اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
تحوّل نقد برنامج «هفت» إلى نزاع عقيم؛ حيث يبرّر بعض النقاد كلّ عيب بالاستناد إلى سجلّ المخرج. والتذكير بأشباح الخطر النسبوي يطرح ضرورة معيار محدّد لتقييم الأعمال.

منذ فترة، صار نقد ومناقشة الأفلام السينمائية الإيرانية في برنامج "هفت"، ساحةً للنزاع والصراع بين وجهات نظر تبدو وكأنها لا تملك أي قاسم مشترك فيما بينها. غالباً ما تُترك الحوارات مبتورةً وغير مثمرة، ويكتفي كل طرف من أطراف الحوار بتكرار آرائه ووجهات نظره، دون أن يلتقيا عند نقطة محددة، أو أن يتمكن أحد الطرفين من إقناع الآخر ولو بقدر ضئيل، أو حتى أن يُشاهد أي تقدم في النقاشات...
منذ فترة، صار نقد ومناقشة الأفلام السينمائية الإيرانية في برنامج "هفت"، ساحةً للنزاع والصراع بين وجهات نظر تبدو وكأنها لا تملك أي قاسم مشترك فيما بينها. غالباً ما تُترك الحوارات مبتورةً وغير مثمرة، ويكتفي كل طرف من أطراف الحوار بتكرار آرائه ووجهات نظره، دون أن يلتقيا عند نقطة محددة، أو أن يتمكن أحد الطرفين من إقناع الآخر ولو بقدر ضئيل، أو حتى أن يُشاهد أي تقدم في النقاشات.
بصرف النظر عن الاصطفافات التي تُشاهد أحياناً بين النقاد، يبدو أن تياراً آخذٌ في التشكل بين النقاد الأصغر سناً، يسعى إلى مقاربة نقد الأفلام ومناقشتها من منظور مختلف وأكثر جدة، وفي هذا السياق تُسمع أحياناً عبارات مثل "الانتماء إلى نماذج إرشادية مختلفة" و"عدم وجود أي فهم لكلام الناقد المقابل" على لسان البعض. من المؤكد أنه لا أحد، في الوهلة الأولى، يعتبر تبني مقاربة جديدة ومختلفة تجاه الأمور أمراً مذموماً ومستهجناً، لكن من الضروري أيضاً الانتباه إلى أن عدم الإدراك الصحيح لموقعية النقاش ومنهجه، يمكن أن يؤدي إلى عواقب وخيمة على الجمهور والتيارات النقدية في السينما الإيرانية. في الواقع، إن الدافع الرئيسي لهذه الكتابة هو القلق من شيوع تفكير وأسلوب نظر يمكن أن يؤديا إلى فوضى عارمة في ساحة النقد، وسبب التركيز على برنامج "هفت" هو الاهتمام بالجمهور العام للسينما الإيرانية، الذي لا يمتلك بالضرورة أسساً نظرية راسخة في مواجهة آراء النقاد المتنوعة. في حين أن المتوقع من النقاد أن يتمتعوا بإحاطة كاملة بأبعاد مثل هذا النقاش.
هذا في الوقت الذي يبدو فيه أن مشكلة تحديد موقعية النقاش ومنهجه، تحتاج إلى نظرة تتجاوز السينما، كي تمنع، من خلال دراسة وتصحيح المسار النقدي، قلب الواقع وتحريفه وكذلك انحراف أذهان عشاق السينما والنقاد. وموضوع هذه الكتابة هو هذا الأمر بالذات. سنسعى، بقدر وسعنا والمجال المتاح لنا، إلى طرح المسألة في هذا الصدد، على أمل أن يهبّ كبار المفكرين وأصحاب الرأي لمساعدتنا ويسطّروا مطالب مفيدة في هذا الخصوص.
