اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
أولوية حياة الإنسان على الحيوان اعتقاد شائع يستند إلى قدرات معرفية أو علاقات خاصة. يجادل جيف سيبو بأن استثنائية الإنسان لا يمكن تبريرها، لأن حجم معاناة الحيوانات يرجّح الأولوية لصالح غير البشر.

المصدر: مجلة إيون
الصورة لجورج روجر. المصدر: ماغنوم. الأولوية للفيلة. أوغندا، 1958
عندما تكون في مأزق، لعلّك ترى حياة الإنسان أثمن من حياة الحيوان. ثمة حجج وجيهة على خطأ هذه العقلية.
في شهر يناير/كانون الثاني الماضي، خضع رجل يبلغ من العمر 57 عاماً من بالتيمور لعملية زرع قلب من خنزير. يُطلق على استخدام الحيوانات غير البشرية كمصدر للأعضاء للبشر اسم زرع الأعضاء بين الأنواع المختلفة[1]. ومع أن استخدام الحيوانات غير البشرية لهذا الغرض قد يبدو فكرة مثيرة للقلق، يعتقد كثير من البشر أن الأمر يستحق التضحية إذا ما تمكنا من تحسين تقنياته أكثر فأكثر (توفي الرجل بعد شهرين). وكما قال علماء أخلاقيات علم الأحياء مثل آرثر كابلان وبريندان بارنت العام الماضي: «بطبيعة الحال، رفاه الحيوان مهم، لكنه لا يفوق الثقل الأخلاقي لحياة البشر».
بالتأكيد، ليست زراعة الأعضاء بين الأنواع هي المجال الوحيد الذي يضع فيه البشر الحيواناتِ الأخرى في مأزق ليجنوا لأنفسهم منفعة. نقتل سنوياً أكثر من 100 مليار حيوان محبوس من أجل الطعام والملبس والبحث وأغراض أخرى. ولعلنا نقتل أيضاً أكثر من تريليون حيوان بري لأغراض مماثلة. غالباً لا نكلف أنفسنا عناء الدفاع عن هذه الممارسات. لكن حين نفعل، نقدم دفاعاً واحداً: لحياة البشر ثقل أخلاقي أكبر.
لكن هل هذا صحيح؟
بالنسبة لمعظم الناس، فكرة استثنائية البشر[2] مسلَّمة وبديهية. وهي تتوافق مع العقل لأن فكرة أننا أهم من الحيوانات الأخرى تعود علينا بالنفع. ومع ذلك، فهي قضية تستحق الفحص النقدي. هل يمكننا حقاً تبرير فكرة القيمة الأخلاقية الأكبر لبعض الأرواح بشكل عام، وخصوصاً القيمة الأخلاقية الأكبر لحياة البشر مقارنة بحياة الحيوانات الأخرى؟ وحتى لو استطعنا، فهل يعني ذلك أن علينا أن نمنح أنفسنا الأولوية بنفس القدر الذي نمنحها به الآن؟
يقدم علماء الأخلاق أحياناً حججاً قائمة على القدرات لترتيب الأنواع وفقاً لنوع من التراتبية. على سبيل المثال، يجادل شيلي كيغان في كتابه كيف نحسب الحيوانات (أكثر أو أقل) (2019) بأن علينا أن نعطي لمصالح البشر وزناً أخلاقياً أكبر لأننا نملك قدرة على الفاعلية والرفاه أكبر مما لدى الحيوانات الأخرى. أنا أملك قدرات معرفية يفتقر إليها الخروف، وبالتالي لدي مصالح لا تملكها الخراف. علاوة على ذلك، فقدرتي على اختبار الألم والفرح أعمق مقارنة بالخروف، لذلك لدي مصالح أثرى فيما يتعلق برفاهيتي مقارنة برفاهيتها.
لقد قدّم علماء الأخلاق أيضًا حججًا قائمة على العلاقة لصالح تراتبية الأنواع. على سبيل المثال، يجادل باروخ برودي في مقالته دفاعًا عن البحوث الحيوانية (2001) بأنه ينبغي لنا أن نعطي وزنًا أخلاقيًا أكبر لمصالح البشر لأن لدينا روابط خاصة وشعورًا بالتضامن تجاه أفراد نوعنا. ووفقًا لهذا الرأي، ينبغي لنا أن "نتجاهل" مصالح الحيوانات غير البشرية لنفس السبب الذي يجعلنا "نتجاهل" مصالح الأجيال القادمة: لدينا واجبات داخل هذه الجماعات لا نملكها فيما بينها.
