اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
مقامُ الفنّانِ مَوضعُ حَسَد؛ لم يَبِعْ حُرّيَّتَهُ، ومِن هذه الحُرِّيَّةِ يَستَشيطُ النُّقّادُ الأسرى لِنَظْرَةٍ هَندَسِيَّةٍ غَضَبًا. الفنُّ «إيحاءٌ» لا تَمثيل؛ الأثرُ الفنّيُّ ليس صَوابًا أو خَطَأً، لأنَّ الفنّانَ يَضرِبُ بالأُصولِ عُرضَ الحائِط.

مقام الفنان المُثير للحسد: ذاك الذي «يبتكر» ولا يأبه بالناقد
الكاتب: بعثة علمي
مقامُ الفنان هو الأكثر إثارةً للحسد، و«نقودُنا» العدائية، نحن غيرَ الفنانين العالقين في أعمالٍ مُنهِكة للروح، تفضحُ حِقدَنا على هذا المقام. نحن غيرَ الفنانين نحسدُ الفنان لأنه لم يبعْ حريةَ روحه من أجل «الرفاه»، أو «المستقبل»، أو «حياةٍ بلا هموم». نحسدُ الفنان لأننا صرنا نعلمُ أنه لم يتبقَّ من الحياة شيء، الموتُ يطرق الباب و«الدنيا وعملَ الدنيا كلَّه باطلٌ على باطل»، ومع ذلك نظلُّ نعملُ كي لا نعمل! نعملُ لعلنا نصيرُ يومًا فنانين. لكن الفنان كأنه كان يعلمُ كلَّ هذا مسبقًا ولم «يدَّخرْ» من عُمره شيئًا. نحن غيرَ الفنانين المثقفين غاضبون من أنفسنا أيضًا؛ غاضبون لأننا لم نبقَ فنانين! — من ذا الذي لم يكن فنانًا قبل أن يضيع في المدرسة الابتدائية والثانوية؟! — أما الفنان فقد ظلَّ طفلًا: خلاّقًا، بريئًا، بلا غدٍ... حرًّا. نحن غيرَ الفنانين لا نغفرُ للفنان هذه الحرية، ولا نغفرُ لأنفسنا هذا العبوديةَ لـ«العمل الثابت»، وأحدُ أسماء هذا اللا غفران هو «نقد الفن»[1].
الافتراضُ المسبق للنقد الفني هو أن الإبداعَ الفني، شأنُه شأن سائر أنواع الإبداع، ضربٌ من «الهندسة»، وأن الفنان ليس سوى «مُقاوِل» تعهَّد بأن يشيِّد، استنادًا إلى بعض «الأصول» الرياضية-الفيزيائية، بناءً فنيًّا، بناءً يستطيع الناقد، بصفته مراقبًا في «نقابة المهندسين»، أن يحكمَ عليه بأنه سيئُ البناء/حسنُ البناء. والأمر ليس كذلك.
لكنَّ كونَ الأمر يُتصوَّر على هذا النحو ليس ذنبَ الناقد؛ فهذه المقاربةُ «الهندسية» نتاجُ افتتان أفلاطون ببنية النسق البديهي لـ«الهندسة» التي لا تُقبل الجدل، والتي ترسَّبت في الفكر البشري عبر آلاف السنين. كان أفلاطون هو مَن شبَّه أنواعَ المعرفة البشرية أولاً بالهندسة، ثم قال: «انظروا! كلُّ معرفةٍ أخرى هي كذلك: منظومةٌ من القضايا التي لا بدَّ أن تكون إما صائبةً وإما خاطئة، ومعيارُ صواب أو خطأ هذه القضايا هو مبادئُ أزليةٌ أبدية». وعلى هذا الأساس، ومنذ قرون، ولو بلا وعي، يُعَدُّ الفنُّ نوعًا من المعرفة، كما يُتصوَّر الأثرُ الفني قضيةً لا بدَّ أن تكون إما صائبةً وإما خاطئة، والناقدُ وحده هو مَن سيعلم إن كان الأثر صائبًا أم خاطئًا، تمامًا كما أن المهندسَ وحده هو مَن سيعلم إن كان إثباتُ قضيةٍ هندسية صائبًا أم خاطئًا.