للدخول في النقاش نستعين بنموذج عيني: فيلم أشباح، من إخراج داريوش مهرجويي. استناداً إلى ردود الفعل التي شوهدت إزاء عرض هذا الفيلم في مهرجان فجر السينمائي ثم عرضه العام، يمكن الادعاء بأن هذا الفيلم، بحسب رأي الكثير من المشاهدين (إن لم نقل أغلبيتهم)، يُعرف بأنه فيلم سيء. ومع ذلك، في تقابل وجهات نظر الناقدين اللذين ناقشا الفيلم في برنامج "هفت"، تم تبادل نقاط مثيرة للتأمل في هذا الشأن.
ما كان يلفت الانتباه أكثر من أي شيء آخر خلال نقد هذا الفيلم، هو أن الناقد الأول (المؤيد للفيلم) كان يطرح، رداً على بعض الحالات التي كان يذكرها الناقد الثاني (المعارض) بعنوان نقاط ضعف الفيلم، سؤالاً بأسلوب الاستفهام الإنكاري، قريباً من هذا المضمون: هل برأيكم أن مخرج الفيلم (مهرجويي) لم يفهم هذا الموضوع؟! حقاً كيف يمكن لشخص مثل مهرجويي، الذي يمتلك سجلاً سينمائياً لامعاً إلى هذا الحد، أن يرتكب مثل هذه الأخطاء(؟!)؟!
إن مقاربةً كهذه للمسألة مضرّةٌ حقاً. لماذا؟ لأنها تبرر وقوع أي خطأ في الفيلم. أي أن وقوع أي حدث في الفيلم يُعتبر أمراً مدروساً مسبقاً ينبغي البحث عن سبب نزوله! ولكن ما الذي يمكن فعله لحل هذه المسألة وإظهار ضعفها؟ لعل أفضل فكرة هي أن نسأل على طريقة بوبر: ما الذي كان ينبغي أن يحدث في الفيلم حتى تقرّ أنت (الناقد المؤيد للفيلم) بوجود نقص في العمل ووقوع خطأ؟ ما هو الفعل الذي لو قام به المخرج، أو ما هو الحدث الذي لو وقع في الفيلم، لكنت استطعت الحكم بأن هذا الفيلم يعاني من نقطة الضعف هذه وبالتالي أصبح فيلماً سيئاً؟
إن تقديم معيار كهذا يمكن أن يكون نقطة انطلاق جيدة جداً بخصوص نقاط ضعف الفيلم وقوته. من الواضح أنه إذا لم يقدم الناقد المدافع عن الفيلم إجابة محددة على السؤال المذكور، فهو في الحقيقة يدّعي أن أي حدث يمكن أن يقع في الفيلم ونبقى مع ذلك ندّعي أن العمل مدروس وأن الفيلم يُعتبر فيلماً جيداً. في مثل هذه الظروف، هل يبقى ثمة معيار لتقييم الفيلم؟
من المسلّم به بالطبع أننا في مواجهة عمل مخرج كبير ذي سجل حافل، ينبغي أن نكون أكثر دقة وألا نغفل عن الخروقات البنيوية التي تحدث بين الحين والآخر، ولكن هل يعني هذا أن كل ما يُصنع تحت اسم مخرج ما هو عمل مدروس وأن كل لحظة فيه قيّمة، وأننا إن لم ندرك حكمة الأحداث غير العادية والناشزة وغير المتناسبة مع بنية الفيلم، فالمشكلة فينا نحن الذين نعاني من هذا الضعف المعرفي؟ لنفترض مثلاً أن وودي آلن كمخرج مشهور، أصيب باضطراب في الحواس إثر حادث ما وصنع فيلماً سيئاً مليئاً بالأخطاء والانحرافات. فيلماً يدرك العقل الجمعي أنه هراء وتافه. هل سيكون مثل هذا الفيلم قابلاً للدفاع عنه؟
