اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
تواجه مساعي العلوم المعرفية لتفسير «الطبيعة البشرية» نقدًا من الفلاسفة التاريخانيين الذين يرون الإنسان كائنًا ذا تاريخ لا طبيعة ثابتة. وهذا الاعتقاد يتيح حرية تشكيل الذات دون وصاية من الفلسفة أو الدين.

عندما يقول فلاسفة مثل أورتيغا إي. غاسيت إننا، نحن البشر، نملك تاريخاً لا طبيعة، فإنهم لا يعنون بذلك أننا ألواح بيضاء (Tabula Rasa). [مثل هؤلاء الفلاسفة] لا يشكّون في أن علماء الأحياء سيكتشفون في نهاية المطاف العوامل الجينية [المساهمة] في التوحّد، والموهبة الموسيقية، والعمليات الحسابية [الرياضية] الخاطفة، وسمات أخرى كثيرة تميّز البشر بعضهم عن بعض. كما أنهم لا يشكّون في أنه خلال الفترة التي كان فيها نوعنا البشري يتطوّر في سهول أفريقيا، تمّ غربلة بعض الجينات والحفاظ على بعضها الآخر. [هؤلاء الفلاسفة] يتّفقون بسعادة مع عالم مثل ستيفن بينكر على أن الجينات المتأخّرة، بغضّ النظر عن [عملية] التثقّف، تفسّر أنواعاً كثيرة من السلوكيات المشتركة بين جميع البشر.
ما هو محلّ شكّ لدى هؤلاء الفلاسفة هو أن تحديد دور الجينات في جعلنا مختلفين عن بعضنا البعض و[أو] تتبّع قواسمنا المشتركة وصولاً إلى الاحتياجات التطوّرية لأسلافنا سيسفر عن شيء يُدعى «نظرية الطبيعة البشرية». ذلك أن نظريات من هذا القبيل ينبغي أن تكون معيارية — [بمعنى أنها] تقدّم توجيهات. [هذه النظريات] يجب أن تخبرنا ماذا نفعل بأنفسنا. يجب أن تكون قادرة على [تفسير] لماذا تكون بعض [أنماط] الحياة أفضل للبشر من أنماط أخرى، ولماذا تكون بعض المجتمعات أرقى من مجتمعات أخرى. ينبغي لنظرية في الطبيعة البشرية أن تخبرنا أيّ بشر ينبغي لنا أن نكون.
لقد ازدهرت النظريات الفلسفية والدينية حول الطبيعة البشرية لأنها تجنّبت التفاصيل التجريبية. [هذه النظريات] لم تعرّض نفسها لاحتمال الدحض بواسطة الأحداث [التجريبية]. كانت نظريات أفلاطون وأرسطو حول أجزاء النفس من هذا القبيل، وكذلك النظرية المسيحية [القائلة] بأننا جميعاً أبناء إله محبّ، ونظرية كانط بأننا مخلوقات ظاهرية تحت سيطرة الشيء في ذاته (Noumena)، وروايات هوبز وفرويد المُطَبِّعَة (Naturalizing) حول أصل الاختلاط الاجتماعي والأخلاق. مثل هذه النظريات، وعلى الرغم من كونها غير قابلة للدحض وتفتقر إلى القدرة التنبؤية، كانت مفيدة جداً — ليس لأنها قدّمت روايات كافية عمّا كان عليه البشر حقاً في جوهرهم، بل لأن هذه النظريات كانت تقدّم [للناس] مخاطر ينبغي تجنّبها ومُثُلاً عليا ينبغي خدمتها. [هذه النظريات] كانت تسوّق نصائح أخلاقية وسياسية مفيدة في غلاف طنّان وقابل للعرض.