وردًا على هذه الحجج وغيرها من هذا القبيل، يرى بعض علماء الأخلاق أنه ينبغي لنا رفض فكرة تراتبية الأنواع رفضًا تامًا. على سبيل المثال، في كتاب الكائنات الرفيقة[3] (2018) تجادل كريستين كورسغارد بأنه لا معنى أصلًا لسؤال ما إذا كان الإنسان يعيش حياة أفضل من الخروف، لأن طبيعة حياة كل نوع من الحيوانات مختلفة، وتقييم كل نوع لا يمكن إلا وفقًا لمعايير ذلك النوع نفسه. أي أن المقارنة بين الإنسان والخروف هي حقًا كمقارنة التفاح بالبرتقال.[4]
على الرغم من أنني أعتبر إنكار تراتبية الأنواع هذا جديرًا بالتأمل، إلا أنني أريد الدفاع عن فكرة أخرى: حتى لو قبلنا تراتبية الأنواع لأسباب قائمة على القدرات أو العلاقات، فلا يمكننا مع ذلك أن نستنتج أن موقفنا الحالي القائم على استثنائية الإنسان مقبول. فبدلًا من الإصرار ببساطة على أفضليتنا، من الضروري أن نفكر بحذر في مدى اختلاف الوزن الأخلاقي للحيوانات المختلفة. وعندما نشرع في ذلك، ستفاجئنا النتيجة.
على وجه الخصوص، إذا أخذنا حججنا لاستثنائية الإنسان على محمل الجد، فلن تكون النتيجة أن نفضّل أنفسنا دائمًا، بل فقط في بعض الأحيان ينبغي لنا أن نمنح هذه الأولوية. وعندما نأخذ في الاعتبار حجم معاناة وموت غير البشر في العالم ومدى تواطئنا في هذه المعاناة والموت، نجد أن استثنائية الإنسان تقلب المعادلة: على العكس، من المحتمل أن تكون لدينا أسباب قائمة على القدرات أو العلاقات أكثر فأكثر لإعطاء الأولوية للحيوانات غير البشرية.
لأكون واضحًا، إن حجتي ليست ضد الشكل القوي من استثنائية الإنسان، الفكرة القائلة بأن البشر بالضرورة أهم من غير البشر. إذا كنتم تتصورون أن أي مصلحة لإنسان، مهما كانت تافهة، تتقدم على أي مصلحة لغير البشر، مهما كانت جسيمة وأساسية - كأفضلية حكّ حكّة إنسان واحد فقط على منع موت 100,000 فيل - فهناك حجج جيدة ضد وجهة نظركم، لكنني لن أركز عليها.
بدلًا من ذلك، هدفي هو الاحتجاج ضد الشكل المعتدل من استثنائية الإنسان، الذي يقول إنه من المحتمل أن يكون للبشر أهمية أكبر مقارنة بغير البشر. إذا كنتم من بين الكثيرين الذين يعتقدون أنه نظرًا لامتلاكنا قدرات "أسمى" وعلاقات "أقوى"، فإننا نتمتع بالأولوية على الحيوانات الأخرى، فأنتم ترتكبون مغالطة التفكير الرغبوي.[5] إن غير البشر كثر، وحياتنا متشابكة معهم أكثر مما ينبغي أن يكون مثل هذا التصور صحيحًا. إن وجهة النظر "المعتدلة" هذه ليست أخلاقية بالقدر الذي تتصورونه.
دعونا نفحص هذه الحجج لاستثنائية الإنسان واحدة تلو الأخرى، ولنبدأ بالحجج القائمة على القدرات.
نعم، قدرتي على الفاعلية (أي الاستقلالية) أكبر وأسمى من قدرة الحيوانات غير البشرية. يمكنني أن أتراجع عن معتقداتي ورغباتي وأفعالي، وأتساءل إن كان لدي سبب لتأييدها أم لا. ونتيجة لذلك، يمكنني استخدام الأدلة والعقل لتحديد أهداف طويلة المدى والسعي وراءها. في المقابل، لا تستطيع الدودة سوى أن تفعل ما يبدو طبيعيًا لها لحظة بلحظة، دون أن تتوقف أبدًا لتقييم هذه الخيارات.