لنتذكر أنه في ظروف لا يوجد فيها معيار لإيجاد الأفضلية بين عملين فنيين (الفيلم هنا)، فإن حضور ناقد مدافع عن الفيلم هو نقض للغرض! إلا في حالة واحدة، وهي أن يدّعي الناقد أنه يريد أن يسمع الجميع أن كل ما يُطبع على الشريط السلبي هو فيلم جيد!! لننتبه أنه في ظروف غياب المعيار، فإن تشكيل جلسة نقد ومراجعة وحضور النقاد، مؤيدين ومعارضين، لا معنى له أساساً، وبهذا يكون حضور الناقد المعارض للفيلم أيضاً، مثل الناقد المؤيد، نقضاً للغرض. كما ننتبه إلى أن هذا النقاش يمكن طرحه بشكل مماثل على مستويات مختلفة، على هذا النحو: ما هو معيار كون الشيء فيلماً؟ ما هو معيار كونه فيلماً سينمائياً؟ ما هو معيار كونه فيلماً سينمائياً جيداً؟ هل إذا لمس طفل زر التسجيل في الكاميرا عن طريق الخطأ واشتغلت الكاميرا وصورت فيلماً، يمكن الادعاء بأن هذا الفيلم فيلم جيد؟
كما ينبغي أن نعلم أن قيمة وأهمية نقاش كهذا ليست مرهونة بتقديم تعريف جامع مانع للفيلم. لنستعر هذه النقطة من فلسفة فتغنشتاين القائلة بأنه لا ضرورة أساساً لتعريف كل شيء! ماذا يعني هذا؟ باختصار، يتمحور نقاش فتغنشتاين حول مصطلح "اللعبة". إنه يبيّن أنه من المستحيل عملياً تقديم تعريف محدد لهذه الكلمة (اللعبة) وتحديد حدود وقواعد كلية لها بحيث تشمل لعب طفل عمره ستة أشهر بالكرة، والغميضة، وكرة القدم... إلخ. هناك سلسلة من التشابهات العائلية بين هذه الأشياء هي التي تحدد لنا معنى اللعبة. لذا، لن نقلق من أننا قد لا نستطيع الوصول إلى تعريف مشترك للفيلم والفيلم السينمائي. كلنا لدينا صورة وتصور عام عن الفيلم.
رغم أن الاحتمال ضعيف، إلا أنه قد يعتبر البعض منا الفيلمَ الذي صوره طفل بالصدفة فيلماً، لكن من المستبعد أن ندّعي أن هذا الفيلم الذي مدته عشر دقائق هو فيلم سينمائي. وبالمثل، من المستبعد أن ينكر أي منا أن "عن إيلي" هو أساساً فيلم سينمائي. وماذا عن "شيرين" لكيارستمي؟ هل هو فيلم سينمائي؟ وماذا عن "المخمل الأزرق" للينش؟ دعنا نتجاوز هذا، هل يمكن لفيلم مدته عشر دقائق لوودي آلن أن يُعتبر فيلماً سينمائياً؟ هل بمجرد أن وودي آلن هو من صنع هذا الفيلم يمكن اعتباره فيلماً سينمائياً؟ ما هو معيارنا في هذا الخضم؟
الإجابة عن هذا السؤال، الذي يتطلب امتلاك معلومات وفهم سينمائي واسع، تقع على عاتق النقاد والمتخصصين في مجال السينما الذين يمكنهم، حسب الحاجة، الاستعانة بأهل الفلسفة أيضاً. النقاد والمتخصصون في مجال السينما هم القادرون على تقديم نقاش إيجابي حول المعايير، وتوظيف أمثلة متنوعة ومختلفة من أفلام متباينة في تاريخ السينما، ليبينوا ما الذي يمكن اعتباره معياراً في هذا السياق. حينها يجب الإمساك بالقلم وطرح الآراء والنظريات والأمثلة النقيضة المختلفة في مواجهة بعضها البعض، وتسليط الضوء على أبعاد الموضوع. وهو أمر لا يندرج ضمن هدف هذه المقالة، ولا هو في وسعها. ومع ذلك، وعلى أمل أن يكون فاتحة لكتابة مقالات من قبل أساتذة في حقل السينما، فقد عزمت على أن أقدم، على سبيل المثال، معياراً في هذا الشأن، رغم إدراكي لأوجه القصور فيه.
