اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يتناول هذا المقال استخدام كلمة «ينبغي» في النقد الفني، ليكشف أن كثيراً من الأحكام الإلزامية التي يصدرها النقاد حول الأفلام لا تستند إلى مبادئ موضوعية، بل إلى أذواق ورغبات شخصية. وبالاستناد إلى فتغنشتاين ونقد التصور الكانطي لـ«الواجب التعالي»، يدافع الكاتب عن حرية الفنان في مواجهة الإلزامات التي تبدو قطعية في النقد الفني.

تابيثا [ناقدة]
أنا أُدمِّر عرضي المسرحي.
ريغِن
لكنكِ لم تشاهدي حتى [عمل] أنا. لا أفهم... هل فعلتُ شيئاً أزعجكِ؟
تابيثا
بصراحة، نعم. لقد شغلتِ حيزاً في المسرح كان يمكن استعماله لشيء آخر قيِّم.
ريغِن
لكنكِ لا تعرفين حتى أن [عرضي المسرحي]...
تابيثا
هذا صحيح. لم أقرأ منه كلمة واحدة، ... لكن بعد افتتاحية الغد سأكتب أسوأ نقد قرأه أحد في حياته. وسأنسف عرضكِ المسرحي. أتريدين أن تعرفي لماذا؟ لأنني أكرهكِ وأكره أمثالكِ.
الرجل الطائر (Birdman)، أليخاندرو غ. إيناريتو
إن تصوُّر أن ناقد الفيلم، بصفته حَكَماً جمالياً، «يفهم» أكثر من المخرج، وبالتالي يستطيع أن يفرض «ما ينبغي» و«ما لا ينبغي» على الفنان صانع الفيلم، هو من أكثر المغالطات رسوخاً في عالم الفن. التصور الشائع هو أن الكم الهائل من المعلومات الموسوعية لدى الناقد عن تاريخ وفن السينما تمكّنه ظاهرياً من إصدار أحكام قيمة جمالية مطلقة؛ في حين أن قليلاً من التحليل الفلسفي-اللغوي يكشف، بمعنىً ما، عن كون أحكام القيمة هذه التي تبدو موضوعية لغواً أو اعتباطية.
لإزالة السحر عن سلطة أحكام القيمة الجمالية للناقد، يكفي أن ننتبه إلى استخدامه لكلمة «ينبغي»: «الفيلم يبدأ متأخراً جداً، كان ينبغي أن تبدأ الفيلم أبكر! (أو بالمصطلح التقني، كان ينبغي أن تعرض الحادثة المحرّكة (inciting incident) أبكر)». تأمل هذه الجملة الافتراضية التي يوجهها الناقد إلى المخرج. غالباً في مثل هذه الحالات، يحاول المخرج، مع قبوله بـ«منطقية» نقد الناقد، أن يبرر هذا «الضعف» في فيلمه بطريقة ما، وبهذا يضحي المخرج بنفسه مسبقاً قرباناً لنقود الناقد اللاحقة. ما يدفع المخرج والمشاهدين في مثل هذه الحالة إلى قبول (أو على الأقل عدم الاعتراض على) «النقد» المذكور هو هذا الافتراض المسبق الشائع بأن كلام الناقد نابع من تحليل موضوعي (غير متحيز) لـ«نواقص» الفيلم: الجميع يعتقدون أن الحكم الصادر عن الناقد «في نهاية المطاف» قائم على «مبادئ» فنية وجمالية.
لكن لا وجود لمثل هذه «المبادئ» الموضوعية إطلاقاً! كل نقود الناقد وكلامه، بقدر ما تتضمن أحكام قيمة مطلقة وحادة حول «جودة» أو «رداءة» فيلم ما، ليست سوى انعكاس لمعتقدات الناقد الشخصية البحتة ومشاعره وانفعالاته ورغباته. ليس وراء انتقاداته أي مبدأ علمي، ولا أي استدلال فلسفي راسخ، ولا أي دراسة إحصائية قطعية، ولا حتى أي إجماع بين-ذاتي نهائي.1
«الفيلم يبدأ متأخراً جداً، كان ينبغي أن تبدأ الفيلم أبكر!». سأحاول فيما يلي أن أبين أن استخدام الناقد لكلمة «ينبغي» (أو «لا ينبغي») في مثل هذه الجمل (في سياق النقد الفني) هو منطقياً بلا معنى، ولا يدل إلا على تعسف الناقد الشخصي.
«ينبغي» إلى جانب «أنصح» و«أرجو» هي ثلاثة أفعال كلامية توجيهية (directive speech acts) نسعى من خلال استخدامها إلى تغيير سلوك مخاطبنا اللغوي. بعبارة أخرى، نحن، لأي سبب كان، غير راضين عن وضع وحال مخاطبنا اللغوي الحالي (نعتبر وضعه الحالي على نحو ما خلافاً لرغبتنا) وباللجوء إلى هذه الأفعال الكلامية الثلاثة نحاول أن نحقق رغبتنا بدرجات في وجود المخاطب. لكن الفرق بين هذه الأفعال الكلامية الثلاثة يكمن في مقدار قوة وسلطة المتكلم على المخاطب/المستمع: نحن لا نقول «ينبغي» («نأمر») إلا لمن نملك عليه قوة وسلطة أعلى؛ ولا «ننصح» إلا من نملك قوة مساوية له؛ ولا «نرجو» إلا من نملك قوة أدنى منه.
في الخطاب اليومي، غالبًا ما تُستخدم أفعال الكلام الثلاثة هذه: الأمر (command)، والنصيحة (suggestion)، والالتماس (imploration) تحت لفظ «ينبغي»، بحيث لا يمكن التمييز الدقيق بينها إلا في سياق (context) المحادثة. فعندما يقول والد طفل مريض للطبيب، على سبيل المثال: «دكتور! أنت نفسك ينبغي أن تجري عملية جراحية لطفلي» — بافتراض أن والد الطفل ليس رئيس المستشفى أو أي مسؤول آخر — فإننا نشهد استخدام «ينبغي» بمعناها الالتماسي. في الواقع، يمكن إعادة صياغة جملة والد الطفل بشكل أكثر وضوحًا ودقة على النحو التالي: «دكتور! أتوسل إليك أن تجري أنت بنفسك العملية الجراحية لطفلي». وعندما يقول شخص لصديقه الحميم: «ينبغي أن تأخذ امتحان هذه المادة بجدية»، فإننا نواجه نموذجًا من الاستخدام النصحي للفظ «ينبغي»، بمعنى أن الشخص في هذا السياق يقدم فحسب خيارًا سلوكيًا أمام صديقه الحميم، بحيث لا يكون الصديق الحميم ملزمًا بقبول هذا الاقتراح — إن شاء، عمل بالنصيحة المذكورة. وأخيرًا، عندما يقول المخرج المُؤَلِّف للممثل: «في هذا المشهد، ينبغي أن تُظهر غضب الشخصية بشكل أوضح — وليس 'تحت الجلد' —»، فإن «ينبغي» قد استُخدمت بمنزلة أمر. وهذا المعنى الأخير لـ «ينبغي» (إضافة إلى كونه ينم عن قوة وسلطة تفوق غيرها من معاني «ينبغي») يختلف اختلافًا مهمًا آخر عن معاني «ينبغي» الأخرى: فعلى عكس «ينبغي» الالتماسية والنصحية، فإن «ينبغي» الأمرية مُلزِمة، بحيث إن عدم العمل بموجبها سيترتب عليه نوع من العقاب — في المثال الأخير، إذا أصر الممثل على مخالفة «ينبغيات» المخرج، فمن المحتمل أن يُستبعد من الفيلم.
