اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
بعد انكشاف السرقات العلمية لأساتذة الفلسفة، يُطرح السؤال بسخرية: كيف تُتقن 'فنّ السرقة' من دون أن تترك أثراً؟ ويُقترح في هذا السياق الناطق بالفارسية أساليب لإخفاء الانتحال، بل وحتى لإجراء بحثٍ سليم.

كيف نستولي على «فنّ الانتحال» ونرتكب السرقة العلمية دون أن نترك أي أثر؟
ناصر خسرو، الشاعر والحكيم الإيراني، أنشد قبل نحو عشرة قرون: «إذا ما حملت شجرتك ثمر المعرفة/ فسوف تُخضع السماوات الزرقاء». لكن ذلك كان في الأزمان الغابرة، حين كان حمل شجرة المرء لثمر المعرفة يعني أن يخضع السماوات الزرقاء لسيطرته. أما اليوم فقد تغير الزمان، حتى صار: إذا ما حملت شجرتك ثمر المعرفة/ [فستستولي على فنّ الانتحال]. ولا يذهبنّ بكم الظنّ طبعاً إلى أي موضع سيئ حين يُذكر اسم «السرقة»، فأنا لا أعني البتة ذاك الذي أمامه أصفار لا متناهية (ثلاثة آلاف مليار واثنا عشر ألف مليار وما إلى ذلك). بل أعني، على العكس، مقولة «السرقة العلمية» المألوفة لدينا؛ تلك المفتاح الحلّال للمشكلات، تلك التي نحمل جميعاً منها ذكريات طيبة من أيام الدراسة الجامعية. تلك التي كان كل ما يلزمها بحثاً بسيطاً على الإنترنت وطباعة ليزرية بسيطة. وتلك التي، بطبيعة الحال، إن كنتم قد ألقيتم نظرة مؤخراً على الفضاء الافتراضي (بفتح الفاء وضمها)، فلا بد أن أخباراً قد طالتكم عن فقرة أو فقرتين كبيرتين منها -ارتكبها هذه المرة أساتذة جامعيون بارزون لا طلاب-. وقد اقترنت أعمال السرقة هذه، علاوة على ذلك، باسم «الفلسفة» وتزامنت معه، إذ كان السارقون حتى الآن جميعاً أساتذة فلسفة، ومن جامعات إيران «المعتبرة». وهذا التزامن المشؤوم (والأعوج والأبتر) يذكّر البعض بالسفسطائيين في اليونان القديمة، أولئك الذين خلّف لنا مصطلح «السفسطة» ذكراهم في خزانتنا اللغوية اليوم. كان للسفسطائيين قاعدة ذهبية مفادها أن النجاح هو المهم لا الحقيقة، أو أن الحقيقة هي النجاح بعينه: «إن استطعت إقناع الآخرين بأنك تقول الحقيقة فهذا يكفي، لا يهم إن كنت تعلم أنت نفسك في الخفاء أنك قد غششت وتتفوّه بالترّهات». وبناءً على هذا، فلعل اقتران اسم «الغش العلمي» بـ«الفلسفة» في هذه السرقات العلمية الأخيرة ليس مصادفة كبيرة. وإن بدا مصادفة، فبعد أن كتب فيلسوف محترف في نص مدهش أنه يحب الغشّاش أكثر من الحقيقة، تحولت الشكوك إلى يقين. لكن لا تظنوا طبعاً أن الفلاسفة كلهم سفسطائيون. فمن حسن الحظ أن أولئك الذين فضحوا هذه الغشوش والسرقات وما زالوا يفعلون، هم أنفسهم مجموعة من الفلاسفة الشباب.
ماذا يحل بـ«فنّ الانتحال» في زمن فضح السرقة؟ لكن لا شيء من هذه السرقات العلمية وفضحها، ولا ما إذا كان الفلاسفة «منافقو التاريخ» أو «غشّاشو الأكاديميا» أو «الظرفاء الفاضحين»، هو مدار بحثي. وكون السرقة العلمية عملاً سيئاً، أو القول: «أحيّيه على سرقته، فقد امتلك المؤهلات والأعضاء اللازمة»، ليس مدار بحثي أيضاً. وكيف أن كل هذا الغش العلمي يحدث في إيران بمنتهى السهولة، وكفى أن تتصل بالوسيط المعني وتدفع المبلغ لتحصل على أطروحة دكتوراه مضمونة التركيب في مكانها، مثلاً عن «الشهود والإشراق في فلسفة الشيخ شهاب الدين السهروردي» تشتريها من بقالة الحيّ بالبطاقة البنكية، ليس مدار بحثي أيضاً. مدار بحثي كله هو: بعد فضح السرقات العلمية الأخيرة، ما التغييرات التي قد تطرأ على «فنّ الانتحال»؟ يبدو أنه ما دام هناك طلاب وأساتذة على النحو السائد في ديارنا، فسيبقى «فنّ الانتحال» أيضاً، وسيُحدّث نفسه بين الفينة والأخرى. تقولون كيف؟ سأشرح لكم الآن.
