توضیح داریوش آشوری: دستنوشتههایِ بازمانده از نیچه و کتابهایِ مربوط به او در یک بنیاد (Klassik Stiftung Weimar) و کتابخانه (Herzogin Anna Amalia Bibliothek) در شهرِ وایمار در آلمان نگاهداری میشود. این بنیاد و کتابخانه برای پیشبردِ مطالعاتِ مربوط به نیچه کنفرانسهایی نیز برگزار میکند و انتشاراتي دارد. از جمله در ۲۳ تا ۲٥ ماهِ میِ سالِ ۲۰۰۲ کنفرانسي در بارهیِ چهگونگی تأثیرِ آثار نیچه در دیگر کشورها و زبانها در محلِ بنیاد تشکیل شد که در آن ۱۶ تن از مترجمانِ نیچه از چندین کشور (دانمارک، سوئد، بلژیک، ایتالیا، آرژانتین، روسیه، آلمان، برزیل، بریتانیا، ایران) به آن دعوت شده بودند.
از ایران مرا دعوت کرده بودند که مترجمِ فارسیِ چند کتاب از نیچه و ساکنِ فرانسه ام. عنوانِ کنفرانس «در بارهیِ اثرکردِ زیرزمینیِ دینامیت» بود، با الهام از وصفِ نیچه در بارهیِ خویش، که میگوید: «من آدم نیستم، من دینامیت ام.» (نکـ: زیرنویسِ vii در پایانِ مقالهیِ زیرین). آن بنیاد و کتابخانه از مقالههایِ ارائه شده در کنفرانس ۸ مقاله را برایِ انتشار برگزیدند که مقالهیِ من با عنوانِ “به خانه بازآمدنِ زرتشت”، به زبانِ انگلیسی، از آن جمله بود. این مقالهها همراه با گزیدهی مقالههایِ کنفرانسِ سپسین– که در سپتامبرِ همان سال با عنوانِ ” از همنشینیِ نیچه با کتابها تا همنشینی با کتابهای نیچه” در همان جا برگزار شد– امسال (۲۰۰۶) به دستِ ناشرِ آلمانی Harrassowitz Verlag. Wiesbaden منتشر شده است. عنوانِ کتاب این است:
Zur unterirdischen Wirkung von Dynamit
Vom Umgang Nietzsches mit Büchern zum Umgang mit Nietzsches Büchern
مقالهی زیر متنِ چاپ شده در آن کتاب است. امّا من در بازبینیِ آن متوجّهِ دو لغزشِ تایپیِ کوچک و دوـسه لغزشِ متنی از سویِ ویراستارِ انگلیسیِ مقاله شدم که آنها را در متنِ کنونی اصلاح کرده ام. همچنین در موردِ تاریخِ نشرِ نخستین ترجمهی چنین گفت زرتشت به فارسی، با به دست آوردنِ چاپی که بهتازگی—برایِ بهرهگیری از گرمیِ بازارِ آن کتاب—در ایران کرده اند، تاریخِ دقیقتری یافتم و در این متن گنجاندم.
همچنین نگاه کنید به مقالهی «نیچه و ایران» که من برای دانشنامهی ایرانیکا نوشته ام، و با این مقاله زمینههایِ مشترک دارد، و در این وبلاگ میآید.
داریوش آشوری
سپتامبرِ ۲۰۰۶
.
.
عودة زرادشت إلى الديار: "نيتشه في إيران"
فريدريش فيلهلم نيتشه (۱۸۴۴ -00۱۹) لُقِّب بفيلسوف الثقافة، لأن انشغال فكره الرئيسي هو بنشأة الثقافات البشرية وتطورها وتحولاتها التاريخية، ولا سيما أنظمتها الأخلاقية. وتحليلاته الثاقبة اللامعة للثقافات الأوروبية القديمة والوسيطة والحديثة، وآراؤه النقدية إزاءها، تشهد على سعة اطّلاعه الباهرة وخفة فكره بوصفه فيلسوفاً للتاريخ والثقافة. ومع أن نيتشه يركّز نظره على تاريخ أوروبا وثقافتها وتنحصر سعة اطّلاعه أساساً في هذا المجال، فإنه ليس غافلاً عن الثقافات الآسيوية القديمة، ولا سيما الصين والهند وإيران، ويشير إليها كثيراً، خصوصاً في مقام المقارنة بين الثقافات. وهو يثني مراراً على ’الحكمة‘ الآسيوية في مقابل العقلانية الحديثة.