يحاول ستيفن بينكر1 استعادة هذا القالب، ولكن بدلاً من تغليفه بتصوّر [أو مثال أعلى] للحياة الطيبة أو المجتمع الصالح، يفعل ذلك باللجوء إلى مجموعة من الحقائق التجريبية. لكن من الصعب أن ندرك كيف يمكن لتوليفة أو تراكب من تخصّصات تجريبية متنوّعة، تسمّي نفسها العلوم المعرفية، أن تخدم الأهداف التي كان الدين والفلسفة يعملان على خدمتها في الماضي. الادّعاء بأن ما كان الفلاسفة يقومون به بطريقة قبلية وغير لائقة يمكن الآن أن تقوم به العلوم المعرفية بطريقة بعدية وأكثر لياقة، سيبقى مجرّد خطاب أجوف وفارغ ما لم يكن أنصار [هذا الادّعاء] راغبين في المخاطرة. لتحقيق وعد عبارة «نظرية علمية في الطبيعة البشرية»، ينبغي لهم [علماء العلوم المعرفية] أن يبدؤوا بتقديم توصية حول كيف يمكن لنا، سواء بشكل فردي أو جماعي، أن نصبح بشراً أفضل. ثم ينبغي أن يصرّحوا بوضوح بالاستدلالات التي قادتهم من الاكتشافات التجريبية الجزئية [المحدّدة] حول جيناتنا أو أدمغتنا إلى هذه التوصيات العملية الجزئية.
إي. أو. ويلسون، وبينكر، وآخرون ممّن يعتقدون أن البيولوجيا والعلوم المعرفية يمكنها أن تضطلع على الأقل بجزء من الدور الثقافي للفلسفة، لا يميلون إلى البدء بهذا المسار [الاستدلالي]. إنهم يتذكّرون جيداً نهاية حركة تحسين النسل (Eugenics) — التي ادّعت أنها «أثبتت علمياً» أن الزواج بين الأعراق أو زيادة الهجرة سيؤدّيان إلى انحطاط ثقافي. إن تذكّر هذه السابقة القبيحة يحذّرهم من ربط هيبة تخصّصهم بنتائج التوصيات العملية. بدلاً من ذلك، يكرّرون باستمرار أننا كلّما اكتسبنا معرفة أكثر عن جيناتنا وأدمغتنا، سنحصل على فهم أفضل لما نحن عليه نحن البشر في جوهرنا.
أما بالنسبة للفلاسفة التاريخانيين مثل أورتيغا، فلا يوجد شيء اسمه ما نحن عليه [كبشر] في جوهرنا. ثمة دروس كثيرة يمكن تعلّمها من التاريخ، لكن لا يوجد درس فوقي يمكن استخلاصه من العلم أو الدين أو الفلسفة. لقد انتقلت هذه الفكرة المشؤومة القائلة بأن الفلسفة قادرة على إدراك الفرق بين الطبيعة والعرف—بين ما هو ضروري لكي نكون بشراً وما هو مجرد نتاج للظروف التاريخية—من الفلسفة اليونانية إلى عصر التنوير. وقد عادت هذه الفكرة للظهور مجدداً لدى روسو بنسخة كانت لتثير اشمئزاز أفلاطون. لكن خلال القرنين الأخيرين، نالت هذه الفكرة القائلة بأن شيئاً اسمه الطبيعة يكمن خلف كل الطلاءات الثقافية، وأن المعرفة بهذا الشيء ستوفر دليلاً سياسياً أو أخلاقياً قيّماً، ما تستحقه من سمعة سيئة.
كان ديوي محقاً في سخريته من ادعاءات أفلاطون وأرسطو بأن الحياة التأملية هي الحياة الوحيدة التي توظف القدرات الإنسانية الفريدة على أفضل نحو. ففي اعتقاده أن مثل هذه الادعاءات لم تكن سوى وسيلة استخدمها هؤلاء الفلاسفة لتهنئة أنفسهم. وبعد هردر، رُفض ادعاء روسو بأن هدف التغيير الاجتماعي-السياسي ينبغي أن يكون إعادتنا [كبشر] إلى طبيعة غير فاسدة، وذلك على أيدي مفكرين فُتنوا باتساع وقيمة التنوع الثقافي.