والآن، بالنظر إلى هذه الاستخدامات الثلاثة المختلفة لـ «ينبغي» في الخطاب اليومي، فإن السؤال المهم والهادم هو: أي معنى من معاني «ينبغي» يقصده الناقد بالضبط في جملة «الفيلم يبدأ متأخرًا جدًا، كان ينبغي أن تبدأ الفيلم أبكر!»؟ هل يأمر الناقد المخرج بهذه الجملة، أم ينصحه، أم يلتمس منه؟
من البديهي أن الناقد، بقوله هذه الجملة، لا يسعى مطلقًا إلى الالتماس من المخرج، لأن الالتماس في حد ذاته (كما تبين سابقًا) ينم عن كون الملتمس في مرتبة أدنى، ومن المستحيل أن يعتبر الناقد نفسه (على الأقل من الناحية النظرية) «أدنى» من المخرج — فلو كان الناقد يعتبر نفسه أدنى من المخرج، لما أقدم على نقد فيلم المخرج؛ إن لعبة اللغة «النقد» في جوهرها تفترض مسبقًا السلطة النظرية للناقد.
ومن ناحية أخرى، لا يمكن أن يكون الناقد قد قصد المعنى النصحي لـ «ينبغي»، لأنه على الرغم من أن فعل الكلام هذا يدل على قوة متساوية بين المتكلم والمستمع، إلا أن «ينبغي» النصحية لا يترتب عليها أي إلزام عملي: يمكن للمخرج بسهولة أن يتجاهل «نصائح» الناقد دون أن يوجه إليه أدنى نقد. كذلك، فإن «ينبغي» النصحية (وكذلك «ينبغي» الالتماسية) يمكن أن يتفوه بها عمليًا أي شخص (ناقدًا كان أم غير ناقد) لديه إلمام يسير بالسينما. أي شخص، وبأي مستوى من السلطة والمعرفة، يمكنه أن يلتمس من مخرج فيلم (مثلاً) ألا ينهي أفلامه بـ «نهاية مفتوحة»؛ وأي متفرج يمكنه أن ينصح مخرج فيلم بأن يستخدم (مثلاً) «الكاميرا المحمولة على الكتف» بشكل أقل في صنع أفلامه.
والخلاصة أن الاستخدام الالتماسي والنصحي للفظ «ينبغي» يهدد وجود الناقد ومكانته الرفيعة، لأنه لا حاجة لأن يكون المرء ناقدًا كي يلتمس أو ينصح. وبهذا، فإن عدم الإلزام، وكذلك عدم اقتصار «ينبغي» الالتماسية والنصحية على الناقد، سيدفع الناقد جبرًا إلى استخدام «ينبغي» الأمرية. وهكذا، فإن جملة «الفيلم يبدأ متأخرًا جدًا، كان ينبغي أن تبدأ الفيلم أبكر!» ليست التماسًا ولا نصيحة، بل هي أمر.
هذا في حين أن تحليل قواعد «ينبغي»، اقتداءً بروح فلسفة فيتغنشتاين المتأخرة، سيُظهر أن استخدام الناقد لـ«ينبغي» الأمرية في سياق الحكم الجمالي على الفيلم لا معنى له تمامًا. بعبارة أخرى، ما دام الناقد ملتزمًا بالتفكير والكلام المنطقيين — وإن لم يكن ملتزمًا بالمنطق! فلا حاجة حتى لأن نلقي بالًا لكلامه — فمنطقيًا لا ينبغي له أن يستخدم «ينبغي» الأمرية. كل ما يمكن للناقد منطقيًا أن يعبّر عنه في نقد فيلم أو أي عمل فني آخر هو فقط أن يقول: «أنا أُفضّل أن تصنع الفيلم هكذا!» أو «لا أُفضّل أنك صنعت الفيلم هكذا!». بالطبع لن يعبّر الناقد أبدًا عن نواياه في قالب مثل هذه الجمل الذوقية والنفسية لأنه يدرك جيدًا أن مثل هذه الجمل ستُزيل الهالة العلمية والموضوعية عن أحكامه القيمية. كذلك، ردًا على مثل هذه الجمل التحكّمية من جانب الناقد، يمكن للمخرج الجريء أن يُجيب بسهولة هكذا: «حسنًا، لا تُفضّل، فليذهب إلى الجحيم!» أو «أصلًا لماذا أعتبر تفضيلك الشخصي كناقد أكثر احترامًا من تفضيلي الشخصي (أو حتى تفضيل مشاهديّ)؟».
استخدام «ينبغي» الأمرية في الأحكام القيمية الفنية لا معنى له (nonsensical) لأن كل «ينبغي» تفترض «إذا» وكل «إذا» تفترض رغبة (desire) موجودة مسبقًا لدى المخاطَب. حين يأمر الأستاذ الجامعي الطالب قائلًا: «ينبغي أن تكتب مقالًا حتى نهاية هذا الفصل الدراسي»، يكون قد حذف مسبقًا لديه جملة شرطية من الجملة الأمرية المذكورة حذفًا لدلالة معنوية. في الواقع، الجملة الأمرية الأصلية للأستاذ كانت: «إذا كنت [مثلًا] تريد أن تجتاز هذه المادة الدراسية بعلامة كاملة، فينبغي أن تكتب مقالًا حتى نهاية هذا الفصل الدراسي». وهذه الجملة الشرطية نفسها تستند إلى افتراض مسبق بوجود رغبة لدى الطالب لاجتياز هذه المادة — فإذا لم تكن لدى الطالب أساسًا رغبة في اجتياز هذه المادة أو كانت لديه رغبة في الاتجاه المعاكس، فإن أمر الأستاذ سيكون جملة لاغية. وعليه:
كل «ينبغي» (أمرية) ¬إذا ¬رغبة
وبهذا، فحتى أكثر «ينبغي» الأمرية إحكامًا وإطلاقًا التي نستخدمها نحن البشر في علاقاتنا بعضنا مع بعض هي «ينبغي» مشروطة وقائمة على رغبتنا وإرادتنا في قبول هذه الشروط. حتى «ينبغي» الأخلاقية أو القانونية، من قبيل «لا ينبغي أن تعتدي دون سبب موجّه على حقوق المواطنين الآخرين»، هي في الواقع الصورة المحذوفة لهذا الحكم الكلي: «إذا كنت لا تريد أن تواجه العواقب الوخيمة — عقوبة الحبس والنفي من المجتمع المدني و... —، فلا ينبغي أن تعتدي دون سبب موجّه على حقوق المواطنين الآخرين». الآن، إذا أراد مواطن ما يومًا أن يواجه «العواقب الوخيمة» لفعله، فمنطقيًا لا يمكن منعه من الإقدام على الاعتداء دون سبب على حقوق الآخرين، وإن كان عمليًا يمكن التصدي له.
وعليه، فإن مشروعية ووجوب «ينبغي» الأمرية في أي سياق تستند منطقيًا إلى وجود نوع من العقاب أو على أية حال عواقب غير مرغوب فيها. يعبّر فيتغنشتاين عن هذه النقطة بكل جمال وإيجاز قائلًا:
ماذا تعني كلمة «ينبغي»؟ ينبغي على الأطفال أن يفعلوا هذا العمل يعني: إذا لم يفعلوا هذا العمل، فستحدث أمور غير سارّة. الثواب والعقاب. النقطة الأساسية هي: يُحفَّز الآخر على القيام بعمل ما. إذن «ينبغي» يكون ذا معنى حين يكون خلفه شيء يؤيده ويدفعه — قوة تمنح العقاب والثواب. «ينبغي» بحد ذاتها هراء (فيتغنشتاين، 1392: 41).
««ينبغي» بحد ذاتها هراء»؛ نحن البشر، على الأقل في أوجه كثيرة من الحياة المدنية، نعتبر أنفسنا ملتزمين تمامًا ببعض «ينبغي» («ينبغي» الأخلاقية، القانونية، العرفية، المصلحية...) لدرجة أننا نكون مدركين مسبقًا لنظام «الثواب والعقاب». مثل هذه المقاربة لـ«ينبغي» الأخلاقية والقانونية تحظى بالطبع بإجماع غالبية المواطنين الأسوياء في المجتمع المدني. بعبارة أخرى، الإيمان بهذا النوع من «ينبغي» ليس «هراءً» على الإطلاق لأنه أولًا يستند إلى رغبة محددة لدى المواطنين في بقاء الحياة الاجتماعية، وثانيًا يتضمن «الثواب والعقاب».