مع تقدُّم تاريخ الفكر، جرى تحدي هذا التصور الاستعاري الأفلاطوني (المعرفة كهندسة) عبر تقديم استعارات أخرى: رأى هيغل أن المعرفة أشبهُ بعملية نموِّ نبات؛ شبَّه نيتشه المعرفةَ بـالطعام ونظريةَ المعرفة[2] بعلم الأغذية؛ قال فتغنشتاين إن للمعرفة بنيةً شبيهةً بـاللغة، (واللغة نفسها بناءٌ من «ألعاب لغوية» متشابكة) — وفلسفةُ الفن المتأخرة لدى كلٍّ من هؤلاء الفلاسفة الثلاثة نابعةٌ من مثل هذه الاستعارات.
من الواضح مسبقًا أننا إذا نظرنا الآن إلى الفن من منظور هذه الاستعارات غير الأفلاطونية، فلن يعود بوسعنا الحديثُ عن «صواب أو خطأ» قاطع لأثرٍ فني؛ بل ينبغي أن نقول الآن إن الأثر الفني إما نامٍ/غير نامٍ، أو مستساغُ الطعم/كريهُه، أو مُتعلَّم/غير مُتعلَّم. كما أنه من الواضح أن «النقود» الناتجة عن تطبيق هذه الاستعارات الأخيرة لن تمتلك بعدُ تلك الهالةَ المطلقة للأحكام القيمية شبه الهندسية السابقة: فإذا ما اعتبر أحدُهم، متبعًا نيتشه مثلاً، فيلمًا سينمائيًّا «مستساغَ الطعم»، فلن يكون لديه بعدُ ما يبرر انقضاضَه بعدوانية على أفلامٍ أخرى «كريهة الطعم».
ومع ذلك، لا يستطيع الناقد الفني (بعدُ) أن يفكر في الفن عبر هذه الاستعارات، لأن هيغل ونيتشه وفتغنشتاين (وغيرهم)، للأسف، لم يبلغوا بعدُ من القِدم ما بلغه أفلاطون. الناقد الفني واقعٌ، شاء أم أبى، في أسر التفكير الهندسي الأفلاطوني، ولهذا السبب تحديدًا، هو دائمًا، مثل أفلاطون نفسه، يحسدُ الفنَّ والفنان.
يحسد الناقد الفن، لأن ماهية الفن لا تخضع أبدًا لترسيمات الناقد الهندسية: فما إن يطرح الناقد تعريفًا للفن حتى يصل عمل فني «طليعي» يقلب كل شيء رأسًا على عقب. ومن جهة أخرى، يحسد الناقد الفنان لأنه لا يستطيع أبدًا إدانته بما يرضي المحكمة، ولا يستطيع إجباره على اتباع «أصول» الإبداع الفني... لأنه لا يوجد «أصل» أصلًا!
صحيح أنه في تاريخ ازدهار أي نوع من أنواع الفن، تطورت بعض الأصول أيضًا، لكن الفنان، على عكس المهندس، يمكنه أن يتجاهل هذه الأصول عن عمد ويؤسس أصلًا جديدًا بإرادته المنفردة؛ هذه هي طبيعة فعل الإبداع الفني.