لقد حلت محل الفكرة المشتركة بين أفلاطون وروسو والقائلة بوجود حياة خيّرة واحدة للإنسان، تدريجياً، فكرة أن ثمة حياة إنسانية عديدة قيّمة بنفس القدر. وهذا التحول هو ما أدى إلى اعتقادنا الحالي: بأن أفضل نظام اجتماعي-سياسي هو ذلك الذي يكون الأفراد فيه أحراراً ليحيوا أياً من هذه الحيوات التي يختارونها—أو أن يصوغوا ذواتهم وهم يمضون [في درب الحياة]، دون أن يسألوا عمّا كان "مفترضاً" بهم أن يصيروا إليه. وقد تسبب [هذا التحول] أيضاً في أن يحل التاريخ والأدب والفنون، بوصفها منابع [جديدة] للتنشئة الذاتية وصوغ المُثُل، محل الدين والفلسفة.
يروي كتاب البحث عن الطبيعة البشرية: أفول الداروينية وإحياؤها في الفكر الاجتماعي الأمريكي لكارل ديغلر قصة سعي علماء الأحياء لدخول بعض المجالات التي ينسحب منها الفلاسفة مسبقاً. لقد كشفت الداروينية عن استمراريات لم تكن محتملة من قبل بين الإنسان والحيوان، وأدى هذا [الكشف] إلى فكرة أن المزيد من البحث البيولوجي قد يقدّم لنا شيئاً ذا أهمية أخلاقية. في فصل بعنوان "لماذا انتصرت الثقافة؟"، يشرح ديغلر كيف أن الادعاءات المتغطرسة لتحسين النسل ومحاولتهم العقيمة لوقف تيار النسوية بالاحتكام إلى حقائق بيولوجية حول "الطبيعتين" المختلفتين للنساء والرجال، قد أفقدت مثل هذه [الادعاءات] مصداقيتها. ثم في فصل بعنوان "إحياء البيولوجيا"، يشرح [ديغلر] كيف يسعى علماء الأحياء الاجتماعية وحلفاؤهم منذ ذلك الحين إلى تغيير مجرى الأمور.
يختم ديغلر كتابه بنبرة توفيقية، مؤيداً لما يسميه بينكر التفاعلية الكلّية. لكن العديد من قرائه سيخلصون إلى أن مغزى القصة التي يرويها هو أن سؤال "الطبيعة أم التنشئة؟" لم يكن سؤالاً جيداً قط. لقد أحدث داروين فرقاً هائلاً في طريقة تفكيرنا حول أنفسنا، لأنه أفقد المصداقية للروايات الدينية والفلسفية [الهادفة إلى تبرير] الهوة بين مجالنا غير المادي والإنساني حقاً ومجالنا الحيواني المحض. لكن أياً من تعاليم داروين لا يزيل التمييز بين ما يمكننا تعلّمه من نتائج التجارب البيولوجية والنفسية، وما لا يمكننا تعلّمه إلا من التاريخ—الشهادة التاريخية للتجارب الاجتماعية والفكرية الماضية.
يُصيب بينكر حين يقول إن جدل الطبيعة-التنشئة لن يختفي ما دام السؤال يُطرح بشأن نمط سلوكي بشري شديد الخصوصية — التوحّد على سبيل المثال. لكن مثل هذه الجدالات تصير عقيمة على مستويات أكثر تجريدًا. [فمثل هذه النقاشات] ليست سوى مبارزات جدلية متجذّرة في صراعات أكاديمية على النفوذ. إن سؤال «هل إنسانيتنا أمر بيولوجي أم ثقافي؟» عقيم وعديم الجدوى تمامًا كسؤال «هل أفعالنا جبرية أم أننا نملك إرادة حرة؟». لن تقدّم لنا أي نتيجة ملموسة في علم الوراثة، أو الفيزياء، أو غيرها من التخصصات التجريبية عونًا يُذكر في الإجابة عن أي من هذين السؤالين. سنستمر في التأمل فيما ينبغي فعله، وفي تحميل بعضنا بعضًا مسؤولية أفعالنا، حتى لو [ما] اقتنعنا بأن كل فكرة تدور في رؤوسنا وكل حركة نقوم بها يمكن لعالم أعصاب عليم بكل شيء أن يتنبأ بها. سنستمر في اختبار أنماط حياة جديدة، وأفكار جديدة، ومؤسسات اجتماعية جديدة، حتى لو [ما] اقتنعنا، في أعماق عقولنا وضمائرنا، بأن كل شيء يتوقف بشكل ما على بنيتنا الجينية. إن الجدل حول مسألة الطبيعة-التنشئة، شأنه شأن الجدل حول مسألة الإرادة الحرة، لا ينطوي على أية أهمية وظيفية.