الآن، إذا كان كل «ينبغي» توجيهي ذي معنى يفترض منطقياً وجود رغبة محددة (لدى مخاطَب «ينبغي») ونظام «ثواب وعقاب»، فيمكن الاستنتاج أنه لا يوجد مطلقاً أي «ينبغي» توجيهي جمالي، لأن رغبة الفنان أو إرادته من إبداعه الفني (لدى الناقد) ليست محددة من جهة، ومن جهة أخرى، وعلى عكس حالة «ينبغي» الأخلاقي والقانوني، لا يوجد نظام «ثواب وعقاب» محدد ولا منازع فيه في عالم الفن (Artworld). إذن لا يمكن إصدار الأوامر للفنان، بصفته مبدعاً فنياً. كل فنان يبدع عملاً فنياً وفقاً لمقتضياته النفسية وأهدافه الشخصية: فنان يريد أن يصور حالات اكتئابه؛ فنان آخر يريد من خلال «أدائه» في الشارع أن يلفت انتباه الناس إلى تلوث الهواء؛ فنان آخر يريد من خلال عزف موسيقى مقدسة أن يبلغ إدراكاً للذات الإلهية... إلخ. من هنا يمكن الاستنتاج أيضاً أن الإبداع الفني، على عكس الأنشطة البشرية الأخرى، ليس له أي هدف موضوعي محدد ومجمع عليه، لأن «الهدف»، بحكم التعريف، هو تصور تحقق إرادة الفرد (لإحداث تغيير) في المستقبل، وقد رأينا أن الإبداع الفني يتقبل أي إرادة وبالتالي أي هدف. جميع مجالات النشاط البشري الأخرى، بما فيها الهندسة والطب والعسكرية والرياضة والسياسة وآداب المعاشرة الاجتماعية والطبخ والفلسفة... إلخ، لها هدف محدد ومجمع عليه بين الفاعلين: لا يمكن لأي مهندس، على سبيل المثال، أن يدعي أن هدفه من إنجاز مشروع هندسي هو مجرد بلوغ «إدراك للذات الإلهية»، وإن حدث وادعى ذلك فسيواجه بنوع من النبذ من قبل «نقابة المهندسين». بينما كل فنان يمكنه عملياً أن يفرض أي هدف ومثال شخصي على إبداعه الفني، وفي الوقت نفسه لا يواجه بأي نبذ من جانب عالم الفن — وإن حدث وواجه نبذاً من جانب عالم الفن، وخاصة النقاد الفنيين، فعليه أن يعلم أنه ببساطة قد وقع تحت رهبة تعسفات الناقد وفرض أذواقه.
هذا المنهج التحرري تجاه الفن يعبر عنه بابك أحمدي في مقال «الفن والحرية» ضمن كتاب الخلق والحرية على النحو التالي:
بالنظر إلى أن الجانب الوظيفي للإنتاج هو المحدد الرئيسي في كل عمل ونشاط، فبافتراض تحرر العمل الفني من هذا التحديد يمكننا الحديث عن نوع من الحرية النسبية للفنان. أي أننا متى اتفقنا مع السيميائيين على أن العمل الفني ليس تابعاً بشكل عام للوظائف الاجتماعية، أو قلنا مع أرسطو إن المسألة المهمة في الفن ليست «ما هو كائن»، بل «ما ينبغي أن يكون»، نستنتج أن العمل الفني ليس محدوداً ومقيداً بقدر المنتجات التكنولوجية البشرية الأخرى. بعبارة أخرى، في الفن نختبر الحرية. ...عالم النص، أو عالم العمل الفني، هو عالم يشكل فيه الفنان بحرية ما يرغب فيه، مثالياته، رغباته، ومستقبله (أحمدي، 1393: 160-159).
بما أن العمل الفني ليس من المفترض أساساً أن يخضع للقوانين الموضوعية للعالم الخارجي، أو بعبارة أخرى، وجود العمل الفني مرتبط كلياً بـ«رغبات» الفنان الذهنية، فإن العمل الفني، على عكس العمل الهندسي، هو تجلٍ لحرية الإنسان. اللذة الموجودة في الإبداع الفني هي لذة الإعمال الحر، بل حتى الجامح، لـ«إرادة القوة» لدى الإنسان بصفته فناناً. من هذا المنظور، الفنان هو إنسان ضاق ذرعاً بتقيد أفعاله وتعينها بفعل القوانين الصلبة للعالم الخارجي وكذلك الأعراف الاجتماعية، وبالتالي يتوق إلى فضاء يتحرر فيه من كل قيد.
«في الفن نختبر الحرية» وهكذا فإن الفنان، بصفته مبدعاً فنياً، متحرر أساساً من كل «ينبغي» عدا ما «ينبغي أن يكون» وفقاً لإرادته هو. لكن الناقد هو الذي يسعى أثناء نقوده وأحكامه القيمية إلى أن يُظهر بعض «الينابغي» وكأنها مشروعة وملزمة «بذاتها». وكما تمت البرهنة، فإن مشروع الناقد هذا، أولاً، لا معنى له وخاطئ منطقياً لأن كل «ينبغي» توجيهي يفترض مسبقاً وجود رغبة/إرادة (وبالتالي هدف) محددة ومجمع عليها، بينما في الإبداع الفني، وفقط في الإبداع الفني، لا توجد مثل هذه الرغبة/الإرادة؛ فبازاء كل فنان توجد رغبة/إرادة شخصية تماماً، فريدة، بل وحتى مجهولة.
لكن مشروع تحكّم الناقد هذا خاطئ أيضًا لسبب ثانٍ: يجادل فيتغنشتاين بأن "الوجوب" القواعدي ذا المعنى يتضمّن أفق "الثواب والعقاب"، بحيث يعلم المخاطَب بـ"الوجوب" أنه "إذا لم يفعلوا هذا، فستحدث أمور غير سارّة". والسؤال المطروح أمام الناقد الآن هو: ما هو "الثواب والعقاب" الذي تتضمّنه جملة "الفيلم يبدأ متأخرًا جدًا، كان ينبغي أن تبدأ الفيلم أبكر!"؟ بعبارة أخرى، لو كان صانع الفيلم قد بدأ فيلمه أبكر، فأيّ ثواب كان سيستوجبه؟ ولو كان، من جهة أخرى، قد بدأ الفيلم متأخرًا أكثر من هذا، فأيّ عقاب كان سينتظره؟ من الإجابات الشائعة أن صانع الفيلم لو كان قد بدأ الفيلم أبكر، لكان فيلمه قد حظي بإقبال المشاهدين. لكن مثل هذه الإجابات ستواجه بوضوح مشكلتين بحد ذاتها: أولاً، بأيّ حجّة يجعل الناقد "إقبال المشاهدين" معيارًا لتحكّمه المطلق؟ بعبارة أخرى، لماذا وبأيّ استدلال يُعتبر "إقبال المشاهدين" بمثابة "ثواب وعقاب" للإبداع الفنّي؟ هل تمتّعت جميع "الروائع" والأعمال "الفاخرة" السينمائية بـ"إقبال المشاهدين" بالضرورة؟ هل هؤلاء المشاهدون الحاليون الذين يُتّخذ "إقبالهم" معيارًا للحكم الجمالي لدى الناقد مستعدّون للجلوس في صالة السينما ومشاهدة "روائع" سينمائية كلاسيكية مثل الإضراب لأيزنشتاين، وآلام جان دارك لدريير، والختم السابع لبرغمان، أو التضحية لتاركوفسكي من أولها إلى آخرها دون أن يصيبهم الملل؟ ومن جهة أخرى، هل "الإقبال" الجماهيري الواسع لأفلام "تجارية" مثل المتحولون: الفارس الأخير، والسرعة والغضب 8، باتمان ضد سوبرمان: فجر العدالة وغيرها... يجعلها أفلامًا جيدة؟
في مواجهة مثل هذه الصعوبات، قد يجيب الناقد بأن رأي النقّاد وإقبالهم فقط (وليس "المشاهد العام") هو ما ينبغي اعتباره معيارًا لتقييم القيمة و"عقاب وثواب" الفعل الفنّي. من هذا المنظور، فإن "العقاب" الذي يجعل "الوجوب" لدى الناقد ذا معنى هو أن جماعة النقّاد سيعتبرون فيلم المخرج "سيئًا" (والأمر نفسه ينطبق على اعتبار الفيلم "جيدًا" بوصفه "ثوابًا"). هذا يعني أن كلام الناقد حين يقول "الفيلم يبدأ متأخرًا جدًا، كان ينبغي أن تبدأ الفيلم أبكر!" هو في الواقع صورة محذوفة ومختصرة لهذا الكلام: "أنت أيها المخرج تعلم أننا معشر النقّاد نمقت أن يبدأ الفيلم متأخرًا. إذن كان ينبغي أن تبدأ الفيلم أبكر. وحيث إن الأمر ليس كذلك، فإن "عقابك" هو أننا سنقيّم فيلمك بأنه "سيئ" أو قد ننتهج مؤامرة الصمت أو ما شابه...". لكن هذه الإجابة أيضًا لن تؤدي إلى نتيجة منطقيًا. أحد الأسباب هو أن هذا التوجّه الشائع المسمّى "استحسان النقّاد" (critical acclaim) الذي يجعل أساسًا "جودة" أو "رداءة" الفيلم (أو أيّ عمل فنّي آخر) رهينة باستحسان و"إقبال" النقّاد، يستلزم استدلالًا دائريًا أو دورًا باطلاً، بحيث لا يتّضح في النهاية لماذا يكون الفيلم "جيدًا" أو "سيئًا": "فيلم عربة الجياد لجون فورد فيلم جيد. لماذا؟ لأن روجر إيبرت أدرج هذا الفيلم في قائمته للأفلام العظيمة (Great Movies). لماذا أدرج روجر إيبرت هذا الفيلم في قائمته؟ لأن عربة الجياد فيلم رائع أساسًا. لماذا؟ لأن روجر إيبرت أدرج هذا الفيلم...".
