اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يدين نقاد السينما بسلطتهم النظرية لما يعتبرونه موضوعيةً في أحكامهم القيمية، غير أن المعايير الجمالية ذات طبيعة شخصية ومرتهنة بالثقافة؛ مقال في مفهوم «الجيد» في الفن والتمييز بين الأحكام الأداتية والأحكام الذاتية.

هدف از این نوشته انکار منطقی وجود هر گونه معیار عینی برای صدور ارزش داوری های زیباشناختی به ویژه در عرصه ی سینما است. این گفته ابدا به معنای انکار وجود هر گونه معیاری نیست؛ هدف این نوشته صرفا نمایاندن سرشت ذهنی، و یا به عبارتی شخصی این گونه معیارهاست. تنها در پس زمینه و در رابطه با فرهنگ، پیش داوری ها و علقه های مکتبی شخص منتقد است که دوربین-رو-دست «زیبا» و یا «مستهجن» به نظر می رسد. و این در حالیست که منتقد تلویحا اقتدار نظری خود را مرهون عقلانی و استدلالی بودن—و بدین طریق عینی بودن—ارزش داوری های خود می داند و طبعا هر ادعایی مبنی بر «شخصی» بودن اظهار نظر هایش را نوعی توهین تلقی خواهد کرد.
يذعن العديد من الفنانين، وخاصة صانعي الأفلام، لما يُسمى بالنقود اللاذعة لبعض النقاد دون أي نقاش؛ إزاء الجمل الطنانة والنبرة المرهوبة أحياناً للناقد، ثمة احتمال دائم بأن يتراجع المخرج الذي يتعرض للنقد عن مواقفه، ليكتسب على الأقل، من خلال الإذعان لآراء الناقد، شرف لقب «متقبل للنقد» أو «فاهم للنقد».
الافتراض الأساسي الذي يدفع معظمنا لاعتبار آراء الناقد الفني بمثابة الفصل الخطاب هو تصور أن الناقد يمتلك مجموعة من المعايير الموضوعية، التي لا تقبل الشك والكونية حول قيمة الفيلم والفن بشكل عام، معايير يمكن بالاستناد إليها وصف فيلم بأنه «جيد»، أو «رديء»، أو «تحفة فنية»، أو «قمامة». المقصود بالمعايير «الموضوعية» في هذا السياق هو قضية أو عدة قضايا تقييمية أساسية تكون صادقة بشكل مستقل عن ثقافة الناقد، وأحكامه المسبقة، وانتماءاته المدرسية: كالقول، على سبيل المثال، إن بعض حركات الكاميرا مثل الكاميرا المحمولة على الكتف ليست في جوهرها «جيدة» أو «جميلة». هذا الحكم هو ما يُفترض بداهته فحسب في جلسة النقد، ويصبح أساساً لبقية انتقادات الناقد، وأحياناً تخريباته. في مثل هذه اللحظات، يكفي سؤال واحد من المخرج لينكشف الطابع المغالطي وغير العقلاني لادعاءات الناقد (وليس حتى حججه): «كيف، أو عبر أي مسار استدلالي، توصلت إلى هذا الاعتقاد الذي يبدو غير قابل للشك؟ وإن لم تصل إلى هذا الاعتقاد عن طريق الاستدلال، ألن يكون اعتقادك متهماً بكونه غير قابل للتسويغ، أو حتى أسوأ من ذلك، اعتباطياً؟ وأخيراً، في حال كانت آراؤك اعتباطية، فأي فرق (وأي أفضلية) ستكون بين ما يهواه قلبك وما يهواه قلبي؟»
الهدف من هذه الكتابة هو الإنكار المنطقي لوجود أي معيار موضوعي لإصدار أحكام القيمة الجمالية، خاصة في مجال السينما. هذا القول لا يعني أبداً إنكار وجود أي معيار؛ هدف هذه الكتابة هو فقط إظهار الطبيعة الذهنية، أو بعبارة أخرى الشخصية، لهذه المعايير. فقط على الخلفية وفي العلاقة مع ثقافة الناقد، وأحكامه المسبقة، وانتماءاته المدرسية، تبدو الكاميرا المحمولة على الكتف «جميلة» أو «مستهجنة». وهذا في حين أن الناقد يدين ضمنياً بسلطته النظرية لكون أحكامه القيمية عقلانية واستدلالية — وبهذا الطريق موضوعية — وبطبيعة الحال سيعتبر أي ادعاء بكون تعليقاته «شخصية» نوعاً من الإهانة.
بما أن مسألة المعيار والحكم على القيمة الفنية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بتعريف الفن، فإن الهدف الآخر لهذه الكتابة سيكون محاولة تقديم تعريف جديد (ولو كان تجريبياً) للفن. إن غياب تصور لتعريف الفن ومآسيه التاريخية قد أتاح دائماً للناقد إمكانية أن يُظهر نقوده بمظهر الموضوعي والمبدئي، عبر إيحاء بتعريف اعتباطي للفن. هذا التعريف الجديد للفن، بالإضافة إلى تفسيره للعديد من المسائل والنزاعات السابقة في عالم الفن (The Artworld)، سيرفع مكانة ومنزلة الفنان وإبداعيته بشكل غير مسبوق. من ناحية أخرى، وكما سيأتي لاحقاً، فإن مجرد دخول الناقد والمخرج في مثل هذا النقاش حول تعريف الفن (ومعايير تقييم القيمة الفنية) سيضفي، قبل كل شيء، غنى ودقة أكبر على النقاش، بحيث لا يختزل النقاش بين الطرفين إلى مجرد جدال حول الأذواق الشخصية.
I.
عندما يدّعي الناقد أمام المخرج، على سبيل المثال، أن «تأطيرك للمشهد مزدحم جداً [سيئ]!» أو أن «توصيف شخصية البطل سطحي جداً [سيئ]!»، فإنه يكون قد افترض مسبقاً، وبشكل مسلّم به، جودة أو رداءة صفتي «العميق» مقابل «السطحي» و«المزدحم» مقابل «الخالي»، بمعنى أن الناقد لا يشك في صحة أو خطأ هذه الافتراضات المسبقة.
عندما يستخدم الناقد كلمة «جيد» المثيرة للجدل – أو أي كلمة قيمية تقييمية مرادفة لها مثل «ممتع»، «بارز»... إلخ – يبدو أن لديه تصوراً مطلقاً لهذا المفهوم في ذهنه: «جيد» تحت أي ظرف وفي سبيل أي هدف؛ في حين أن ما يبدو أنه مقصود الناقد في الواقع هو التصور الأداتي أو «جيد من أجل...».