يقول بينكر بحق: «ثمة ميل شائع إلى أن المسألة برمتها [مسألة الطبيعة-التنشئة] ستتلاشى بطريقة ما»، وكذلك شك شائع بالقدر نفسه مفاده أن دحض الإيمان باللوح الأبيض [ليس] سوى «الإطاحة بخصم وهمي». سيكون قراء ديغلر عرضة لتقبّل كل من هذا الميل وهذا الشك. لكن بينكر يأمل في تغيير آراء [هؤلاء القراء] عبر الإطاحة بخصوم وهميين آخرين: [من بينهم] «ما بعد الحداثة والبنائية الاجتماعية التي تهيمن على كثير من [مجالات] العلوم الإنسانية.» لكن يصعب أن تجد إنسانيًا — حتى أكثر الفوكويين تغايرًا — يقر بصحة الرأي الذي ينسبه بينكر إلى لويس ميناند، ومفاده أن «البيولوجيا لا تقدّم أية بصيرة حول العقل والسلوك البشريين». ما يشك فيه فوكو، وميناند، وأورتيغا هو أن البصائر المستمدة من البيولوجيا ستساعدنا في تقرير أي المثل الفردية والاجتماعية تستحق منا الجهد والكد.
يعتقد بينكر أنه حيث أخفقت الفلسفة، يمكن للعلم أن يدفع بالأمور قدمًا. ومع ذلك، يضطر بينكر، لإثبات دعواه، إلى تصوير سلسلة من الأقوال المبتذلة على أنها اكتشافات علمية مذهلة. فهو يقول، على سبيل المثال: «لقد أظهرت العلوم المعرفية أنه لكي يصبح التعلم والثقافة ممكنين، لا بد من وجود آليات فطرية معقدة.» من ذا الذي شك قط في أن الأمر ليس كذلك؟ لقد كنا [نحن البشر]، قبل أن تطأ العلوم المعرفية الساحة، نعرف أن ما نعلّمه لأطفال البشر لا يمكن تعليمه لصغار الحيوانات غير البشرية. لقد أدركنا قبل ذلك بكثير أنه إذا امتلك كائن حي نوعًا [معينًا] من الدماغ، أمكننا تعليمه الكلام، وإذا امتلك دماغًا من نوع آخر، لم نستطع. ومع ذلك، يكتب بينكر وكأن أناسًا مثل ميناند يصرّون على إنكار حقائق جلية كهذه.
