اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يتناول هذا المقال، من خلال دراسة آراء بيتر غراي وعبد الحسين وهاب زاده، نقد نظام التعليم الحديث من منظور الحرية وطبيعة الطفل ودور اللعب. ويوضح الكاتب كيف يؤكد هذان المفكران ضرورة عودة الأطفال إلى التجربة والفضول والتعلّم الحر.

«إن المجتمع الذي لا يريد أن يصاب بالإفلاس الروحي والأساسي، عليه أن يكرّس أعظم جهوده لتربية أبنائه»
محمود صناعي
نقترب تدريجيا من شهر مهر وموسم افتتاح المدارس؛ ذلك الوقت من السنة الذي يمتلئ بالنسبة إلى كثيرين بذكريات عذبة ومحببة. أما بالنسبة إليّ، فقد كان مهر دائما شهرا بغيضا ومؤلما. لم أحب المدرسة أو الصف يوما، وكنت دائما أفرّ منهما. إن ذكريات طفولتي ليست سوى تسعة أشهر من عذاب المدرسة ومشقتها، وثلاثة أشهر من التحرر والفرح في العطلة الصيفية. طوال هذه السنوات، كان يُوحى إليّ باستمرار بأن المدرسة جزء طبيعي ولا مفر منه من حياة الطفل؛ مكان ينبغي فيه الجلوس والاستماع والتعلم والطاعة والتكيف مع نظام محدد سلفا. لكن كلما قرأت أكثر عن الطفولة والأسس التطورية للتعلم لدى الحيوان الإنساني، أصبح هذا السؤال أكثر إلحاحا بالنسبة إليّ: هل ما نسميه «التعليم» منسجم حقا مع طبيعة الطفل واحتياجاته الأساسية؟
على ما يبدو، طُلب مني قبل أسبوعين أن أقرأ آخر أعمال عالم النفس الأمريكي الشهير بيتر غراي (Peter Gray)، بعنوان Restoring Childhood: How to Set Kids Free in the Age of Anxiety، وأن أُبدي رأيي فيه إن وجدته جديرا بالاقتناء من قبل مكتبة المتحف. ومن المقرر أن يصدر الكتاب بعد أسبوعين، والنسخة التي بين يدي هي نسخة ما قبل النشر. وعلى الرغم من أن هذا ليس أول عمل أقرأه لغراي، فإنني هذه المرة، أثناء قراءة الكتاب، لفت انتباهي التشابه بين أفكاره وحججه وبين ما أكّد عليه عبد الحسين وهاب زاده مرارا خلال العقود الماضية، وما عرضه على ما يبدو بصورة متماسكة في كتابه إمبراطورية الطفولة.
أريد هنا أن أوضح أن دراسة آراء بيتر غراي وعبد الحسين وهاب زاده معا تكشف عن رؤية متكاملة في نقد نظام التعليم الحديث. فهذان المفكران، رغم اختلاف منطلقاتهما الجغرافية والثقافية، يلتقيان في مشروع فكري متقارب يتمثل في كشف الطبيعة الاستعبادية للمدارس الحديثة وضرورة استعادة حق الأطفال في السيادة والحرية الطبيعية.
ومن أبرز نقاط الالتقاء الأساسية بين هذين المفكرين صياغتهما لطبيعة المدرسة الجسدية والنفسية بوصفها مؤسسة تسلب الحرية. يرى بيتر غراي، مستندا إلى معايير علم نفس الحياة البرية (wildlife psychology)، أن المدارس الإلزامية تمتلك جميع مقومات البيئة الأسيرة أو حتى السجن ذي الحراسة المشددة؛ فهي بيئة غير اختيارية تُقيّد فيها الحركة الجسدية، وتُدار فيها احتياجات البقاء الأساسية، وتُستهلك الهوية الفردية في عملية دائمة من المراقبة والترويض. ويعتقد غراي أن المدارس، في مثل هذا السياق، تفرض على الأطفال «العجز المتعلم» بدلا من تنمية الفاعلية. أما وهاب زاده فيشبّه وضع الأطفال الخاضعين لهيمنة التعليم الرسمي بحالة «أسد في قفص ضيق بحديقة حيوان»؛ أسد احتفظ، رغم ذلك، بجلده الأصفر ولبدته ومظهره الخارجي، لكنه فقد زئيره وحيويته وغرائزه البرية تحت وطأة الرعاية المفرطة والرقابة الكاملة من جانب البالغين. ويؤمن كلا المفكرين بأن البالغين قد اغتصبوا، بذريعة التربية، «إمبراطورية الطفولة الحرة والمنطلقة».