في معظم الحالات، عندما نقيم شيئاً أو فعلاً ما بأنه «جيد» أو «سيئ»، فإن المقصود هو أن الشيء أو الفعل المذكور يضمن لنا، بأسرع وأضمن نحو، بلوغ هدف محدد مسبقاً (ومفترض مسبقاً أنه مرغوب). وبهذا الترتيب، قد يقيّم مدير التصوير، على سبيل المثال، استخدام كاميرات DSLR أو الكاميرات اليدوية الخفيفة بأنه «جيد» لتصوير مشهد في جبل وعِر، لأن مثل هذه الكاميرات الخفيفة تساعده في بلوغ هدفه المحدد مسبقاً بشكل أسرع. لذلك، في هذا الموقف بالذات، سيبدو النقاش حول الكاميرات «الرديئة» و«التحف الفنية» ذا معنى تماماً. هذا التصور لمفهوم «الجيد» يُسمى في فلسفة القيمة اصطلاحاً «الخير الأداتي» (Instrumental)، أو كما قال القدماء «المطلوب بالغير».
في مقابل هذا التصور، يقف مفهوم «الخير الذاتي» (Intrinsic)، وهو عندما يُراد الشيء، أو الظاهرة، أو الحدث، أو الفعل لمجرد امتلاكه خصائص في ذاته، بمعنى أن حصول مثل هذا «المطلوب بالذات» ليس في خدمة رفع حاجة أو هدف آخر. المثال الموضّح في هذا السياق هو عشق العارف للذات الإلهية الأقدس: بالنسبة للعارف، ذات الله خير بالذات، بمعنى أن حصول الفناء في الله والبقاء بالله (عند العارف) ليس بأي وجه في خدمة نيل هدف آخر، وأساساً لا يُتصور للعارف هدف ما وراء ذات الله (من الضروري ذكره أن بعض الفلاسفة قد شككوا أساساً في وجود مثل هذه القيم الذاتية، ويبدو أنهم يسعون إلى اختزال جميع القيم إلى المقولة غير الذاتية).
يمكن تلخيص الفصل بين هاتين المقولتين القيميتين على هذا النحو أيضاً: «الخير الأداتي» يكتسب معناه اضطراراً ودائماً في النسبة أو العلاقة مع هدف موجود مسبقاً، في حين أن الخير الذاتي هو الهدف نفسه.
مع الأخذ بعين الاعتبار هذا الفصل الأساسي في علم القيمة وتطبيقه على الأحكام القيمية الجمالية في الوسط الفني، يُطرح هذان السؤالان الأساسيان: أولاً، إذا كان المقصود من صفة «جيد» (ومشتقاتها مثل «تحفة»... إلخ) في جملة مثل «هذا الفيلم جيد جداً!» هو التصور «الأداتي» لمفهوم «الجيد»، فينبغي منطقياً تصور هدف غائي للفيلم بشكل خاص وللفن بشكل عام. من جهة أخرى، إذا كان المقصود في الجملة السابقة هو التصور «الذاتي» لمفهوم «الجيد»، فعلى قائل الجملة أن يوضح بالضبط أي خصائص (Properties) في الفيلم المعني هي مطلوبة في حد ذاتها ولماذا. هذا النمط من الأسئلة التقويضية لا ينتهي عند هذا الحد؛ حتى لو افترض الناقد في النهاية هدفاً غائياً (أو خاصية مطلوبة ذاتياً) للفيلم، فسيواجه هذا السؤال الأكثر تعقيداً: «من أين لكم هذا اليقين بأن الهدف الغائي للفيلم كوسيط هو ما تقولونه؟ ما هي حجتكم لإثبات مدعاكم؟ ألا يمكن تصور أهداف أخرى، وبالتبعية تصورات أخرى لـ»الجيد«؟». وفي هذه اللحظة بالذات، سيجد الناقد نفسه على أعتاب نوع من العدمية الجمالية، وسيضطر إلى تبرير لكل تبرير، وهكذا إلى ما لا نهاية. وأيضاً في هذه اللحظة بالذات، نواجه أحد أكبر أسئلة فلسفة الفن: «ما الهدف الغائي للفن؟»
II.
آمن تاركوفسكي صراحةً بأن الفن يعين الإنسان في عملية إثراء «قدراته الروحية»؛ أما دادائيون مثل رينيه كلير فقد رأوا أن الغاية القصوى لفن السينما هي ترويج الأناركية القيمية ومحاربة العقلانية الأداتية الحديثة والنزعة العسكرية الملازمة لها؛ أما السرياليون فكانوا يرون من جهة أن هدف الفن هو البحث عن نوع من الخلاص الدنيوي عبر سبر أغوار مكاشفات الحلم وإشراقات اللاوعي، ومن جهة أخرى كانت السينما بين أيديهم أداةً لمحاربة القيم البرجوازية السائدة في المجتمع؛ وكان هدف مذهب المونتاج السوفييتي لدى أساتذة مثل آيزنشتاين صراحةً وبقوة هو ترجمة الأفكار الثورية الاشتراكية والمنطق الجدلي الداعم لها إلى الشكل السينمائي، وبالتالي نشر هذه الأفكار؛ أما هدف باولو سورينتينو في أفلام مثل الجمال العظيم والشباب، فيبدو أنه تصوير الجمال المحض وقدرته الخلاصية؛ وبالنسبة لبيلا تار فالفيلم هو وعاء للاستكشافات الفلسفية-الوجودية حول شرور وضجر «الوجود» (Being)؛ وفي «سينما هايدغر» عند تيرينس ماليك يكتسي «الوجود»، بكل شروره، هالةً قدسية ويُعبد؛ أما التجريبيون مثل نورمان ماكلارين وأوسكار فيشينغر فقد انكبوا بجد على استكشاف الإمكانات الشكلية المحضة للسينما وتوسيع لغتها السمعية-البصرية — ومن ذلك، صنع ماكلارين لفيلم دون كاميرا تصوير عبر الرسم المباشر لأشكال تجريدية على نيغاتيف 35 ملم في فيلمه القصير نقاط، ومحاولة فيشينغر ترجمة المقطوعة الكلاسيكية الرابسودي المجرية الثانية لفرانز ليست إلى لغة الصور الهندسية في فيلم قصيدة بصرية. إلخ...
والآن، من بين هذه الأهداف (أو الوظائف)، أيها هو الهدف الحقيقي والوحيد لفن السينما؟ ومن هو، أو ما هي الجهة التي تملك أساساً الإذن والسلطة لتحديد غاية قصوى للفن؟ يدرك القارئ الواعي أننا بطرح مثل هذه الأسئلة الجوهرية نكون قد خطونا مسبقاً إلى وادٍ خطر من فلسفة الفن: من هيبياس الأكبر لأفلاطون عام 390 قبل الميلاد إلى ما هو الفن لأرثر دانتو عام 2013، ظل فلاسفة الفن في سعي دؤوب لتقديم شرط أو شروط ضرورية وكافية لتعريف الفن، وبالتالي هدف الفن. وبالنظر إلى جملة الأهداف الشخصية المتنافرة والمتناقضة أحياناً لدى الفنانين، لا سيما في التاريخ المعاصر، فليس من المستغرب ألا يكون هناك حتى الآن تعريف نهائي ومجمع عليه لماهية الفن، حتى إن البعض مثل موريتس فايتس، متأثراً بفلسفة فتغنشتاين المتأخرة، قد اعتبر الفن من مقولة «الألعاب اللغوية» وهو في الأساس مفهوم «مفتوح» وغير قابل للتعريف.
