اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
الأخلاق مستقلة بذاتها عن الأديان، والأخلاق الإسلامية تدور حول العدل والإحسان، ويتوقف تحققهما على السياق التاريخي. أما كونها دينية فمرهون بقصد القربة الذي يحوّل العمل الحسن إلى عمل صالح.

* كسؤال أول، تفضلوا ببيان الفروق بين الأخلاق الإسلامية والأخلاق الليبرالية على مختلف مستويات الأخلاق التطبيقية والأخلاق المعيارية وما وراء الأخلاق، وإلى أي مستوى يعود بالأساس الاختلاف في المبادئ الأخلاقية بينهما؟
ـ في رأيي أن الأخلاق، في جوهرها وذاتها، مستقلة عن الأديان والإيديولوجيات، وهي في الأساس غير مقيدة بقيود من قبيل "إسلامية" أو "ليبرالية". بعبارة أخرى، ينبغي تحديد صحة الأحكام الأخلاقية أو بطلانها على أساس مستقل عن الأديان والإيديولوجيات، أي على أساس عقلاني. وعليه، فبهذا المعنى لا وجود لما يسمى "أخلاقاً إسلامية" أو "أخلاقاً ليبرالية". لكن، بالطبع، في مجال الأخلاق المستقلة والأخلاقيات الجائزة، قد يقوم البعض، بحسب حاجاتهم وأهدافهم الخاصة (والتي قد تتوافق مع معتقداتهم الدينية أو الإيديولوجية)، بالانتقاء، وإضفاء أولوية وتقديم خاص على بعض القيم، وبهذه الطريقة ينظمون أنظمة أخلاقية مختلفة في مجال الأخلاق الجائزة. وبهذا الاعتبار يمكن ربما الحديث عن شيء يسمى "أخلاقاً إسلامية" أو "أخلاقاً ليبرالية".
* ما أعنيه بالأحرى هو الأخلاق التي نشأت في الثقافة الإسلامية أو الأخلاق التي نشأت في الثقافة الليبرالية.
ـ إذن، المقصود هنا بـ "الأخلاق الإسلامية"، هي الأخلاق التي نشأت في التقليد الإسلامي وعلى أساس المصادر الإسلامية المعتبرة، أي القرآن والسنة. والمقصود بـ "الأخلاق الليبرالية" بطبيعة الحال هو الأخلاق المتوافقة والمتناسبة مع معتقدات وأولويات إيديولوجيا الليبرالية. والحقيقة أنه من الصعب العثور على نظام أخلاقي واحد تحت عنوان "إسلامي" أو "ليبرالي". لكن ربما يمكن، بناءً على نوع من الشبه العائلي، تسمية منظومة من الأنظمة الأخلاقية بأنها "إسلامية" إلى حد ما، ومنظومة من الأنظمة الأخلاقية بأنها "ليبرالية" إلى حد ما.
وبافتراض هذه المقدمات، من الجيد في الخطوة الأولى أن نميز في مجال ما يسمى بالأخلاق الإسلامية بين نوعين من القيم: النوع أو المستوى الأول يمكن تسميته "القيم المتعالية"، أي القيم الأساسية في هذا النظام الأخلاقي والتي لها تقدم وأولوية على سائر قيم ذلك النظام. من المنظور الديني، الالتزام بها شرط لازم للأخلاقية، وبالتالي شرط لتقرب الفرد المسلم إلى الله. في رأيي، في الأخلاق القرآنية، فضيلة العدل والإحسان في صدارة هذه القيم المتعالية.
العدل والإحسان قيمتان مطلقتان ودليلان مرشدان لنظام الأخلاق الإسلامية. لكن هذه القيم المتعالية ينبغي تحقيقها في الواقع الفعلي بما يتناسب مع السياق التاريخي والاجتماعي الخاص للفاعلين الأخلاقيين. بعبارة أخرى، قد يكون لتحقيق العدل خارجياً في سياق مجتمع بدوي أشكال ومقتضيات لا تكون صادقة ولا موضوع لها في سياق مجتمع ما بعد صناعي. قيمة العدل أو الإحسان العليا هي، بمعنى ما، كونية، لكن أسلوب وكيفية تحققها يمكن أن يختلفا بحسب المواقف التاريخية والاجتماعية. إذن، المجموعة الثانية من القيم هي القيم الناشئة من المواقف التاريخية والثقافية والاجتماعية الخاصة والمتناسبة معها.