لماذا يُعدّ هذا الفارق مهمّاً؟ من المقبول، بشكل عام، أن نطاق مصالح الفاعلين أوسع من نطاق مصالح غير الفاعلين. سجني عمل سيّئ لأنني أحتاج، لكي أعيش حياة طيبة، أن أتمكن من تحديد أهدافي بنفسي والسعي وراءها. في المقابل، قد لا يكون سجن دودة (شريطة توفير الرعاية المناسبة) عملاً سيّئاً، لأن كل ما تحتاجه الديدان لعيش حياة طيبة هو، افتراضاً، الهواء والرطوبة والظلام والدفء والغذاء وديدان أخرى.
بالمقارنة مع الحيوانات غير البشرية، أمتلك أيضاً قدرة أسمى على الرفاه (الذي يشمل السعادة والألم وحالات أخرى من هذا القبيل). يمكنني أن أختبر سعادة وألماً أكثر في كل لحظة لأن دماغي أكثر تعقيداً من دماغ الدودة. كذلك، ولأن عمري أطول من عمر الدودة، يمكنني أن أختبر سعادة وألماً أكثر عبر الزمن، شريطة أن أعيش حياة مفعمة نسبياً.
ما أهمية ذلك؟ من المقبول أن الكائنات التي تمتلك قدرة أسمى على الرفاه لديها، بشكل عام، أشياء أكثر لتخسرها. حتى لو كان سجن دودة عملاً سيّئاً، فإن فعله بي هو أسوأ. فكل يوم في السجن يلحق بي ضرراً أكبر، وعلى وجه الإجمال، سأقضي أياماً أكثر في السجن [لأن عمري أطول].
في رأيي، إن حججاً كهذه قائمة على القدرة هي معقولة في حد ذاتها. إن تحديد الأولويات يستلزم الانتباه إلى مدى تعرض كل منّا للخطر في موقف معين، وقدراتنا تسهم في تحديد مدى تعرضنا للخطر. لكن هذه الحجج تفشل أيضاً في تأسيس حتى الشكل المعتدل من الاستثنائية البشرية. فالتداخل بين قدرات البشر وغير البشر لافت للنظر، وتحديد الأولويات يتطلب أيضاً مراعاة عوامل أخرى.
أولاً، ليس الأمر أن قدرتنا على الفاعلية هي دوماً أسمى من قدرة الحيوانات الأخرى. فالحياة المبكرة لنا جميعاً تخلو من التأمل العقلاني، وبعضنا يفقد هذه القدرة لاحقاً، وبعضنا لا يبلغها أبداً.[6] وفي غضون ذلك، تمتلك حيوانات غير بشرية عديدة قدرة على الذاكرة، والعاطفة، والوعي الذاتي، والوعي الاجتماعي، والتواصل، والاستدلال الأداتي، وأكثر من ذلك. لذا، هناك تداخل لافت بين فاعلية البشر وغير البشر.
حتى عندما نكون على يقين من أن قدرتنا على الفاعلية أسمى من قدرة الحيوانات الأخرى، فقد يكون الفارق أصغر مما نعتقد. لأننا نعتبر الفاعلية البشرية معياراً لمقارنة جميع أشكال الفاعلية الأخرى، فإن نظرتنا إلى الفاعلية تتسم بالتمركز حول الإنسان. صحيح أن الفاعلية البشرية تبعث على التأمل بلا شك، لكن الفاعلية غير البشرية كذلك أيضاً. إذا قمنا بتقييم الفاعلية غير البشرية وفقاً لمعاييرها الخاصة، فقد نجد أشكالاً من الاستقلالية لا يحظى بها البشر.
وعلى المنوال نفسه، ليس الأمر أن قدرتنا على الرفاه هي دوماً أسمى من قدرة الحيوانات الأخرى. إذا كانت قدرتنا على الرفاه مجرد دالة على تعقيد أدمغتنا وأعمارنا، فإن قدرة بعض الحيوانات غير البشرية على الرفاه ستكون أسمى من قدرة البشر. فعلى سبيل المثال، عدد الخلايا العصبية لدى الفيل الأفريقي يعادل تقريباً ثلاثة أضعاف ما لدى البشر، وأعمارها تماثل أعمارنا. وهكذا، ووفقاً لهذه الطريقة القياسية، تمتلك هذه الحيوانات قدرة على الرفاه أسمى من قدرتنا.