دلیل دیگر خطا بودن این رویکرد این است که «تحسین منتقدین» امری منسجم و تغییرناپذیر نیست. جامعه ی منتقدین هنری، همچون جامعه ی هنرمندان، متشکل از افرادی با خواست ها، اهداف و پروژه های شخصی گوناگون و گاها متضاد است؛ هر منتقدی با توجه به چنین پیش-داشته هایی به تأویل و نقد فیلم می پردازد. علاوه بر این، نقد منتقد همواره به نوعی متأثر از پاردایم ها ی نظری و «استراتژی ها ی تفسیر» زمانه نیز هست: فیلمی را که منتقدینِ یک دهه آن را به تحقیر «تجاری» می نامیدند (و در واقع نزد خود آن را «تجاری» می دانستند) اکنون در روشنای انواع تفسیر ها و تحلیل های مارکسی-لکانی-ژیژکی به فیلمی «عمیق» تبدیل می شود، فیلمی که علارغم ظاهر «گیشه ای» اش حقایق ارزشمندی را در باره ی روان نژندی های نظام سرمایه داری آشکار می کند. اینگونه است که عرصه ی نقد هنری، باز همچون خودِ هنر، در واقع کارزار «خواست قدرت» شخص منتقدین است؛ همچون خود هنرمند، هر منتقدی تنها پروژه ی شخصی خود را پیش می برد و از این روست که میان منتقدین همگرایی نظریِ کامل امری نادر است—بر خلاف جامعه ی (مثلاً) مهندسین که هم گرایی نظری و روش شناختی اصلی مورد اجماع است.
نمونه ی بارز چنین تطوّراتی در ارزش داوری های زیباشناختی در سینما واکنش منتقدین به 2001: یک اُدیسه ی فضایی است. اَندور سَریس (2012-1928)، از برجسته ترین منتقدان سینمایی آمریکا که در شناساندن نظریه ی کارگردان «مؤلف» در آمریکا نقش مهمی داشت، در همان سال اکران فیلم کوبریک (1968) اینگونه در مجله ی The Village Voice می نویسد:
2001: یک اُدیسه ی فضایی یک شکست کاملا ناخوشایند و شاهدی گویا بر ناتوانی کوبریک در روایت کردن داستانی منسجم با زاویه ی دیدی منسجم است. فیلم او اصلاً یک فیلم نیست، بلکه بهانه ای است برای [ستون های] تبلیغات تصویری مجله ی Life. کوبریک، مانند لیلوک، بدون شک یک عکاس قابل است، اما عکاسان به ندرت کارگردانان بزرگی می شوند. 2001 [از لحاظ] نویسندگی و بازیگری چیز زیادی برای گفتن ندارد، و [فیلم در کل] معنای آنچنانی ای در بر ندارد. قسمت نخست فیلم در «طلوع انسان» از آنجایی شروع می شود که سیاره ی میمون ها تمام می شود. کوبریک و نویسنده ی علمی-تخلیلی آرتور سی. کلارک از یک مشت ماسک و لباس میمون استفاده می کنند تا یک نظریه ی بحث برانگیز درباره ی تکامل انسان در بستر زور و طمع را ارائه دهند...پایان [فیلم] ملغمه ای است از زیاده روی های روان گردان و توهم زا برای تکنسین ها ی جلوه ها ی ویژه و تمرینی در [نمایش] فانتزی های انتزاعی گیج کننده در [پیشگاه] معبد گشوده ی هنر والا (Sarris).
این نوشته ی سَریس2 را مقایسه کنید با نقد سراسر ستایش آمیز راجر ایبرت که در سال 1997 در سایت شخصی خود ایبرت منتشر شده است—ایبرت به فیلم چهار ستاره (از چهار ستاره) می دهد و آن را ذیل فیلم های بزرگ (Great Movies) خود قرار می دهد:
نبوغ [کوبریک] نه در مقدار زیاد [کار]،که در میزان کم [کاری] است که در 2001: یک اُدیسه ی فضایی انجام می دهد. این [فیلم] اثر هنرمندی است که چنان به طرز والایی به خود مطمئن است که هیچ تک نمایی را صرفاً برای نگه داشتن توجه ما [در فیلم] وارد نمی کند. او هر صحنه را به جوهر اصلی آن فرو می کاهد، و آن [صحنه] را به اندازه ی کافی بر پرده ی نمایش وا می نهد تا ما بر آن تأمل کنیم، تا در تخیّل خود در [آن صحنه] اقامت گزینیم. 2001، فیلمی بی همتا در میان دیگر فیلم های علمی-تخیلی، نه [صرفاً] با به هیجان آوردن ما، که با برانگیختن حس شکوهمندی در ما مرتبط است(Ebert).
در ادامه، ایبرت با اشاره به اکران خصوصی 2001 در لس آنجلس (در 1968 که خود ایبرت هم در آن حضور داشت) که طی آن بسیاری از حاضران (منتقدین، بازیگران و نمایندگان شرکت های توزیع فیلم) سالن را به نشانه ی اعتراض به پیچیدگی فیلم ترک کردند! چنین می نویسد که:
اینکه اکران اولیه ی [2001 را] یک فاجعه توصیف کنیم درست نخواهد بود، چرا که بسیاری از آنهایی که تا انتهای فیلم [در سالن] مانند متوجه شدند که یکی از بهترین فیلم هایی را تاکنون ساخته شده تماشا کرده اند.... قضاوت اولیه هالیوود این بود که کوبریک از مسیر خود منحرف شده است و به دلیل وسواسی که در جلوه ها ی ویژه و وسایل صحنه [به خرج داده]، نتوانسته است یک فیلم بسازد.
...[أما] ما أنجزه حقاً باستخدامه للصور كان بياناً فلسفياً حول مكانة الإنسان في الكون، وهو ما فعله أسلافه باستخدام الكلمات أو الموسيقى أو الدعاء (Ebert).