وبهذه الطريقة، فإن نظام القيم الأخلاقية القرآني هو حصيلة القيم المتعالية والعليا، والقيم المتناسبة مع مجتمع العرب في عصر نزول الوحي. على سبيل المثال، كانت أخلاق العرب قبل الإسلام أخلاقاً قائمة على مفهوم "المروءة". و"المروءة" من جذر "مرء" بمعنى "الرجولة". وهذه الأخلاق التي كانت قائمة بشكل رئيسي على القيم "الرجولية" والضرورية للبقاء في ظروف الحياة الصعبة للبدو، انعكست بشكل ما في متن الأخلاق القرآنية - مع بعض التعديلات المهمة. على سبيل المثال، القيم الخمس الأساسية لأخلاق العرب قبل الإسلام، أي الكرم، والوفاء، والصدق، والصبر، والشجاعة، استمرت أيضاً في الأخلاق القرآنية. بالطبع، التصور القرآني لهذه الفضائل يختلف عن التصور ما قبل الإسلامي. فمثلاً، كان الكرم في ثقافة العرب ما قبل الإسلام بدافع حسن السمعة غالباً، وكان في معظم الحالات مسرفاً ويضع أسرة الشخص الكريم في ضيق. أما في الأخلاق القرآنية، فقد أصبح الدافع للكرم هو نيل رضا الله بدلاً من طلب السمعة، وحُدد له حد.
*: أنت ترى أن المبادئ الأخلاقية التي يمكن تلمسها في الثقافة الإسلامية لها مستويان: أحدهما المستوى الكلي والمتعالي، والآخر هو مستواها المتجسد والمتعين الذي حين يريد أن يتعين يضطر إلى التكيف مع ثقافة عصره واستخدامها؟
ـ نعم، الأمر كذلك. فجزء كبير مما نسميه الأخلاق الإسلامية هو في الواقع الصورة المعدَّلة للأخلاق السائدة بين القوم. وإذا كان الأمر كذلك، فمن الطبيعي أن تغيُّر ظروف حياة البشر يستتبع تغيير المنظومة الأخلاقية وتعديلها في المستوى الثاني. لكن المبدأ الهادي في هذه التغييرات هو تلك المبادئ السامية والمتعالية. فعلى سبيل المثال، ينبغي للمسلم في المجتمع المعاصر، مع التزامه بمبدأ العدالة والإحسان الأصيلين، أن يعلم أن تحقيق تلك المبادئ في سياق المجتمع المعاصر له مقتضيات يجب أن تُعرف على نحو صحيح وتُتَّبع. ما زلنا مكلَّفين بتحقيق مثال العدالة (على سبيل المثال) في مجتمعنا، لكن علينا أن نجد مصداق العدل، والأسلوب المناسب لتحقيق تلك المصاديق في سياق مجتمعنا المعاصر، ونلتزم به. وقد تختلف تلك المصاديق والأساليب عن المستوى الثاني من الأخلاق الذي اعتُبر تقليدياً «إسلامياً».
* هنا، إن وافقت، أُجري مقارنة بين مفهوم «العدالة» بوصفها أهم قيمة متعالية في الأخلاق الإسلامية، و«الحرية وحق الفرد في الاختيار» بوصفها أهم قيمة في الليبرالية، وما هي العلاقة بين هذه القيم المحورية في هاتين المنظومتين الأخلاقيتين؟
ـ قبل الإجابة عن هذا السؤال، أود أن أضيف تكملة إلى إيضاحاتي السابقة حول الأخلاق الإسلامية. الأخلاق الدينية هي فرع من الأخلاق بمعناها العام. وهنا يرد السؤال: ما الذي يجعل تلك الأخلاق «دينية»؟ إن مبدأ العدالة والشفقة ليس حكراً على الإسلام. فأي منظومة أخلاقية مقبولة ينبغي أن تحترم هذه القيم ـ وإن لم تكن ترتيبة القيم وتنسيقها فيها متماثلة. في رأيي، ما يجعل منظومة أخلاقية جائزة دينية هو أن مراعاتها والعمل بها يتيح إمكانية التجارب الدينية والروحية لفاعليها على نحو أكثر فاعلية. أي أن الفرد المتدين يختار من بين المنظومات الأخلاقية الجائزة تلك المنظومة الأكثر تناسباً مع ازدهار حياته الروحية، والأكثر فاعلية في أن تكون سبباً لتقرّبه إلى الله. في الأخلاق الإسلامية، القاعدة ليست فعل «العمل الحسن»، بل فعل «العمل الصالح». «العمل الصالح» هو العمل الحسن الذي يُؤتى به بقصد القربة. كل عمل صالح هو بالضرورة حسن، ولكن ليس كل عمل حسن هو بالضرورة مصداق للعمل الصالح. إذن، عندما يُتحدث عن «الأخلاق الإسلامية»، ينبغي أن تكون هذه الأخلاق مقيدة بقيدين: الأول، أن تكون في نطاق الأخلاق الجائزة، أي أن تكون اعتبارية مبادئها الأخلاقية قابلة للتحقيق والتصديق بشكل مستقل. لكن بالإضافة إلى ذلك، ينبغي أن تُؤتى بقصد القربة. عندئذ تتحول أعمالكم الحسنة إلى عمل صالح، وتكتسب قيمة من المنظور الديني (وليس الأخلاقي فحسب).
