اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
بناء ذكاء اصطناعي بشريّ مستحيلٌ قبليّاً؛ فالإنسان يمتلك مجالاً معيارياً متعالياً لا يقبل الصورةنة، ولا يكتسب الذكاء معناه إلا على خلفية التناهي والفناء، والتعريفات الشائعة له قاصرة.

الذكاء، والفناء، ومسألة ماركس-بوذا في فلسفة الذكاء الاصطناعي
بِعثة علمي
في هذه المقالة، وبعد تحليل المفهومين المحوريين «الذكاء» و«حلّ المسألة» في فلسفة الذكاء الاصطناعي، سأحاجج بأن (بناء) ذكاء اصطناعي شبيه بالإنسان مستحيلٌ على نحوٍ قبلي، بمعنى أن الإنسان يمتلك في جوهره ساحةً معياريةً متعاليةً لا يمكن صياغتها صورياً البتة، مهما بلغ التقدم في بناء العتاد الصلب أو حتى في اكتشاف خوارزميات الذهن.
منذ البداية الأولى لمشروع بناء الذكاء الاصطناعي الشبيه بالإنسان[1]، ثمة افتراض مسبق إبستمولوجي ظل أساساً لجميع أبحاث وابتكارات علماء هذا الحقل: وهو «الاعتقاد بأن كل ما هو ضروري لـ[محاكاة] الذكاء الإنساني يمكن صياغته صورياً[2]» (Hubert Dreyfus, 1974: 23). هذا الاعتقاد بأن جميع وظائف الوعي الإنساني وحالاته وخصائصه[3]، بما فيها الذكاء والعاطفة والإرادة والرغبات...إلخ، يمكن ترجمتها في نهاية المطاف إلى لغة صورية من قواعد نحوية ومحاسبات رياضية محضة، لا يزال يمثل المحرك النظري لمشروع الذكاء الاصطناعي. في المقابل، يعتقد بعض الفلاسفة —ومنهم هيوبرت دريفوس نفسه في السنوات الأولى لمشروع الذكاء الاصطناعي في سبعينيات القرن الماضي في أمريكا— أن إعادة إنتاج الوعي الإنساني وخصائصه في قالب صوري محض أمر مستحيل من الأساس. جون سيرل، على سبيل المثال، (لا يزال) يعتقد أنه لا يمكن لأي برنامج حاسوبي أن يكون ذهناً بشرياً على الإطلاق لأن «البرنامج الحاسوبي نحويٌّ فحسب، و[بينما] الأذهان أكثر من [قواعد] نحوية. الأذهان دلالية، بمعنى أن لديها أكثر من بنية صورية، إنها تتمتع بمحتوى [دلالي]» (John Searle, 1983: 671).
إن نزاعات كهذه بين علماء الذكاء الاصطناعي والفلاسفة حول إمكانية تحقق الذكاء الاصطناعي الشبيه بالإنسان تنطوي على عواقب مصيرية للفلسفة نفسها. وكما يشير دريفوس، فإن ما يُوضع على محك الاختبار التجريبي في مشروع الذكاء الاصطناعي هو التصور الراسخ لدى العديد من الفلاسفة العقلانيين للإنسان «بصفته [موجوداً] عقلانياً في جوهره —و[كون] العقلانية نفسها محاسبةً في الأساس—» (Hubert Dreyfus, 1974: 23). بعبارة أفضل، إذا ما تكلل مشروع الذكاء الاصطناعي الشبيه بالإنسان بالنجاح —بحيث يصبح من المستحيل عملياً، وفقاً لاختبار تورنغ، تمييز الفاعل البشري من الذكاء الاصطناعي—، حينئذ يمكن الاستنتاج بأن التصور العام للفلاسفة العقلانيين للإنسان بصفته موجوداً جوهره، في نهاية المطاف، محاسبات عقلانية ونحوية كان تصوراً صادقاً. ومن جهة أخرى، إذا ما مُني هذا المشروع بالفشل —كما كان حاله حتى الآن—، حينئذ يمكن الاستنتاج بأن التصور العام للفلاسفة المثاليين للإنسان بصفته موجوداً لا ينضبط جوهر وجوده بالمحاسبات والقواعد الرياضية والنحوية هو التصور الصادق؛ فالمسألة إذن، في نهاية المطاف، صراع بين سبينوزا ونيتشه، ولايبنتس وماكس شيلر، وديكارت وشوبنهاور...إلخ.