هذه الطبيعة المقاوِمة للهدف (الهدف بوصفه غايةً وحيدةً وكونية) والمقاوِمة للتعريف في الفن تتجلّى أكثر ما تتجلّى بالمقارنة مع سائر ميادين النشاط الإنساني الواعي: فمَن ذا الذي يستطيع أن يدّعي أن الغاية القصوى للمؤسسة الطبية هي، مثلاً، تسلية البشر؟ وكيف يمكن الادعاء بأن للهندسة هدفاً سوى تلبية الحاجات البراغماتية للإنسان وتوفير الأرضية المادية الملائمة لاستمرار الحياة البشرية؟ بل أليست غاية الفلسفة القصوى شيئاً غير البحث عن «الحقيقة»، مهما كانت نسبية أو بعيدة المنال؟ إن وجود مثل هذه الأهداف المحدَّدة سلفاً والمُجمَع عليها كونياً، أو افتراض وجودها، هو ما يجعل ميادين النشاط الإنساني هذه خاضعة للقواعد من جهة، وقابلة للتفنيد من جهة أخرى، بحيث لا يمكن للمرء في الهندسة أو العلم مثلاً أن يتحدث عن مخططات «صحيحة» و«خاطئة» —المطابقة للقواعد— فحسب، بل يمكنه أيضاً أن يضع صحتها وخطأها على محك الاختبار. وهذا في حين يمكن تصوُّر أهداف شتى، بل ومتناقضة أحياناً، للفن؛ وعليه، يبدو أنه، خلافاً لسائر ميادين النشاط البشري الهادفة، في ميدان الفن، يمكن لكل فنان أن يفرض على الفن هدفاً وفقاً لحاجاته وطبيعته ومثله العليا. من هذا المنظور، فإن قول فتغنشتاين، في محاضرة حول علم الجمال، القائل بأن الحديث عن «الصواب» و«الخطأ» في الفن لا معنى له من الأساس، يكشف الآن عن صحته بوضوح أكبر: كيف يمكن إثبات أن استخدام رينيه كلير لتقنية التصوير البطيء في فيلم أنتراكت كان مثلاً «صحيحاً» أو «خاطئاً» أو حتى «جيداً» أو «رديئاً»؟ وعلى أي أساس يمكن إثبات أن طريقة عرض ملل الوجود في فيلم حصان تورينو «خاطئة»؟ إن أي إجابة عن هذا السؤال ستكون بالضرورة قائمة على تصوُّر لهدف الفن، وهو هدف، كما تبيّن، ليس موضوعياً ولا كونياً ولا حتى موضع إجماع بين الفنانين أنفسهم؛ والمغزى هنا هو أن الناقد، في هذا المقام، غالباً ما يلجأ إلى التغافل النظري للمخرج والمجتمع الفني عن طبيعة الفن «المقاوِمة للهدف» و«المقاوِمة للتعريف» هذه، فيفرض هدفه التعسفي (من الفن) بصلافة لفظية على فضاء النقاش، ثم يقيس قيمة الفيلم قيد النقد على طيف يمتد بين «ما قبل الفيلم» و«التحفة الفنية» بقدر ما تتكفل القصة والشخصيات والمضامين والموسيقى... إلخ بدعم ذلك الهدف. وفي غياب فضاء فلسفي-تحليلي يهيمن على النقاش، يقع المخرج بدوره تحت وطأة الاستعراض المصطلحي والألعاب البهلوانية الجدلية الأخرى للناقد، ثم يحاول يائساً أن يُظهر أن عناصر فيلمه هي في الواقع على نحو ما في خدمة الهدف الذي يمليه الناقد أو سائر أحكامه الجمالية المسبقة. والمخرج الجريء، إن كان يسعى إلى دفاع منطقي عن إبداعه الفني، ينبغي له ألا يدخل مطلقاً في مثل هذه اللعبة الخاسرة سلفاً.
هذه الخلاصة —طبيعة الفن «المقاوِمة للهدف» و«المقاوِمة للتعريف»—، كما سيتبين أكثر لاحقاً، تمتلك قدرة تفسيرية استثنائية: فهذه السمة المثيرة للجدل في الفن هي التي تفسر لماذا لا يصل الناقد والمخرج (أو ناقد وناقد آخر) إلى نتيجة محددة حتى بعد ساعات من النقاش حول القيمة الجمالية للفيلم، أو في أكثر الحالات سلمية، بتوسّط من مقدم البرنامج، يُعلَن أن «رأي كلا الأستاذين محترم!». في الواقع، إن ما يحول دون الاتفاق والوصول إلى نتيجة نهائية هو التصور المختلف أو حتى المتناقض لطرفي النقاش عن الغاية القصوى للفن: فطالما أن الناقد يعتقد بقوة أن الغاية القصوى للفن ليست التسلية، بينما يعتقد المخرج (أو الناقد الآخر طرف النقاش) بشدة أن لا غاية للفن في نهاية المطاف سوى التسلية، فلا يُتصوَّر منطقياً أي ختام لهذا النزاع؛ وبعبارة أخرى، إن نقاشات من هذا القبيل لا تصل إلى نتيجة البتة، بل إنها (بتوسّط من المقدم) تتوقف فحسب. وبما أنه قد تبيّن سابقاً أن مفاهيم القيمة المعيارية «جيد» و«رديء» ومشتقاتهما في مثل هذه النقاشات الجمالية تكتسب معناها دوماً بالعلاقة مع هدف مرغوب فيه ومفترض سلفاً، فإن ما هو «جيد» بالنسبة للمخرج، مهما امتد الحوار، سيظل «رديئاً» أو «منفِّراً» عند الناقد، والعكس بالعكس.
