اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
الاعتراف ضد الذات في الفضاءات المغلقة ثمرة إكراه ولا قيمة له، ما لم يثبت العكس. من غاليليو إلى محاكم ستالين، يشهد التاريخ بأن الاعترافات مفروضة، والأصل فيها بطلانها.

أنا أعترف!
لماذا وكيف يكون «الاعتراف ضد النفس» بلا اعتبار؟
هذا هو العدد الخامس عشر من العمود الثابت «عرق الكلام» والعدد الأخير من سلسلته الأولى. سيأخذ هذا العمود إجازة لبضعة أشهر و-إن شاء الله- سيعود مجدداً بسلسلة جديدة. ما سعيت إليه في هذا العمود هو طرح المفاهيم والأحكام اليومية وعرضها على النقد والتمحيص، كان هذا وسيبقى.
أريد هذه المرة أن أنصب خيمتي في عرق «الاعتراف ضد النفس» وأن أبيّن مدى افتقار الاعتراف ضد النفس إلى الاعتبار، ما لم يثبت العكس في حالات معينة. لهذا النوع من الاعتراف جذور تاريخية، وكان شائعاً بشكل خاص في القرون الوسطى بين شخصيات مهمة مثل القديس أوغسطين، وفي عصر التنوير جان جاك روسو. الاعتراف بهذا المعنى نوع أدبي مهم. نوع آخر من الاعتراف ضد النفس كان شائعاً في زمن محاكم التفتيش الكنسية. في تلك الحقبة، كانوا يعذّبون المبتدع ليعترف ضد نفسه، فإن لم يعترف مات تحت التعذيب، وإن اعترف أُعدم في بعض الحالات. أشهر مثال على الاعتراف ضد النفس هو حالة غاليليو، فهو وإن لم يُعذَّب، إلا أنه أذعن للاعتراف في نهاية المطاف تحت وطأة الضغوط، وكتب في وثيقة توبته: «في العام السبعين من عمري، أجثو أمامكم على ركبتيّ، وبينما الكتاب المقدس أمام عينيّ وألمسه بيديَّ، أتوب وأنكر الادعاء الواهي بحركة الأرض، وأعتبره ممقوتاً ومنبوذاً.» لم يُحكم على غاليليو بالإعدام بعد اعترافه (وكان من جملة الأسباب أن له مدافعين أقوياء داخل جهاز محاكم التفتيش الكنسية). جهاز محاكم التفتيش الكنسية كان شائعاً في بلدان مثل البرتغال وإيطاليا حتى ما يقرب من مئة وخمسين عاماً مضت (منتصف القرن التاسع عشر). أما الاعتراف ضد النفس في العصر الحديث فله جانب سياسي أكثر منه ديني، وازدهاره مدين لأنظمة الحكم الديكتاتورية والأنظمة المغلقة (أو شبه المغلقة).
لكن لماذا يكون الاعتراف ضد النفس، من حيث المبدأ، بلا اعتبار ما لم يثبت العكس؟ ما أعنيه بانعدام الاعتبار المبدئي للاعتراف ضد النفس ليس انعدام اعتبار النوع الأدبي للاعتراف (عند أوغسطين وروسو مثلاً)، بل نوعه الديني والسياسي. سبب انعدام الاعتبار هذا هو أن الاعتراف ضد النفس في فضاء تفوح منه رائحة محاكم التفتيش والانغلاق السياسي والاجتماعي، يكون موضع شك كبير وعلى الأرجح قسرياً وإكراهياً، لدرجة أن الأصل فيه هو انعدام الاعتبار ما لم يثبت العكس. في مثال تاريخي مشهور، يبادر أحد السياسيين البارزين ويعلن، بطريقة تهكمية إلى حد ما، عدم اعتبار اعترافه المحتمل ضد نفسه مسبقاً: «بعد يومين تنتهي ولاية أول مجلس [...] كنتُ عضواً فيه وتمتعتُ بمزايا هذه العضوية، بما في ذلك الحصانة البرلمانية. ابتداءً من بعد غد، سأكون مثلي مثل سائر موكّليّ، قابلاً للملاحقة والتوقيف والتأديب. ولهذا السبب، وباستغلال الفرصة التي أتاحها لي رئيس المجلس، أود أن أُعلمكم أنه إذا شاهدتم في الأيام التالية أنه تم توقيفي، ثم أُعلن بعد ذلك بالدعاية والضجيج أنني سأظهر على التلفزيون من أجل بعض الإيضاحات وكشف الحقائق، وإذا رأيتم ذلك الشخص يتفوه بكلام غير كلام الأمس واليوم، ويكرر مطالب مثل الببغاء، فاعلموا وكونوا على بينة أن ذلك الفرد [ليس أنا].»
من النماذج التاريخية للمحاكمات الصورية والاعترافات القسرية ضد النفس، المحاكمات التي أقامها ستالين، زعيم الحزب الشيوعي ورئيس دولة الاتحاد السوفيتي، بين عامَي 1936 و1938 ميلادية، وحاكم فيها جمعاً غفيراً من الوجوه البارزة في الحزب الشيوعي ممن كانوا من منتقديه ومنافسيه. عُقدت المحاكمات دون حضور محامٍ للدفاع وبصورة غير علنية، ولم توجد أي وثيقة ضدهم سوى اعترافات المتهمين وإقراراتهم. كما كان حكم المحكمة (الذي تمثل في الإعدام أو النفي المؤبد مع الأشغال الشاقة إلى منطقة سيبيريا شديدة البرودة -أي الإعدام التدريجي-) يُنفَّذ بسرعة دون إمكانية الاستئناف. كانت اعترافات المتهمين مليئة بالتناقضات وقسرية ومفبركة بالكامل. في إحدى الحالات، اعترف أحد المتهمين باغتيال شخص ما، بينما كان ذلك المتهم مسجوناً قبل عام من اغتيال ذلك الشخص. لقد نُفِّذ إكراه الشخص على الاعتراف ضد نفسه بقوة شديدة لدرجة أن المتهمين طلبوا في بعض الحالات من المحكمة ألا يُنظر في تخفيف العقوبة عنهم وأن يُعدموا حتماً، ولكن يُسمح لهم قبل الإعدام بإعدام أقاربهم وزملائهم الخونة رمياً بالرصاص.
الاعتراف ضد النفس هو على الأرجح قسري وإكراهي، ومن ثم فهو بلا اعتبار، إلا في حالات نادرة يتبين فيها أنه صدر في بيئة حرة وبمحض إرادة الشخص الحقيقية واختياره.
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.