علاوة على ذلك، حتى عندما نكون على يقين من أن قدرتنا على الرفاه أكبر من قدرة الحيوانات الأخرى، فقد يظل هذا الفارق أصغر مما نعتقد. فبحسب ما نعلم، من المحتمل أن قدرتنا على الرفاه لا تقتصر فحسب على دالة تعقيد الدماغ والعمر. فنحن لا نزال في بداية الطريق في دراسة عقل الحيوان. قد يكون، افتراضاً، أن امتلاك ضعف عدد الخلايا العصبية يعني ضعف القدرة على الرفاه، لكن قد يكون فارق القدرة على الرفاه أكبر أو أقل من ذلك.
باختصار، إن الحجج القائمة على الملكات تفشل حتى في إثبات شرعية الأشكال المعتدلة من الاستثنائية البشرية. إذا كنا نعتقد أن لنا مصالح جسيمة حتى عندما نكون خالين من ملكة التأمل العقلاني (وهو ما ينبغي لنا بالطبع أن نعتقده)، فيجب أن نعتقد أن الأمر نفسه يسري على غير البشر. وكما أننا نحتاط في حالات عدم اليقين بشأن مدى اختبار البشر للسعادة أو الألم ونفترض أنهم يختبرون السعادة أو الألم (ومرة أخرى، ينبغي لنا بالطبع أن نفعل ذلك)، فإن علينا أن نتصرف بالطريقة نفسها تجاه غير البشر.
ثمة عوامل أخرى تبرز في كيفية تحديدنا للأولويات.
فعلى سبيل المثال، حتى لو كان لدى الإنسان، بوجه عام، أشياء أكثر ليخسرها مقارنة بخروف، فقد لا يكون الأمر كذلك في حالات معينة. لنفترض أنه لا يتيسر لك إلا أحد أمرين: إما أن تنقذ إنساناً من أذى طفيف، أو تنقذ خروفاً من أذى جسيم. في هذه الحالة، قد يكون لزاماً عليك أن تسعى لإنقاذ الخروف.
وعلى المنوال نفسه، حتى لو كان لدى إنسان واحد أشياء أكثر ليخسرها مقارنة بكائن غير بشري، فقد لا يكون ما يمكن أن يخسره ذلك الإنسان أكثر مما يمكن أن يخسره عدد كبير من غير البشر. لنفترض أنه لا يتيسر لك إلا أحد أمرين: إما أن تنقذ إنساناً من أذى طفيف، أو تنقذ 1,000 خروف من أذى طفيف. في هذه الحالة أيضاً، قد يكون لزاماً عليك أن تشرع في إنقاذ الخراف.
وأخيراً، إن معنى الأخلاق، على الأقل في التطبيق العملي، يتجاوز مجرد الضرر والمنفعة. نحن لا نسمح أبداً للأطباء بأن يستولدوا بشراً بغرض استغلال لحومهم أو أعضائهم، لأن حقوق "المُعطين" أسمى من حقوق الآخذين. فلماذا لا نعتقد أن الأمر نفسه يسري على غير البشر؟
كل هذا يثير شكوكاً جدية حول الاستثنائية البشرية. فمقابل منافع طفيفة للبشر، نضيّق الخناق بانتظام على غير البشر ونحمّلهم أعباء ثقيلة حقاً. إن "الضرر"[7] الذي يلحق بالبشر من أكل النباتات لا يُذكر مقارنة بالضرر الذي يلحق بالحيوانات في مزارع التربية الصناعية.
ومقابل كل إنسان فرد يستفيد، نحمّل بانتظام أعداداً غفيرة من غير البشر أعباءً. فنحن نقتل سنوياً، على أقل تقدير، مليار حيوان من حيوانات المزارع والحيوانات البرية، ناهيك عن الحشرات، من أجل الطعام. وهذا الرقم السنوي للذبح يفوق العدد الإجمالي للبشر الذين وُجدوا على الإطلاق.