كان نيتشه طالباً لامعاً في فقه اللغة الكلاسيكي (اللسانيات التاريخية للغتين اليونانية واللاتينية القديمتين) وقبل أن يُنهي مرحلة الدكتوراه في هذا التخصص، عُيِّن أستاذاً له في جامعة بازل. معرفته الواسعة باللغات والتاريخ والثقافة اليونانية والرومانية تتجلى في نقاشاته الكثيرة حولها، وكذلك في الإشارات التي لا تُحصى إليها في مجمل كتاباته. له على الأقل كتابان منفصلان عن الثقافة والفلسفة اليونانيتين، أحدهما مولد التراجيديا، والآخر الفلسفة في العصر التراجيدي لليونانيين، وكلاهما من كتبه الأولى. معرفته العلمية بتاريخ وثقافة اليونان وروما، ودراسته للآثار التاريخية المتبقية منهما، كانت سبباً في معرفته بتاريخ وثقافة إيران القديمة أيضاً. فالإيرانيون، بوصفهم قوة آسيوية عظمى، كانوا في صراع دائم أولاً مع دول المدن اليونانية ومن ثم مع الإمبراطورية الرومانية. في مجموعة كتاباته، بما في ذلك الشذرات والملاحظات المتبقية في دفاتره، والتي تشكل حجماً كبيراً من مجمل كتاباته، يذكر الإيرانيين القدماء كثيراً. يمكن رؤية تعلق نيتشه بإيران وإعجابه بثقافتها القديمة في اختياره اسم زرادشت ليكون المبشر بفلسفته، وكذلك في إطلاقه هذا الاسم على كتاب يعتبره أهم أعماله، ألا وهو هكذا تكلم زرادشت. لا يُظهر نيتشه اهتماماً خاصاً بتاريخ إيران في العصر الإسلامي، وإن كان يذكر المسلمين أحياناً، ويشيد بالحشاشين مرة واحدة على الأقل. ترد في ملاحظاته مرة واحدة إشارة إلى سعدي مع نقل طرفة من طرفه؛ لكنه يذكر اسم حافظ مرات عديدة ويتحدث عن شعره وذهنيته.
نظرة نيتشه إلى إيران القديمة
في مجموعة كتابات نيتشه، يُذكر اسم إيران (Persien) مرتين، ويُذكر الإيراني (persisch) عدة مرات، ومرة واحدة ما قبل الإيراني (vorpersisch)، وهي إشارات إلى علاقات دول المدن اليونانية مع الإمبراطورية الإيرانية، وأحياناً تحليل لها. ينصب اهتمامه، قبل كل شيء، على عواقب الحروب الفارسية اليونانية وأثرها العميق على العالم اليوناني، الذي أفضى إلى 'الحرب البيلوبونيزية' بين دولتي المدن أثينا وإسبرطة، بمشاركة دول المدن الأخرى. هذه الحرب تشغل اليونان بأكملها لمدة خمسين عاماً وتُخلّف دماراً هائلاً. علاوة على ذلك، يذكر الإيرانيين (die Perser) ثمانياً وعشرين مرة، وفي بعض شذراته (Fragmente) يمكن أن نجد بوضوح نظرته إلى الإيرانيين القدماء وثقافتهم. إنه، على وجه الخصوص، مُعجب ببراعة الإيرانيين في الرماية والفروسية والمقاتلة، وكذلك بحالتهم السيدية وإرادة القوة لديهم؛ وأيضاً بإصرارهم على فضيلة الصدق. هذه أفعال وقيم يراها جديرة بالحياة الإنسانية النبيلة. لكنه يُظهر أعلى درجات اهتمامه بالإيرانيين وتكريمه لهم حيث يتحدث عن إيمان