في هذه المقالة، وبعد تحليل المفهومين المحوريين «الذكاء» و«حلّ المسألة» في فلسفة الذكاء الاصطناعي، سأحاجج بأن (بناء) ذكاء اصطناعي شبيه بالإنسان مستحيلٌ على نحوٍ قبلي، بمعنى أن الإنسان يمتلك في جوهره ساحةً معياريةً متعاليةً لا يمكن صياغتها صورياً البتة، مهما بلغ التقدم في بناء العتاد الصلب أو حتى في اكتشاف خوارزميات اتخاذ القرار الذهنية.
إن التعريفات التي اتخذها باحثو الذكاء الاصطناعي أساساً لأعمالهم عن «الذكاء» قاصرةٌ أشد القصور، بمعنى أنها غالباً ما تُغفل متغيراً جوهرياً يُشكّل مفهوم «الذكاء». جمع شين ليغ وماركوس هوتر في مقالةٍ لهما 72 تعريفاً لـ «الذكاء» كانت في فترةٍ ما أساساً لأعمال علماء الذكاء الاصطناعي. من أهمها: ««الذكاء هو القدرة على حل المسائل، أو إنتاج منتجاتٍ تُعتبر ذات قيمةٍ في نطاق ثقافةٍ واحدةٍ أو أكثر.» هوارد غاردنر» (Legg and Hutter, 2007: 5).؛ ««القدرة على حل المسائل الصعبة» مارفن مينسكي» (Legg and Hutter, 2007: 8) ؛ ««القدرة على التكيف مع المواقف الجديدة نسبياً في الحياة» ر. بينتر» (Legg and Hutter, 2007: 6)؛ ««الذكاء هو القدرة على استخدام الموارد المثلى المحدودة – بما فيها الزمن – لبلوغ الأهداف.» راي كيرزويل» (Legg and Hutter, 2007: 8) و...
إن مثل هذه التعريفات قاصرةٌ لثلاثة أسباب: 1) لا يحلل أيٌّ من هذه التعريفات الـ 72 مفهوم «الذكاء» وصولاً إلى حدوده القصوى، أي إلى مفاهيمه الفرعية[4] غير القابلة للتحليل (لا يتتبعها)؛ فمفهوم «حل المسألة» نفسه، على سبيل المثال، يمكن ردّه إلى القدرة على إيجاد علاقاتٍ بين أنواع المتغيرات. 2) إن تعريف «الذكاء» في قالب «حل المسألة»، و«إيجاد الحل»، و«التكيف» و... يضيّق نطاق تطبيق مفهوم «الذكاء»؛ فأي «مسألة» تحديداً يسعى الملحن العبقري إلى حلّها عند تأليفه مقطوعةً موسيقية؟ وإلى أي «موقف» يسعى الفنان إلى «التكيف» معه أثناء إبداعه الفني؟ 3) لا يُراعي أيٌّ من هذه التعريفات – باستثناء تعريفي كيرزويل، ولينات وفيغنباوم اللذين يعانيان بدورهما من المشكلتين 1) و2) – متغير الزمن، في حين أن الزمن يُشكل بطريقةٍ ما عنصراً جوهرانياً في بناء مفهوم «الذكاء»: فبمعنىً من المعاني، كل ما يُميّز عبقرياً في الرياضيات عن شخصٍ عادي هو القدرة على حل مسألةٍ رياضيةٍ بسرعةٍ أكبر.
وهكذا، تنكشف صلةٌ جوهرانية بين مفهوم «الذكاء» وزمانية (فناء) الكائن العضوي الذكي. بعبارةٍ أخرى، لا يكتسب «الذكاء» موضوعيته إلا في عالمٍ به بشرٌ فانون؛ أما في عالمٍ به بشرٌ خالدون، لما كان لـ «الذكاء» قيمته ومدخليته الراهنتان، لأن أعقد المسائل البشرية كانت ستُحل في نهاية المطاف بعد بضعة ملايين من السنين، أو كان سيتبين استحالة حلّها. في عالمٍ كهذا، لا يوجد أي إكراهٍ على حل مسألةٍ بسرعة، بل يمكن حتى التكهن بأنه في عالمٍ كهذا، لما نشأت «مسألة» من الأساس.