كذلك، نستخدم غير البشر بانتظام بأشكال لا نسمح بها لأنفسنا أبداً لو تعلق الأمر بالبشر. المسألة ليست ببساطة أننا ننقذ أنفسنا بدلاً منهم (وإن كنا نفعل ذلك أيضاً)؛ المسألة هي استغلالهم وتدميرهم على نطاق عالمي.
النتيجة واضحة. حتى لو كنا نعتقد أن الكائنات ذات الملكات الأعلى في الفاعلية والرفاه لها الأولوية على الكائنات ذات الملكات الأدنى في الفاعلية والرفاه، فينبغي لنا، بوجه عام، أن نشك في أن فارقاً كهذا يمكن أن يبرر شيئاً يشبه سلوكنا الحالي على الإطلاق.
فما هو إذن مصير الحجج القائمة على العلاقات لصالح الاستثنائية البشرية؟ تلك الحجج التي تركز على العلاقات التي نقيمها مع البشر والحيوانات الأخرى؟
يعتقد كثير من الناس أن لدينا، على الأقل من الناحية العملية، حقًا وواجبًا في منح الأولوية لأنفسنا ولمجتمعنا. ينبغي أن أعتني بنفسي قبل أن أعتني بك، وكذلك ينبغي أن أعتني بأسرتي قبل أن أعتني بأسرتك. إذا كان بوسعنا إظهار هذا النوع من التحيز في إطار مجموعات أصغر كالأسرة، فربما يمكننا فعل الشيء نفسه في إطار مجموعات أكبر كالنوع.
في الواقع، يقول بعض علماء الأخلاق إن هذا التمثيل لا ينطبق على الأنواع فحسب، بل على مجموعات أكبر مثل الأجيال أيضًا. حجتهم هي أننا نستطيع "تجاهل" مصالح الحيوانات غير البشرية و الأجيال القادمة، ويعود ذلك جزئيًا إلى أن علاقاتنا داخل هذه المجموعات أوثق منها خارجها، وجزئيًا لأن الحياد التام تجاه جميع الكائنات الحساسة، من الآن وإلى الأبد، أمر بالغ الصعوبة.
يعود هذا النوع من الاستدلال، إلى حد ما، إلى مصلحتنا الشخصية. إذا جعلنا الأخلاق محايدة أكثر مما ينبغي، فسيصبح الوزن النسبي لمصالحنا الشخصية ضئيلًا للغاية. لكن ينبغي أن يكون لمصالحنا بعض الوزن النسبي على الأقل؛ لأن لنا حقًا في الاعتناء بأنفسنا، ولأن الاعتناء بالنفس [عادةً] شرط أساسي للاعتناء بالآخرين. لذا، ينبغي أن نسمح للأخلاق بأن تكون متحيزة إلى حد ما، لإفساح المجال للعناية الذاتية.
ويعود هذا النوع من الاستدلال، إلى حد ما أيضًا، إلى علاقاتنا الشخصية. في إطار العلاقات الخاصة، تقع علينا واجبات خاصة. يجب أن أعتني بأسرتي أولًا ثم أسرتك، لأن لي أواصر خاصة داخل أسرتي. وقد ينطبق الأمر نفسه على مجموعات أكبر مثل الأنواع والأجيال. لذا، ينبغي أن نسمح للأخلاق بأن تكون متحيزة إلى حد ما، لإفساح المجال أيضًا للواجبات العلائقية.
لكن حتى لو قبلنا صحة هذه الادعاءات بأن الأمر على هذا النحو بالنسبة لمجموعات مثل الأنواع والأجيال، فلا يزال يتعين علينا إنكار موقفنا الحالي القائم على استثنائية الإنسان. عدد أفراد [جميع] الأنواع والأجيال أكبر بكثير من عدد أفراد نوع واحد أو جيل واحد. كما أن حياتنا ترتبط بشكل متزايد بأنواع وأجيال متنوعة، وبأشكال تحمل مقتضيات مهمة لمصالحنا وعلاقاتنا الشخصية.
لنفترض أن عليّ، بشكل عام، واجبًا مؤكدًا في الاعتناء بأسرتي أولًا ثم أسرتك. هل يعني هذا أنني أستطيع أن أفعل بأسرتك ما يحلو لي؟ قطعًا لا. سيكون من الخطأ أن أحرم أسرتك من الطعام لإطعام أسرتي، حين تملك أسرتي طعامًا أكثر بكثير مما تملكه أسرتك. ومن الخطأ أيضًا أن أقتل أسرتك لأتمكن من تقديم لحم البشر لأسرتي بدلًا من الأرز والبقوليات مثلًا.