وهكذا، يبدو أن تأملات فلسفية-تحليلية من هذا القبيل حول الفن تؤدي (حالياً) إلى نتيجة مفادها أن الفن (وليس التفلسف حول الفن) ليس في جوهره خطاباً عقلانياً، فالعقلانية بوجهيها النظري والعملي—ولماذا ينبغي له أن يكون عقلانياً أصلاً؟ في خطاب عقلاني، وبما أن معياراً مسلَّماً يُدعى «التناظر مع الواقع» (في العقل النظري) ومن جهة أخرى نظام الغاية-الوسيلة، غايةٌ تحظى بإجماع العقلاء، (في العقل العملي) هو السائد، يمكن الحديث عن إثبات قضية ما أو إقناع مخاطَب: يمكن ببساطة تصوُّر أنه في العلم، والهندسة، والطب، والتاريخ، والعسكرية، والرياضة، وعلم الكلام، وحتى السياسة والفلسفة إلى حد ما، يمكن إثبات «صحة» قضية ما بشكل موضوعي أو الدفاع عن «جودة» قرار عملي واستراتيجي بطريقة غير متحيزة. بعبارة أخرى، في سياق مثل هذه الخطابات «العقلانية» يمكن تصور أن فرداً ما بعد سماعه حججاً تفيد بأن معتقداً ما «خاطئ» أو أن قراراً عملياً ما «سيئ» يقلع عن ذلك المعتقد وذلك القرار رغم أنه أمضى سنوات من عمره بناءً على «صحتهما» و«جودتهما». والآن، إذا امتنع مثل هذا الفرد (دون تقديم حجج مضادة أقوى) عن قبول هذه الحجج، فسوف يُنبذ، شاء أم أبى، من مجتمع العقلاء.
وهذا في حين أنه في الفن لا يمكن حتى تصور أن ناقداً أو مخرجاً قضى عمره في مشاهدة وتحليل وصنع أفلام (على سبيل المثال) ذات مغزى فقط بعد سماع حجج عقلانية تفيد بأن مثل هذه الأعمال الفنية «خاطئة» أو «سيئة» سيقلع عن مشاهدتها وتحليلها وصنعها. لا توجد أية حجة قادرة على الإثبات العقلاني لكون أفلام بيلا تار «خاطئة» أو «سيئة»—كما لا توجد قادرة على إثبات «صحتها» أو «جودتها»؛ لا يمكن البتة إحباط عزيمة محب بيلا تار فقط بإقامة حجج عقلانية عن إعجابه بأسلوبه السينمائي. المثير للاهتمام أنه، على عكس الخطابات العقلانية، في الفن، يكسب الفنان بمقاومته للحجج المعارضة شأناً ومكانة أكبر (لدى الوسط الفني)؛ إن عناد الفنان هذا ومكابرته هما ما يحولانه إلى بطل طليعي.
الفن ليس خطاباً عقلانياً؛ الفنان في خلقه لا يحتاج إلى العقل البتة، وفي الأساس هرباً من جنون العقل يلوذ الفنان بالفن. لقد تمت عقلنة الفن على أيدي فلاسفة كانوا يعتبرون الطبيعة «المناوئة للغاية» و«العصية على التعريف» وبالتالي اللا عقلانية للفن إهانة لا تُغتفر لنسقهم الفلسفي العقلاني: بالنسبة لفيلسوف مثل هيغل الذي يعتقد أن «كل ما هو واقعي، عقلاني»، فإن طبيعة الفن الفوضوية تشكل بالتأكيد تهديداً جدياً كان لا بد من احتوائه. أما الناقد المعاصر فبدافع آخر (تلميحاً) يطالب بعقلنة الفن: لا عقلانية خطاب الفن تعرض وجود الناقد للخطر؛ هيبة الناقد وسلطته النظرية ترتكزان على هذه الفرضية المسبقة لدى العموم بأن آراءه، بوصفها حكماً لوصف فيلم بأنه «جيد» أو «سيئ»، نابعة من البحث والدراسة والمبادئ العلمية والموضوعية. وهذا في حين أنه، كما تبيّن، أن قليلاً من التحليل الفلسفي عبر مساءلة المظهر العقلاني للفن، يختزل قيمة أحكام الناقد إلى سلسلة من الآراء «الشخصية» تماماً. ولهذا السبب فإن جملة «هذا رأيك الشخصي!» تعتبر إهانة للناقد—لأن الناقد نفسه يعتقد أيضاً أن قيمة أحكامه موضوعية وعقلانية. من جهة أخرى، فإن هذه الجملة نفسها الموجهة إلى الفنان لن تُعتبر إهانة (أو لا ينبغي لها ذلك!) بل ستكون نوعاً من الإشادة بمقامه الإبداعي؛ يستطيع الفنان (وينبغي له) أن يرد بكل جرأة قائلاً: «بالطبع هذا رأيي الشخصي! أنا فنان—ولست فيلسوفاً، ولا مؤرخاً، ولا مهندساً، ولا عالماً تجريبياً، ولا قاضياً، ولا حكماً رياضياً ولا ناقداً—ورأس مالي كله هو رؤيتي للعالم الشخصية والذاتية تماماً.»
الفنان ليس بحاجة البتة إلى عقلنة الفن؛ إن الناقد هو من يحتاج، عبر التوسل المغالطي بوثاقة القضايا العقلانية، إلى جلد الإبداع الفني للفنان بسوط النقد (العقلاني).
III.
با در نظر گرفتن آنچه که تاکنون در باره ی «هدف-ستیزی»، «تعریف-گریزی» و در نتیجه سرشت ناعقلانی گفتمان هنر مطرح شد، به نظر می رسد می توان پا را قدری فراتر گذاشت و (با توجه به این سه خصیصه) تعریفی آزمایشی از هنر پیش نهاد، تعریفی که علاوه بر قدرت تبینی فوق العاده رابطه ی بین هنر، هنرمند و منتقد را بیش از پیش روشن خواهد کرد. در ابتدا، نفس ارائه ی تعریفی برای هنر، با توجه به سرشت «تعریف-گریز» آن، تناقض آمیز به نظر می آید، اما باید توجه داشت که تعریف-گریزی هنر به هیچ وجه به معنای تعریف ارائه ندادن و یا ممنوعیت آن نیست—به اندازه ی هنرمندان و فیلسوفان هنرتعریف برای هنر وجود دارد. تعریف-گریزی هنر در این مفهوم به این معناست که هر تعریف ارائه شده جبرا خصلتی آزمایشی و گمانه ای خواهد داشت و تنها تا ظهور تعریفی جامع تر و مانع تر معتبر خواهد بود.
تعریف یک پدیده ارائه کردن شروط لازم و کافی برای آن پدیده است به گونه ای که از یک سو شرط لازم در تمام مصداق های عینی پدیده ی مورد تعریف حاضر باشد و از سویی دیگر شرط کافی از ورود پدیده ای دیگر به تعریف و یا خلط آن با پدیده ای مشابه جلوگیری کند. هم از این روی است که شرط لازم را جامع و شرط کافی را مانع نیز می نامند.
