اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
وصمُ الطرحِ بأنه «غير عميق» دون تقديم حجةٍ هو انسحابٌ من الحوار لا نقدٌ له. الحوارُ الأصيل يقتضي وضوحَ الدعوى، والإلمامَ بالدعاوى البديلة، وتجنبَ النبرة المُزدرية؛ دون أن يكون الكمالُ عائقاً أمام بدء النقاش.

«بحثك ليس عميقاً» كيف لا نتهرب من الحوار بالحوار
ربما حدث لكم أيضاً أنكم عندما تدخلون في حوار مع شخص ما، يبادركم الطرف الآخر فوراً بلصق تهمة «بحثك ليس عميقاً»، أو «أنت لم تفهم هذه الأمور» على جبين النقاش، وعندما تقولون: «بسم الله! أرنا عمق البحث وبيّن لنا موضع سوء الفهم، جزاك الله خيراً»، يخرج عليكم قائلاً: «سأتحدث عن هذا في وقته المناسب». فنجلس نحن منتظرين أن يحين ذلك الموعد الموعود، وهو في أحيان كثيرة لا يحين. وأحياناً عندما يحين، نمعن في تقليب السطور صعوداً وهبوطاً، ونرهف السمع، لكننا نرى أن وجهة نظر محدثنا في أفضل الأحوال لا تختلف من حيث الطول والعرض والعمق والارتفاع عن بحثنا نحن: لا أصل الدعوى واضح تماماً فيخلو من الإبهام المخل، ولا توجد حجة واضحة (أو لا توجد حجة أصلاً) مقامة لصالحها، ولا يوجد وعي كامل (أو لا يوجد وعي أصلاً) بالدعاوى البديلة، أو إن كان واعياً بها فهو يقررها بصبر وعلى نحو صحيح. في الواقع، إن مثل هذا الشخص بمثل هذا النوع من ممارسة الحوار يتهرب من الحوار.
أريد هذه المرة أن أركز على هذه العبارة الشائعة في الحوارات اليومية «بحثك ليس عميقاً» أو ما شابهها، وأن أبين كيف ينبغي في حوار جاد وأصيل تجنب مثل هذا الكلام. وبتعبير آخر، أريد أن أقترح طرقاً لكي لا نتهرب من الحوار بالحوار.
في رأيي أن الحوار الجاد والأصيل ينبغي أن تتوفر فيه هذه الخصائص على الأقل:
۱- ينبغي فقط وفقط أن يوصل «محتوى» الحوار، وبأسلوب لطيف، أن الطرف المقابل في الحوار لم يفهم شيئاً ما، أو أن فهمه للموضوع ليس دقيقاً، أو أنه خاطئ من الأساس، ولا ينبغي مطلقاً، لا من خلال نبرة النقاش ولا بالتصريح بأن الطرف المقابل لم يفهم، أن يُشعره بذلك على نحو فيه تعيير (ناهيك عن أن الهدف النهائي من حوار أصيل وجاد هو أساساً اكتشاف أخطائنا نحن من خلال الحوار، وليس بالضرورة إظهار أخطاء الطرف المقابل في الحوار).
۲- ينبغي أن يخلو أصل الدعوى قدر الإمكان من الإبهام المخل، وإلا نكون في الواقع لم نقل شيئاً ذا قيمة يُعتد به، ونكون قد استهلكنا الكلمات فحسب.
۳- في الحالة العادية (وهذا القيد مهم) إذا كنتم لا تستطيعون الآن، وأنتم تطرحون الدعوى، أن تقيموا الحجة لصالحها، فلا تطرحوا الدعوى أصلاً، وأجلوا طرحها إلى وقت تستطيعون فيه إقامة الحجة لصالحها؛ لا أن تذكروا عنوان النقاش الآن وتؤجلوا النقاش نفسه «إلى وقت مناسب». الحوار الجاد والأصيل ليس كالمسلسل التلفزيوني يُعرض إعلانه الآن، ويُعرض هو يوم الأحد بعد نشرة الأخبار الرئيسية!
٤- عندما تطرحون دعوى محددة ينبغي أن تكون لديكم صورة واضحة عن الدعاوى البديلة، وبتعبير آخر ينبغي أن تكونوا على وعي، بالقدر اللازم على الأقل، بتنوع الآراء في النقاش الذي تخوضونه، وإذا لم تكن لديكم مثل هذه الصورة فصرحوا بذلك في الحوار، أو على الأقل لا تظهروا خلاف ذلك.
قلت كل هذا، ولكن إذا استنتج أحد من هذه النقاط نزعة مثالية متطرفة في الحوار، فأكون لم أبلغ مقصدي. ما أعنيه بـ«المثالية المتطرفة في الحوار» هو أن يخرج أحد في نقاش بسرعة بهذه النغمة: «أنت لا تناقش بشكل صحيح، وبالتالي فأنا لا أناقشك». ما كتبته (إن كان صحيحاً وقابلاً للدفاع عنه) يسعى لرسم الفضاء المثالي للحوار لكي يقترب منه المهتمون بالحوار الجاد والأصيل أو لا يبتعدوا عنه كثيراً، لكن هذا لا يعني مطلقاً: «طالما أن فضاء الحوار المثالي لم يتهيأ، فأنا لا أتحاور». من يتخذ المثالية المتطرفة منهجاً، ستكون حصيلته مجموعة خالية من الحوار، والمجموعة الخالية من الحوار لا تقربنا من الحوار المثالي.
كمثال واحد يتحدث فيه أطراف الحوار مع بعضهم لكي لا يكونوا قد تحدثوا، شاهدوا فيلم «وكالة الزجاج» من إخراج إبراهيم حاتمي كيا (عام ۱۳۷۶ هجري شمسي)، وانتبهوا بشكل خاص إلى حوارات الحاج كاظم من جهة وسلحشور (ممثل قوى الأمن الداخلي) من جهة أخرى.
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.