتمي إلى هذه المجموعة من العقائد الموضوعية القابلة للتحقيق بالقوة وغير القابلة للتحقيق بالفعل مقولات من قبيل: «ثمة حياة بعد الموت»، أو «يوجد أوكسجين في الكوكب الفلاني الذي يبعد عنا 500 مليون سنة ضوئية». نطلق على العقائد الموضوعية من الصنف أ اسم «العقائد الموضوعية بالفعل»، وعلى العقائد الموضوعية من الصنف ب اسم «العقائد الموضوعية بالقوة».
في تحليل ملكيان، لا يمكن من الناحية الإبستمولوجية حسم الخلاف إلا بشأن العقائد الموضوعية بالفعل، أما العقائد الموضوعية بالقوة والعقائد الذاتية فتبقى دائماً موضع خلاف بين المؤمنين بها؛ أي «ينبغي القول بالتعددية في مقام الإثبات والعلم (لا في مقام الثبوت والواقع) بخصوص العقائد الموضوعية بالقوة، وبالتعددية المطلقة بخصوص العقائد الذاتية». ("الأسس النظرية للتسامح"، ص. 118).
إن حصيلة التقسيم أعلاه، مضافاً إليها الواجبان الأخلاقيان الأساسيان "طلب الحقيقة في مقام النظر" و"طلب العدالة في مقام العمل"، هي نظرية تسامحية يصوغها ملكيان على النحو التالي:
لنفترض أن فرداً ما يعبّر عن عقيدة ما يُراد لنا أن نتسامح معها أو لا نتسامح. إذا كانت العقيدة المُعبَّر عنها من العقائد الموضوعية بالفعل، فبعد التحقيق، أي بعد الرجوع إلى الميزان أو المعيار المحدد لصواب العقائد وخطئها من الناحية الإبستمولوجية، إما أن يثبت صوابها أو خطؤها. في هذه الحال، «يقتضي طلب الحقيقة، في الصورة الأولى، ألا نتسامح مع التعبير عن تلك العقيدة فحسب، بل أن نقبل العقيدة نفسها، وفي الصورة الثانية، يقتضي ألا نقبل العقيدة نفسها فحسب، بل ألا نتسامح مع التعبير عنها أيضاً» ("الأسس النظرية للتسامح"، ص. 121). ذلك أن «طلب الحقيقة أسمى من التسامح» في نظر ملكيان. ولكن إذا كانت العقيدة المُعبَّر عنها من العقائد الموضوعية بالقوة أو من العقائد الذاتية، فإن الواجب الأخلاقي المتمثل في طلب الحقيقة لا يقتضي شيئاً في نظر ملكيان، لأنه لا يتوفر لدينا، بناءً على إجماع الإبستمولوجيين، ميزان أو معيار يمكننا بالرجوع إليه أن نحدد الرجحان أو المرجوحية الإبستمولوجية لهذه العقيدة إزاء العقائد المناقضة لها. في وضع كهذا، «تتساوى المكانة المعرفية لهذه العقيدة مع المكانة المعرفية لجميع العقائد المضادة أو المناقضة لها، ولا وجه عقلاني لترجيح أي منها على الأخرى». (المصدر نفسه) هنا، يقتضي طلب العدالة ومبدأ نفي الترجيح بلا مرجِّح، بوصفه أحد مصاديق طلب العدالة، ألا يُتخذ أي اعتقاد موضوعي بالقوة أو ذاتي أساساً لاتخاذ القرار دون أن يُعرض على آراء الناس. (المصدر نفسه، ص. 121؛ "العلمانية والحكومة الدينية"، 251)
بعبارة أخرى، إذا كانت العقيدة المبحوثة من العقائد الموضوعية بالفعل الكاذبة، فإن «الإحسان إلى بني الجنس»، الذي يلزمنا بـ«الواجب [الأخلاقي] المتمثل في تقليص مقدار الجهل والخطأ العام»، يقتضي أن نحول، باستخدام «الأساليب العقلانية والأخلاقية»، دون أن يُشرك أصحاب تلك العقيدة الآخرين فيها. ذلك أنه في نظر ملكيان: «السكوت عن أساليب خلق الاعتقاد التي لا تقوم على الإفهام والاستدلال، بل تستفيد من أنواع وأصناف الدعايات[7]، وغسيل الأدمغة، والتلاعب بالعقول، والحروب النفسية، والإيحاءات، والتلقينات، التي عنوانها الجامع هو الخداع، يتنافى مع الإحسان إلى بني الجنس». (المصدر نفسه، 123-122)
مع ذلك، إذا كانت العقيدة المُعبَّر عنها من العقائد الموضوعية بالفعل الصادقة، فلا ينبغي أن نتسامح مع التعبير عنها فحسب، بل ينبغي أن نجعلها من جملة عقائدنا، وإذا كانت العقيدة المُعبَّر عنها من العقائد الموضوعية بالقوة أو من العقائد الذاتية، فنحن مكلفون أخلاقياً بأن نتسامح مع جميع المساعي التي تبذل في سبيل حمل الآخرين على الاعتقاد بتلك العقائد، وأن نعمل لاتخاذ القرار بناءً على معايير الديمقراطية. ("الأسس النظرية للتسامح"، 122)