والآن، وبالنظر إلى هذين النقدين المتناقضين تماماً، فإن السؤال الذي يواجه مؤيدي نهج «إشادة النقاد» هو: أي النقدين هو الصحيح في نهاية المطاف؟ وبأي استدلال يمكن الاختيار عقلانياً بين هذين الرأيين المتعارضين؟ وهل مثل هذا الاختيار العقلاني ممكن منطقياً من الأساس؟ كيف يمكن التوفيق بين رأي ناقد بارز يعتبر 2001 «أحد أفضل الأفلام» في تاريخ السينما، ورأي ناقد بارز آخر يعتقد أن 2001 «ليس فيلماً على الإطلاق»؟
والخلاصة هي أن «إشادة النقاد» لا يمكنها أن تؤدي بفاعلية دور «الثواب والعقاب» لتحكمات الناقد وأوامره، لأن مديح النقاد وذمهم ليس متقارباً على الدوام، وهو شديد التغير تبعاً للظروف الزمانية والمكانية وكذلك سيكولوجية النقاد. إن أي فيلم، مهما كان غير مألوف و«طليعياً»، سيلقى في وقت ما اهتمام وإشادة ناقد طليعي في ركن ما من العالم.
وأخيراً، فإن السبب الثالث والأهم الذي يتحدى «إشادة النقاد» هو العناد المشروع للفنان. فالفنان الواعي بحقوقه الفلسفية لديه دوماً إمكانية الرد بقوة على جملة الناقد القائلة: «لو كنت بدأت فيلمك مبكراً لنلت إشادة أكبر من النقاد أو المشاهدين»، بأن يقول: «في الأساس، لم يكن مهماً بالنسبة لي شخصياً منذ البداية أن يلقى فيلمي استحسان المشاهدين والنقاد. ما كان ذا قيمة بالنسبة لي هو أن أصوغ، مثل أستاذي وودي آلن، هواجسي الفكرية في قالب فني، وقد فعلت ذلك.» حقاً، أي مأخذ يمكن أن يؤخذ على فنان كهذا بعد ذلك؟
أما الناقد المتمرس فلن يورط نفسه في مثل هذه الاستراتيجيات الواهية والمثيرة للجدل؛ فهذا الناقد، بوعيه المزعج بالحرية اللامحدودة للفنان، غالباً ما سيستند إلى سلسلة من «القوانين والمبادئ» الجمالية في السينما، «قوانين» تكون صادقة بشكل موضوعي، وبصرف النظر عن إقبال أو عزوف المشاهدين والنقاد، «قوانين» لا تقبل الجدل «يجب» أن تراعى في صناعة أي فيلم «جيد»، «قوانين» تُدرّس في جميع مدارس السينما المعتبرة في العالم، «قوانين» لا يمكن عدم مراعاتها! وهكذا، ستتحول جملة الناقد الأمرية في نهاية المطاف إلى: «كان يجب أن تبدأ الفيلم مبكراً لأن البدء المبكر للفيلم هو قانون من قوانين السرد السينمائي». من خلال هذه الجملة، يسعى الناقد إلى ما يُصطلح عليه بطرح «ينبغي متعالٍ»، «ينبغي» يكون ذا معنى وإلزام «في حد ذاته»، و«ينبغي» أن يُعمل به دون أخذ أي اعتبار أو افتراض مسبق (دون أي «إذا»). لكن حتى هذه الحيلة الأخيرة والأكثر وثوقاً لدى الناقد لفرض «إرادة القوة» خاصته على الفنان صانع الفيلم هي خاطئة منطقياً ولن تؤدي إلى نتيجة.
كان إيمانويل كانط أول من دافع بشكل منهجي عن وجود ووجوب مثل هذا «الواجب المتعالي» في كتابه تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق (1785م). كان كانط يعتقد أن كل «كائن عقلاني» سيكتشف، بمجرد التأمل في مفاهيمه العقلية، أن «قانوناً» واحداً وكلياً يكمن خلف أحكامنا القيمية الأخلاقية، «قانوناً» يكون صادقاً وواجباً «بشكل قبلي»، مستقلاً عن «مخاوف وميول» الفاعل وكذلك مستقلاً عن «العواقب الضارة» للفعل، وهذا «القانون» هو: «تصرف كما لو أن مبدأ [أو قاعدة] فعلك [سيكون]، بوساطة إرادتك، قانوناً كلياً للطبيعة» (Kant, 2005: 38). يسعى كانط، في كامل تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق، إلى إظهار أن «مبدأ الأخلاق» هذا في مرتبة «قانون الطبيعة» بل ومطابق له، وبهذه الطريقة يؤكد على إلزامية هذا «المبدأ» وكونه غير قابل للنقاش. ولهذا السبب يسمي كانط هذا «المبدأ» «أمراً مطلقاً» (categorical imperative)، «أمراً» يكون «ضرورياً في ذاته ودون إحالة إلى غاية أخرى، وبكلمات أخرى، ضرورياً بشكل موضوعي» (Kant, 2005: 31)، وذلك على النقيض من «الأوامر المشروطة» (hypothetical imperative) الأخرى التي لا تمثل سوى «الضرورة العملية لفعل ممكن بوصفه وسيلة لـ[بلوغ] شيء آخر مراد» (Kant,2005: 31). وهكذا، فإن الأوامر الذهنية للأخلاق (لدى «كائن عقلاني») تمتلك، بالنسبة لكانط، نفس صلابة «قوانين» الطبيعة الموضوعية وحصانتها من التجاوز، إنها أوامر هي في الواقع «قوانين يجب إطاعتها، أي يجب الانصياع لها حتى لو تعارضت مع الميول [الإنسانية]» (Kant, 2005: 33).
ضد هذا «الواجب المتعالي» / «الأمر المطلق» يحتج فيتغنشتاين (في الفقرة المنقولة عنه). يذكر فيتغنشتاين أنه لا يمكن أن يوجد أي «أمر مطلق» في الأخلاق لأنه، على عكس حالة «قوانين الطبيعة»، يمكن بسهولة تصور أن شخصاً ما لن يرغب في إطاعة هذا «الأمر». كان فيتغنشتاين قد عبر سابقاً عن هذه النقطة في رسالته المنطقية الفلسفية بقوله: «عندما يُطرح قانون أخلاقي من نوع، «لا ينبغي لك أن...»، فإن أول فكرة [تخطر ببال الإنسان] هي: «وماذا لو لم أفعل ذلك؟»» (Wittgenstein, 86,: 2001). هذا يعني أنه طالما لا يوجد خلف «الواجب»، حتى «الواجب المتعالي» الكانطي، شيء «يؤيده ويدفعه — قوة تثيب وتعاقب»، فإن مخاطَب الأمر الأخلاقي يمتلك دوماً إمكانية الامتناع عن الانصياع له، حتى مع قبوله «لعقلانية» «الواجب» المذكور.
كان هذا وهم كانط الذي ظن فيه أن مجرد كون «الأمر المطلق» «عقلياً» و/أو «كلياً» (universal) سيؤدي إلى قبوله والعمل به؛ في حين يُظهر فيتغنشتاين أنه في غياب رغبة/إرادة لدى المخاطَب، لا يمتلك «الأمر المطلق» أي قوة أو إلزام — فما لم تكن لدى المخاطَب رغبة في إطاعة الأمر الأخلاقي، فلن تحدث أي إطاعة. يُعمم فيتغنشتاين هذه النتيجة نفسها حول الأخلاق على علم الجمال أيضاً، أو بعبارة أدق، يعتبر الأخلاق نوعاً من علم الجمال: «الأخلاق وعلم الجمال هما شيء واحد» (Wittgenstein, 86:2001) — بمعنى أنه لا يوجد «أمر مطلق» لا في الأخلاق ولا في الفن.