مرة أخرى، يحيل بينكر إلى دراسات حديثة، دراساتٌ وفقًا لنتائجها فإن دائرة الكائنات الحية التي تقع ضمن نطاق حساسياتنا الأخلاقية «يمكن أن تتسع لتشمل أفرادًا يرتبطون بنا عبر شبكات التجارة الثنائية والترابط المتبادل (Interdependence)... و[يمكنها] أن تنكمش لتؤدي إلى استبعاد أفراد يُنظر إليهم في ظروف متدهورة.» لكننا لم نكن بحاجة إلى أبحاث علمية حديثة لنعرف شيئًا عن «أدوات التغيير الاجتماعي الممكنة هذه بطريقة إنسانية». إن تورط الترابط المتبادل في نوع تعاملنا مع التجار الأجانب، و[تورط] التدهور في نوع تعاملنا مع أسرى الحرب ليس بخبر جديد. لقد مضى زمن طويل والكثيرون يوصون بالتجارة الخارجية والزواج بين الأعراق كسبيل لتحقيق تفاهم متبادل أوسع. كما مضى زمن طويل وهم يوصون بتجنب تحقير الآخرين كي لا نقدم ذريعة لاضطهادهم. ومع ذلك، يصف بينكر حقائق كانت مألوفة لهوميروس وهيرودوت [أيضًا] على أنها حقائق تكشف عن «جوانب خفية من الطبيعة البشرية».
من المحتمل بالطبع أن تسفر اكتشافات أخرى حول عمل أدمغتنا عن العديد من الأفكار المفيدة حول تغيير السلوك البشري. لكن [مع ذلك] تصوروا أن تمكّننا تكنولوجيا النانو في نهاية المطاف من تتبع انتقال الشحنات الكهربائية من محور عصبي إلى آخر داخل دماغ حي، و[أيضًا] أن نتمكن من ربط مثل هذه العمليات بتغيرات طفيفة في السلوك [البشري]. تصوروا أن نكون قادرين على تغيير الخلق السلوكي لشخص ما كما نشاء، فقط بالعبث بخلايا دماغه. كيف ستساعدنا قدرة كهذه في إدراك أي سلوك ينبغي تشجيعه وأي سلوك ينبغي إضعافه—أي [بعبارة أخرى] أن نعرف كيف ينبغي للبشر أن يعيشوا؟ ومع ذلك، فإن هذه المساعدة هي بالضبط ما تدّعي النظريات الفلسفية حول الطبيعة البشرية أنها توفره.
يقول بينكر في مواضع متفرقة من الصفحة البيضاء إن كل شخص لديه نظرية حول الطبيعة البشرية ويحتاج [أن تكون لديه]، وإن البحث العلمي التجريبي سيقدم على الأرجح نظرية أفضل مما يعد به العقل السليم أو التفلسف المسبق. لكن ليس من الواضح أن لدينا [في الواقع] شيئًا كهذا أو أننا بحاجة إليه. كل إنسان لديه معتقدات حول ما هو أكثر أهمية وما هو أقل أهمية، وبالتالي حول ما يشكل حياة إنسانية جيدة. لكن ليس من الضروري—ولا ينبغي—أن تتخذ مثل هذه المعتقدات شكل نظرية في الطبيعة البشرية، أو نظرية في أي شيء آخر. إن معتقداتنا حول ما هو مهم تتعدل باستمرار بفعل تجارب جديدة—[تجارب مثل] الانتقال من قرية إلى مدينة أو من بلد إلى آخر، والتعرف على أشخاص جدد وقراءة كتب جديدة. تصور أننا نستنبط [هذه المعتقدات] من نظرية أو ينبغي لنا أن نستنبطها هو خيال أفلاطوني تجاوزه الغرب تدريجيًا.
الكتب التي تغير معتقداتنا السياسية والأخلاقية تشمل النصوص المقدسة، والرسائل الفلسفية، وتاريخ الأفكار والتاريخ السياسي-الاجتماعي، والملاحم الشعرية، والروايات، والبيانات السياسية وكتابات أخرى. لكن الرسائل العلمية فقدت بشكل متزايد صلتها بهذه العملية التغييرية.
والسبب في ذلك هو أنه منذ غاليليو فصاعدًا، اكتسب العلم التجريبي استقلاليته ومكانته المستحقة بكشفه عن طريقة عمل الظواهر—وليس، كما كان يأمل أرسطو، بكشفه عن طبيعتها الجوهرية.