ما يفعله الفنان عند إبداع عمل فني هو نوع من التقديم (presenting) وليس التمثيل (representing). تخيل مستودعًا ضخمًا جدًا مليئًا بأشياء متنوعة، شيء يشبه المخزن الكبير لقصر كين في نهاية فيلم المواطن كين (1941). أنت خارج هذا المستودع؛ يأتي شخص ما ويلفت نظرك هكذا: «قف هنا! سأذهب الآن وأحضر شيئًا من داخل المستودع». بعد فترة، يخرج شماعة خشبية من المستودع ويضعها أمامك. الآن، ردًا على هذا الفعل، هل من المنطقي أن تحكم مثلًا قائلًا: «حسنًا، هذا لا يصلح! مهما فكرت، أجد أن عملك خاطئ؛ هناك خلل في مكان ما؛ لم يتبلور بعد. ربما لو واصلت عملك لبضع سنوات أخرى، ستتمكن أخيرًا من إخراج الشيء الذي ينبغي إخراجه!» من الواضح أن مثل هذا الكلام الانتقادي في غير محله هنا؛ ففي ذلك الاتفاق الضمني بين ذلك الشخص (الذي قال إنه سيحضر «شيئًا») وبينك (الذي قبلت أن «تقف») لم يُشترط أن يكون ذلك «الشيء» كذا وكذا (بتعبير فتغنشتايني، في لعبة اللغة هذه، لا يوجد معيار لقياس صحة/خطأ الفعل. «الحركة الخاطئة» الوحيدة في لعبة اللغة هذه ستكون أن يخرج ذلك الشخص من المستودع خالي الوفاض. والفنان وحده هو الذي يعلم أن الخطيئة الوحيدة في لعبة الفن، «الحركة الخاطئة» الوحيدة، هي ألا يبدع). إذن، تقديم ذلك الشخص يقع فيما وراء الصحة/الخطأ، ومُقدَّمه يقع فيما وراء كونه جيد الصنع/رديء الصنع. ومع ذلك، لا ينبغي أن ننسى أنه يمكنك، ردًا على فعل ذلك الشخص، أن تتحدث بلا تحفظ عن تأثرك الحسي: «في الحقيقة، لم يعجبني؛ كان في ذهني شيء آخر؛ أنا أساسًا لا أرتاح للمصنوعات الخشبية؛ برأيي إنه هراء» إلخ...
فعل إبداع العمل الفني، في أبهى صوره، هو هذا بالضبط: يضع الفنان شيئًا من داخل ذهنه أمامنا، وفي هذه العملية، تكون الدوافع اللاواعية، وجروح الطفولة النفسية، والذكريات، والإشراقات، والأحلام، والأمراض النفسية، والهذيانات... أهم «الأصول» التي تعينه. حقًا، كيف يمكن «نقد» فنان يضع حلمه أمامنا؟ هل تريدون القول إن فيلم المرآة (1975) لأندريه تاركوفسكي فيلم «رديء الصنع»؟ أن المرآة مبهمة؟ شديدة التملص من الحكاية؟ إنها شعر أكثر منها سينما؟! إذن أنتم تقولون إن تاركوفسكي رأى حلمًا خاطئًا؟! أو ربما لم ير حلُمه بشكل صحيح؟! إذن، هل رسم سلفادور دالي أحلامه «بشكل سيئ»؟! هل لوحة الحلم الناجم عن طيران نحلة حول رمانة قبل الاستيقاظ بثانية (1944) ولوحة ثبات الذاكرة (1931) عملان «سيئان»؟! هل رأيتم «الجيد» منهما؟!
لكن الناقد لا يفكر هكذا. بالنسبة له، الإبداع الفني ليس «تقديمًا». إنه، الواقع في أسر سحر أفلاطون، لا يزال يعتقد أن الفنان يمثل شيئًا يستقر هناك، في العالم العلوي لـ«المُثُل» (idea)، وينبغي له أن يفعل ذلك. يقف الناقد، حاملًا شماعة خشبية بيده، خارج المستودع ويقول لأحد أولئك الذين يترددون إلى داخل المستودع: «اذهب وأحضر شيئًا مثل هذا من المستودع!». بعد فترة، يخرج ذلك الشخص غصنًا طويلًا يابسًا، وهنا يبدأ سيل «نقد» الناقد: «حسنًا، ليس سيئًا! لكن هذه الانحناءات غير المشذبة تضر بمفهوم العمل؛ لو أحضرت قطعة خشب مصنوعة يدويًا لكان أفضل؛ هناك تضاد بين وحشية غصن الشجرة هذا والطابع اليدوي لهذه الشماعة!» إلخ... يعود ذلك الشخص خجلًا مما أحضره إلى المستودع، لعله يجد هذه المرة شيئًا «أفضل»، شيئًا أكثر شبهًا بالشماعة التي في يد الناقد.