«فنّ السرقة»، خطوة بخطوة فيما يلي، أشارككم –أيها الطلاب والأساتذة والفلاسفة (سواء كنتم من بين المئة الأوائل أم لا) والمهندسون والمتألّهون والمتأهّلون وغيرهم– بعض السبل لاكتساب «فنّ السرقة» وتحديثه: ١- إذا أردتم في زمن انكشاف السرقات العلمية أن تحوزوا «فنّ السرقة» وتحافظوا عليه بصورة محدَّثة، فانفضوا أيديكم بالكلية من الغشّ في مقالة يُراد كتابتها بالإنجليزية. ثمّة برمجيات فائقة الحساسية، لم نجد بعد سبيلاً لمحوها، تفضح سرقتكم العلمية في جزء من الثانية –حتى لو كانت السرقة لا تتعدى اقتباس عنوان من كتاب. الأفضل أن تحصروا السرقة العلمية في الفضاء الناطق بالفارسية. لأن برمجيات الكشف تلك غير موجودة في الفارسية، والمواقع التي استُحدثت مؤخراً لكشف السرقة العلمية بالفارسية لا تزال بدائية جداً ولم يعمّ استخدامها بعد. إذن، لا تزال ثمة فرصة للبقاء. ٢- بدلاً من أن تنسخوا مادة كاملة وتدرجوها بحذافيرها في مقالتكم (كما فعل أولئك الفلاسفة الأكاديميون)، قوموا بتقطيعها وبعثرتها وتوزيعها في أجزاء مختلفة من مقالتكم. لا يهمّ البتّة أن تفقد المقالة معناها بهذه الطريقة. المهم أن اكتشاف سرقتكم العلمية يصبح بهذه الكيفية عسيراً، ثم إن انكشفت سرقتكم يوماً ما، أمكنكم أن تقولوا بوقاحة مطالِبين بأنكم كنتم قد أحلتم إلى المصدر الأصلي، لكن عامل الصفّ في المطبعة كان يعبث وسهت يده فأسقط إحالتكم. بعبارة أخرى، القاعدة العامة هي أن ترتكبوا السرقة العلمية بحيث تتركون لأنفسكم مهرباً. ٣- أدرجوا في قسم المصادر بالمقالة عبارة «ومصادر أخرى». لهذا العمل فوائد جمّة: أولاً، إن لم تُكتشف سرقتكم العلمية، فإنكم توحون للقارئ بأنكم اطّلعتم على كمّ هائل من المصادر، حتى إنكم لم توردوا إلا جزءاً منها في قسم المصادر. فتبدون مثقفين ومتواضعين في آنٍ معاً. ثانياً، إن انكشفت سرقتكم العلمية، أمكنكم بكل سهولة ودون أي اعتذار وبصفاقة تامة أن تقولوا إن تلك المقاطع التي أوردتها كانت ضمن «ومصادر أخرى»، وبذلك تبرؤون من تهمة السرقة العلمية. ٤- اكتسبوا إلماماً نسبياً بالموضوع الذي تنوون السطو عليه علمياً. قد لا يتعدى هذا الإلمام حفظ بضعة أسماء رنّانة وبضع مدارس مهمة في ذلك الموضوع. في هذه الحال، إن انكشفت سرقتكم، أمكنكم أن تدفعوا الآخرين إلى التفكير بأن: هذا الشخص مثقف حقاً ولم يكن بحاجة إلى الغش في هذا المجال. ٥- أما آخر سبيل مهم ينبغي مراعاته لاكتساب «فنّ السرقة» وتحديثه، فهو إن لم تُجدِ أيّ من السبل الأربعة السابقة نفعاً، فاجلسوا أساساً واعملوا على ذلك الموضوع، واستنبتوا من عند أنفسكم فكرة خلاقة ذات صلة بالموضوع، وأحيلوا إلى المصادر المعنية مع مراعاة منهج البحث وآداب كتابة المقالة العلمية. كون هذا الأسلوب قد لا يعدّ سرقة علمية بعد الآن، إنما هو مدعاة للقلق بالطبع، لكن كما أشرت، لن تلجؤوا إلى هذا الأسلوب إلا إذا يئستم من السبل الأربعة السابقة، وبالتالي فلا داعي للقلق كثيراً. إذا كنتم تظنون أن بعض أساتذة الجامعة لا يطبّقون «فنّ السرقة» إلا في السرقة «العلمية»، فما عليكم إلا أن تشاهدوا الفيلم الأمريكي «المشتبه به» (The Suspect) الذي أُنتج عام ٢٠١٣. في هذا الفيلم، يقدم أستاذان في العلوم الاجتماعية بالجامعة، بأسلوب في غاية الإبداع –لا يخطر على بال عفريت– على غسل الأموال.
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.