العلم ما بعد الغاليلي لا يخبرنا ما هو الشيء الواقعي حقًا أو المهم حقًا. [هذا العلم] لا يحمل أي دلالة ضمنية ميتافيزيقية أو أخلاقية. بدلًا من ذلك، [هذا العلم] يمكّننا من القيام بأعمال لم نكن قادرين على إنجازها من قبل. عندما أصبح [العلم] تجريبيًا واختباريًا، فقد كلًا من الادعاءات الميتافيزيقية والقدرة على اقتراح غايات جديدة للإنسان. [العلم] اكتسب القدرة على توفير وسائل جديدة. كثير من العلماء راضون بهذه التسوية. لكن بين الحين والآخر يحاول عالم مثل بينكر أن يحصل على كلا الجانبين، ويدّعي أن العلم يمكنه أن يوفّر أدلة تجريبية تُظهر أن بعض الغايات مُفضّلة على غيرها.
في حين أن حسد الفيزياء هو عصاب يوجد بين أولئك الذين تُتهم تخصصاتهم بأنها ناعمة [تافهة]، فإن حسد الفلسفة يوجد بين أولئك الذين يتباهون بصلابة تخصصاتهم. هذا الصنف الأخير من الأشخاص يظن أن الصلابة والدقة المتفوقتين [لتخصصهم] تجعلهم جديرين بتبوّء مكانة كان يشغلها سابقًا الفلاسفة وغيرهم من الإنسانيين—مكانة مثل ناقد الثقافة، والمرشد الأخلاقي، وحارس العقلانية، ونبي المدينة الفاضلة الجديدة. هكذا علماء يحتجّون بأن الإنسانيين ليست لديهم سوى آراء [شخصية]، لكن العلماء يتمتعون بالمعرفة [الموضوعية]. هم [العلماء] يسألوننا لماذا لا نغلق آذاننا عن الثرثرات الثقافية (التي هي في الواقع كل ما يمكن تعلمه من هؤلاء ما بعد الحداثيين الطائشين والبنائيين الاجتماعيين اللامبالين) و[بدلًا من ذلك] نتلقى صورتنا الذاتية (Self-image) من أولئك الذين يعرفون ما هو النوع البشري حقًا، حقيقةً، وبشكل موضوعي، ودائم، وعابر للثقافات؟
أولئك الذين يستسلمون لمثل هذه الإغراءات يتعرضون لحيل الإغراء والتحويل2. هم يظنون أنهم [في النهاية] سيتعلمون كيف يصبحون أشبه بأنتيغوني من إيسميني، أو أشبه بمارثا من ماري، أو أشبه بسبينوزا من بودلير، أو أشبه بلينين من فرانكلين د. روزفلت، أو أشبه بإيفان كارامازوف من أليوشا. [هكذا قراء] يريدون أن يعرفوا ما إذا كان ينبغي لهم أن ينخرطوا في الحملات الانتخابية من أجل حكومة عالمية، أو لصالح حد أدنى وطني للأجور، أو ضد ضريبة الميراث. إنهم يأملون في نفس النمط من الإرشادات التي لا يزال الطلاب الجدد المثاليون يتوقعونها من أساتذتهم. ومع ذلك، عندما يجتازون فصولًا في العلوم المعرفية، فهذا ليس ما يحصلون عليه. هم [هؤلاء الطلاب] يحصلون على فهم أفضل لكيفية عمل أدمغتهم، لكنهم لا يتلقون أي مساعدة فيما يتعلق بتمييز أي نوع من البشر يصبحون أو في سبيل أي حركات اجتماعية يناضلون.