يُطبّق ملكيان التوضيحات السالفة الذكر على مقام التشريع أيضاً. فعدم التسامح في مقام التشريع يعني في نظره أن يضفي المشرّعون الصفة القانونية على أسلوب الحياة الذي يرونه، في اعتقادهم، الأسلوب الأمثل للحياة، وأن يطالبوا جميع المواطنين باتباع ذلك الأسلوب عينه ويعاقبوا على مخالفته. وبناءً على ذلك يستنتج أن المعتقدات الموضوعية الفعلية الصادقة أو الكاذبة، يجب دون أي رجوع أو التفات إلى الأفكار العامة وآراء المواطنين، إما أن تُتخذ أساساً للتشريع حتماً (إن كانت صادقة)، أو أن يهملها المشرّعون حتماً (إن كانت كاذبة). أما فيما يخص سائر المعتقدات، أي المعتقدات الموضوعية بالقوة والمعتقدات الذاتية، فيرى ملكيان أنه يجب استطلاع رأي مواطني المجتمع الذين يعود عليهم كل نفع وضرر من تنفيذ القوانين، وأن يكتسب أي اعتقاد يحظى بوفاق جميع المواطنين أو أغلبيتهم الصفة القانونية. أي «في حالة المعتقدات الموضوعية الفعلية، تقتضي الحقيقة عدم الرجوع إلى الأفكار العامة، وفي حالة المعتقدات الموضوعية بالقوة والمعتقدات الذاتية، تقتضي العدالة الرجوع إلى الأفكار العامة.» (المصدر نفسه، ص. 124) ويستخلص ملكيان من هذا النقاش النتيجة المهمة التالية: «الديمقراطية، بهذا المعنى، هي نتيجة التسامح في مقام التشريع، وهي النوع الوحيد من الحكم الذي نلتزم به التزاماً معرفياً – أخلاقياً.» (ص. 124)
والنقطة المهمة هي أننا، باستثناء الرياضيات والمنطق وأجزاء من العلوم التجريبية الطبيعية وأجزاء ضئيلة من العلوم التجريبية الإنسانية وأجزاء ضئيلة من العلوم التاريخية، لا نتعامل مع معتقدات وتقارير موضوعية فعلية. ("المباني النظرية للتسامح"، ص. 126)
وفي تقسيم آخر لتوضيح نظريته، يقسم ملكيان المعتقدات من حيث محتواها إلى ثلاث فئات كبرى: الأولى الاعتقادات الوجودية (الأنطولوجية)[8]، أي الاعتقادات الناظرة إلى أشياء متشخصة (مثل سقراط وهذا الميكروفون)، أو نسب (مثل نسبة الأبوة والبنوة أو المسافة بين مدينتين)، أو أحداث (مثل موت سبينوزا)، أو أوضاع وأحوال (مثل أن سعدي هو من كتب الغلستان)، أو مجموعات (مثل مجموعة الأزهار البيضاء)، وأمثال ذلك. الثانية الاعتقادات القيمية (الأكسيولوجية)[9]، أي الاعتقادات حول أي الأشياء لها قيمة ذاتية، أي مرغوبة لذاتها وفي نهاية المطاف، وأي الأشياء لها قيمة أداتية ووسيلية، وأي الأشياء لها قيمة مساهمية[10]، وما شابه ذلك. الثالثة الاعتقادات الوظيفية (الدينطولوجية)[11]، أي الاعتقادات حول ما ينبغي فعله أو تركه، مثلاً، من الناحية الأخلاقية أو القانونية بصفتنا آباءً أو أمهات، أو بصفتنا ذوي مهنة وحرفة معينة. ("المباني النظرية للتسامح"، 119) ومن الواضح أنه يمكن الحديث في المعتقدات الدينية أيضاً عن معتقدات وجودية وقيمية ووظيفية. ومن خلال دمج ما قيل سابقاً مع هذا التقسيم فيما يخص الدين، يتوصل ملكيان إلى نموذج في باب التسامح الديني والعلمانية السياسية ويكتب:
«من بين المعتقدات الوجودية [الدينية]، المعتقدات المتعلقة بالحياة قبل الحياة الدنيوية والحياة بعد الحياة الدنيوية والعوالم ما وراء عالم الطبيعة تُعد، في منظور ملكيان المعرفي، ضمن المعتقدات الموضوعية بالقوة. ومن بين المعتقدات القيمية [الدينية]، وبناءً على الإجماع نفسه، فإن المعتقدات الناظرة إلى القيم الذاتية تندرج ضمن المعتقدات الذاتية، ومن بين المعتقدات الوظيفية [الدينية]، فإن ما يتعلق منها بالوظائف الأخلاقية ليس، يقيناً، من المعتقدات الموضوعية الفعلية» (المصدر نفسه، 125). أي أن معظم القضايا الدينية، لكونها ليست من قبيل المعتقدات الموضوعية الفعلية، لا يمكن أن تكون أساساً للحكم إلا إذا قرر أغلبية مواطني مجتمع ما، في تصويت عام، أن يتخذوها أساساً لحكمهم. وهذا بدوره نوع من الدفاع عن العلمانية السياسية، أي عدم اتخاذ الدين أساساً للحكم في غياب طلب الأغلبية.