لذا، ينبغي اعتبار المنظومة الأخلاقية الإسلامية منظومة أخلاقية مدارها العدالة والإحسان، وغايتها الأهم هي قصد القربة والتقرب إلى الله.
أما من جهة أخرى، فإن ما يُسمى «الأخلاق الليبرالية» هو أيضاً منظومة من المنظومات الأخلاقية التي ترتبط ببعضها بنوع من الشبه العائلي وبعض الافتراضات والقيم الأساسية. لكن قبل أن أقدم إيضاحات حول هذه الخصائص، أود أن أشير إلى تفكيك مهم في بحثنا. في رأيي، ينبغي أن نميز بين «الليبرالية» (Liberalism)، والبنية السياسية الليبرالية (Liberal Polity)، والأخلاق الليبرالية (Liberal Ethics). الليبرالية هي نظرية سياسية ترى أن أهم وظيفة للدولة هي تأمين وضمان الحقوق الأساسية السياسية والمدنية لأفراد المجتمع، ومنها الحريات الفردية والاجتماعية (مثل حرية التعبير، وحرية التجمعات، وحرية الوجدان والدين وأمثالها). أما البنية السياسية الليبرالية فهي في الواقع نوع من التنظيم في المؤسسات السياسية للمجتمع يحمي ويضمن قسماً من الحريات الأساسية للمجتمع. قد لا يؤمن فرد ما بنظرية الليبرالية، لكنه يرى، لاعتبارات (منها الاعتبارات البراغماتية)، أن البنية السياسية الليبرالية قابلة للدفاع عنها. وأخيراً، الأخلاق الليبرالية هي نوع من الأخلاق تكون فيه الوحدة الأساسية والنهائية للفعل والحكم الأخلاقي هي الفرد الإنساني وحقوقه. أي أن مفهوم «الحق» (خصوصاً الاستقلال الذاتي وحق الاختيار) وكذلك مفهوم «الفرد» يؤديان دوراً مهماً في هذه الأخلاق.
هذه المقولات الثلاث (أي الليبرالية، والبناء السياسي-الاجتماعي الليبرالي، والأخلاق الليبرالية) مترابطة فيما بينها، لكن لا يبدو أن أياً منها يستلزم الآخر بالضرورة. بمعنى أن الفرد يمكنه أن يقر بأحدها دون الآخر على نحو متسق. ولكن في الظروف الاعتيادية يبدو أن أولئك الذين يعتقدون بالليبرالية يسعون حتماً إلى تحقيق البناء السياسي الليبرالي لتأمين وضمان حقوق أفراد المجتمع، ولا سيما الحقوق التي تعبر عن استقلالية البشر وحقهم في الاختيار وتضمنها.
وعلى هذا الأساس، يمكن في رأيي اعتبار الركن المتين للأخلاق الليبرالية هو الاعتراف بـ"حق البشر في أن يكونوا على خطأ". فالبناء السياسي الليبرالي هو نمط من النظام السياسي-الاجتماعي يتمتع في إطاره كل إنسان عاقل بالغ بهذه الحرية في أن يختار بشأن الله وأمر الخير رؤاه الكلية والجامعة التي يرتضيها، وأن يتمكن من تنظيم حياته بناءً على تصوره الخاص.
بطبيعة الحال، يبدو أن الغاية الأهم في الأخلاق الدينية والإسلامية هي التقرب إلى الله. ولعل هذا هو أهم فارق بين الأخلاق الإسلامية والأخلاق الليبرالية.