بسیاری از پدیده های زیباشناسی بدین معنی تعریف مشخصی ندارند. به عنوان مثال، یکی از کهن ترین تعاریف «زیبایی» را تابعی از «تناسب» ریاضی می داند. بدین ترتیب، هر آنچه که زیباست باید دارای تناسب ریاضی باشد (شرط لازم) و از دیگر سو هر آنچه دارای تناسب ریاضی است لاجرم باید زیبا باشد (شرط کافی). جدای از اینکه خود مفهوم «تناسب» ریاضی در این تعریف نیاز به تعریف دارد، با کمی دقت مشخص می شود که این تعریف در بردارنده ی تعریفی جامع و مانع از«زیبایی» نیست: بسیاری از صحنه های طبیعت از جمله ابر ها را زیبا می نامیم اما دقیقا مشخص نیست که این ابر ها به چه معنایی تناسب ریاضی دارند. از سویی دیگر، هر آنچه که «تناسب» ریاضی دارد نیز الزاما «زیبا» پنداشته نمی شود: یک دایره بنا به تعریف تناسب (تقارن؟) ریاضی دارد—به عبارتی «کاملترین» شکل هندسی است!—اما به هیچ وجه معلوم نیست که این دایره فی نفسه «زیبا» باشد. بنابراین، «تناسب» نمی تواند شرط لازم و کافی برای تعریف «زیبایی» باشد و این گونه است که «زیبایی» هم چنان یکی از مفاهیم رازآمیز در فلسفه ی هنر است.
خود مفهوم هنر نیز، چنان که پیشتر اشاره شد، تعریفی دقیق ( شروط لازم و کافی) ندارد. حتی سینما هم، به عنوان یک هنر، تعریفی جامع و مانع ندارد؛ قابل-تعریف به نظر رسیدن سینما صرفا نشان از سلطه ی تنها یک تلقی از سینما بر دیگر برداشت ها ی ممکن است. سبک «تدوین تداومی» کلایسک هالیوود تنها یکی از چندین روش ممکن برای پیشبرد داستان است--حتی خود داستانگو بودن نیز ذاتی سینما نیست.
آنچه در ادامه می آید تلاشی است برای ارائه ی تعریفی از هنر با در نظر گرفتن سرشت هدف-ستیز آن ، تعریفی که علاوه بر در برگرفتن هنر کلاسیک، متناسب زمانه ی پست مدرن و تکثر گرای کنونی نیز است. این تعریف در قالب سه گزاره ی مجزا ارائه می شود به گونه ای که هر گزاره زمینه ساز و مقوم گزاره ی بعدی است.
پیش تر نشان داده شد که هنرمندان ( سینماگران) اهداف مختلف و گاها متناقضی را بر هنر «تحمیل» می کنند، و به نظر می رسد که نهاد هنر هم پذیرای این اهداف تحمیلی است. بدین ترتیب، در تلاش برای دریافتن آنچه که هر فعالیت هنری از آن برخوردار است ( شرط لازم) می توان همین خاصیت هدف-ستیزی هنر را مطرح کرد: پس « هنر تنها فعالیت خودآگاه انسان است که هدف غایی آن مناقشه پذیر است.»
البته واضح است که این تعریفی صرفا سلبی است از آن رو که با توسل به آنچه که هنر نیست به تعریف هنر می پردازد. اما به نظر می رسد در همین ابتدا، چنین تعریف سلبی در به دست دادن شرطی در عین حال لازم و کافی برای فعالیت هنری موفق عمل می کند: هدف غایی هر فعالیت هنری مناقشه پذیر است (شرط لازم) و از دیگر سو، هر فعالیتی که هدف غایی آن مناقشه پذیر باشد لاجرم هنر است.
وفقًا لهذا التعريف، ليس الفن نشاطًا عديم الغاية تمامًا؛ ما ينبغي أخذه في الاعتبار حاليًا هو أن الغاية القصوى للفن قابلة للمناقشة بشدة، على الأقل من منظور الشخص الثالث (الآخرين). في الأساس، إحدى الحقائق المسلَّمة في عالم الفن هي أن العمل الفني يظل دائمًا منفتحًا على الغايات، وبالتالي على التأويلات والمعاني المختلفة، وهي غايات ستكون، بحكم تعريفها، ذات طابع تخميني واقتراحي (وليس مطلقًا).
من هذا المنظور، يمكن إدراك تشابه غريب بين الفن والحياة، إذ إن الغاية القصوى للحياة البشرية، شأنها شأن الفن، «قابلة للمناقشة»: فبعد آلاف السنين من البحث الفلسفي والأدبي والعلمي، تظل «اللامعنى» أو «انعدام المعنى» في الحياة، كما يعبّر عنها الوجوديون، مشكلةً بالنسبة للإنسان المعاصر بقدر ما كانت مشكلةً لجلجامش — حين يطلق صرخته: «أوَأنا أيضًا سأتحول إلى تراب؟». الفن، مثل الحياة، هو بحث عن غاية (أو غايات): فكما أن حياة كل إنسان هي تجربة لا تتكرر في سبيل اكتشاف غاية قصوى، فإن كل عمل فني يسعى بدوره إلى اكتشاف غاية لوجوده. وهكذا، يمكن أن نخلص، بتعبير شاعري، إلى أن «الفن هو الحياة».
في التعريف أعلاه، نُظر إلى الفن بوصفه «نشاطًا»؛ وفيما يلي، وبافتراض التعريف السابق، يمكن تعريف العمل الفني أيضًا على النحو التالي: «العمل الفني هو مصنوع يدوي أو حدث إرادي، لا يمكن، بسبب أن الغاية القصوى من وجوده قابلة للمناقشة، الحديث بشكل يقيني ومطلق عن ’جودة‘ و’رداءة‘ العناصر المكوّنة له — وبالتالي عن كليته الوجودية بوصفه عملًا فنيًا.» لا يمكن، على سبيل المثال، أن نشير إلى إطار أو لقطة أو مشهد من فيلم الجمال العظيم وندّعي أنه «جيد (أو رديء)» ونتوقع في الوقت نفسه أن يوافقنا كل مشاهد آخر على هذا الادعاء. ما يدور في ذهن المتحدث غالبًا عند إصداره حكمًا قيميًّا كهذا هو أن «أنا أُعجب بهذه اللقطة، أو هذا المشهد... إلخ». بعبارة أخرى، يفقد مفهوما «الجيد» و«الرديء» في هذا الاستخدام معناهما «الأداتي» أو «الذاتي» ويُستخدمان بدلًا من مفاهيم ذوقية مثل «حلو»، «مستساغ»، «مر»، «مُسكِر»... إلخ. بينما يمكننا أن نشير إلى أحد المكونات المكوّنة لعمل هندسي (أو وثيقة تاريخية، أو تجربة علمية، أو استراتيجية عسكرية، أو حجة فلسفية، أو حركة رياضية... إلخ) ونقيّمه بأنه «جيد» أو «رديء» ونتوقع أن يوافقنا الآخرون على ذلك.