حيلة الإغراء والتحويل هذه تطال أيضًا الطلاب الجدد الذين تحفزوا بـ[قراءة] ماركس، كامو، كيركغارد، نيتشه أو هايدغر وقرروا التسجيل في فصول الفلسفة. [هؤلاء الطلاب] يظنون أنهم إذا اجتازوا فصلًا في ما يُروّج له على أنه "المجالات الأساسية للفلسفة"—الميتافيزيقا ونظرية المعرفة—فسيكونون أقدر على الإجابة عن الأسئلة التي طرحها هؤلاء الفلاسفة. لكن ما يحصل عليه هؤلاء الطلاب غالبًا من هذه الفصول هو نقاشات حول مكانة أمور مثل المعرفة، والمعنى، والقيمة في عالم مكون من جسيمات أولية. كثير من أولئك الذين يريدون أن يكونوا طلابًا للفلسفة لا يستطيعون أن يفهموا [أصلًا] لماذا ينبغي أن يكون لديهم رأي وموقف من هذا الموضوع—لماذا يحتاجون إلى ميتافيزيقا.
أورتيغا، لاعتقاده بأن مثل هذه النقاشات عديمة الفائدة، كتب مقالات جدلية مثل المقال الذي يقتبس منه بينكر ("التاريخ كنظام" في نحو فلسفة للتاريخ). يكتب أورتيغا:
جميع الدراسات الطبيعية حول جسد الإنسان ونفسه، حتى لو جُمعت معًا، لم تُسهم ولو بأدنى قدر في إلقاء الضوء على أيٍّ من عواطفنا الإنسانية تحديدًا، على ما يسميه كل فردٍ حياتَه، تلك الحياة التي، بامتزاجها مع حيواتٍ أخرى، تُشكّل المجتمعات، وهذه المجتمعات بدورها، بصمودها، تبني مصير البشر. إن الإنجازات المذهلة للعلم الطبيعي في سبيل معرفة الأشياء تتناقض بشكل مرعب مع انهيار هذا العلم الطبيعي نفسه عند مواجهة العنصر الإنساني تحديدًا.
أصرَّ أورتيغا على أن المعرفة المتزايدة حول وظيفة أشياء مثل الدماغ أو الجينوم البشري لن تُساعد البتة في الإجابة عن سؤال كيف نتصور أنفسنا في المستقبل أو ماذا نفعل بأنفسنا. يعتقد بينكر أنه كان مخطئًا. لكن بضع صفحات فقط من اللوح الأبيض تنخرط مباشرةً في هذا الموضوع. وفي هذا السياق، أبرز هذه الصفحات هي تلك التي يجادل فيها بينكر بأن الاكتشافات العلمية تقدم سببًا لتبني ما يسميه "منظورًا تراجيديًا" للحياة بدلًا من "المنظور الطوباوي" للحياة الإنسانية—نظرة قاتمة حول قدرات النوع البشري على تغيير نفسه إلى نوع أحدث وأفضل.
ولإظهار أن الاختيار بين هاتين الرؤيتين يجب أن يتم بالرجوع إلى العلم لا إلى التاريخ، يضطر بينكر إلى الادعاء بأن "أجزاءً من هذه المنظورات" تتكون من "ادعاءات كلية حول وظيفة الذهن". لكن هذا هو بالضبط ما يشك فيه فلاسفة تاريخانيون مثل أورتيغا. يعتقد هؤلاء أنه حتى لو اتضح أن الدماغ يعمل بطريقة غريبة وعجيبة، بحيث لا يزال العلم المعاصر عاجزًا عن رسم هذه الوظيفة، أو إذا أظهرت أدلة أحفورية جديدة أن الرواية الحالية حول تطور نوعنا خاطئة تمامًا، فإن النزاع بين هذين المنظورين سيبقى قائمًا. يقول هؤلاء الفلاسفة إن الجدل حول سؤال ماذا نفعل بأنفسنا متحرر من الاعتراضات حول طبيعة الخلايا العصبية أو من أين أتينا، بقدر ما هو متحرر من النقاشات حول طبيعة الكواركات أو تأريخ الانفجار العظيم3.