الفنان الحقيقي لا يقع في شرك لعبة اللغة هذه التي ينصبها الناقد. يعلم الفنان أنه في الفن هو من يخطو الخطوة الأولى، هو من يبدأ اللعبة، هو من يؤسس كل «أصل»؛ وهل «الأصل» شيء سوى صرخة «هكذا أريد!» التي يطلقها الفنان، صرخة تردد صداها في أذهان فنانين آخرين لسنوات؟
يعلم الفنان أن أفضل رد له على «النقود» العدائية هو «هكذا راق لي»، وإن لم تكن لديه تلك الدرجة من الوعي الذاتي الفلسفي ليقول ذلك صراحة في مواجهة الناقد. ويعلم الفنان أيضاً أن أليق رد له على «النقود» المادحة هو: «يسعدني جداً أن راق لكم هذا». في فيلم كلوزآب (1990) لعباس كيارستمي، ثمة لقطة طويلة نسبياً تتدحرج فيها علبة مبيد حشرات خضراء فارغة من أعلى زقاق منحدر إلى أسفله. في الظاهر، الفعل الذي يجري في هذه اللقطة لا يسهم في تقدم حبكة الفيلم، ولا يعمق معرفة المشاهد بإحدى الشخصيات، ولا يمتلك حتى جمالاً سينماتوغرافياً بذاته. بعبارة أخرى، استناداً إلى «أصول» السينما الكلاسيكية، هذه اللقطة عديمة الجدوى تماماً. في مقابلة حول كلوزآب، يقول كيارستمي في شرح هذه اللقطة: «أظن أن جزءاً من صناعة الفيلم هو... انعكاس لطفولتنا. رأيت زقاقاً منحدراً. كانت هناك علبة ملقاة فعلاً، علبة مبيد حشرات فارغة، وفكرت أنها فرصة جيدة لنلعب هذه اللعبة. كانت فرصة للمرح... لأنه قد لا تتاح لي مرة أخرى فرصة شارع بهذه الجودة وعلبة بهذا الفراغ وأمسية خريفية بهذا الجمال». ويضيف كيارستمي عن التحليلات التي أعقبت هذه اللقطة: «سمعت تحليلات غريبة وعجيبة كثيرة، لكن الحقيقة أنها لم تكن أياً منها... [طبعاً] التفسيرات التي قُدمت لم تكن بعيدة عن الصواب... لكن في اللحظة التي دحرجت فيها هذه العلبة، كنت ألعب فحسب»[3].
هكذا يكون الفنان طفولياً ولعوباً. الفنان هو الشخص الوحيد الذي يستطيع، دفاعاً عن إبداعيته، أن يقول بلا مبالاة: «حسناً، هكذا أحببت!»، وإن كان، للأسف، يحاول في أحيان كثيرة، خوفاً من نظرة الناقد الغاضبة، أن يلفق لعمله سبباً «منطقياً» و«أصولياً». ما شأن الفنان والاستدلال؟!
الفنان نفسه هو أبلغ «دليل» على فنه: ماذا نسأل الفنان؟ «ما الذي دفعك لصنع هذا الأثر؟»، «لماذا لم تلتزم عمداً بقواعد هذا النوع الفني؟»، «لماذا صارت المأساة ثيمة أعمالك الأخيرة؟»، «لماذا تبرز العلامات الأمومية في أعمالك بهذا الشكل؟»، «لماذا الرمان؟»... إلخ. وماذا يجيب الفنان؟ «منذ طفولتي كنت أحلم بصنع أثر كهذا»، «في الأساس، كنت شقياً جداً منذ الصغر»، «فقدت مؤخراً صديقاً عزيزاً»، «لقد نشأت بلا أب وأمي هي كل شيء بالنسبة لي»، «كانت قريتنا مليئة ببساتين الرمان»... إلخ. ترجمة كل «أدلة» الفنان هي: «لأنني أضع نفسي أمامكم! لأن هذا هو أنا!». والأكثر إثارة أننا نتقبل هذه الإجابات الحشوية وأحياناً السطحية من الفنان، لأننا، حين نتحدث مع الفنان، نريد أن نصبح أكثر ألفة معه، أن نحبه أكثر، أكثر مما نريد أن نتلقى إجابات صحيحة عن أسئلتنا. نحن لا نجادل الفنان.