الإيرانيين بالزمن؛ إيمان يشبه نظرته هو إلى الزمن و'عودته الأبدية'. تقف هذه النظرة في مقابل النظرة الميتافيزيقية اليونانية التي تضع، مع أفلاطون، الوجود 'الحقيقي' فوق الزمني في مقابل الوجود 'الافتراضي' الفاني أو الزمني: 'ينبغي لي أن أؤدي التحية لإيراني، لزرادشت. كان الإيرانيون أول من فكروا في التاريخ في كليته.' ويُتبع نيتشه ذلك في هذه الشذرة بالإشارة إلى الآلاف السنين في المعتقدات الدينية الإيرانية القديمة ويضيف، '[لقد فكر الإيرانيون في التاريخ] كسلسلة من العمليات، كل حلقة بيد نبي. لكل نبي ألفيته (hazar)؛ مملكته الألفية.' في هكذا تكلم زرادشت يتحدث عن 'الألفية الكبرى (grosser Hazar) لمملكة زرادشت'، 'مملكة الإنسان الكبرى البعيدة، مملكة زرادشت الألفية.'
في مخطوطةٍ من بين الأعمال المنشورة بعد وفاته، يتأسّف على فرصةٍ تاريخيةٍ ضائعة، متسائلاً لماذا لم يَسُدِ الفرسُ على اليونان بدلاً من الرومان: ’كم كان خيراً، بدلاً من هؤلاء الرومان، لو صار الفرسُ أسيادَ (Herr) اليونانيين.‘ يمكن تفسير هذه الملاحظة القصيرة بأن نيتشه يُظهر هنا أيضاً ميله نحو النظرة الزمانية الإيجابية لدى الفرس في مقابل الميتافيزيقا اليونانية. فبسيطرة الرومان على اليونان، هيمنت الثقافة اليونانية وميتافيزيقاها الفلسفية على فضاء روما، ومهّدت الطريق لظهور المسيحية ونظرتها الأخروية الهاربة من الزمن ورؤيتها العدمية إزاء الحياة الأرضية. يرى نيتشه أن المسيحية، بوصفها دين ’المساكين‘، ترفض الحياة الأرضية الزائلة باسم ’ملكوت السماء الأبدي‘، وبذلك تحوّل النظرة الإيجابية أو ’القائلة بـ نعم‘ للحياة إلى نظرة سلبية. بينما كانت سيطرة الفرس على اليونان، بنظرتهم الإيجابية إلى الحياة والزمن، قادرة على تغيير مسار هذا التيار ومنع حدوث واقعة مشؤومة في التاريخ.
زرادشت الفارسي وزرادشت نيتشه
يستخدم نيتشه في كتاباته الأولى الاسم المألوف Zoroaster، وهو من أصل يوناني ومستعمل في اللغات الأوروبية. يظهر Zoroaster لأول مرة في ملاحظات ۱۸۷۰-۷۱؛ أي قبل عقد من كتابة هكذا تكلم زرادشت. في هذه الملاحظة، وربما بنبرة متأسفة، يقول: ’لو لم يُهزم داريوس، لكان دين زرادشت قد ساد على اليونان.‘ كما يشير في رسالة من هذه الفترة، نُشرت بعد وفاته، إلى قصة تتلمذ هرقليطس على زرادشت (Zoroaster). يظهر اسم زرادشت بصيغته الفارسية القديمة، أي Zarathustra، لأول مرة في كتاب العلم المرح، (الفقرة ۳۴۲) الذي نُشر عام ۱۸۸۲. وقد أدرج نيتشه هنا الفقرة الأولى من ’مقدمة زرادشت‘، أو صلاته أمام الشمس، من كتاب هكذا تكلم زرادشت. وفي العام التالي، تأخذ هذه الفقرة مكانها الأصلي عند نشر الجزء الأول من الأجزاء الأربعة لكتاب هكذا تكلم زرادشت.