يمكنكم بالطبع أن تجدوا عناصر مشتركة بين الأخلاق الإسلامية بالمصطلح والأخلاق الليبرالية بالمصطلح. فعلى سبيل المثال، يحتل مفهوم "الفرد" مكانة متميزة في منظومة القيم القرآنية. تعلمون أنه في المنظومة الأخلاقية للعرب قبل الإسلام، كانت القبلية تحتل مكانة متميزة، وكان الأفراد يُحددون هويتهم ويخضعون للحكم الأخلاقي بصفتهم أعضاء في قبيلة أكثر مما يخضعون له بصفتهم الفردية. كان الفرد ينحل ويذوب في القبيلة. فإذا ارتكب فرد من قبيلة عملاً مخالفاً، كان جميع أفراد القبيلة يُعتبرون مسؤولين نوعاً ما، وكان يمكن اعتبار كل واحد منهم هدفاً مشروعاً للانتقام. أما في الأخلاق القرآنية فقد تم نفي هذه القبلية بشدة، واعتُبر الفرد مسؤولاً عن أعماله بصفتها الفردية. ففي الأخلاق القرآنية، الفرد هو الذي يجب أن يقف وحده أمام الله ويكون مسؤولاً عن أعماله. وهكذا، يمكنكم أن تلاحظوا في القرآن ميلاد نوع من الفردانية الأخلاقية في مقابل الأخلاق القبلية السائدة قبل الإسلام. وهذا بالطبع لا يعني أن الفردانية القرآنية تتطابق مع الفردانية الليبرالية. فعلى سبيل المثال، في الأخلاق الليبرالية يُنظر إلى الفرد الإنساني بوصفه مستقلاً وفي ذاته، وغايتها الأساسية هي ضمان حقه في الاختيار. أما في الأخلاق القرآنية، فرغم أهمية الفرد، إلا أنه يجب أن ينظر إلى نفسه دوماً في علاقتها بالله (وليس مستقلة وقائمة بذاتها)، والغاية الأهم لحياته الأخلاقية-الدينية هي أن يحظى بمزيد من القرب إلى الله…
* أعتقد أنه قد يكون من المناسب أن تشيروا أيضاً إلى الفارق بين مبدأي العدالة والحرية المحوريين، حيث العدالة هي المبدأ المحوري للأخلاق الإسلامية والحرية هي المبدأ المحوري لليبرالية، وما إذا كانت الحرية في الأخلاق الإسلامية تُعرّف في إطار العدالة أم لا؟
ـ في رأيي، ينبغي لنا اليوم في مجال الأخلاق الدينية أن نجيب عن هذا السؤال المهم: هل يمكننا كمسلمين أن نعترف ببناء سياسي يُحترم فيه حق البشر في الاختيار والإرادة أم لا؟ بعبارة أخرى، قد لا يتوافق الفرد المسلم مع الليبرالية الفلسفية، وقد يعتبرها خاطئة أو ناقصة لأسباب عقلية وإيمانية. لكن هذا الفرد لا يزال بإمكانه (وينبغي له في رأيي) أن يفكر ويحكم بشكل مستقل حول ضرورة البناء السياسي الليبرالي واستحسانه. وعليه، فإن السؤال الرئيسي بالنسبة له لن يكون: هل يمكن التوفيق بين الدين والليبرالية أم لا؟ بل يصبح السؤال الرئيسي بالنسبة له: هل يمكن للفرد المسلم، بصفته مسلماً، أن يدافع عن بناء سياسي واجتماعي يُحترم فيه الفرد، ويستطيع فيه أن ينظم حياته بحرية بناءً على تصوره للخير والسعادة، ويكون دور الدولة هو تأمين وضمان الحقوق والحريات الأساسية للمواطنين أم لا؟ هل يمكن لمسلم، بصفته فرداً مسلماً، أن يدافع على نحو متسق عن البناء السياسي الليبرالي (وليس بالضرورة عن النظرية السياسية لليبرالية)؟
إجابتي عن هذا السؤال إيجابية. أي أن المسلم بصفته مسلماً، يمكنه (وينبغي له في اعتقادي) أن يقبل هذا النمط من البناء السياسي – أي البناء السياسي الذي يُعترف فيه بـ"حق المواطنين في أن يكونوا على خطأ".