لكن وا أسفاه، الناقد (وكذلك المهندس، والعالم، والرياضي، والطباخ...) لا يمكنه أن يكون هو نفسه دليل «نقده». الناقد، دفاعاً عن صحة «نقده»، مضطر لأن يتوسل بما هو متعالٍ عن ذاته: اقتباس من فيلسوف، أثر من آثار تاريخ الفن العظيمة، كتابة ناقد بارز آخر، استطلاع رأي من مجلة ما، نظريات علم النفس... إلخ. «نقد» الناقد، مهما كان لاذعاً وفظاً، سيبقى في مواجهة دفاع من أسئلة كهذه: «حسناً، من أين تعرف؟»، «أصلاً، لماذا ينبغي أن نعتبر نقدك أصح من نقد منافسك؟»، «هل لديك استدلال دفاعاً عن قولك هذا؟»، «أليس هذا مجرد رأيك الشخصي؟»، «ما هو معيارك لتقييم الأعمال الفنية، ولماذا تظن أنه المعيار الأصح؟»، «إذا كانت قيمة الأثر الفني خاصية موضوعية (objective)، فلماذا كل هؤلاء النقاد؟ وإذا كانت القيمة الفنية خاصية ذاتية (subjective)، فلماذا هذا الناقد؟ لماذا أنت؟»... إلخ.
يجادلون الناقد لأنه لا يوجد من يريد أن يحبَّه هو ذاته (تماماً كما لا يحبون المهندسَ ذاته؛ ما الفرق أن يبني هذا المهندسُ الخبيرُ مبنىً أو ذاك المهندس الخبير؟ قارن هذا بأن تقول ما الفرق أن يصنع تاركوفسكي هذا السيناريو أو سكورسيزي؟!). كثيراً ما يريد الناقد، لكنه لا يستطيع، أن يكون محبوباً وقحاً كالفنان؛ إنه في أفضل صوره وقاحةٌ جريئة، وعدوٌّ ذوّاقٌ يمكن للمرء في صراعه معه أن يتعلم المحاربة لا الفن.
الناقد، المنهك من عمرٍ قضاه في الاستدلال، يحسد الفنان على مقامه هذا الذي لا يُسأل فيه عن دليل (اللااستدلالي)، ولهذا السبب أيضاً يريد أن يجعله مستدلاً ومُجيباً مثله؛ يريد أن يطرحه أرضاً هو الآخر أمام "لماذا"ات. لكن روح الفنان الجموح يبدو أنها أدركت مآل هذه "اللماذا"ات: سقراط — كما يروي أفلاطون، هذا العدو الأكثر فنيةً للفن، هذا المؤسس لـ"نقد الفن" — بعد عمر من البحث عن الدليل والاستدلال، وقبيل تجرعه الشوكران بلحظة، مال إلى الفن:
رأيتُ حتى الآن حلماً بأشكال مختلفة كانوا يقولون لي فيه دوماً: "اجتهد يا سقراط في الفن"، وكنت أظن أن تلك الأحلام تريد أن تحثني على ما جعلته صناعتي طوال العمر، كما يحث الناسُ العدّائين في ميدان الرياضة وهم يعدون، ولهذا الغرض يأمرونني بأن أجتهد في الفن لأن الفلسفة هي أسمى الفنون، ولم أكن أنشغل بغير الفلسفة. لكن منذ اليوم الذي صدر فيه حكم قتلي وأجّل عيد أبولون موتي بضعة أيام، فكرت لعل معنى تلك الأحلام هو أن أنشغل بما يسميه الناس فناً. فرأيت من الصواب أن آخذ بالحذر وأن أنظم الشعر أيضاً كي لا أكون قد قصّرت في طاعة الأمر الذي سمعته في الحلم[4].