يجدر بنا أن نتساءل لماذا تخلى نيتشه عن الاسم المألوف Zoroaster واتجه إلى صورته الإيرانية القديمة، أي Zarathustra؛ صورةٌ لم يكن يعرفها على الأرجح سوى الفيلولوجيين المتخصصين في اللغات الهندو–إيرانية القديمة؟ هو نفسه لا يقدم توضيحًا حول هذا الأمر، لكن السبب، في اعتقادي، قد يكون أن نيتشه يريد أن يدخل في حوار لا مع زرادشت المعروف في أوروبا عبر اليونان، بل مع زرادشت الأصلي في فجر التاريخ. وكما يقول هو نفسه، فإنه يريد من خلال هذا الحوار أن يقدم الاحترام للمفكر الكبير الأول، وأن يُذكّره بأعظم 'خطأ' ارتكبه، وأن يصحح على لسانه هذا الخطأ الأعظم في بداية التاريخ البشري. الخطأ الأصلي لزرادشت—— ولجميع مؤسسي الأديان والفلاسفة الكبار الذين وضعوا أساس تاريخ الفكر البشري حتى اليوم—— هو أنهم فسروا الوجود على أساس القيم، على أساس الأخلاق، على أساس الخير والشر. زرادشت، النبي الإيراني، في فجر التاريخ البشري، رأى الوجود ساحةً للحرب بين الخير والشر تتجلى في وجهين إلهيين متصارعين، هما أهورا وأهريمن. هذا التفسير هو الرائد للتفسير المسيحي الذي يعتبر الوجود ساحةً 'للخطيئة والعقاب الأبدي'، أو التفسير السقراطي والأفلاطوني الذي يُجلس مثال 'الخير'، بوصفه القيمة العليا، على عرش الوجود. يضع نيتشه في مقابل هذه الأخلاقوية (Moralismus) لاأخلاقويته (Immoralismus) التي ترى الوجود في جوهره متحررًا من القيم البشرية، وتسعى إلى أن تعيد إليه 'براءته' الأولى. وهكذا، فإن أنطولوجيا زرادشت الأصلي الأخلاقوية، التي ظهرت في بداية التاريخ وشكلت ذهنية البشرية وثقافتها، تقف في مقابل أنطولوجيا زرادشت نيتشه اللاأخلاقوية التي، في نهاية هذا التاريخ، وفي زمن بزوغ 'الإنسان الأخير' تطلق نداء العبور من الإنسان إلى الإنسان الأعلى. الإنسان الأعلى هو إنسان تغلب على 'إنسانيته' وعاد إلى البراءة الأولى؛ إنسان يستطيع أن يضحك على 'إنسانيته' الأخلاقية، وعلى كل تجهمها وتشددها وجفافها. الإنسان الأعلى هو إنسان 'ضاحك' يحرر الوجود من كل الألوان والخدع البشرية (البشرية جدًا) ويتقبله، بإرادته المتحررة من 'الحقد'، كما هو، ويقول للحياة 'نعم'.
