اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
فيلم «رگ خواب» (شريان النوم) للمخرج حميد نعمة الله، حكاية امرأة عادية يتحول الحب بين يديها سيفاً ذا حدين. يرسم الفيلم مفارقة الحنان والعنف في الحب على الحد الفاصل بين العشق والتعلق.

فيلم «رگ خواب» (الوريد النائم) من إخراج وإنتاج حميد نعمت الله وتأليف معصومة بيات، وهو من إنتاج عام ۱۳۹۴.
قال «العطار» الكلمة الفصل في شأن العشق: «تسألني ما العشق؟ / يوم تصير مثلي ستعلم.» العشق من تلك الوقائع الفريدة التي لا يختبرها كل امرئ إلا بنفسه. تجربة لا يمكن نقلها إلى آخر. إنه ذاك الذي، حتى يحترق كوم قمحك، لن تعرف أحواله. إنه ذاك الذي يخرس العقل في وصفه كما يرقد الحمار في الوحل. لكن، ومع كل هذا العجز عن الإفصاح عن هذه الواقعة، يبدو أن الإفضاء بحال القلب للغير هو هوىً. وكأن العاشق يريد في كل لحظة أن يفيض بتلك التجربة الصافية ويتحدث عن ناره الداخلية. حتى وإن كان يعلم أنه يقوم بعمل عبثي. لهذا السبب، لو نزعنا العشق من أدبنا، ولا سيما الأدب الكلاسيكي، لما بقي منه الكثير. وكذلك الحال في الأدب الحديث. لكن من العجيب أن قلة من مخرجينا في سينمانا يتناولون العشق كحكاية وقصة رئيسية. وإن حضر في حكاية فرعية، فذلك على نحو يبدو وكأنه مسألة من الدرجة الثانية. ربما لأن تناول العشق «سهل ممتنع». سهل من حيث إنك لو اخترت مئة شخص عشوائياً الآن وسألت كل واحد منهم: ما هو العشق؟ فكن على يقين أن كل المئة سيكون لديهم جواب لك. ومن جهة أخرى هو ممتنع، إذ إنه من «المأدبة» لأفلاطون إلى أحدث الكتب النفسية، يسعى الجميع إلى إيضاح هذا المفهوم. وقد حلله كل واحد على طريقته. بعضهم عدّ العشق، إلى جانب الموت والوحدة، من أهم المسائل الوجودية للإنسان، وبعضهم يرى أن تغير الحالات البيولوجية هو سبب عروض العشق، وكان هناك من عرّف العشق بأنه أمر قدسي. لهذا فإن تناول العشق ما أيسره، وهو بالطبع عسير جداً أيضاً. لأننا نتعامل مع ظاهرة نعرف ما هي (أو على الأقل من هو واقع فيها يعرف ما هي) وفي الوقت نفسه لا نعرف لماذا وكيف تحدث؟ لقد خاطر حميد نعمت الله بهذا وتناول قصة عشق. قصة يكون العشق محورها وليس الحبكة. «رگ خواب» (عرق النوم) هي قصة عشق مينا (بأداء لا نظير له من ليلى حاتمي). مينا في «رگ خواب» امرأة عادية. مثل كثير من النساء الأخريات. امرأة انسلخت عن حياة تفتقر إلى المعنى وتفوح منها رائحة الإدمان، وجاءت لتبدأ من جديد. أن تعمل، وتستأجر بيتاً، وتكون لها حياة كالآخرين. لكن فجأة، يظهر ذاك الحدث الآخر الذي هو سيف ذو حدين، ويدفعها مرة أخرى إلى حافة الانهيار. هذا الحدث يقع هذه المرة لا عبر اللامعنى، بل بوساطة «العشق»؛ العشق الذي يمكن أن يكون هو ذاته أعظم مانح للمعنى في الحياة، هو سيف ذو حدين. بحيث إنه في جانبه الآخر، وبلا الحبيب، يمكن أن يسلب ذائقة الحياة ويدفع العاشق إلى حد العدم الكامل. مينا التي لم تكن لها أم قط لتختبر ذاك العشق الصافي، ولا حياة زوجية ناجحة ومفعمة بالمحبة، تواجه فجأة كامران (بأداء كوروش تهامي) الذي يبدو وكأنه يعرف كيف يحب أكثر من أي شخص آخر. أي شخص آخر مكان مينا كان ليقع في عشق هذا الرجل. خصوصاً أن مينا في موقف تشعر فيه بالإحباط والفشل وبلا ملاذ. والأهم من ذلك أنها لا تملك الثقة بالنفس اللازمة لحل مشاكلها بمفردها. «عرق النوم» هو ذاك الحدث البسيط والصعب الذي وقع لكثيرين منا. إما كنا كامران أو مينا، وربما جربنا كلا الشخصيتين في فترات مختلفة من الحياة. «عرق النوم» هي قصة الاضمحلال الناجم عن العشق. قصة آلاف المينا اللواتي لا يمكن تمييز إن كان هذا عشقاً أم تعلقاً ناتجاً عن فقدان الملاذ؟ قصة آلاف الكامران الذين يظنون أنهم منهمكون في خدمة مينا ومساعدتها، لكنهم لا يرون الجانب الآخر، دمار مينا بعد اليوم الذي لا يكونون فيه موجودين؟ كامرانات لا يعرفون أن قول «أحبك» يحمل معه مسؤولية أخلاقية؟ «عرق النوم» هي قصة حنان العشق، وبالطبع عنف العشق أيضاً. هذا الأمر المفارق قد تناوله حميد نعمت الله بشكل جيد جداً بوساطة سيناريو جيد وأداء متألق من ممثليه (خصوصاً ليلى حاتمي). كل شيء في خدمة السرد السلس لهذه القصة الصعبة. من الإضاءة ولون الفيلم إلى الديكوباج الذكي. كما أن تصنيف همايون شجريان يساعد كثيراً في نقل العبء العاطفي للشخصية. كان «عرق النوم» في قفر مهرجان هذه السنة نقطة أمل، من حيث اختيار الموضوع (حيث يبدو أن الجميع قد اتجهوا، وكأنه حكم وظيفة، نحو الميلودراما الاجتماعية فحسب) ومن حيث تناول الموضوع أيضاً. ينبغي التوقف عند هذا الفيلم ملياً في وقت الفراغ وأثناء عرضه.
* مصرع من سعدي
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.