رجلٌ كان يمرر كل كلام على شفرة "الديالكتيك"، يا للعجب، يطيع الآن "الأحلام" دون سؤال في أن "يجتهد في الفن"! وكم أطاع نفسه بفنية — لأن الفنان هو ذاك الذي يطيع نفسه حتى حين يريد أن يطيع غيره.
ما أفهمه كأس الشوكران لسقراط المسن، أدركه الفنان بطفولته: "الفن ولا شيء سوى الفن! هذا هو ما يجعل الحياة ممكنة، ذاك الساحر الأعظم للحياة، ذاك المحفز الأعظم للحياة. الفن بوصفه القوة المضادة العليا الوحيدة ضد كل إرادة لنفي الحياة... الفن بوصفه خلاص رجل المعرفة—ذاك الذي يحدق في طبيعة الوجود المرعبة والمليئة بالأسئلة، ويريد أن يحدق، رجال المعرفة التراجيديون..."[5]، أناس مثل سقراط أفلاطون الذين أدركوا متأخرين جداً أن "الفن أكثر قيمة من الحقيقة"[6].
إذن، أليس الفنان بحاجة إلى "النقد"؟ الفنان الحقيقي لا يعرف سوى "ناقد" واحد: أثرُ فنانٍ آخر. بالنسبة لمن يسعى، أثراً إثر أثر، إلى سبر أغوار حرية الروح الإنسانية، سيكون أثر شخص آخر بلغ شواطئ حرية أسمى هو "النقد" الأكثر فاعلية، وسيعرف الفنان بنفسه هذا الأكثر حرية منه، هذا "الناقد" الجدير به، كما يعرف الراقص بنفسه الأخف قدماً منه: الطائر.
والآن، يعود الفنان إلى نفسه؛ يحطم ذاك السحر الأفلاطوني، تلك الاستعارة القصيرة النظر المشؤومة. الفنان الآن ينطق بما أدركه لا شعورياً منذ سنين هكذا: "لا، ليس الأمر كذلك أيها النقّادون غير الفنانين! أيها "النقاد" الحاسدون! الفن ليس هندسة كي يكون مقيداً بـ"أصول"".
الآن، سيقول الفنان، متفقاً مع نيتشه[7]، هكذا: "هذا هو فني: طعامٌ أضعه أمامكم من أعماق روحي. إن راق مذاقه لكم، فما أحسنه! تعالوا نشارك المائدة! أما إن ذقتموه ولم يعجبكم، فلا تسموا البصق على مائدة روحي "نقداً"!". الآن، لم يعد الفنان بحاجة إلى دليل؛ من ذا الذي يعرض ذائقته للمساءلة؟ (هل رأيتم قط أحداً يسأل آخر: "هل يمكنك أن تقول لي أي طعام أحب؟").
الآن، وانسجامًا مع زرادشت نيتشه المادح للفنان، سيكون دفاع الفنان في مواجهة أي «نقد» يفسد لقمة العيش هكذا: «على أية حال، هذا—ذوقي [تذوقي] أنا. ذوق ليس جيدًا ولا سيئًا؛ بل هو ذوقي أنا؛ ذوق لم أعد أخجل منه ولا أخفيه»[8].
الآن، لم يعد الفنان يرى لعاب فم الناقد من وراء «نقوده» «العلمية». لكن لا يزال بوسع الفنان أن يصادق الناقد! حينما يقول لنفسه، مثل زرادشت: «كم أنا ممتن لأعدائي، إذ بفضلهم أستطيع أن أرمي الرمح!»[9].
ومع ذلك كله، يمكن للفنان الحقيقي أحيانًا أن يكون أكثر حنانًا مع الناقد: حينما تترقرق الدموع في عيني الناقد أمام عظمة عمل فني، فإن الفنان وحده هو من يعلم أنه يبكي لسببين!
أما أنا، مادح الفنان ومناهض الناقد، فأضع كتابتي هذه أمامكم كشهادة، شهادة على أنني لطالما اعتبرت نفسي لم-أصر-فنانًا-بعد، وأعيش في أمل بلوغ مقام الفنان المُثير للحسد. أحب لو وجدتموني يومًا «ناقدًا» (أو «باحثًا في مجال فلسفة الفن»، «منظرًا للفن»، «فيلسوفًا للفن»...)، أن تصرخوا في وجهي هكذا: «إذن أنت أيضًا استسلمت؟! حرام عليك كل ما كتبته من قبل!». ليتني لا أكون من المستسلمين؛ ليت إبداعنا يكون نقدًا لإبداع بعضنا البعض[10].