قدم دوغلاس ر. هوفستاتر[5]، الفيزيائي الأمريكي الذي أجرى أبحاثاً أساسيةً بينية التخصصات في مجال الذكاء الاصطناعي والوعي، تعريفاً لـ «الذكاء» لا يعاني أياً من أوجه القصور 1) و2) و3)، وهو، في رأي الكاتب، يُمسك بمفهوم «الذكاء» في أكثر وجوهه تهذيباً ودقة: «الذكاء هو قدرة الكائن العضوي (بما في ذلك الإنسان) على إدراك الهوية (أو الشبه) بين متغيرين (أو أكثر) (صوتيين، بصريين، حسيين و...) في أقل زمنٍ ممكن».[6]
والآن، النقطة هي أن هذا التعريف ستترتب عليه نتيجةٌ فلسفيةٌ قاتلة لمشروع الذكاء الاصطناعي الشبيه بالإنسان، وذلك على النحو التالي:
«الذكاء هو قدرة الكائن العضوي (بما في ذلك الإنسان) على إدراك الهوية (أو الشبه) بين متغيرين (أو أكثر) (صوتيين، بصريين، حسيين و...) في أقل زمنٍ ممكن».
إن السرعة في إدراك الهويات مهمةٌ للكائن العضوي البشري فقط لأن البشر واعون بزمانيتهم وموتهم – في عالمٍ به بشرٌ خالدون، لن يكون هناك فرقٌ جوهري بين أينشتاين وشخصٍ عادي.
لذا، فإن صميم مفهوم «الذكاء» البشري يكتسب معناه وقيمته حصراً على خلفية التناهي، وفي النهاية، موت الإنسان.
إذن، سيكون من الضروري للذكاء الاصطناعي الشبيه بالإنسان أن تكون لديه صورةٌ عن موته.
ونتيجة لذلك، يجب أن يكون الموت «مشكلة» بالنسبة للذكاء الاصطناعي الشبيه بالإنسان! — تمامًا كما هو «مشكلة» بالنسبة لنا نحن البشر، بل أهم «مشكلة» على الإطلاق.
إن مثل هذه النتيجة تكون وخيمة في البداية لأنها تخلخل التصور الشائع عن الذكاء الاصطناعي الشبيه بالإنسان بوصفه كيانًا ذكيًا وفي الوقت نفسه مجردًا ومستقلًا عن الخصائص (أوجه القصور) الجسدية للإنسان[7]. ليس التجسّد[8] فحسب، بل إن الوعي بالمصير المحتوم لـ«الجسد» هو أيضًا شرط ضروري لخلق ذكاء اصطناعي شبيه بالإنسان. والحاصل أنه لا يمكن للمرء أن يكون ذكيًا دون قلق الموت!
يمكن لعالم الذكاء الاصطناعي أن يجيب قائلًا: «حتى لو كان الأمر كذلك، فلا مشكلة؛ يمكن إدراج هذا الخوف من الموت والوعي بالتناهي الزمني في برمجة الذكاء الاصطناعي المذكور؛ فمن السهل أن نجعل من الموت «مشكلة» بالنسبة للذكاء الاصطناعي الشبيه بالإنسان.»
وهنا نصطدم بمشكلة فلسفية أكثر تعقيدًا: بأي طريقة بالضبط سيسعى الذكاء الاصطناعي الشبيه بالإنسان إلى حل أو حتى التعايش مع هذه «المشكلة» (الموت)؟
في الأساس، ليس فقط في التعامل مع الموت، بل في مواجهة أي «مشكلة» أخرى، يحل الإنسان المشكلات على نحوين. إن تطبيق هذه الثنائية على خوارزميات اتخاذ القرار لدى الذكاء الاصطناعي الشبيه بالإنسان يخلق معضلة فلسفية أطلقت عليها اسم «مسألة ماركس-بوذا».
يجب الانتباه أولًا إلى أنه يمكن تصور ثلاثة أنواع أساسية من «المشكلات»[9] الإنسانية:
أ) مشكلات مفاهيمية-منطقية-رياضية يكون وجودها مستقلاً عن الرغبات والمخاوف الإنسانية.
ب) مشكلات عملية لا تنشأ إلا عندما تصطدم رغبة ذاتية إنسانية بعائق موضوعي في العالم الخارجي. مثلًا، شخص يريد أن يحضر بعد دقائق قليلة حفلًا مهمًا للغاية لكن ليس لديه أي ملابس نظيفة ومكوية (المشكلات الفيزيولوجية مثل الحكة، أو الألم، أو المرض يمكن اعتبارها أيضًا من هذا النوع من المشكلات).
ج) مشكلات معيارية لا تنشأ إلا عندما تتصادم رغبتان متضادتان أو أكثر لدى إنسان واحد (أو رغبتان متضادتان لدى إنسانين). مثلًا، شخص يحب زوجته وفي الوقت نفسه يسعى لكسب ود امرأة أخرى، وهذا الصراع الداخلي بين رغباته يخلق له مشكلة معيارية حادة.