برأي كاتب هذه السطور، يمكن أن يكون أحد نماذج الإجابة المحتملة عن سؤال ما المعيار؟ هو كيفية نظرة ونهج المجتمع السينمائي. بمعنى أن النظرات السائدة والمهيمنة في السينما هي التي تحدد ما هو الفيلم السينمائي وما ليس كذلك. على أية حال، فإن طريقة تعاملنا، مثلاً، مع "شيرين" لكيارستمي والصور التي يلتقطها طفل لوجوه أفراد العائلة، مختلفة! ما يُتخذ معياراً وملاكاً في هذا الشأن هو طريقة تعامل التقليد وجسم المجتمع السينمائي مع العمل. لكن هذا لا يعني البتة انعدام المعيار. إن القواعد الحاكمة على المجالات والأنواع والأساليب السينمائية هي التي تضطلع، في هذا السياق، بدور الدليل كمعيار، وهذه القواعد، رغم كونها اصطلاحية وقد تشهد تغيرات على مر الزمن، حاضرة وتشكل الركن المتين للأنشطة السينمائية. إن غياب هذه القواعد المتغيرة أحياناً هو ما سيؤدي إلى فوضى عارمة. فحيث لا توجد قاعدة، لا يكون لعدم اتباع القاعدة معنى. بعبارة أخرى، هذه المرة في مجال السينما، إن الدفاع عن عمل والسعي لإظهار نقاط ضعفه وقوته مرهون بتقديم واختيار معيار بغرض مقارنة العمل به (وهنا القواعد السينمائية السائدة). لماذا؟ لأنه بخلاف ذلك كل ما يفعله ذلك الكسرى (المخرج) يكون حُلواً!
لتوضيح المسألة، سأستعين مجدداً بفلسفة فيتغنشتاين. يقدم فيتغنشتاين في كتابه بحوث فلسفية حجة بعنوان استحالة اللغة الخاصة، والتي لا يتسنى فهمها بدقة أكبر إلا في سياق مكونات فلسفته الأخرى؛ لا سيما نقده للتعريف الإشاري وتقديمه لاستعمال الكلمة بوصفه معناها (في أغلب الحالات طبعاً). لا يتسع المجال هنا للخوض في هذه المطالب، لكن يمكن تلخيص دعواه على النحو التالي: لا يمكن أن يوجد شيء اسمه لغة خاصة، يبتكرها ويفهمها ويستعملها شخص واحد فقط، ولا يقدر أحد غيره على ذلك. لأن معرفة استعمال كلمة ما (الذي هو عين معرفة معناها) تعني: التمكن من استعمالها الصحيح، وبالتالي تعني: معرفة تمييز الاستعمال الصحيح من الخاطئ والقدرة على الاستعمال الصحيح للكلمة. ولكن من أين لنا أن نعرف صحة الاستعمال نفسها؟ - من مطابقتها للقواعد الموجودة والسارية في اللغة. ثمة قواعد محددة ومعينة في اللغة نسميها غرامر اللغة، ولا يتيسر لنا التفاعل مع الآخرين عبر اللغة إلا من خلال الإلمام بالغرامر واستعماله الصحيح. وإلا، فحتى لو نطقنا بشيء، فلن يفهمه أحد. لكن النقطة المحورية هنا هي أن الاتباع الخاص لهذه القواعد لا معنى له، لأنه في هذه الحال لا فرق بين من يتبع القاعدة ومن يظن أنه يتبع القاعدة! علماً أن استحالة اتباع القاعدة هذه هي استحالة منطقية، بمعنى أنه، للأسباب المذكورة آنفاً، لن تتوفر للشخص منطقياً إمكانية اتباع القاعدة (وليس