ولكن قبل أن أعرض أدلة هذه الدعوى، أود أن أشير إلى أن لدينا نمطين من الميل نحو الليبرالية والبناء السياسي الليبرالي: يمكن تسمية أحدهما بالميل البراغماتي، وهو ما نجده، في رأيي، لدى بعض مفكرينا ومصلحينا المعاصرين، ومنهم المرحوم المهندس مهدي بازركان. يمكن وصف هذا النوع من الميل بأنه ليبرالية سلبية أو "ليبرالية الخوف". ليبرالية الخوف قلقة بعمق إزاء "القسوة"، وشاغلها الأهم هو منع وقوعها وانتشارها. القسوة هي أرذل رذيلة ينبغي للمجتمع، ولا سيما المجتمع الديني، أن يسعى لدفعها. ما أعنيه بـ"القسوة" هو أي ضغط جسدي أو نفسي يُمارس على الأفراد الضعفاء لإرهابهم وقهرهم وإثارة قلقهم واضطرابهم. من وجهة نظر المرحوم بازركان، يمكن رؤية الوجه القبيح للاستبداد في جانبه القاسي، وفي دوسه لحرية البشر وكرامتهم الذاتية. وأهم تجلٍّ لهذه القسوة هو سلب إمكانية العيش باختيار. أهم عنف يُرتكب بحق إنسان هو ألا يُسمح له بأن يشخص بنفسه مصالح حياته، وأن ينظم حياته كما يراه جديراً بها. على أية حال، فإن الخوف من القسوة، والسعي لإزالتها، هو أهم دافع يدفع الأفراد نحو تأسيس بناء سياسي ليبرالي.
ومن المفروض على المسلم أيضاً أن يسعى في مواجهة القسوة، وأن يحاول، من جملة ذلك، تحقيق ظروف في المجتمع يأمن فيها المواطنون من آفة هذه الرذيلة العظيمة.
لكننا في الأجيال اللاحقة من المثقفين الدينيين (كما في آراء عبد الكريم سروش مثلاً) نواجه نوعاً آخر من الميل نحو الليبرالية والبناء السياسي الليبرالي، وهذا النوع من الليبرالية يمكن اعتباره "ليبرالية نظرية". يمكن وصف هذه الليبرالية بأنها ليبرالية إيجابية، أو بتعبير أدق "ليبرالية الحقوق". هنا، لا ينبع الدفاع عن البناء السياسي الليبرالي من الخوف من القسوة فحسب، أي أن القيمة الأداتية لهذا البناء السياسي في الحماية من القسوة لا تُعتبر العامل الوحيد أو الأهم في استحسانه. بل يُعتقد، بالإضافة إلى ذلك، أن البناء السياسي الليبرالي هو حامٍ لحقوق البشر، وأن مراعاة حقوق البشر محترمة وقيمة بذاتها، وأهم مصاديق هذه الحقوق بالطبع هو "حق الاختيار الحر"، أو بتعبير أدق "الحق في أن يكون المرء على غير حق".
لكن كيف يمكن لفرد مسلم، في إطار التراث الإسلامي، أن يعترف بـ"الحق في أن يكون على غير حق"؟
كما نعلم، كان غالب الحكماء المعتزلة والأشاعرة (كلا الفريقين) يعتقدون أن التصديق بالإسلام رهن بأن يدرك الفرد بعقله صدق الإسلام واعتباره. أي أن اعتناق الإسلام ينبغي أن يتم على أساس عقلاني وسابق على الدين. وفي هذه الحال، فإن الشرط اللازم للإسلام هو أن يكون فضاء البحث والاختيار العقلاني والحر مفتوحاً في مجتمع المسلمين. بعبارة أخرى، الشرط اللازم للاعتقاد بالدين وممارسته هو أن تُؤمَّن وتُضمَن الشروط اللازمة للتعقل المستقل والحر في المجتمع. ومن مقتضيات هذا الأمر أن تُنظم المؤسسات السياسية والاجتماعية في المجتمع بحيث يتوفر فيه إمكان البحث والدراسة والتعقل الحر والمستقل، ويستطيع أفراد المجتمع أن يمارسوا العقل بحرية. لكن بمجرد أن تعترف في المجتمع بإمكان ممارسة العقل وإمكان البحث الحر والمستقل، فإنك مضطر حتماً إلى الاعتراف بإمكان الخطأ وأن يكون المرء على غير حق. بهذا المعنى، أرى أن على المسلمين أن يدعموا البنية السياسية التي تضمن فضاء التعقل المستقل، وبالتالي إمكان الخطأ وأن يكون المرء على غير حق. وهذا يعني قبول نوع من البناء السياسي الليبرالي والدفاع عنه (وليس بالضرورة نظرية الليبرالية).