الآن، من البديهي أن الذكاء الاصطناعي الشبيه بالإنسان لن يواجه أي مشكلة على الإطلاق في حل المشكلات من النوع (أ)، لكن حل المشكلات من النوع (ب) سيكون إشكاليًا.
بما أن «المشكلات العملية»، بحكم تعريفها، ناشئة عن تصادم متغيرين (الرغبة الإنسانية والعائق الموضوعي)، فإن حلها يتحقق منطقيًا أيضًا بطريقتين: إما أن تزول الرغبة الإنسانية (أو تغير اتجاهها) وإما أن يُزال العائق الخارجي. نحن البشر في الحياة، وبحكم الفيزيولوجيا، والتنشئة الاجتماعية، وطبيعة المشكلة نفسها، والأهم من ذلك مسلكنا أو فلسفتنا في الحياة، نحل دائمًا المشكلة العملية بإحدى هاتين الطريقتين.
والسؤال الرئيسي الآن هو: ما الطريقة التي سيستخدمها الذكاء الاصطناعي الشبيه بالإنسان، بافتراض إمكانية تحققه، لحل المشكلات من النوع (ب)؟ والأهم من ذلك، ما الطريقة التي ينبغي عليه استخدامها؟
لنأخذ مثال المشكلة من النوع (ب): بافتراض أنه في الظروف المذكورة يمكن حضور الحفل بنفس الملابس غير المكوية، ويمكن أيضًا التوجه فورًا لشراء طقم ملابس جديد، بأي طريقة سيحل الذكاء الاصطناعي الشبيه بالإنسان المشكلة؟
هل سيكون في تلك اللحظة بوذا، مؤمنًا بأن «نحن ما نفكر فيه. كل ما نحن عليه ينبع من أفكارنا. بأفكارنا نبني العالم [لأنفسنا]»، فيحل «المشكلة» ذهنيًا بإزالة رغبته الإنسانية (في أن يُرى بمظهر أنيق)؟ — هل سيظهر في الحفل بنفس الملابس غير المكوية؟
هل سيكون ماركس في تلك اللحظة، وباعتقاده أن «الفلاسفة لم يفعلوا سوى تفسير العالم بأشكال مختلفة، لكن المهمة هي تغييره»، فيحل «المسألة» بإزالة العائق الموضوعي (شراء ملابس جديدة)؟
في معالجة هذه المعضلة، يمكن برمجة الذكاء الاصطناعي منذ البداية ليكون «ماركسياً» بالكامل. لكن كائناً ذكياً كهذا سيكون شديد الخطورة. تصوروا لو مُنع هذا الذكاء الاصطناعي من دخول مكان ما لأي سبب، فماذا سيرتكب من أجل «حل المسألة»! والأهم أن برمجة كهذه ستجعل الذكاء الاصطناعي المذكور عاجزاً ومضطرباً في مواجهة الموت، الذي لا يمكن حله أساساً بطريقة موضوعية على الإطلاق — وقد رأينا سابقاً أن الموت يجب أن يُطرح بوصفه «مسألة» بالنسبة للذكاء الاصطناعي.
من جهة أخرى، يمكن برمجة الذكاء الاصطناعي المذكور منذ البداية ليكون «بوذياً» بالكامل. لكن بالنسبة لكائن ذكي كهذا، لن تبقى هناك مسألة تستحق الحل! لأنه، مثل بوذا نفسه، سيحل جميع المسائل بإخماد رغباته (بطريقة ذاتية). تصوروا لو أراد أحدهم مهاجمته بقصد القتل، فهل سيدافع عن نفسه؟ ولماذا يدافع عن نفسه بينما «مسألة الموت» قد حُلَّت بالنسبة له مسبقاً بإزالة الرغبة في الحياة؟ خلاصة القول، إن ذكاءً اصطناعياً بشرياً بوذياً كهذا لن يعير «مسائل» عالمنا البشري أي اهتمام.