الأمر أنه لا يستطيع تذكر هذا التمييز مثلاً)، لأنه في هذه الوضعية، لن يكون هناك تمييز بين اتباع القاعدة وعدم اتباعها أصلاً! وعلى هذا الأساس، فإن اللغة هي أمر عمومي في الأساس، والدخول فيها والإقدام على الكلام وتبادل الآراء بواسطتها (أي ما يفعله الناقد تحديداً) يخضع لقواعد وأحكام ذات طابع عمومي، وتجاوزها هو بمثابة ولوج عرين اللامعنى! إنصافاً، هذه المسألة من النقاط التي يتطلب الإلمام بها في فلسفة فيتغنشتاين وقتاً أطول بكثير من هذا. لذا، إذا لم تستطيعوا أن تتابعوا خطوة بخطوة حتى هنا، فاقبلوا منا هذا المطلب إجمالاً، وهو أن الاتباع الخاص للقاعدة مستحيل. والآن، ابحثوا عن نظير لهذا الأمر في السينما. هل يمكن نقد الأعمال السينمائية إن لم يكن هناك معيار لتمييز الصنع الصحيح والسليم من الصنع الخاطئ وغير السليم؟ قد يدعي أحدهم أن المخرج يصنع كل ما يريده ويراه صحيحاً ثم يعرضه، وقد تصيب شظايا أثره بعض الناس وتجذبهم. ونحن لا ننكر هذا الأمر. أي يمكن تصور مخرج يصنع فيلمه الخاص ثم يضعه في متناول الجميع عبر الإنترنت، ولكن، بمجرد أن يخطو إلى ساحة نقد العمل وتحليله ويعمل كناقد أو محلل، فستُعتبر أقواله خالية من المعنى، لأنه في نظر الآخرين لا يتبع أية قاعدة مشتركة توفر معيار الصحة والسداد وتمنح الآخرين إمكانية المقارنة والتقييم، لأنه لا توجد قاعدة في الأساس! كل ما يصنعه المخرج هو في زعمه اتباع للقاعدة، لماذا؟ لأنه يظن أن القاعدة هي كذلك! وليس هناك من يصحح خطأه! حين يكون المُشرِّع والمنفِّذ والقاضي شخصاً واحداً، فحقاً كل ما يفعله خسرو يكون حُلواً!
والآن، باختصار، إذا أردنا تطبيق ما سبق ونقد فيلم سيئ وعديم المعنى من هذا المنظور، فعلينا أن نبين أن الفيلم المذكور لا يلتزم بقواعد السينما الكلاسيكية ولا يُصنف ضمن زمرة الحداثيين! ليس واقعياً ولا سريالياً! ليس كوميدياً ولا جاداً! ليس عبثياً ولا محاكاة ساخرة! ليس موسيقياً ولا ملحمياً ولا ميلودرامياً ولا نفسياً ولا... هذا الفيلم ليس قريباً حتى من أي تقليد من تقاليد السينما. وبناءً على ذلك، وكما أشرنا، فرغم أنه لا يمكن منع إنتاج وتوزيع مثل هذه الأفلام، فإن أي حديث عنها أو دفاع عنها محكوم عليه باللامعنى والفشل! ولننتبه إلى أنه إذا أراد مخرج أن يصنع مثل هذه الأفلام، فمن غير الأخلاقي قطعاً أن يضلل منتجاً سينمائياً يسعى أيضاً وراء مصالحه الاقتصادية، وأن يبدد رأس ماله دون علمه تحت عنوان تقديم عمل جديد وخلاق! أقل شرط لتقديم عمل جديد وخلاق هو القرب من القواعد الحاكمة والمهيمنة على المجتمع السينمائي. هذا "القرب" من تقليد سينمائي هو منبع الإبداعات والابتكارات، وهو نقطة مهمة سأشير إليها الآن.