إن دعوى ملكيان القائلة بأن معظم القضايا الدينية الوجودية والقيمية والتكليفية ليست موضوعية بالفعل، هي دعوى تجريبية – تاريخية، وهذا يعني أنه يرى أن الدراسة التجريبية والتاريخية تُظهر أن معظم المعتقدات الدينية المذكورة لم تكن حتى الآن نتيجة لدليل قاطع لا يرقى إليه الشك. وبتعبير آخر، تُظهر الدراسات أن قِسمًا من أهم وأكبر معتقداتنا الدينية والأخلاقية، حول أسئلة من قبيل «من أين جئنا؟»، و«إلى أين سنذهب؟»، و«لِمَ جئنا؟»، و«هل ثمة عالم أو عوالم أخرى فيما وراء الطبيعة أم لا؟»، و«هل الله موجود أم لا؟»، و«هل للكون هدف؟»، و«هل نظام العالم نظام أخلاقي أم لا؟»، و«ما معنى الحياة؟»، و«ماذا ينبغي أن نفعل؟»، لا يمكن قبول أيٍّ منها بوصفها موضوعية بالفعل، وبناءً على ذلك ينبغي سياسيًا الحكم بوجوب التسامح إزاء هذه القضايا ("الأسس النظرية للتسامح"، 125).
ولو اعترض أحدٌ على هذا الرأي من منظور إيماني وقال إن المتدينين يتلقون الإجابة عن هذه الأسئلة العظيمة عن طريق الدين، وليس من الضرورة أن يقيموا لإجاباتهم دليلًا مستقلاً آخر، لأن كل ما ورد في الكتب الدينية والمذهبية المقدسة هو حق، فإن ملكيان سيجيب على هذا الكلام قائلاً: «إن قائل هذا الكلام ... قد حمّل نفسه عبء إثبات ثلاث دعاوى: الأولى الحجية المعرفية لكلام الشخص أو الأشخاص الذين تُنسب إليهم الكتب الدينية والمذهبية المقدسة؛ والثانية الوثاقة التاريخية لهذه الكتب نفسها؛ والثالثة الاعتبار الهرمنيوطيقي للفهم الذي حصّله من القضايا الموجودة في هذه الكتب؛ وليست أيٌّ من هذه الدعاوى الثلاث من الدعاوى الموضوعية بالفعل، بل إنها جميعًا من الدعاوى الموضوعية بالقوة.» ("الأسس النظرية للتسامح"، ص.126) وبناءً على ذلك يمكن الادعاء بأن نظرية ملكيان في التسامح الديني تقوم على نوع من الشكية المعتدلة.