في النهاية، ما يبدو أكثر عقلانية هو أن نبرمج الذكاء الاصطناعي المنشود ليكون «بوذياً» إلى حد ما و«ماركسياً» إلى حد ما. هذا الحل سيؤدي بدوره إلى معضلة أخرى، لأنه لتحقيق ذلك علينا إما أن نبث في روح الذكاء الاصطناعي مقداراً متساوياً من كلا الدافعين «الماركسي» و«البوذي»، أو أن نفضّل أحد الدافعين على الآخر بدرجات. الحل الأول لن يؤدي إلى فعل، لأن تجاذب دافعين متساويين في القوة باتجاهين متعاكسين سيؤدي إلى توازن القوى وبالتالي إلى السكون (اللافعل). ونتيجة لذلك، لا مناص من تفضيل أحد الدافعين على الآخر في البرمجة (مثلاً، أن يتصرف الذكاء الاصطناعي بطريقة «بوذية» في 56% من الحالات وبطريقة «ماركسية» في 44% من الحالات الأخرى، أو العكس). لكن إجراءً كهذا سيضع أمامنا، نحن البشر مصممي الذكاء الاصطناعي، سؤالاً فلسفياً معيارياً، سؤالاً هو، بمعنى ما، سؤال عن «معنى الحياة» بالنسبة لنا نحن البشر أيضاً، ألا وهو:
كيف نعرف نحن، مصممي هذا الذكاء الاصطناعي البشري، (وبناءً على أي استدلال) أي من هذه الدوافع أو الخوارزميات لحل مسائل النوع (ب) ينبغي أن نفضّله على الآخر (أثناء البرمجة)؟ كيف نعرف، مثلاً، أن العيش بطريقة «ماركسية» في 65% من الأوقات وبطريقة «بوذية» في 35% فقط من الأوقات هو أفضل، أو أصح، أو أصدق (؟!) من عيش تُحل فيه المسائل بطريقة «بوذية» في 73% من الحالات وبطريقة «ماركسية» في 27% من الحالات؟ باختصار، من أين لنا أن نعرف أي الطريقين هو السبيل القويم للعيش الذي يليق بإنسان ذكي؟
وهكذا، فإن مسألة أي أسلوب سيعتمده الذكاء الاصطناعي البشري في حل مسائل النوع (ب) تتحول بالنسبة لنا نحن البشر والعلماء إلى مسألة من النوع (ج) (معيارية)، مسألة ناشئة عن تصادم نوعين من الرغبات المتضادة في كيان الإنسان و — وهذه هي أهم خلاصة لهذا النص — إلى أن نتمكن من إعادة إنتاج هذه المسألة الخاصة من النوع (ج)، هذه الأبوريا، داخل الذكاء الاصطناعي البشري نفسه، يمكن القول إن الذكاء الاصطناعي المذكور لم يصبح بعد «بشرياً» بكل ما تحمله الكلمة من معنى. ما لم يعش الذكاء الاصطناعي، مثلنا نحن البشر تماماً، في خضم السؤال عن «معنى العيش»، فلن يكون إنساناً.
لكن معضلة أخرى تظهر أمامنا مرة أخرى في قالب مفارقة[10]: لكي نمنح الذكاء الاصطناعي المذكور إمكانية السؤال عن «السبيل القويم» للحياة، علينا أن نضع مسبقاً «السبيل القويم» للحياة (أي أن يكون «ماركسياً» أكثر منه «بوذياً» أو العكس) في برمجته — وإلا فلن يُظهر أي فعل على الإطلاق!
هذا هو ذلك «المجال المعياري المتعالي» الخاص بالإنسان الذي، كما جادلتُ، لن يخضع أبدًا، في اعتقادي، لضبط وإحكام الحسابات الصورية لذكاء اصطناعي.
.
.
References
Dreyfus, Hubert. (1974). “Artificial Intelligence”. The Annals of the American Academy of Political and Social Science, Vol. 412, The Information Revolution Harvard University Press. pp. 28-41 (Mar., 1974). pp. 21-23. Retrieved from: http://www.jstor.org/stable/1040396
Hofstadter, Douglas R. (2014). “Douglas Hofstadter: The Nature of Categories and Concepts”. https://www.youtube.com/watch?v=Kr3QDMkMGmQ
Legg, Shane and Hutter, Marcus. (2007). “A Collection of Definitions of Intelligence” in Frontiers in Artificial Intelligence and Applications, Vol.157, 17-24. Retrieved from: https://arxiv.org/pdf/0706.3639v1.pdf
Searle, John. (1983). “Can Computers Think?”. Minds, Brains, and Science.
.
.
[1] Human-level Artificial Intelligence
[2] Formalize
[3] Properties
[4]Sub-concept
[5] Douglas R. Hofstadter
[6] هذا تقريري الأكثر دقة لتعريف هوفستاتر، وقد ناقشته معه شخصيًا عبر البريد الإلكتروني وأقره. تعريف هوفستاتر نفسه، الذي طرحه في محاضرة بعنوان «طبيعة المقولات والمفاهيم» (“The Nature of Categories and Concepts”)، هو: «الذكاء هو التصنيف المقولي (“making analogies”) السريع، أي إيجاد التطابقات [في أقل زمن ممكن]» (Douglas Hofstadter, 2014).
[7] Abstract Intelligence
[8] Embodiment
[9] Problem
[10] Paradox
.
.
.
.
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.