قد يُعترض بأن هناك تيارات في تاريخ السينما تصدت لقواعد السينما السائدة وهي الآن قد رسخت مكانتها. هذه نقطة صحيحة، ولكن لننتبه إلى أن عدم اتباع القواعد السائدة في السينما يكتسب معناه بشكل تدريجي ومن خلال الطرق على حدود السينما الحاكمة والمهيمنة. بهذا المعنى، فإن صنع فيلم لا يلتزم بأي من القواعد الحاكمة للأفلام السينمائية لا معنى له، كفيلم لا صوت فيه سليماً (وفقاً لقواعد تسجيل الصوت التي تُعتبر صحيحة الآن) ولا إضاءة وتصويراً سليمين ولا يتمتع بقصة و... هذا هو ذاته ضرورة القرب من القواعد الحاكمة الذي أشرنا إليه أعلاه. بهذا المعنى، يبتعد المخرجون الطليعيون خطوة خطوة وبهدوء عن تيار السينما السائد حتى يتمكنوا مع مرور الزمن من تشكيل تقليدهم السينمائي الخاص، وهذا التقليد يمكنه تدريجياً وعلى مر السنين أن يبتعد كثيراً عن التيار السينمائي الرئيسي الذي تفرع منه أصلاً. الآن، هل يمكن التحاور وتبادل الآراء مع تقليد كهذا؟ هل فهم مدعيات من يتعلقون بوجهة نظر كهذه أمر ممكن؟ وبالعكس كذلك، هل يمكن لمن ابتعدوا الآن إلى هذا الحد عن التيار الرئيسي للسينما السائدة أن يفهموا كلام من ينظرون إلى المسائل من منظور مختلف عنهم؟ باختصار، هل الحوار بين تيارين يبدو أن بينهما مسافة شاسعة أمر مقدور عليه؟
النقطة التي تكتسب أهمية في هذا السياق هي أن الوقوع في نهاية مسار كهذا لا يعني انغلاق باب النقاش والنقد. إذا كنا نبحث عن إجابة لمباحثاتنا، فما ينبغي فعله هو العودة إلى الخطوط الرئيسية والنقاط المشتركة. من المؤكد أن جدولين تفرعا من نهر غزير المياه وابتعدا كثيراً عن بعضهما خلال المسير، لا تكون بينهما في نهاية المسار نقاط مشتركة قابلة للنقاش، لكن بالعودة إلى منبع الاختلافات والتوجهات يمكنهما على الأقل أن يوضحا النقاش إلى حد ما. فعلى سبيل المثال، عندما يُراد نقد فيلم، فإن تقابل نقاد ينتمي أحدهم إلى السينما الكلاسيكية، ويفضل آخر رؤى السينما الحديثة والموجة الجديدة الفرنسية، ويتخذ ثالث تعاليم برتولت بريشت رأس حربة لنقده، يبدو للوهلة الأولى عقيم النتيجة. وهو أمر حدث مراراً وتكراراً في المناقشات بين النقاد، والمثير أن النقاد أنفسهم، دون أن يلقوا نظرة إلى ما وراءهم، ينصرفون عن متابعتها بعد قليل من الجدل والتصارع مع آراء بعضهم البعض.
لكن يبدو أن طرح أسئلة تأسيسية (foundational) يمكنه على الأقل أن يبرر الميل نحو تيار معين. لنفترض أننا أوصلنا النقد إلى نقطة تُطرح فيها أسئلة كهذه: ما الهدف من صنع فيلم؟ أي فيلم يُعرف بأنه فيلم جيد؟ ولماذا؟ ولنمسك بخيط المسبحة نفسه ونسحبه حتى نصل إلى: ما هو الجميل؟ وما معيار الجمال؟ هل الجمال أمر موضوعي أم ذاتي؟ هل يمكن الادعاء بأن لوحة تصور وردة حمراء جميلة بقدر لوحة تصور روث حيوان؟ بالتأكيد، الإجابة عن مثل هذه الأسئلة تخرج عن نطاق هذا النقاش، وبالطبع لا يمتلك الكاتب الكفاءة الكافية للخوض فيها. لكن الإجابة عن أسئلة من هذا القبيل تحدد موقف الكثيرين ممن يتخبطون بين آراء طرفي النقد المتضاربة والمتناقضة، ومن الضروري التذكير بأن من حق المتلقي أن يعرف المقاربة الكلية للناقد تجاه أمور عامة كالهدف من خلق عمل فني، أو معيار اعتبار عمل ما جميلاً، أو على صعيد آخر، طبيعة نظرته إلى السينما بوصفها مجرد ترفيه أو... لننتبه إلى أن كثيراً من هذه الأسئلة قد لا يكون لها إجابة واضحة ومحددة بحيث تقنع كل سائل وتدفعه نحو اتجاه معين، لكن توضيح أبعاد المسألة يمكنه أن يحدد ميلنا نحو كل اتجاه. فعلى سبيل المثال، من يدّعي أن لوحة روث الحيوان جميلة بقدر لوحة الوردة الحمراء، لديه بالتأكيد مقاربة فلسفية للجمال مختلفة عن ذاك الذي يدّعي: "حسناً، من الواضح أن الوردة الحمراء جميلة". ومن حق المتلقي أن يعرف موقف كل ناقد، وأن يتمكن من اختيار أحد هذين الموقفين.