من غموضات نظرية ملكيان أنها لم توضح بدقة من هو فاعل التسامح، أهو المواطنون أم الدولة؟ فهو من جهة يرى أن نظريته قابلة للتطبيق على اتخاذ القرار في مجال التشريع، وفاعله الرئيسي فيه منطقيًا هو الدولة، لكنه من جهة أخرى يكتب: «صحيح أن الذين يدرسون التسامح ويبحثون فيه ويفكرون بشأنه، يتحدثون أحيانًا وكأنهم يتوقعون التسامح من الأفراد، ومن الجماعات الاجتماعية المختلفة، ومن الحكومة والدولة معًا؛ ولكن، يبدو أن الأشخاص وحدهم، في الواقع، هم الذين يمكن أن يكونوا متسامحين أو لا يكونوا. وغاية الأمر أن الفعل المتسامح أو غير المتسامح يمكن أن يظهر في صورة قول، أو فعل، أو وضع قوانين ومقررات اجتماعية – حقوقية (سواء أكانت سياسية، أم اقتصادية، أم قضائية، أم جزائية، أم دولية).» ("الأسس النظرية للتسامح"، ص.120) ويبدو أن ملكيان لا يجد مشكلة في اعتبار الدولة فاعلاً للتسامح، شريطة أن نعتبر الدولة، من الناحية الوجودية، مكوّنة من أفراد. وعلى أية حال، فإن عدم الفصل الدقيق بين الدولة والأفراد ليس بلا تأثير في عدم فصله بين مقام الأفعال في المجالين العام/السياسي والاجتماعي/الخاص، وهو ما ستتم الإشارة إليه في قسم الخاتمة.
العلمانية والحكومة الدينية؟
بناءً على تأكيد ملكيان في أعماله، يمكن الاستنتاج أن الشكل المثالي للحكومة بالنسبة له هو نوع من الليبرالية الديمقراطية. فعلى سبيل المثال، يكتب في شرحه للأسس النظرية للإصلاحية: «غاية الإصلاحية هي إرساء نظام ليبرالي-ديمقراطي» ("الأسس النظرية للإصلاحية" في تقديرنا، تدبيرنا، نگاه معاصر، 1389، ص.67). علاوة على ذلك، قلنا إن نظرية ملكيان في التسامح هي في الوقت نفسه دفاع عن العلمانية السياسية، وبناءً عليها فإن الحكومة الدينية (أي الحكومة التي تُتخذ فيها القرارات الجماعية بناءً على المعتقدات الأنطولوجية والأنثروبولوجية ومعتقدات الواجب لدين معين)، لا تكون جائزة إلا إذا أرادت غالبية المجتمع، بحكم تدينهم، قبول سيادة القضايا الدينية الذاتية أو الموضوعية بالقوة، والتي تشمل بالصدفة الكثير من الأحكام الفقهية والشريعة، في المجال العام وكأساس لاتخاذ القرار الجماعي. بعبارة أخرى، عندما يقول معظم الأفراد في مجتمع ما: إننا، مع علمنا بأن المعتقدات الدينية غير قابلة للتحقيق بالفعل ولا يوجد دليل على صدقها أو كذبها، متعلقون بهذه المعتقدات ونريد أن نجعلها أساسًا للحكم في مجتمعنا، حينها يمكن، وفقًا لمقتضى العدالة، أن تكون هناك حكومة دينية لا تتعارض مع العلمانية بهذا المعنى الخاص. ومع ذلك، من المهم جدًا أن ننتبه إلى أن دوام مثل هذا النوع من الحكومة الدينية مرهون بامتلاكها الدعم من ورائها من الرأي العام. فما إن تقل غالبية الناس: لم نعد نريد حكومة دينية، حتى لا يعود بالإمكان وجود حكومة دينية ("العلمانية والحكومة الدينية"، صص. 258-257؛ قارن مع "الأسس النظرية للإصلاحية"، صص. 42-41).
نقطة أخرى مهمة هي أنه في الحكومة الدينية المشروعة من وجهة نظر ملكيان، يجب أن تكون القضايا الدينية التي يريد الناس أن تكون أساسًا لاتخاذ القرار في حياتهم الجماعية مطابقة للتفسير الذي يحملونه هم أنفسهم لتلك القضايا في الدين ويريدونه، لا تفسير الحكام. يضرب ملكيان مثالًا: لنفترض أن قادةً سألوا الناس المتدينين أثناء ثورة دينية: هل تريدون عدالة علي؟ وكان جواب الناس: نعم. لكن إذا طُبق لاحقًا في مقام العمل شيءٌ يغاير ما كانت تفهمه غالبية الناس من عدالة علي كأساس للقرار الجماعي، فإن تلك الحكومة لا تكون مشروعة. ولمنع حدوث مثل هذا الأمر، يوصي ملكيان حتى بإنشاء مؤسسة أو آلية تضمن أن ما صوت عليه الناس باسم الدين يتطابق مع التفسير الذي تجلى الآن لتلك الآراء في مرحلة التطبيق ("العلمانية والحكومة الدينية"، ص. 258). يمكن تسمية النموذج المشروع للحكومة الدينية وفقًا لهذه النظرية بالديمقراطية الدينية أيضًا، مع التأكيد على أن ملكيان يعتبر جميع التقريرات الأخرى للديمقراطية الدينية، عدا هذا، متناقضة ومصداقًا للخداع. ("أخلاق الإصلاحات" في تقديرنا، تدبيرنا؛ 97-94)[12]
يمكن صياغة نظرية ملكيان في التسامح الديني والعلمانية السياسية في قالب البرهان التالي:
المقدمة الأولى (مقدمة الإيمان بالأخلاق)- الأفراد من الناحية الأخلاقية وبناءً على الواجب الأخلاقي لطلب الحقيقة مكلفون بالتسامح بشأن المعتقدات الموضوعية بالقوة، والذاتية.