* يبدو من كلامكم أنكم تعتقدون أن الجيل الأول من المثقفين الدينيين، مثل المهندس بازركان، لم يهتموا كثيراً بـ"الحق في أن يكون المرء على غير حق". هل ترون أن المثقفين الدينيين بعد الثورة قد اعترفوا بهذا "الحق في أن يكون المرء على غير حق"، وهل يمكن، من وجهة نظرهم، للمغايرين جنسياً والمغايرين فكرياً أن يستفيدوا من "الحق في أن يكونوا على غير حق"؟
ـ في رأيي أن المناخ العام السائد في التنوير الديني بعد الثورة قد ركّز بشكل أكبر على «الحق في أن يكون المرء على خطأ»، والسعي للاعتراف به في مجالي النظر والعمل. كان التنوير الديني قبل الثورة، تحت تأثير الأدبيات القرآنية والأدبيات السياسية اليسارية، يتبنى خطاباً عدالياً، لكنني أعتقد أنه بعد الثورة الإسلامية اكتسب فهم المثقفين الدينيين لمقولة العدالة عمقاً ودقة أكبر، ومن ذلك أن مثقفينا، بمن فيهم المثقفون الدينيون، أدركوا أن العدالة لا تتحقق في المجتمع ما لم يُعترف بالحقوق الأساسية للبشر، ومنها حقهم في الاختيار وحقهم في أن يكونوا على خطأ. وبهذا المعنى، أعتقد أن المثقفين الدينيين بعد الثورة توصلوا إلى فهم أعمق لضرورة التحرر، وأدركوا أن تحقيق المثل الأعلى القرآني للعدالة رهن بالاعتراف بحقوق البشر. إن احترام حقوق الإنسان شرط لتحقق مجتمع عادل. ولهذا السبب نجد أن مسألة حقوق الإنسان قد تحولت إلى مسألة مهمة ومحورية في جميع الفروع المهمة تقريباً لتيار التنوير الديني في إيران بعد الثورة.
لكنني أميل إلى أن أضيف إلى ما قلته هذه النقطة، وهي أن المرحوم آية الله مهدي حائري اليزدي، في كتابه الحكمة والحكومة، قد طوّر استدلالاً جديراً بالاهتمام، أعتقد أنه يمكن توظيف قراءة منه كاستدلال مستقل لتأييد «الحق في أن يكون المرء على خطأ» على الصعيدين السياسي والاجتماعي. خلاصة كلامه هي أن الفضاء العام للمجتمع هو ملك مشاع لجميع المواطنين، ولكل الشركاء فيه حصة متساوية. ومقتضى مبدأ العدالة أن تُدبّر شؤون هذا الملك المشاع على نحو تُراعى فيه حقوق جميع الشركاء بإنصاف. في رأيي أن مقتضى هذا الكلام هو أن السياسات والقوانين الملزمة في المجال العام ينبغي أن تُصاغ وتُدبّر بحيث تبقى حقوق جميع شركاء هذا الملك المشاع مصونة، وألا تستند تلك القوانين إلى أسس لا يمكن تصديقها وتبريرها إلا من قبل فئة خاصة من أولئك الشركاء. بعبارة أخرى، لا ينبغي للأكثرية أن تتصرف وتتخذ قراراتها على نحو يدوس حقوق الأقلية. لقد استخدم مفهوم الملك المشاع للدفاع عن الضرورة الأخلاقية والدينية للديمقراطية، لكنني أرى أن استدلاله يستلزم حتماً الاعتراف بـ «الحق في أن يكون المرء على خطأ» أيضاً.
* أنتم عرّفتم غاية الأخلاق الإسلامية بأنها التقرب إلى الله، وعلى هذا الأساس يمكن لمعارضي «الحق في أن يكون المرء على خطأ» أن يقولوا إن هذا الحق والتعددية الناتجة عن الليبرالية قد يدفعان بالمجتمع نحو مناخ يبتعد فيه المسلمون عن التقرب إلى الله، ومن هذا المنطلق يعارضون الليبرالية. ما هو ردكم عليهم؟
ـ أنا بالطبع أتفهم قلق هذه الفئة من المؤمنين. لكنني أرى أن هذا الاستدلال ينطوي على إشكالين أساسيين على الأقل:
الإشكال الأول هو أنه يبدو كأن التدين والإيمان القائمان على التقليد يُفضّلان على التدين والإيمان القائمين على التحقيق. إذا قبلنا أن التقرب إلى الله رهن بقبول الدين الحق، وإذا قبلنا أن الشرط المسبق لقبول الدين الحق هو انفتاح إمكانية العقلانية الحرة والمستقلة، فعلينا حينئذ أن نقبل أن انفتاح فضاء العقلانية الحرة والمستقلة في المجتمع هو شرط مسبق للتقرب إلى الله أيضاً. إن المدافعين عن البنية السياسية التي تغلق فضاء الحرية والعقلانية في وجه المواطنين، هم في الواقع يفضلون التدين والإيمان التقليديين على التدين والإيمان التحقيقيين. في الواقع، إن هؤلاء الأفراد، خوفاً من الانحراف في الدين، يقتلعون جذور الدين.