لكن ما أوصلنا إلى هنا هو النقاش الذي أثرناه حول إمكانية تبادل الآراء والحوار بين النقاد. لقد حاولنا أن نبين كيف يمكن مواجهة الادعاء القائل: "أنا أفكر ضمن النموذج أ وأنت ضمن النموذج ب، إذن طريق الحوار مسدود". والآن نتابع الأمر على هذا النحو: الادعاء أعلاه يتضمن ضمناً فكرة أنني إذن، بناءً على معاييري الخاصة، أحب هذا الفيلم وأنت العكس. وبناءً على هذا، فإن طريق الحوار والنقاش مسدود! وبهذا الشكل، لا يوجد معيار أساساً، وبالتالي يمكن لأي هراء أن يكون فيلماً! لكن هذا بمثابة انتحار عقلي! هل يوجد نقاد مستعدون للرضوخ لمثل هذا الادعاء؟
نقطة أخرى، ألا وهي ألا ننسى أن إمكانية الحوار لا تتيسر إلا إذا كان لدى طرفي النقاش فهم (ولو بالحد الأدنى) لمفاهيم ونظريات الطرف الآخر. وإلا، وكما أشرنا، فلا توجد حتى إمكانية للدفاع عن مثل هذه النسبوية. وإذا قبلنا بفهم (ولو بالحد الأدنى)، فهنا بالضبط تبدأ نقطة انطلاق البحث والحوار.
مع هذه الأوصاف، يُتوقع من النقاد المحترمين الذين يخوضون غمار النقد أن:
من بين هذه الأمور، أهمها وأصعبها وأكثرها غموضاً في آنٍ واحد، هو الأمر الأول، الذي يُعد الخوض فيه، رغم صعوبته، بالغ الأهمية وواجباً على كل ناقد ملتزم. في الأمر الثاني، يُفترض في الحقيقة أن أساساً فلسفياً (أي إمكانية البحث والحوار) مقبول من الطرفين. أما النقطة الثالثة فهي تذكير منهجي حول أسلوب إدارة المباحثة والحوار، والالتزام به واجب على كل ناقد ملتزم بالأخلاق.
في الختام، تعريف بمصادر لمطالعة المهتمين:
1) فلسفة الفنون، غوردون غراهام، ترجمة مسعود عليا، نشر ققنوس
2) ما هو الفن، هربرت ريد، ترجمة نجف دريابندري، انتشارات علمي وفرهنكي
3) مبانی فلسفۀ هنر، آن شپرد، ترجمه علی رامین، انتشارات علمی و فرهنگی
4) حقیقت و زیبایی، بابک احمدی، نشر مرکز
5) معنی زیبایی، اریک نیوتن، ترجمه پرویز مرزبان، انتشارات علمی و فرهنگی
6) تاریخ و مسائل زیباشناسی، جان هاسپرس، مونرو بیردزلی، ترجمه محمد سعید حنایی کاشانی، انتشارات هرمس
.
.
.
.
الفن
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.