بطبيعة الحال، ستكون نتيجة هذا التعريف للفن والعمل الفني أنه لا وجود للعمل الفني الجيد والرديء في ذاته! سيعتبر الكثيرون، بمن فيهم الفنانون أنفسهم، هذه النتيجة مناقضة للبداهة أو خاطئة، لكن ينبغي الرد بالقول إنه ليس من الواضح أساسًا لماذا ينبغي أن نسلّم بوجود عمل فني جيد ورديء. — من مجرد وجود حاجة إلى معيار لمقارنة الأعمال الفنية في المهرجانات وصالات العرض، لا يمكن منطقيًا استنتاج وجود المعايير ذاتها. بالنظر إلى التناقض المنطقي الداخلي للنقد الفني (كما سيتم شرحه لاحقًا)، يبدو أنه ينبغي الاستنتاج أن مفاهيم «المعيار» و«الجيد» و«الرديء» في الفن قد اختُلقت أساسًا من قبل مؤسسة النقد، وبعض الفلاسفة النسقيين، وأصحاب صالات العرض والمتاحف، بوصفها حيلة للتسعير والتبادل وأحيانًا لتخطئة بعض الفنانين.
ما لا تتناوله التعريفات أعلاه للفن والعمل الفني هو شخصية الفنان نفسه وذاتيته؛ إذ يبدو أن شخص الفنان ليس منخرطًا بشكل فاعل وحاسم في عملية الإبداع الفني. الجزء الثالث من التعريف المقترح في هذه المقالة، بالإضافة إلى تلافيه هذا القصور، سيجعل مكانة الفنان في عملية الإبداع أكثر بروزًا من ذي قبل.
قبل المتابعة، من الضروري تناول مفهوم أساسي سيكون افتراضًا مسبقًا للجزء الثالث من التعريف. ثم سيقود هذا المفهوم إلى التعريف الإيجابي للفن — ما يكون عليه الفن.
بالرجوع إلى قائمة من الأهداف والوظائف التي يضعها صناع الأفلام نصب أعينهم من نشاطهم الفني (بداية الجزء الثاني)، فإن ما يبدو مستحيلاً للوهلة الأولى هو العثور على خاصية مشتركة بين أهداف متناقضة كهذه: فمن غير الممكن منطقياً، في النظرة الأولى، إيجاد قاسم مشترك بين فنان يبتغي من السينما غاية عرفانية، وفنان آخر له غاية سياسية ودنيوية تماماً. لكن بنظرة أكثر تدقيقاً يمكن تمييز جوهر مشترك بين هذا الجمع غير المتجانس من الأهداف لدى الفنانين: فما هو مشترك بين تاركوفسكي وآيزنشتاين وسكورسيزي و... ليس بالضرورة هدفهم، بل دافعهم من الانخراط في الفن. إن دافع الفنان، في البداية، وحتى قبل أن يتبنى هدفاً، هو التعبير عن الذات (Self-expression)، أو بتعبير آخر، الكشف عن الذات (Self-revelation). فالفنان، المضطرب من التلاطمات الذهنية، يسعى قبل كل شيء إلى تجسيد ذاته في قالب عمل فني؛ وبناءً على ذلك، ينبغي اعتبار الموضوعات و«رسائل» العمل الفني انفعالاتٍ لشخص الفنان، لا أبحاثاً وتقارير تسعى لاكتشاف حقيقة الأمور: فبعد مشاهدة عبر مرآة مظلمة، لا ينبغي الاستنتاج بأنه «نعم! حقاً إن ظلام ولا معنى عالمنا يدفعاننا إلى الجنون!»، بل ينبغي أن يقول المرء لنفسه: «برغمان يشعر [ولا يستدل] هكذا بأن ظلام ولا معنى عالمنا يدفعاننا إلى الجنون.»
يمكن إثبات أن دافع الإبداع الفني انفعالي أو قائم على التعبير عن الذات بالحجة التالية: لو كان الفنان يسعى إلى نقل الواقع أو اكتشاف حقيقة الأمور، لكان بإمكانه، بل وكان ينبغي له، أن يستخدم أساليب أخرى راسخة ومقبولة كالتأريخ أو العلم أو الفلسفة، لكن الفنان يعلم أنه لا ميدان غير الفن يتيح له إمكانية التعبير عن الذات بحريّة. إن انفعالات الفنان (وأي إنسان آخر) ليست «جيدة» ولا «رديئة»، وليست «صحيحة» ولا «خاطئة»، والفن وحده هو الذي يعرض الفنان كما هو، بعيداً عن أي خوف من إطلاق الأحكام القيمية وقابلية التفنيد. في الفن وحده يستطيع الإنسان، دون قلق بشأن كونه «جيداً» أو «رديئاً» أو «صحيحاً» أو «خاطئاً»، أن يعلن بجرأة: «أنا أشعر هكذا؛ أنا هكذا؛ أنا أحب هكذا!» وهذا لا يعني البتة أن البعض، بمن فيهم الناقد، لن يتهموا الفنان بكونه «رديئاً» أو «خاطئاً»، لكن المغزى هو أن التحليل الفلسفي (كما قُدِّم في هذه المقالة)، وعلى الرغم من رغبة الناقد الباطنية، يكشف الطبيعة الشخصية والمتحيزة تماماً لمثل هذه الاتهامات — ومن ناحية أخرى، ينبغي للفنان الحقيقي الراسخ أن يكون غير مكترث حتى بوصف عمله بـ«الجيد» أو «الصحيح»، بما أن مثل هذه الإطراءات تنبع هي الأخرى من أحكام مسبقة واهتمامات شخصية للناقد. فور أن يجسّد الفنان دافعه في التعبير عن الذات في قالب عمل فني، يكون قد انتصر. لقد شعر كل فنان بالنشوة التي لا توصف بعد آخر ضربة فرشاة، أو آخر جملة مكتوبة، أو آخر لقطة مصورة؛ والناقد هو الذي يأتي بعد حين، مستغلاً البراءة النظرية والفلسفية للفنان، ليعكر صفو مزاجه. من الآن فصاعداً، سيصبح الفنان جريئاً!
إن السؤال عن لماذا يسعى الفنان (فحسب) إلى التعبير عن الذات هو في الأساس سؤال بالغ الأهمية والمشروعية ينبغي تناوله في مقال منفصل؛ ومع ذلك، ومن أجل تقديم فهم أوضح لماهية هذا الوجه من التعبير عن الذات لدى الفنان، يمكن مؤقتاً النظر إلى الموضوع من منظور نيتشوي.