من ناحية أخرى، وكما رأينا، فإن البنية السياسية التي يُحترم فيها «الحق في أن يكون المرء على خطأ» هي شرط للعدالة والإنصاف، أما البنية السياسية التي لا تعترف للمواطنين بـ «الحق في أن يكونوا على خطأ»، وتسعى لبناء مجتمع أحادي اللون مطابق لما تراه هي حقاً، فهي في الواقع تدوس حقوق المواطنين الآخرين الذين يعيشون في ذلك المجتمع. هل يعتقد هؤلاء الأفراد أن طريق التقرب إلى الله يمر عبر دهس حقوق وكرامة البشر الآخرين؟ في رأيي أن البنية السياسية الليبرالية تتيح إمكانية التدين والإيمان التحقيقيين، وهي في الوقت نفسه، وبسبب ما تكنه من احترام لحقوق وكرامة جميع المواطنين (بوصفهم مواطنين فحسب)، تحتل موقعاً أخلاقياً أسمى. وأعتقد أن طريقنا إلى الله يمر عبر احترام الخلق وإجلال الأخلاق.
وأضيف هذه النقطة أيضاً: إن أولئك الذين يعتقدون أنه ينبغي منع "الانحراف" في الدين عبر نفي الحرية وحق الاختيار عن الناس، وقمع حقوق المواطنين وتضييعها، هم في الواقع يشكّون في أحقية الدين، أو على الأقل في قدرة العقل على الدفاع عن حرمة التدين. وكأن هؤلاء يعتقدون في قرارة أنفسهم أن الدين لا يستطيع أن يخرج من معترك الآراء وميدانها مرفوع الرأس ناصع الجبين. وكأن الإيمان بالله والتعاليم الدينية، من منظورهم، هو أمر غير معقول بل مخالف للعقل في نهاية المطاف، وبالتالي فإن فتح فضاء التعقل والاختيار الحر سيكون في النهاية على حساب الدين والتدين. وهؤلاء يرون العقل البشري أيضاً، في التحليل الأخير، واهياً وغير جدير بالثقة.
في رأيي أن جميع هذه الافتراضات المسبقة خاطئة: فالدين قادر تماماً على أن يخرج من معترك الآراء ناصع الجبين مرفوع الرأس، والعقل قادر تماماً، في بحثه الحر، على أن يصدّق على القيم الخالدة للفكر والعيش الديني، وأن يتقبلها كأساس معقول وأخلاقي لحياة شريفة. إن شرط ازدهار الفكر والعيش الديني ليس هو قمع العقل وإهانة البشر على الإطلاق. في رأيي أن العقلانية والحرية يمكنهما، بشكل أكثر فعالية، أن يؤديا إلى ازدهار الدين وتأثيره الإيجابي على الحياة البشرية.
* نقطة أخرى هي أن قسماً من المثقفين الدينيين، كالمهندس بازركان، يقولون بالحسن والقبح الذاتيين للأفعال والأفكار. مع القول بالحسن والقبح الذاتيين للأفعال، هل يمكن مع ذلك القول بالليبرالية الأخلاقية والتعددية الليبرالية وقبولها؟
ـ في رأيي أن الجواب هو نعم. افتراضي هنا هو أن مقصودكم من القول بالحسن والقبح الذاتيين أو العقليين هو الالتزام بنوع من الواقعية في مجال ما وراء الأخلاق. وفي هذه الحال، فإن الليبرالية الأخلاقية، على الأقل لدى كثير من فلاسفة الأخلاق، مثل لوك، وكانط، أو ميل، كانت قائمة على نوع من الواقعية الأخلاقية. فالواقعي يقول بوجود تمييز موضوعي بين الحق والباطل، لكنه في الوقت نفسه يعتقد أن كون الإنسان على حق أو باطل هو أيضاً من جملة حقوقه الموضوعية – أي أنه يعترف، لأسباب موضوعية، بحق الإنسان في أن يكون على حق أو باطل. على أية حال، أرى أن الالتزام بالواقعية الأخلاقية لا يتنافى البتة مع الليبرالية الأخلاقية. فالليبرالية الأخلاقية قائمة على محورية الفرد وحقوقه وحرياته، وليس في الواقعية الأخلاقية ما ينافي هذه الافتراضات الأساسية.