ينطبق هذا أيضًا من نوع إلى أنواع أخرى، ومن جيل إلى أجيال أخرى. ينهمك البشر في سلب الموارد من الحيوانات غير البشرية والأجيال القادمة، في حين أننا نملك مسبقًا موارد أكثر بكثير مما يملكونه (بطرق شتى). كما أننا نقتل سنويًا مئات المليارات من الحيوانات من أجل الغذاء، مما يشكل تهديدات للبيئة وصحة الأجيال القادمة أيضًا، في الوقت الذي تتوفر لدينا فيه بدائل نباتية إنسانية وصحية ومستدامة.
علاوة على ذلك، فإن العديد من السياسات التي تعود بالنفع على الحيوانات غير البشرية والأجيال القادمة، تعود بالنفع علينا نحن أيضًا. وكما يُذكّرنا إطار "الصحة الواحدة" لمنظمة الصحة العالمية فإن صحة الإنسان وغير الإنسان والبيئة مترابطة. ينبغي لنا أن نقضي على صناعات مثل إزالة الغابات والزراعة الحيوانية الصناعية والاتجار بالحياة البرية، ليس فقط من أجل الحيوانات غير البشرية والأجيال القادمة، بل إننا نحتاج إلى ذلك من أجل أنفسنا أيضًا: فالهدر والتلوث والأمراض المعدية والتهديدات الأخرى الناشئة عن هذه الأنشطة تؤذينا الآن بالفعل.
كما ينبغي ألا نغفل عن أن لدينا واجبات قائمة على العلاقة تجاه الأنواع والأجيال الأخرى أيضًا. فالكثيرون منا يهتمون بأعضاء الأنواع والأجيال الأخرى: من المستحيل أن يكون أي شخص أكثر أهمية بالنسبة لي من كلبي سموكي، وكذلك يشعر العديد من الآباء والأمهات تجاه أبنائهم وأحفادهم وهلم جرًا. وعندما تتسبب أفعالنا في إلحاق الضرر بالحيوانات غير البشرية والأجيال القادمة، يكون علينا واجب قائم على العلاقة للحد من هذه الأضرار وإصلاحها، سواء كان هؤلاء الأفراد مهمين بالنسبة لنا أم لا.
باختصار، تفشل الحجج القائمة على العلاقة في إثبات شرعية الأشكال الحالية من الاستثنائية البشرية والاستثنائية الجيلية. حتى لو كان لدينا حق أو واجب في الاعتناء بأنفسنا وبقية البشر الحاليين، فلا يزال يتعين علينا، لتحقيق هذا الهدف، أن نعامل الحيوانات غير البشرية والأجيال القادمة بشكل أفضل بكثير مما نفعله الآن. وبشكل خاص عندما تتسبب أنشطتنا في إلحاق الضرر بهم، نحتاج إلى تحسين معاملتنا لهم بشكل كبير في ذاتها ولأجلهم هم فقط. إن واجباتنا القائمة على العلاقة أوسع نطاقًا بكثير مما كان يُعتقد.
وعندما نحيك خيوط هذه القدرات والعلاقات معًا، نصل إلى نتيجة مثيرة للدهشة: ليس فقط ينبغي لنا أن نمنح أنفسنا أولوية أقل، بل ربما ينبغي ألا نمنح أنفسنا أي أولوية على الإطلاق في بعض الحالات. فمهما يكن من أمر، حتى لو اعتبرنا مصالح الحيوانات غير البشرية والأجيال القادمة ضئيلة، فإن أعدادهم هائلة وكبيرة جدًا، ولا تزال أفعالنا تؤثر عليهم إلى حد أن الوزن التراكمي لمصالحهم قد يفوق وزن مصالحنا على الأرجح.