القوة الدافعة للتعبير الذاتي لدى الفنان هي تدفق «إرادة القوة» لديه. إن الدافع وراء كل نشاط بشري، من الإنجاب وإشعال الحروب وحتى التفلسف، متجذر بشكل ما في رغبته في التغلب على الآخر (إنسانًا كان أم طبيعة). في تشييد جسر عظيم أو السعي لاكتشاف قانون طبيعي، يُظهر الإنسان قوته في التغلب على الطبيعة لنفسه وللآخرين؛ وفي الإحسان والصدقة يُذكِّر نفسه بقوته في التغلب على «النفس»؛ وفي الرياضة الاحترافية يُعبِّر عن نزعته العدوانية بأكثر الأشكال سلمية، وفي إشعال الحروب بأكثرها دموية... إن جميع هذه الساحات التي تتجلى فيها «إرادة القوة» معرضة لاحتمال الفشل: هناك دائمًا إمكانية أن يثبت يومًا ما «خطأ» قانون طبيعي أو «رداءة» منشأة هندسية؛ وهناك دائمًا ذلك الخوف لدى الرياضي والقائد العسكري من أن يُهزم أمام الخصم.
أما الفن فهو لا يُقهر. لا يمكن بأي حال من الأحوال إثبات منطقيًا أن لوحة ما خاطئة، ولا يمكن وصف فيلم بأنه رديء. لا يوجد فيلم جيد وآخر رديء، ما يعنيه المتحدث هو فيلم «يعجبني شخصيًا» وفيلم «يثير اشمئزازي شخصيًا»—أما ما هي العوامل التي تجعل فيلمًا ما موضع إعجاب أو اشمئزاز شخص ما، فهذا يحتاج إلى بحث مستقل. لا ينبغي الانبهار بهيمنة المهرجانات السينمائية، فجميع التقييمات ومنح الجوائز تخضع للأذواق الشخصية والجينية للجنة التحكيم: فالمحكّمون أنفسهم لا يعرفون بالضبط لماذا، على سبيل المثال، يجب أن يكون «الابتكار في التعبير السينمائي» معيارًا لا يقبل الجدل لرفض أو قبول فيلم ما! لقد افترض المحكّمون ببساطة وثاقة هذا المعيار—جرّبوا ذلك: اسألوا المحكّم والناقد «من أين، وبأي استدلال، أنت على يقين من أن (س) هو معيار للتمييز بين الفيلم صاحب المرتبة الأولى والثالثة؟ بأي منطق توصلت إلى أن الفيلم صاحب المرتبة الأولى كان أفضل في تحقيق (س) من الفيلم صاحب المرتبة الثالثة؟»
وهكذا، وعلى عكس المهندس (والعالم، والمؤرخ، والقائد العسكري، والرياضي المحترف، والتاجر، والسياسي...)، الفنان لا يُهزم، بل يُغضب. هذه هي المغالطة الكبرى للناقد حين يظن أن غضبه هو هزيمة للفنان. على الفنان السينمائي أن يدرك أنه، على عكس ساحات النشاط البشري الأخرى، فإن «الهزيمة» في الفن تعني فقط وفقط أن مجموعة من النقاد (وربما الجمهور أيضًا) قد أعلنوا له: «نحن لا نحب عملك!». على الفنان أن يدرك أن «لا نحب!» لا تساوي بأي حال «إنه رديء» أو «إنه خاطئ!»، وكم من مجموعات أخرى قد تعتبر هذا العمل الفني نفسه «تحفة فنية» في نقطة أخرى من الكرة الأرضية أو بعد مرور بضع سنوات. تاريخ الفن مليء بمثل هذه الحالات. في العرض الخاص الأول لفيلم 2001: ملحمة الفضاء، غادر النقاد الحاضرون في القاعة، إلى جانب بعض قادة شركات التوزيع والعرض، القاعة احتجاجًا؛ وفي اليوم التالي، وقفت جميع المراجعات تقريبًا بقوة ضد الفيلم: حتى أن أحد النقاد وصف الفيلم في مقال له بسخرية بـ "A Space Oddity" (أعجوبة الفضاء الغريبة)؛ كوبريك، وفقًا لزوجته كريستيانا، لم يستطع النوم لعدة ليالٍ من شدة الضيق. وأي دليل أقوى على وجوب مساءلة مؤسسة النقد الفني وتقييماتها الشخصية من أن الأكاديمية لم ترَ أن إخراج كوبريك وهيتشكوك يستحق الأوسكار! بينما منحت تشابلن أوسكارًا فخريًا قبل وفاته بخمس سنوات—إن سبب رد فعل مجتمع النقاد هذا بهذا الشكل متجذر في «إرادة القوة» لدى النقاد أنفسهم، وهو موضوع يجب تناوله في مقال منفصل.
الفنانون الواعون، أمثال تيرينس ماليك وكوبريك ووودي آلن، لا يكترثون حتى بالتكريمات وإطراءات النقاد عن عمد، لأن «الانتصار» في الفن يعني فقط (كما يقول وودي آلن) أن مجموعة ما، ولأسباب غير استدلالية وذوقية، قد «أحبت» عمل الفنان. يكفي أن يكون الفنان قد «عبّر» عن «ذاته»، كما يحب هو، في قالب فعل أو عمل فني، ليكون قد انتصر.
لذا، في حين أن دافع التعبير عن الذات يُعبّر بذاته، بالنسبة للكثيرين (بمن فيهم الفنان نفسه)، عن الوجه المتعالي والمتميز للفن، يمكن من منظور «إرادة القوة» عند نيتشه أن نستنتج أن الفن هو أكثر الطرق أمانًا، وأكثرها منعةً (أكثرها قابليةً لدحض الإبطال)، وأكثرها ديمومةً للتعبير عن إرادة القوة.
IV.
يمكن تلخيص نتائج هذا البحث حتى الآن على النحو التالي: إن جميع أحكامنا القيمية في مواجهة العمل الفني (الفيلم)، تستند جبرًا، عن وعي أو عن غير وعي، إلى افتراضات أكسيولوجية مسبقة حول «جودة» أو «رداءة»، «صحة» أو «خطأ» بعض خصائص أو محتويات العمل الفني قيد النقاش. إن «جودة» هذه الخصائص والأجزاء، بمعنى بالغ الأهمية والوضوح في الأحكام القيمية الفنية، تعني قدرة العمل الفني على تعزيز أو تحقيق «هدف» يُفترض مسبقًا أنه مرغوب. يبدو أن الفن ليس له «هدف غائي» محدد، كوني ولا ينازع، وبالتالي فإن الأحكام الفنية حول عمل فني ما (كما يشهد التاريخ أيضًا) لا تمتلك صلاحية مطلقة وموضوعية، والنقاش حول قيمة فيلم أو أي عمل فني آخر هو في الواقع صراع «إرادة القوة» بين شخصين لفرض تصورهما الشخصي عن هدف الفن وصناعة الأفلام.