لقد ترك هذا الأسر البنيوي آثارا مرضية عميقة في الصحة النفسية والجسدية للجيل الجديد. ويرسم غراي صلة مباشرة بين تراجع فرص اللعب الحر والأزمات النفسية مثل القلق والاكتئاب والانتحار بين الأطفال. ويبيّن، مستندا إلى أدلة إحصائية، أن معدلات الصدمات النفسية لدى المراهقين ترتفع بشدة مع بداية العام الدراسي، ويرى أن «رفض المدرسة» ليس اضطرابا نفسيا، بل استجابة طبيعية ودفاعية من كائن حي ديناميكي في مواجهة قفص المدرسة. بل إنه يرى أن تسميات مثل فرط الحركة نتاج لمحاولة المدرسة إضفاء طابع مرضي على السلوكيات الطبيعية والنشيطة للأطفال في بيئة غير ملائمة. كما يعتبر وهاب زاده الإصرار المبكر على حفظ المعارف العلمية، والانشغال بالاختبارات، والأولمبيادات، والمنافسات المرهقة في مدارس المتفوقين، سما قاتلا للصحة النفسية للجيل الجديد. وإضافة إلى ذلك، يعتقد أن هوس الآباء المعاصرين بتعقيم كل شيء وحرمان الطفل من اللعب بالتراب والطين يضعف جهاز المناعة ويمهّد الطريق لظهور الحساسية وأمراض المناعة الذاتية.
ويظهر التعارض الأساسي بين نظام المدارس الحديثة وطبيعة الإنسان أيضا في كيفية تعريف التعلم. يرى غراي، انطلاقا من علم النفس التطوري، أن الأطفال مجهزون فطريا بدوافع مثل الفضول والمرح والميل الاجتماعي، بحيث يستطيعون تعليم أنفسهم من دون تدخل مباشر من البالغين. فالمدرسة الرسمية، بإجبار الأطفال على تعلم المحتوى نفسه في الوقت نفسه، تقمع هذه الغرائز وتحوّل حب المعرفة إلى «عمل إجباري موجّه نحو النتائج». كما يرى وهاب زاده أن طريقة التعليم الرسمية تجسيد واضح لـ«النفخ في البوق من طرفه الخطأ». فمن وجهة نظره، تفرض المدرسة الكلاسيكية على الطفل أكثر الإجابات جمودا من دون أن تزرع في ذهنه سؤالا أو حاجة إلى المعرفة. وهو يعتقد أن الطفل لا ينبغي أن يخضع للتعليم الرسمي المباشر حتى سن 11 أو 12 عاما؛ بل ينبغي له أولا أن يستكشف العالم المادي بحرية حتى تنبع الأسئلة في ذهنه، ثم يذهب بنفسه إلى الكتب والقراءة والكتابة بحثا عن الإجابات. وفي الواقع، يؤكد كلا المفكرين أن الأشياء القيّمة في الحياة لا تُتعلّم بالتلقين، بل تُكتشف وتُختبر، وأن التعليم المفروض يقمع الإبداع الأصيل لدى الأطفال.