.
.
هوامش:
[1]. في هذه الكتابة، يُقصد بـ«نقد الفن» تلك الصيحات والكتابات العدائية التي تسعى، عبر أحكام قيمة مطلقة، إلى تدمير العمل الفني (وفنانه). من الواضح أن الكثيرين في عالم الفن يُطلق عليهم «نقاد»، لكنهم ينشغلون «بشرح» أو «قراءة» العمل أكثر مما «ينقدونه» (بالمعنى الأخير). من الجلي أن أمثال هؤلاء العارفين بالفن ليسوا هدف هذه الكتابة.
[2] . Epistemology، نظرية المعرفة.
[3] .“Interview with director Abbas Kiarostami (Close Up)”
[4] . نقلاً عن: غوارديني، رومانو. موت سقراط تفسير أربع رسائل لأفلاطون. ترجمة محمد حسن لطفي، منشورات طرح نو، 1398 (ص. 161).
[5] . Nietzsche, Friedrich. The Will to Power. Translated by Walter Kaufmann and R. J. Holingdale, edited by Walter Kaufmann, New York: Vintage Books, 1968, (p. 452).
[6] .Ibid., p. 453.
[7] . المعرفة بوصفها طعامًا (والقوى المعرفية بوصفها جهازًا هضميًا) هي الاستعارة الأكثر جوهرية لدى نيتشه لاقتراح فهمٍ مغاير للمعرفة البشرية ونظرية المعرفة. يستخدم نيتشه هذه الاستعارة، أحيانًا بالتصريح، في جميع أعمال مرحلة نضجه تقريبًا. في هكذا تكلم زرادشت، يستخدم نيتشه مرارًا كلمة "Der Magen"، أي «المعدة»، ليشرح، من منظوره، الآلية الجسدية لـالمعرفة (=الهضم): في الجزء الثالث، حين يريد زرادشت أن يدرك جذر عدمية بعض الحكماء (أولئك الذين يعظون قائلين: «الحكمة مدعاة للتعب؛ لا قيمة لأي شيء؛ لا ينبغي أن تكون لك رغبة!»)، يقول: «لأنهم قد تعلّموا بشكلٍ سيئ، ولم يتعلموا أفضل الأشياء، وتعلموا كل شيء بسرعة بالغة وعلى عجل؛ ولأنهم قد أكلوا بشكلٍ سيئ، فقد اضطربت معدتهم. فروحهم معدة مضطربة تنصح بالموت. لأن الروح، حقًا، يا إخوتي، هي معدة أيضًا» (ص. 223، من ترجمة آشوري. في النص الألماني والإنجليزي، كلمة «هي» في الجملة الأخيرة مؤكدة ومكتوبة بالإيطاليك: “der Geist ist ein Magen!”). زرادشت، في مقابل هؤلاء الحكماء الذين «أكلوا بشكلٍ سيئ»، يصف «معدة» «العاصي المُنتقي» خاصته هكذا: «معدتي — أليست معدة نسر؟ لأنها تُحب لحم الحمل أكثر من أي شيء. إنها بلا شك معدة طائر» (ص. 208).
[8] . نيتشه، فريدريش. هكذا تكلم زرادشت. ترجمة داريوش آشوري، نشر آگاه، 1399 (ص. 212).
[9] . المصدر نفسه، 97
[10] . هذه الكتابة هي استمرار لمقالتين سابقتين في نقد «النقد الفني». المقالة الأولى بعنوان «""الجيد" و"السيئ" لناقد الفيلم في مهاوي الفلسفة» والمقالة الثانية بعنوان «"ينبغي": وهم كانطي، وخلاص فيتغنشتايني، وإكراه ناقد الفيلم» قد نُشرتا سابقًا في صدانت.
.
.
.
.
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.