من البديهي أن مثل هذا التقصي الفلسفي القاسي حول الفن يتحدى حدوسنا العزيزة حول القيمة الفنية، ولكن على أي حال، لا ينبغي أن نتوقع من الفلسفة، في طريقها لاكتشاف حقيقة الأمور، أن تحترم تعصباتنا وتحيزاتنا المسبقة.
لذا، فإن كل ما يمكن قوله عن فيلمنا المفضل هو: «لقد خطا هذا الفيلم خطوات مبتكرة ومثيرة للاهتمام فحسب في سبيل تحقيق هدفي المفترض أنا من صناعة الأفلام».
في النهاية، قد يعتبر الناقد، دفاعًا عقلانيًا عن نقده، دافع «التعبير عن الذات» لدى الفنان نفسه «هدفًا» غائيًا للإبداع الفني، ثم يتخذ منه معيارًا ليصدر حكمًا قيميًّا على عمل الفنان. بصرف النظر عن أن مفهومي «الدافع» و«الهدف» في فلسفة الفعل، على الرغم من علاقتهما الوثيقة، متميزان تمامًا عن بعضهما البعض — «الدافع» هو تصور حصول «الهدف». —، حتى بافتراض صحة هذا الخلط، فإن مشروع عقلنة النقد الفني محكوم عليه بالفشل.
لنفترض أن الناقد توصل إلى الاعتقاد بأن الهدف الغائي للفن هو التعبير عن الذات، ثم حاول، باتباع المبادئ العقلانية (نظام الغاية-الوسيلة في العقل العملي والصدق والكذب في العقل النظري)، أن يثبت أن العمل الفني قيد النقد لم ينجح في تحقيق أو التقدم نحو هذا «الهدف»، وبالتالي هو «رديء»، أو «ما قبل الفيلم»، أو «قمامة»، أو «مبتذل»! إن التناقض الذاتي المسبق لمثل هذا الحكم جلي: لا يملك الناقد، ولا يمكنه أن يملك، أي سبيل للوصول إلى «ذات» الفنان و«نفسانياته»؛ «الذات» ومحتوياتها، بحكم التعريف، متاحة فقط لشخص الفنان نفسه. في مثل هذه الظروف، فإن وصف الناقد للعمل الفني بأنه «رديء» يشبه القول: «أيها الفنان، أنت لم تصف نفسانياتك جيدًا»!!! جملة لا معنى لها بقدر ما لبقية تقريرات الناقد من معنى. وهكذا، حتى بافتراض أن التعبير عن الذات هو الهدف الغائي للفن، فمنطقيًا، سيكون الفنان نفسه هو الوحيد القادر على الحكم القيمي على عمله بأنه «جيد» أو «رديء» — في الواقع، كل فنان، عندما يدمر نموذجًا من عمله لأنه «لم يصبح كما كنت أريد» ويخلق نموذجًا جديدًا، إنما يقوم بهذا الحكم القيمي بالضبط. لذلك، إذا كان الهدف الوحيد للفن هو التعبير عن الذات أيضًا وفقط إذا كان كذلك، فلن يكون هناك عمل فني «رديء» — لأن الفنان نفسه يدمرها — وكل عمل فني، من حيث كونه تعبيرًا عن نفسانيات الفنان، هو عمل «جيد».
وهكذا، فإن الناقد، ما دام يصدر أحكامًا قيمية حادة اللهجة في تعامله مع العمل الفني، وفي الوقت نفسه موقن بموضوعية هذه الأحكام وعقلانيتها، يكون (إزاء الفيلسوف) قد دخل مسبقًا في لعبة خاسرة من طرفين: إذ تبين سابقًا في هذه الكتابة أن أحكامنا القيمية في قالب صفات مثل «الجيد» و«الرديء» لا تكتسب معنى إلا بشرط وجود أو افتراض وجود هدف مرغوب فيه مسبقًا (الجيد الأداتي)، فإن الناقد ملزم منطقيًا، قبل أي حكم قيمي، أن يثبت أن ثمة هدفًا غائيًا، أوحد وكونيًا (محل إجماع جميع الفنانين والنقاد) يمكن تصوره للفن؛ إن الكتلة غير المتجانسة لمجموع الأهداف التي يتبناها الفنانون، وطبيعة الفن المناهضة للهدف، ستحول دون ذلك، وسيضطر الناقد إلى القبول بأن مدائحه وذمومه تكتسب معناها في سياق «هدف» اختاره هو بنفسه وتعسفي، وهي بعبارة أخرى شخصية تمامًا ومحض استحسان منه.
ومن جهة أخرى، إذا ما أذعن الناقد، بعد ساعات من النقاش مع الفيلسوف، لنتيجة مفادها أن الهدف الأوحد والكوني للفن هو في الواقع «التعبير عن الذات»، فبما أنه لا سبيل له إلى «ذات» الفنان، إلى المخبأ الأنطولوجي للفنان، فإنه لا يستطيع منطقيًا أن يصدر حكمًا قيميًا، نفيًا أو إثباتًا، حول جودة «التعبير» عن تلك «الذات».
بطبيعة الحال، لن تنتهي دفاعات الناقد العنيد عند هذا الحد؛ واستنادًا إلى التجربة، فإن الناقد، إزاء هذه الهاوية المخيفة، سيلجأ إلى ثلاث بهلوانيات جدلية أخرى: التوسل بإجماع النخب — أي أن هذه المعايير يقبلها ناقد بارز ما وأتباعه؛ والتوسل بالعلموية (Scientism) — أي أنه، على سبيل المثال، «أثبت» علماء الأعصاب عبر تجارب أن بعض الزوايا أو حركات الكاميرا تسبب اختلالًا في القشرة الخلفية للدماغ، أو أنه ثبت أن بعض المشاهد تؤدي إلى تنشيط الفص الجبهي للدماغ وتحفيز مركز المشاعر لدى المشاهدين!؛ وأخيرًا التوسل بمرجعية الحدس الجمالي (Aesthetic Intuitionism) — أي أن إثارة «الاشتباك الحسي» بواسطة الفيلم، على سبيل المثال، هي بالذات، وبصرف النظر عن أي «هدف»، قيّمة في حد ذاتها، وينبغي بالتالي أن تكون معيارًا للنقد.
لا يمكن الدفاع عن أي من هذه المحاولات، في سبيل إصدار أحكام قيمية مطلقة حول العمل الفني، من الناحية المنطقية، غير أن التحليل الدقيق وتفنيد كل منها سيحتاج إلى مقال آخر.
[1] طالب دكتوراه في الأدب الإنجليزي، جامعة طهران
.
.
.
.
الفن
الفن
الفن
الفن
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال١ تعليق
این متن یک artwork است.هنرمندی که این نوشته را بخواند و جسور (تر) نشود باید دوباره این نوشته را بخواند.