كان كانط نفسه، بالطبع، واعيًا بهذا القصور الواضح في ميتافيزيقا الأخلاق لديه؛ ففي حاشية بالفصل الأول من تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق، يقرّ كانط بأن إلزامية «الأمر المطلق» تستند، في نهاية المطاف، إلى تحفيز نوعٍ من «الاحترام» لـ«القانون»، «ولكن على الرغم من أن الاحترام هو [نوعٌ من] الشعور، فإنه [في الوقت ذاته] ليس شعورًا مُتَلَقًّى عبر المؤثرات [الخارجية]، بل هو [شعورٌ] مُحْدَثٌ ذاتيًا (self-wrought) بمفهومٍ عقلي، وبالتالي فهو متميزٌ تحديدًا عن سائر أنواع المشاعر السابقة، [المشاعر] التي تُحال إما إلى الخوف وإما إلى الميل. كل ما أعترف به آنيًا كقانونٍ لي، أعترف به باحترام» (Kant,2005: 17). وهكذا يلوذ كانط، على حد تعبير نيتشه، بـ«ملاذه المتعالي»؛ فـ«أمره المطلق» ليس «مطلقًا» وغير مشروط إلى هذا الحد، بل هو، في التحليل النهائي، «أمرٌ» «مشروطٌ» بتحفيزٍ شعوري – الذي هو «متميزٌ» على نحوٍ غريب عن سائر المشاعر الإنسانية! – لدى المُخاطَب.3 ماذا لو لم يثرْ فيَّ «احترامٌ» إزاء «الأمر المطلق»؟ ماذا لو لم أشأ أساسًا أن أُكنَّ «الاحترام» لـ«الأمر المطلق»؟
إن الناقد المتضلّع واقعٌ في مثل هذا الوهم الكانطي حين يتحدث عن «قوانين» فنية، ويسعى، بالاحتكام إلى هذه «القوانين»، إلى فرض «أمرٍ مطلق» أو «ينبغي» لا يقبل الجدل على المخرج. الإشكال الأساسي في نقدٍ كهذا هو الخلط بين مفهوم «القانون» ومفهومٍ مشابه هو «الاتفاق»، وهو خلطٌ شائعٌ جذوره في العلموية (scientism) السائدة في الخطاب الفني ومجتمع النقاد.
مفهوم «القانون» لا يُستخدم بشكلٍ ذي معنى أساسًا إلا في سياق العلوم التجريبية والرياضية والمنطقية، وإلى حدٍ ما العلوم الاجتماعية. وبهذا المعنى، يعبّر مفهوم «القانون» عن يقين العقل أو الحدس الإنساني الذي لا يتزعزع بمبدأٍ ما، وعن الاستحالة المطلقة لقبول خلاف ذلك المبدأ. لذا، فعندما نتحدث عن «قانون نيوتن الثالث»، فإننا في الواقع نصف النمط السلوكي للأشياء العينية – أي أنه إذا أثرت كتلةٌ بقوةٍ على كتلةٍ أخرى، فإن الكتلة الثانية ستؤثر بقوةٍ مساويةٍ لها في المقدار ومعاكسةٍ لها في الاتجاه على الكتلة الأولى – على نحوٍ نُقرّ معه بأنه من غير الممكن أن نلاحظ شيئًا يخالف هذا النمط السلوكي للأشياء – وإن لاحظنا، مصادفةً، خرقًا كهذا لـ«قانون نيوتن الثالث»، فإننا مضطرون إما إلى دحض «القانون» المذكور أو تعديله وتقييده على الأقل، وإما إلى اكتشاف «قانونٍ» أحدث وأشمل. إن عدم قابلية تصوّر خرق الأشياء لنمطٍ سلوكي هو ما يُسمى بـ«القانون». هذه الخاصية الأخيرة لـ«القانون» تجعل سلوك الأشياء قابلًا للتنبؤ أيضًا، ومن هنا يمكن أن ندرك أن مفهوم «القانون» لا ينطبق على النمط السلوكي الإنساني، إذ ثمة دائمًا إمكانية أن يخرق الإنسان، على عكس الأشياء، نمطه السلوكي المتسق.
الخاصية الأخرى، والأكثر أهمية، لـ«القانون» هي أنه في حال خرق القانون أو التغافل عنه، سيواجه الإنسان عواقب غير مرغوب فيها ومؤسفة من قِبَل العالم الخارجي؛ فإذا أعلن شخصٌ ما، على سبيل المثال، أنه لا يقبل «قانون نيوتن الثالث» ثم لكَمَ الحائط بقبضته، فلن يسعه أن ينجو من شر «عقاب» الحائط.
مفهوم «الاتفاق» أو «العُرف»، مع ذلك، يختلف اختلافًا جوهريًا؛ فـ«الاتفاق» لا يمثّل بأي حال من الأحوال نمطًا سلوكيًا للأشياء والظواهر العينية. فعلى عكس «القانون» الذي يتمتع بوجود مستقل عن الذهن (mind-independent) — سواء وُجدنا نحن البشر أم لم نوجد، وسواء شئنا أم أبينا، فإن «قانون نيوتن الثالث» قائم في الكون —، فإن وجود «الاتفاق» يعتمد كليًا على وعي وإرادة وقرار مجموعة من البشر ذوي المصلحة. ومن هنا فإن «الاتفاق» هو نتاج توافق بين-ذاتي قائم على سلوك مجموعة من البشر وفقًا لرغبة/إرادة أطراف «الاتفاق». ولهذا السبب أيضًا يمكن بسهولة تصوُّر سلوك مخالف تمامًا لما تم الاتفاق عليه بين بضعة أشخاص في «اتفاق» ما. وبهذا المعنى فإن مؤسسة الزواج الأحادي (والزواج نفسه) ليست «قانونًا طبيعيًا»، بل هي «اتفاق» إنساني، لأنه يمكن ببساطة تصوُّر مؤسسة تعدد الزوجات أو حتى العزوبية (وكذلك مشاهدتها في الواقع الفعلي). وفي هذا السياق، وعلى النقيض تمامًا من «القانون»، في حال خرق «الاتفاق»، سيواجه الإنسان عواقب وخيمة، ليس من قِبل العالم الخارجي، بل من قِبل البشر الآخرين أطراف «الاتفاق». فإذا ترك شخص ما اليوم، دون أي مبرر، أسرته القائمة على الزواج الأحادي وسلك طريق العزوبية أو تعدد الزوجات، فلن يواجه أي رد فعل، أو أي «ثواب وعقاب» من جانب العالم الخارجي، ولكن في الوقت نفسه، من المحتمل والمتصوَّر تمامًا أن يمدح البشر الآخرون هذا القرار أو يذمّوه.
لذا، بينما نحن مضطرون لاتباع «القوانين»، فإننا، بحكم التعريف، ندخل في «اتفاق» ما أو نخرج منه بإرادتنا الحرة ورغبتنا.
والآن، مع هذه الإيضاحات، هل ما يسود في عالم الفن هو «قوانين» أم «اتفاقات» قائمة؟ هل «بدء الفيلم مبكرًا»، و«كونه حكّاءً»، و«حل العقدة في نهاية الفيلم»، و«استخدام الكاميرا المحمولة على الكتف»، و«كون السيناريو مبنيًا على ثلاثة فصول»، و«المونتاج المتصل الهوليوودي»... إلخ، هي «قوانين» موضوعية لا يمكن خرقها، أم أنها مجرد سلسلة من «الاتفاقات السيميولوجية» بين بعض المخرجين والجمهور (والنقاد)؟ من الواضح أن كل هذه الحالات هي مصاديق لـ«الاتفاق»؛ ليس فقط لأنه يمكن تصوُّر خرقها بسهولة، بل يمكن أيضًا رؤية أمثلة لا تُحصى لخرق هذه «الاتفاقات» في تاريخ السينما (والفن عمومًا). كما أنه ليس الأمر بحيث إذا خرق المخرج هذه «الاتفاقات»، فإنه سيواجه رفضًا أو «عقابًا» من العالم الخارجي — إذا صنع مخرج فيلمًا غير حكّاء، فهل (مثلًا) سيُصاب بالسرطان؟! ما سيواجهه مثل هذا المخرج المفكك للبنى، في أسوأ الأحوال، هو شزر العيون وتقطيب الجباه من قِبل النقاد (وهذا كل ما بوسع الناقد فعله)، وقلة إقبال المشاهدين، أو عدم الفوز بجائزة إخراجية ما، وهي «عقوبات» يمكن لمخرج جريء ومستقل ألا يعيرها أي اهتمام.