المشكلة التي لدى بينكر مع أورتيغا وكثيرين غيره من الفلاسفة خارج ما يسمى بالتقليد التحليلي، لا علاقة لها بالألواح البيضاء. المشكلة هي: هل ستصبح حوارات الإنسانيين حول التصورات الذاتية والمُثُل البديلة أفضل إذا عرف المشاركون في الحوار بين الإنسانيين المزيد عما يجري في البيولوجيا والعلوم المعرفية؟ يجادل بينكر بأن نساءً ورجالًا ذوي اهتمامات سياسية وأخلاقية لطالما اعتمدوا على نظريات الطبيعة البشرية، وأن نظريات ذات أساس تجريبي أصبحت متاحة الآن. لكن أورتيغا كان ليجيب بأننا في المئات من السنين الأخيرة تعلمنا أن نستبدل بهذه النظريات رواياتٍ تاريخيةً وتنظيرًا طوباويًا.
ومع ذلك، فإن هذا التحول التاريخاني مدين لعالم واحد: داروين. لقد ساعدنا داروين على ألا نفكر بعد الآن في أنفسنا كجسد حيواني حُقن فيه شيء إضافي وإنساني تحديدًا—مادة غامضة تؤدي طبيعتها إلى مشكلات فلسفية. كان منتقدو داروين يقولون إنه اختزلنا إلى مستوى الحيوانات، لكنه في الحقيقة جعلنا نتحلى بالشجاعة لنعتبر الخيال الإنساني قوة سببية تضاهي الطفرة الجينية. وبدفعه إيانا لرؤية التطور الثقافي كقوة تضاهي التطور البيولوجي—وبالقدر نفسه من القدرة على خلق شيء جديد كليًا وأفضل—عزز تاريخانية هردر وهيغل. لقد ساعد شعراء مثل تينيسون وويتمان ومفكرين مثل نيتشه، وإتش. جي. ويلز، وجورج برنارد شو، وجون ديوي على تخيل طوباويات يختلف فيها البشر عنا بشكل مذهل بقدر اختلافنا عن النياندرتال. لقد أحدثت أحلام الاشتراكيين والنسويين وغيرهم تغييرات عميقة في الحياة الاجتماعية للغرب، ويمكن أن تؤدي إلى تغييرات واسعة في حياة النوع البشري برمته. لا ينبغي لأي من أقوال العلم الطبيعي ونتائجه أن يثنينا عن الانخراط في المزيد من الأحلام وتخيلها.
.
.
هوامش:
1_ أستاذ علم النفس في جامعة هارفارد ومفكر أمريكي معاصر، مؤلف كتاب اللوح الأبيض (الإنكار الحديث للطبيعة البشرية). صدر هذا الكتاب عن دار نشر نگاه معاصر بترجمة بهزاد سروري ودانيال قاروني. [م]
2_ حيلة «الإغراء والتبديل» (bait-and-switch tactics) التي تجذب بها بعض شركات التسويق الزبون بإعلانات مبالغ فيها ثم تفرض عليه سلعة غير مُعلن عنها. [م]
3_ لمزيد من المعلومات حول هذا الموضوع، راجع مقالتي [رورتي] «الدماغ بوصفه عتاداً صلباً، الثقافة بوصفها برمجيات» في 47 (3) (June 2004) : 219-235 Inquiry .
.
.
.
.
.
.
الفلسفة
الفن
الفلسفة
الفن
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٢ تعليق
این اعتقاد واصرار افراطی به آزادی اراده در نوع انسان نزد پراگماتیست مسلکان, گاهی بیش از حد تهوع آور مینماید
پراگماتیست ظاهرا امروزه نه تنها در ساحت عمل، که در "ساحت نظر" هم، آنچنان میاندیشد که "خوشش" بیاید.. در نظرگاه اینها، تفکر نه تنها معطوف به حقیقت، که دیر زمانیست دیگر معطوف به فهم عادی جهان و واقعیتها هم نیست.. ظاهرا تفکر تنها نوعی "بازی با لغات" است که در فرد بازیگر در سطحی ذهنی، "تنها" احساس "شعف و خوشی" ایجاد کند. گویی محتوای هر "تعمق" و تفکری که "باحال نباشد" و یا به دید اینها "بدبینانه" باشد، الزاما نادرست است ....