المقدمة الثانية (المقدمة المعرفية، التاريخية)- يُظهر إجماع المعرفيين أن معظم القضايا الدينية هي إما موضوعية بالقوة أو ذاتية، وبناءً على ذلك سيبقى الاختلاف في الرأي حولها قائمًا دائمًا.
المقدمة الثالثة (المقدمة المساواتية/العدالتية)- يجب اعتبار الأفراد متساوين من حيث قوة تأثيرهم في القرار الجماعي. يجب أن يكون أساس اتخاذ القرار هو رأي الأغلبية.
النتيجة الأولى (العلمانية السياسية)– (في حال عدم طلب غالبية المجتمع) يقتضي طلب الحقيقة أن تخضع الأغلبية الساحقة من القضايا الدينية، باستثناء القضايا الدينية الموضوعية بالفعل القليلة، للتسامح وألا تتخذ أساسًا لتأسيس الدولة.
النتيجة الثانية (الحكومة الدينية)- (إذا كان لدينا مجتمع يعتقد نصفه زائد واحد أن دينًا معينًا يجب أن يكون أساسًا لاتخاذ القرار الجماعي) تقتضي المساواتية/العدالتية أن تُتخذ القرارات العامة للمجتمع بناءً على القضايا الدينية.
في القسم التالي سنتناول نقد الفكر السياسي-الاجتماعي عند ملكيان من منظور الليبرالية السياسية عند رولز.
.
.
[1] شرح ملكيان نظريته حول التسامح خصوصاً في هذه الأعمال: "الأسس النظرية للتسامح" في طريق إلى التحرر، نشر نگاه معاصر، 1381، ص126-113؛ "العلمانية والحكومة الدينية" في التقليد والعلمانية، منشورات صراط، 1381، ص265-245؛ "الأسس النظرية للإصلاحية" في تقديرنا تدبيرنا، نشر نگاه معاصر، 1389، ص34-21. أتقن شرح قُدّم في مقالة "الأسس النظرية للتسامح" وأنا أعتمدها أساساً أكثر من غيرها.
[2] Objective
[3] Subjective
[4] في هذه الكتابات استخدمت تباعاً آفاقي، عيني وموضوعي (objective)، وانفسي، ذاتي وذاتي (subjective)، بالتبادل.
[5] in principle
[6] in practice
[7] propaganda
[8] ontological
[9] axiological
[10] contributory value
[11] deontological
[12] نظراً لاهتمام ملكيان بكيركغور المفكر الوجودي الدنماركي في القرن التاسع عشر، يمكن اعتبار فلسفة الدين عند كيركغور أحد منابع فكره حول ذاتية كثير من القضايا الدينية. بالنسبة لكيركغور، ذاتية القضايا الدينية لا تتناقض مع كونها حقيقية، بل هي شرط لكونها حقيقية. انظر مقالة "الذاتية هي الحقيقة"، بقلم سورن كيركغور وترجمة مصطفى ملكيان في سير في فضاء الروح: مقالات ومقولات في المعنوية، نگاه معاصر، ص48-19. ملكيان إذا أراد أن يتحدث في إطار داخل-ديني يمكنه أن يعتقد مثل كيركغور أن لدينا نوعين من القضايا الصادقة: قضايا صادقة ذاتية، وقضايا صادقة موضوعية. القضايا الصادقة الموضوعية بين-ذاتية، والقضايا الصادقة الذاتية إيمانية. معظم القضايا الدينية الصادقة هي صادقة ذاتياً، وبما أن أساس الحكومة يجب أن يكون قضايا بين-ذاتية، فلا يمكنها أن تكون أساساً للحكومة. بهذا التحليل، لن يتناقض فكر ملكيان مع اعتبار القضايا الدينية حقيقية في المجال الذاتي.
.
.
.
.
.
.
العلوم السياسية
العلوم السياسية
العلوم السياسية
العلوم السياسية
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.