من هذا المنطلق، يمكن تعريف الطليعية في الفن بأنها جرأة الفنان على خرق (أو الخروج عن) مثل هذه «الاتفاقات»، وهذا يعني أن مجرد وجود ظاهرة تُدعى الطليعية في عالم الفن تثبت أنه لا يوجد إطلاقًا أي «قانون» في عالم الفن، لأنه لو كان مثل هذا «القانون» موجودًا، لما تمت الإشادة بالفنان الطليعي كرائد في فتح آفاق جديدة للتجربة الفنية، بل لتم نبذه من عالم الفن كمخالف للقانون. هذا في حين أن كل ما نسميه الآن «قانونًا» في عالم الفن والسينما هو نتاج خرق فنانين طليعيين لـ«اتفاقات» مقبولة من فترات فنية سابقة — إن تاريخ الفن أساسًا هو تاريخ خرق الطليعيين لـ«الاتفاقات» الفنية. لذا، فإن وجود الطليعية في الفن ينفي وجود «القانون» في الفن.
يمكننا الآن أن نرى بوضوح أن الناقد، من خلال «يجب» و«لا يجب» الإلزامية «المطلقة»، يسعى في الواقع إلى إظهار ما هو مجرد «اتفاق» قابل للخرق على أنه «قانون» لا يمكن خرقه. فالناقد، شأنه شأن كانط، يطلب من الفنان أن يتصرف «كما لو» أن «بدء الفيلم مبكرًا»، و«كونه حكّاءً»... إلخ، هي «قانون كوني شامل للطبيعة».
لإظهار عبثية هذا النهج الكانطي للناقد، يكفي أن نأخذ بعين الاعتبار مخرجًا مستقلاً يخرق أحد أقدم وأرسخ «قوانين» الكتابة الدرامية. تخيلوا أن هذا المخرج قد صنع فيلمًا يبدو في بدايته ملتزمًا بكل «أعراف» السينما القصصية الهوليوودية، فيلمًا بعنوان فجأة انتقام يروي قصة إنسانين محبطين ومتمردين هدف حياتهما ومعناها هو الانتقام من مدير فاسد لأحد البنوك — خلال الفصل الأول تُعرض الشخصيات ودوافعها وكذلك العقبات التي تعترض طريقها، ويحدد «الحدث المحرك» مسار حركة الشخصيات الرئيسية في الفصلين التاليين و... يسير الفيلم على هذا المنوال حتى يقترب من نقطة ذروة الفصل الثاني (مواجهة إحدى الشخصيتين الرئيسيتين لمدير البنك)، ولكن بينما تقترب هذه الشخصية من البنك، تسقط قطعة حديد من مبنى نصف مشيد مجاور للبنك على رأسها فترديها قتيلة في الحال؛ بمجرد الموت المفاجئ للشخصية، تنقطع الصورة على الشاشة: يغرق كل شيء في الظلام ولا تظهر حتى أية إشارة لعناوين النهاية. وهكذا ينتهي فيلم قصصي هوليوودي كان من المفترض أن يسلي المشاهدين لمدة ساعتين، في الدقيقة الخمسين. يغادر المشاهدون الصالة بعد فترة من التوقف والذهول.
في رد فعله على فيلم غير تقليدي كهذا، يعتقد الناقد أن الفيلم، رغم ما فيه من ابتكارات وطرافة في التصوير السينمائي والتمثيل، قد خرق «قانون» الحبكة ذات الفصول الثلاثة، ذلك «القانون» الأرسطي القائل بأن الحبكة (التي هي برأي أرسطو «روح التراجيديا») يجب أن يكون لها «بداية ووسط ونهاية». يستدل الناقد بأن فيلم فجأة انتقام ليست له «نهاية» وأن الفيلم يتوقف فعليًا في «الوسط»، فلا يُتطرق إلى مصير الشخصية الثانية (بعد الموت المفاجئ للشخصية الأولى)، وبذلك يذهب كل ذلك الوصف لخصائص الشخصية الثانية والتمهيد (foreshadowing) لأفعالها المستقبلية في الفصل الأول سدى. في معرض متابعته، وبعد أن يسوق الناقد مقولة جان-لوك غودار الشهيرة «يجب أن يكون للقصة بداية ووسط ونهاية، ولكن ليس بالضرورة بهذا الترتيب»، ينوه إلى أنه حتى في الأفلام الطليعية وأفلام «الموجة الجديدة» يُراعى هذا «القانون» الأرسطي بشكل ما. في النهاية، يستنتج الناقد أن فجأة انتقام «ليس فيلمًا على الإطلاق» ولا يوجد أي منطق وراء توقف الفيلم في «وسط» الحبكة: يبدأ الفيلم بادعاءات و«أعراف» بصرية وروائية لفيلم هوليوودي، ولكن لاحقًا يختل كل شيء؛ فجأة انتقام ليس سوى خدعة متصنعة شبه طليعية، وهي حتى في كونها شبه طليعية غير متماسكة!
في مقابل هذا التحكّم المغالطيّ، يمكن لمخرجٍ واعٍ بفلسفة إبداعه أن يقدّم دائمًا هذا المسار الاستدلاليّ القائل بأنّ «امتلاك بداية ووسط ونهاية»، وكون العمل «حكّاءً» (بالمعنى الذي تقصدونه) و... هو «اتّفاق» وليس «قانونًا». بحكم التعريف، يدخل كلّ فردٍ في «اتّفاق» بإرادته/رغبته أو يخرج منه. أنا لا أستحسن هذا «الاتّفاق السيميائيّ» الذي تشيرون إليه؛ فعلى عكس «الاتّفاقات» في مجالات أخرى من النشاط البشريّ كالقانون والأخلاق والهندسة والسياسة و...، ليس الأمر بحيث إنّ خرق «الاتّفاقات» الفنّيّة يؤدّي إلى إبطال رخصة نشاطي، بصفتي فنّانًا! بل قد أُلفت النظر تحديدًا بسبب هذا الخرق. في أسوأ الأحوال، سأواجه تقطيب حاجبيكم ومراجعاتكم السلبيّة، وفي تلك الحال، وعلى غرار بطلي المحبوب في فيلم Birdman، ريغن تومسون، الذي يقول لناقده في مشهد المقهى: «كلّ هذه مجرّد تسميات... أنت فقط تضع تسميات على كلّ شيء»، لن آبه بـ«نقدكم». لكن بخصوص غياب «منطقٍ وراء توقّف الفيلم في المنتصف»، ينبغي أن أقول إنّ هدفي من هذا العمل كان أساسًا مساءلة البنية غير الواقعيّة لسيناريو الحكيّ الهوليووديّ. أنا على قناعة بأنّ صيغة «البداية والوسط والنهاية» بحدّ ذاتها لا تمتّ بصلة إلى تجربتنا الحياتيّة كبشر؛ فحياة الكثيرين منّا تتوقّف فجأة في «المنتصف» تمامًا وفي الذروة على يد الموت. مفهوم «النهاية» لا يكون ذا معنى إلّا في عالم «دراميّ»، وذلك بالنسبة لشخصيّات تنتظر، بعد «نقطة التحوّل» الثانية، «حلّ العقدة» لتعقيدات وأسئلة الفصلين السابقين. «النهاية» تعني أنّ الهدف قد تحقّق وأنّ الأسئلة قد أُجيب عنها؛ وبهذا المعنى، لا «نهاية» لحياتنا كبشر؛ فكلّ موتٍ هو «توقّف» لعمليّة بلوغ «نهايةٍ» ما. انتقام مفاجئ هو سردُ انتقامٍ مفاجئٍ لحدثٍ اسمه الموت من تفاؤل الإنسان بالحياة. في انتقام مفاجئ ينتقم المحتوى من الشكل. لقد استحسنتُ هذا، واستحسان الآخرين، بمن فيهم أنتم، ليس مهمًّا بالنسبة لي على الإطلاق ولا ينبغي أن يكون مهمًّا لأنّ الفنّ يعني أن تفعل شيئًا أو تصنع شيئًا بالطريقة التي يرغبها قلبك، بمعزلٍ عن «قوانين» العالم، وبمعزلٍ عن «اتّفاقات» الآخرين.