* في رأيكم، هل يستطيع الإنسان المتدين والمسلم، في مجتمع ديمقراطي، أن يتصرف بشكل أخلاقي وأن يكون أكثر تديناً مما في مجتمع غير ديمقراطي؟
ـ في رأيي، من الممكن تماماً أن يتقرب الفرد إلى الله في مجتمع غير ديمقراطي أيضاً. فعلى سبيل المثال، كثير من عظماء تاريخ ثقافتنا الدينية عاشوا وترعرعوا في مجتمعات غير ديمقراطية، ووجدوا طريقهم إلى الله في ذلك العالم نفسه.
لكنني أرى، في عالم اليوم، أن أكثر البنى السياسية والاجتماعية أخلاقية هي تلك البنية السياسية التي تُصان فيها حقوق البشر وكرامتهم على نحو أفضل وتُحترم، ولا تُداس فيها كينونتهم وهويتهم بأقدام الظلم والقسوة. وبقدر ما أستطيع أن أحكم، فإن إمكانية التدين في صميم مجتمع أخلاقي هي أكثر تيسراً بكثير. الأخلاق هي الشرط المسبق للتدين العالِم، المحقِّق، والإنساني. بمعنى أنه إذا كان الفساد يهطل من جدران المجتمع وأبوابه، وكانت القسوة وعدم المروءة وانعدام الشفقة هي العملة الرائجة، فإن روح البشر تصبح معتمة وذابلة. نحن نتأثر عميقاً بالعالم الذي نعيش فيه. المجتمع المريض يجعل روح ساكنيه مريضة وذابلة أيضاً. والروح المعتمة الذابلة تكون استعداداتها وإمكانياتها أقل لإدراك الدقائق المعنوية وتجربة الومضات القدسية. لذلك، أرى أن المجتمعات التي لديها همّ ديني ومعنوي، ينبغي أن تسعى لخلق فضاء يكون فيه التحلي بالأخلاق والعيش الأخلاقي هو القاعدة لا الاستثناء. في مجتمع لا يكون العيش الأخلاقي فيه ممكناً إلا للأبطال والقديسين، يعاني الدين والمعنوية أيضاً من نقصان وأزمة.
علاوة على ذلك، في رأيي أن أهم ركن من أركان الحياة الروحية هو علاقات من نوع (بتعبير مارتن بوبر) "أنا-أنت" أو بتعبير عارفينا، من نوع العلاقات العاشقة، أي علاقة تنشأ بين كائنين مكرّمين، بحرية وعلى أساس الاحترام المتبادل. لكن في المجتمعات التي يقع فيها البشر ضحايا للعنف، يتحول هؤلاء "الأنا" و"الأنت" من أشخاص إلى أشياء، وبالتالي تتحول العلاقات الإنسانية الرقيقة من نوع "أنا-أنت" إلى علاقات من نوع "أنا-هو" أو حتى "هو-هو"، أي علاقة بين "شخص-شيء" أو "شيء-شيء". وانغلاق باب العلاقات الإنسانية من نوع "أنا-أنت" يُدخل التجارب الروحية في أزمة هي الأخرى. لذلك، فإن مراعاة حقوق البشر وكرامتهم، وفتح فضاء العقلانية والاختيار الحر، هو فتح لأبواب الروحانية وسبل التقرب إلى الله. في رأيي، الدين من أجل ازدهار شخصية الإنسان وروحه، وهذا الازدهار يتشكل في سياق علاقة خلاقة وجمالية وحرة مع الله. وفي هذا الفضاء يمكن للدين أن يخدم تعالي البشر. أما إذا تحول الدين نفسه إلى عامل لتحقير البشر وقمعهم، فإنه في هذه الحالة يكون ضد الإيمان، ولن يفتح طريقًا إلى الله، وإن كان قد يكون سلعة للمتاجرين. إذن، الدين الذي يهدينا إلى الله هو الذي يحترم حقوق البشر وكرامتهم. ومن هنا، حتى لو كان المسلمون لا يستحسنون نظرية الليبرالية من الناحية النظرية، فإن من المفروض عليهم أن يسعوا لإقامة نظام سياسي واجتماعي تُحترم فيه الحقوق الأساسية للبشر، وتكون فيه كرامة الفرد الإنساني في مأمن من شفرة العنف والقسوة.
.
.
[1] أجرى هذه المقابلة السيد بيجن موميوند. نُشر نص المقابلة تحت عنوان "ليبرالية الخوف أو الليبرالية السلبية في آراء بازركان: نسبة الأخلاق الإسلامية إلى الأخلاق الليبرالية" في مجلة مهرنامه الشهرية، السنة الثانية، العدد الثامن عشر، يناير 2012.
.
.
.
.
.
.
الدين
العلوم السياسية
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.