وتتحقق هذه العملية التجريبية والاستكشافية في صميم فلسفة كلا المنظّرين ومن خلال اللعب الحر. يرى غراي أن اللعب نشاط طوعي قائم على العملية، يتيح فيه «حق الفشل بلا تكلفة» أرضية للإبداع. وهو يدافع خصوصا عن اللعب المحفوف بالمخاطر، ويراه أداة تطورية لإدارة الخوف وتنظيم الانفعالات. فالطفل الذي يواجه الخوف من الارتفاع أثناء تسلق شجرة سيكون في مرحلة البلوغ أكثر استعدادا لمواجهة مخاوفه. وبالمثل، يعتبر وهاب زاده اللعب «العمل الأساسي للطفل»، ويصر على أن يكون مجاله الطبيعة والتفاعل مع العناصر الطبيعية، أي التراب والحجر والطين والماء والأشجار. ومن وجهة نظره، لا يمكن غرس مفاهيم مثل حب الوطن أو حماية البيئة في الطفل من خلال الكتب المدرسية وداخل الجدران الأربعة للفصل؛ فالحب العميق للأرض يتشكل حين يتجول الطفل في الخرائب الأثرية، ويتغطى جسده بالطين، وتلسعه نحلة في يده، ويسمع غناء الريح بين أوراق الأشجار. وستكون هذه التجارب الحسية واللمسية أساسا للوعي اللاحق.
ومن الأخطاء البنيوية الأخرى في المدارس الحديثة، بحسب كلا المفكرين، فصل الأطفال بحسب العمر؛ وهي ظاهرة مصطنعة وغير تطورية لا تنسجم مع الطريقة الطبيعية لنمو الإنسان. يوضح غراي أن اللعب طوال التاريخ التطوري للإنسان كان يحدث في جماعات مختلطة الأعمار. وهذا التعايش بين الأعمار المختلفة يهيئ الظهور الطبيعي لظاهرة «السقالات التعليمية»؛ أي حين يعمل الأطفال الأكبر سنا نماذج يحتذى بها، فيرفعون مستوى لعب الأطفال الأصغر ولغتهم، كما يتدربون هم أنفسهم على مهارات القيادة والرعاية. وعلى النقيض، تؤدي الصفوف ذات الأعمار المتقاربة إلى تصاعد المنافسة السامة والتنمر. وبناء على هذا المنطق نفسه، يؤسس وهاب زاده البنية المرغوبة لمدارس الطبيعة على وجود أطفال من فئات عمرية مختلفة، من 3 إلى 12 سنة، في فضاء واحد. ويرى أن التفاعل بين الأعمار المختلفة يقلل التنمر؛ لأن وجود الصغار يوقظ غرائز الحماية والتعاطف لدى المراهقين، كما أن كثيرا من النزاعات تُحل من دون تدخل مباشر من البالغين.
وفي النهاية، يؤدي قبول هذه المبادئ إلى إعادة تعريف دور البالغين؛ أي الانتقال من مشرف سلطوي إلى مراقب غير متدخل. ويشبّه غراي دور البالغين في استعادة اللعب الحر بـ«منقذ الغرقى»؛ شخص يراقب السلامة الجسدية فقط، لكنه لا يتدخل في عملية اللعب أو وضع القواعد أو حل الخلافات، حتى يتدرب الأطفال بأنفسهم على التكيف الاجتماعي. وبالمثل، يستبدل وهاب زاده مكانة المعلم التقليدي بمفهوم «الميسّر». ومبدؤه الذهبي في التيسير هو قاعدة «أقل قدر من الفعل وأقل قدر من الكلام». فالميسّر لا يلقّن الدروس، ولا يلقي المحاضرات، ولا يدير اللعب؛ بل يوفّر بيئة آمنة كي يختبر الطفل بنفسه ويجرّب ويفشل ويتعلم. وهو يعتقد أن على الميسّر أن يتحلى بصفة «الطفولة»؛ أي أن تبقى فيه دهشة الاكتشاف حية، حتى يتمكن من لمس العالم من خلال عيني طفل.
إن التفسير المتزامن لهذه الرؤى يبيّن أن كلا المفكرين، بلغة مختلفة ولكن بأساس واحد، يدعواننا إلى إعادة النظر في العلاقة بين الطفولة والتعليم والحرية. ولعل اقتراب شهر مهر يمثل فرصة لكي نتوقف لحظة، قبل أن نقبل باعتبار ما سميناه طوال سنوات «التعليم» و«التربية» أمرا بديهيا، ونسأل أنفسنا: هل من الممكن أن ما نعدّه اليوم بديهيا ليس سوى واحدة من الطرق الممكنة لتنشئة الطفل؟
علم الاجتماع
العلوم الاقتصادية
علم الاجتماع
العلوم الاقتصادية
الدين
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.