حقًّا، في مواجهة فنّانٍ مستقلّ ومفارقٍ بهذا الشكل، أيّ «نقدٍ» يمكن أن يُقدّم بعد ذلك؟
*
تحليل «قواعد» استخدام كلمة «ينبغي»، على غرار فلسفة فيتغنشتاين المتأخرة، يُظهر أن استخدام الناقد الفني لفعل الكلام «ينبغي» الأمرِي (command) في سياق الأوامر والنواهي والأحكام القيمية الجمالية المطلقة والموضوعية بشأن فيلم (أو أي عمل فني آخر) هو لغوٌ منطقيًا. يُظهر تحليل الاستخدام القواعدي لكلمة «ينبغي» أن فعل الكلام هذا ينطوي على ثلاثة افتراضات مسبقة على الأقل: كل «ينبغي» تفترض مسبقًا 1) رغبةً/إرادةً محددة لدى المتلقي بقبول مضمون «ينبغي»، 2) وجود نظام «ثواب وعقاب» و3) قوة وسلطة أعلى للآمر بالنسبة لمتلقي «ينبغي». وقد تبيّن أن أياً من هذه الافتراضات المسبقة لا تصدق على «ينبغي» الأمرِي الذي يستخدمه الناقد الفني مخاطبًا الفنان، وذلك أولاً لأن رغبة/إرادة (وبالتالي هدف) الفنان ليست دائمًا (بالنسبة للناقد) محددة، بل إن رغبة الفنان أو هدفه من الإبداع الفني قد يكون أحيانًا غامضًا أو مجهولاً حتى بالنسبة للفنان نفسه. وثانيًا، ليس معلومًا على الإطلاق بأي معنى يوجد في مؤسسة الفن نظام «ثواب وعقاب»؛ فليس الأمر أن كل الأفلام التي تُعتبر «جيدة» تحصل بالضرورة على «ثواب» أو أن كل الأفلام التي تُعتبر «سيئة» تتعرض لعقوبة «عقاب». كذلك، فإن الفنان (على عكس المهندس، والفيلسوف، والمؤرخ، والطباخ، والطبيب، والرياضي...) يمكنه ببساطة أن يرفض قبول «الثواب والعقاب» أو أن لا يكترث بهما ويبقى مع ذلك فنانًا—وربما يصبح بسبب عدم اكتراثه هذا وتمرده فنانًا طليعيًا. وثالثًا، ليس معلومًا على الإطلاق بأي معنى يمتلك الناقد قوة وسلطة أعلى من المخرج: هل دراساته النظرية هي التي تمنحه سلطة آمرة؟ في هذه الحالة، إذا كان مخرج (مثل أصغر فرهادي) لديه تعليم سينمائي و«دراسات نظرية»، فهل سيقبل الناقد أن له سلطة مساوية للمخرج؟--لن يقبل الناقد شيئًا كهذا أبدًا لأن (كما تبيّن سابقًا) قبول هذا التكافؤ في القوة والسلطة سيحول كل «ينبغي» الأمرية لدى الناقد إلى «ينبغي» توصيات، وبذلك يصبح الوجود الحصري للناقد في خطر. من ناحية أخرى، هل الناقد ممثل لهيئة قام أعضاؤها بالإجماع بتدوين وإقرار «أصول»؟ إذا كان الأمر كذلك، إذا كان جميع النقاد ملتزمين بـ«أصول»، والأهم من ذلك، منهجية واحدة، فلماذا لا يوجد تقارب بين النقاد (من النوع الموجود مثلاً في المجتمع العلمي)؟ لماذا لا ينتهي النزاع بين ناقد يرى سينما بيلا تار مثالاً أسمى للتعبير السينمائي وناقد آخر يرى سينما بيلا تار أساسًا نوعًا من الانحطاط في لغة السينما؟ وأخيرًا، هل توصل الناقد من خلال دراساته وكشوفاته وحدوسه النظرية إلى «قوانين» جمالية غير قابلة للانتهاك في الفن، وبالاستناد إليها يمتلك قوة وسلطة أعلى من الفنان؟ (كما تبيّن) لا يوجد «قانون» في الفن إطلاقاً، وكل ما هنالك هو «اتفاقات سيميولوجية» بين مجموعة من البشر ذوي المصلحة، «اتفاقات» يمكن للفنان، بحكم التعريف، أن ينتهكها وفقًا لإرادته وأهدافه ومثله العليا الشخصية تمامًا—إن إمكانية هذا الانتهاك الكامنة هي ما يصنع منه فنانًا.
.
هوامش
1_ لمناقشة أكثر تخصصًا حول الأحكام القيمية المغالطية للناقد الفني بشأن «جودة» و«رداءة» فيلم، راجع مقال «الجيد» و«السيء» للناقد الفني في مأزق الفلسفة» بقلمي نفسه والمنشور في صدانت.
2_ والأكثر إثارة للاهتمام، أن ساريس نفسه، في مراجعة أخرى كتبها بعد عامين من العرض الأول لفيلم 2001 (في 1970)، يغيّر وجهة نظره العدائية بالكامل. ساريس، وفقاً لقوله، يشاهد 2001 هذه المرة بعد تناول مادة مخلة بالنفس «قوية»! ثم يكتب ما يلي: «(بالنسبة لي) كان مدعاة للدهشة أن أشهد انعكاس [تراجع] رأيي الأولي. 2001 هو حقاً عمل عظيم لفنان عظيم. أياً كان ما هو عليه—وأنا لم أفتتن تماماً بعد بما هو عليه [2001]—فإن 2001 قد تم ضبطه والتحكم به بشكل جميل للتعبير عن رؤية المخرج لعالم المستقبل من زاوية الحساسيات الكونية في الماضي. حتى التمثيل الممل و[الوجوه] الخالية من التعابير [للممثلين] تتناغم تماماً مع الفضاء الذي تمزقت فيه العواطف الإنسانية بفعل المسافات اللاإنسانية»(Sarris).
3_ يعترف كانط في نهاية تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق بأن كيفية تمكن العقل المحض من مثل هذا «الأمر المطلق» بوصفه المبدأ الكوني الوحيد للأخلاق، دون إثارة أي رغبة أو مصلحة في الإنسان (دون افتراض أي «إذا» مسبقة)، أن يؤدي إلى فعل أخلاقي، بعبارة أبسط، فإن فهم وتبيين كيف أن «العقل المحض يصبح عملياً... هو أمر يتجاوز قدرة العقل البشري» (Kant, 82: 2005)!
.
المصادر الفارسية
أحمدي، بابك (1393)، آفرینش و آزادی، طهران: نشر مركز.
فيتغنشتاين، لودفيغ (1392)، درباره ی اخلاق و دین، تدوين وترجمة مالك حسيني وبابك عباسي، طهران: هرمس.
.
المصادر الإنجليزية
Ebert, Roger, 2001: A Space Odyssey (review), https://www.rogerebert.com/reviews/great-movie-2001-a-space-odyssey-1968
Kant, Immanuel (2005), Fundamental Principles of the Metaphysics of Morals, tr. Thomas Kingsmill Abbot, Dover Publications, INC. New York.
Sarris, Andrew, 2001: A Space Odyssey (1968) - Reviews by Andrew Sarris, http://scrapsfromtheloft.com/2017/12/04/2001-a-space-odyssey-1968-reviews-by-andrew-sarris/
Wittgenstein, Ludwig (2001), Tractatus Logico-Philosophicus, tr. D. F. Pears and B. F. McGuinness, Routledge. London.
الفن
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.