وعندما نحيك خيوط الحجج البيولوجية والجيلية معًا، فإن النتيجة التي تنتظرنا أكثر إثارة للدهشة من الحالة السابقة: ليس فقط ينبغي لنا أن نمنح الأولوية لغير البشر الحاليين والبشر المستقبليين، بل ينبغي لنا أن نفعل ذلك بشكل خاص لغير البشر المستقبليين أيضًا. فعلى سبيل المثال، عندما نقيس آثار تغير المناخ، ينبغي أن نعطي وزنًا أخلاقيًا كبيرًا للآثار التي يتركها على الأنواع الأخرى. أي الجماعات ستتوسع أو تتقلص، وماذا سيحدث لرفاهية كل فرد من هذه الحيوانات؟
صحيح أن هناك قيودًا على مدى قدرتنا على منح الأولوية لغير البشر الحاليين والمستقبليين الآن، لأننا لا نملك حاليًا المعرفة أو القوة أو الإرادة السياسية اللازمة لمساعدتهم على نطاق واسع. لذا قد نحتاج الآن إلى أن نضع أنفسنا في الأولوية حتى نتمكن من منحهم الأولوية في المستقبل.
لذا حتى لو قبلنا هذه الحجة العملية، فلا يزال يتعين علينا أن نمنح الحيوانات غير البشرية أولوية أكبر بكثير مما نمنحها إياهم في الوقت الحاضر. فحتى الآن بمقدورنا أن نؤذي الحيوانات بشكل أقل بكثير وأن نساعدها بشكل أكبر بكثير. وفي كثير من الأحيان، يكون من مصلحتنا نحن أيضًا القيام بمثل هذه التغييرات. كما ينبغي ألا نغفل عن أن كيفية ظهور التاريخ مرتبطة بالمسار الذي يسلكه. شئنا أم أبينا، فإن خلفنا سيرثون العالم الذي نصنعه. لذلك، إذا كنا نريد أن تكون أولويات خلفنا غير متحيزة أكثر، فعلينا نحن أيضًا أن نعمل على امتلاك أولويات غير متحيزة.
والنتيجة هي أننا بحاجة إلى إعادة النظر في علاقتنا بالحيوانات الأخرى من الأساس. فعندما نحدد الأولويات بين الأنواع، نكون مسؤولين عن البحث عن أفضل المعلومات والحجج، بدلاً من أن نخلص منذ البداية إلى نتيجة تصب في مصلحتنا.
وعندما نرفع أيدينا عن الميزان، فإن رجحان إحدى كفتيه ليس أمرًا غير متوقع. كان ينبغي لنا قبل هذا أن نعامل غير البشر معاملة أفضل بكثير مما نفعله، وفي النهاية، قد نحتاج حتى إلى ترجيح مصالحهم واحتياجاتهم على مصالحنا. وعلينا منذ الآن أن نهيئ أنفسنا لمثل هذا الاحتمال.
.
.
هوامش المترجم
[1] Xenotransplantation
[2] human exceptionalism
[3] Fellow Creatures
[4] نظرًا لأهمية كانط، وللاستقبال الواسع الذي تحظى به أفكار هذا الفيلسوف في إيران، يبدو من الضروري تقديم إيضاح إضافي من كريستين كورسغارد (إحدى أبرز شارحات كانط) حول سبب استحالة مثل هذا القياس:
«أعتقد أنه لا يمكن لشيء أن يكون ذا أهمية ما لم يكن مهمًا لشخص ما (لكائن ما، سواء أكان إنسانًا أم حيوانًا). إذا كان هذا صحيحًا، فمن الضروري أن نسأل ما الذي يعنيه بالضبط هذا الادعاء بالأهمية الأسمى للإنسان. لمن يفترض أن يكون البشر أكثر أهمية؟ للكون؟ في نظر الله؟ لأنفسنا؟... إذا كان كل ما هو مهم يجب أن يكون مهمًا لشخص ما ولكائن ما، فلا يوجد إذن موقف يمكننا أن نقف فيه ونسأل من عليائه بشكل متماسك أي الكائنات أو أي نوع من الكائنات هو الأكثر أهمية بشكل مطلق. الأشياء مهمة بالنسبة للكائنات، وهذه الكائنات نفسها ليست في مرتبة مطلقة لتصطف حسب ترتيب الأهمية. أو بعبارة أخرى، يكاد لا يوجد موقف يمكننا أن نقف فيه لإصدار مثل هذا الحكم... قد تتصور أن ما أقوله هو أن ثمة أشياء مهمة بالنسبة لي وأشياء مهمة بالنسبة لك، لكن لا يوجد شيء مهم أصلًا وبشكل مطلق. لكن في الحقيقة ثمة شيء آخر يدور في خلدي؛ نظرة مفادها أن جميع الأهميات مربوطة وتابعة. وبشكل خاص، مربوطة وتابعة للكائن الذي يكون موضوع السؤال ذا أهمية بالنسبة له، ولا يمكن فصل رباطها عن ذلك الكائن دون أن تزول أهميتها. ومع أن هذه النظرة القائلة بأن الأهمية مربوطة وتابعة تنكر وجود أهمية قائمة بذاتها ومستقلة، فإن هذا لا يعني بالضرورة أنه لا يوجد شيء ذو أهمية مطلقة. لأنه لا يزال من المعقول تمامًا القول بوجود أشياء مهمة لنا جميعًا - لجميع أولئك الذين يمكن للأشياء أن تكون مهمة بالنسبة لهم. وفي الواقع، إذا فكرت في الأمر، فإن ما نريده من مفهوم الأهمية المطلقة هو هذا تحديدًا وليس أكثر من ذلك: أن يكون الشيء مهمًا لكل من يمكن للأشياء أن تكون مهمة بالنسبة له. ليس ثمة فرق حقيقي بين أن يكون الشيء مطلقًا وأن يكون تابعًا للجميع. إذن فهناك فضاء منطقي لهذه القضايا:
الأهمية المطلقة للأهمية-بالنسبة-لـ: من المهم مطلقًا لنا جميعًا أن تحصل جميع الكائنات الحساسة على الأشياء الجيدة التي تهمها وتتجنب الأشياء السيئة التي يهمها تجنبها.
ويمكن التعبير عنها بطريقة أخرى:
الخيرية المطلقة للخيرية-بالنسبة-لـ: من الخير مطلقًا، (خير لنا جميعًا) أن ينال كل كائن حساس الأشياء التي هي خير له ويتجنب الأشياء التي هي شر له.»
[5] التفكير التمنّي (wishful thinking) هو أحد أنواع المغالطات الفكرية التي يفترض فيها الفرد أن ما يرغب في كونه صحيحًا هو صحيح بالفعل؛ تقول طريقة التفكير التمنّي: أرغب في أن يكون (أ) هو (ب)، إذن (أ) هو (ب).
[6] في مقالة بعنوان «دفاعًا عن أكل اللحوم» يقول تيموثي هيزيانو إن العضوية في الجماعة الأخلاقية تستلزم التمتع بـ«قدرة أساسية على الفاعلية العقلانية»، وبهذه الطريقة يسعى إلى الالتفاف على الانتقاد القائل إن «بعض البشر كالأطفال الصغار، وذوي الإعاقات الذهنية، والمسنين، يفتقرون إلى الفاعلية لكننا لا نزال نعتبرهم ذوي شأن أخلاقي، وبالتالي لا يمكن للفاعلية أن تكون أساسًا لمنح الشأن الأخلاقي». يكتب: «للتمتع بالشأن الأخلاقي، لا تكفي القابلية للإحساس. لذلك، فرغم أن الحيوانات تتألم، وهي تجربة جسدية سيئة، فإن تجربتها لهذا الألم ليست أخلاقيًا سيئة في حد ذاتها. إنها تتضرر خلال تجربة الألم، لكن طبيعة هذا الضرر لا علاقة لها بالأخلاق... بما أن الحيوانات تفتقر إلى الشأن الأخلاقي، فإن أكل لحومها ليس خطأ، حتى لو لم يكن ضروريًا للتغذية». يرد لازلو إردوس على هيزيانو بالحجة أن الافتراض المسبق لوجود غامض لـ«قدرة أساسية على الفاعلية العقلانية» لا معنى له بيولوجيًا وغير قابل للإثبات، وهو لا يفعل شيئًا سوى تغبيس الواقع. يكتب: «... وفقًا لهيزيانو، فإن أساس الفاعلية العقلانية متجذر في الانتماء النوعي لكل فرد. وهو يقول أيضًا إن جميع البشر يمتلكون
.
تحميل ملف PDF لمقالة جيف سيبو المعنونة ضد استثنائية الإنسان
.
.
البيئة
العلوم الاقتصادية
الدين
علم الاجتماع
البيئة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.