وهكذا، فإن لاأخلاقوية زرادشت نيتشه هي النقيض التام أو النقطة المقابلة لأخلاقوية زرادشت الأصلي. نيتشه في كتابه هو ذا، الإنسان!، الذي يشرح فيه حياته الفكرية ويقدم تحليلًا موجزًا لأعماله، يوضح سبب اختياره لاسم زرادشت لرواية فلسفته:
لم يسألني أحد قط، لكن كان ينبغي أن يسألوني، عن معنى اسم زرادشت في فمي؛ في فم أول لاأخلاقوي: معناه هو بالضبط نقيض ذلك الشيء الذي يجعل هذا الإيراني (Perser) فريدًا بشكل مذهل في التاريخ. زرادشت هو من اعتبر صراع الخير والشر العجلة الدوارة لجهاز الوجود. ترجمة الأخلاق إلى ميتافيزيقا، بوصفها قوةً [محركة]، وعلة، وغاية في ذاتها، هي من صنعه. لكن هذا السؤال كان يحمل في طياته جوابه. زرادشت هو من أوجد هذا الخطأ الأكثر شؤمًا، خطأ الأخلاق: إذن، ينبغي أن يكون أيضًا أول من يدرك هذا الخطأ. ليس فقط لأن لديه تجربة أطول وأكثر من أي مفكر آخر في هذا الباب——— فالتاريخ برمته هو تفنيد تجريبي لمبدأ ما يسمى 'النظام الأخلاقي العالمي'——— بل فوق ذلك، زرادشت أصدق من أي مفكر آخر. تعاليمه، وتعاليمه وحدها، هي التي تضع الصدق في مقام أسمى فضيلة——— على عكس جبن 'المثاليين' وهروبهم من أمام الواقع. زرادشت يمتلك من الشجاعة ما يعادل كل المفكرين الآخرين. قول الحق ورمي السهام بدقة، هذه هي الفضيلة الإيرانية.———هل فهمتم ما أقول؟ … تجاوز الأخلاق انطلاقًا من الصدق، تجاوز الأخلاقي لنفسه وتحوله إلى ضده——— إليّ——— هذا هو معنى اسم زرادشت في فمي.
تروي الرواية الزرادشتية التقليدية أن زرادشت ذهب إلى الجبل في سن الثلاثين وقضى هناك عشر سنين في التأمل، ثم نزل إلى الناس في مقام المبشّر من قِبل إله الخير، أهورامزدا، ليُطلعهم على دوران عجلة الوجود على محور صراع الخير والشر ويدفعهم إلى الانحياز إلى جانب الخير. أما زرادشت الثاني فيحمل رسالةً هي النقيض التام لهذا، فهو لا يرى الوجود دائراً على محور الخير والشر فحسب، بل يراه مسرحاً للرقص واللعب متحرراً من كل قيد أخلاقي ميتافيزيقي. إذا كان زرادشت الأول، في فجر تاريخ انفتاح الأفق الروحي على البشرية، يعود من مكالمة الله ومقام التبشير عنه إلى الناس حاملاً كتاباً ’سماوياً‘، فإن زرادشت الثاني يظهر في نهاية هذا التاريخ الروحي حاملاً معه الرسالة الأكثر زعزعةً وتحريراً في آن: لقد مات الإله! بهذه الرسالة يُعلن نهاية إمكانية التفسير الأخلاقي والغائي للوجود وتاريخه الروحي والميتافيزيقا المؤسِّسة له، ويُبشّر البشرية بإمكانية تاريخ آخر. رسالته هي: ’كونوا أوفياء للأرض ولا تصدقوا أولئك الذين يحدثونكم عن آمال فوق-أرضية.‘
نيتشه، سعدي، وحافظ
يبدو أن اسمي سعدي وحافظ هما الاسمان الوحيدان من إيران العصر الإسلامي اللذان وردا في كتابات نيتشه. في مجموعة أعمال نيتشه، في مذكرة متفرقة، نُقلت نكتة حكمية عن سعدي ترجمتها كالتالي: ’سأل سعدي حكيماً: ممن تعلمت كل هذه [الحكمة]؟ قال: من العميان، فهم لا يرفعون قدماً من مكانها إلا بعد أن يختبروا الأرض تحتها بالعصا.‘ هذه نكتة يرويها سعدي على لسان لقمان – الرمز الأسطوري للحكمة في الأدبين العربي والفارسي – في ديباجة الغلستان: ’لقمان را گفتند، حكمت از كه آموختي؟ گفت، از نابينايان كه تا جای نبينند پای ننهند.‘ لم يقدم نيتشه أي تفسير لهذه النكتة، ولكن، استناداً إلى فلسفة نيتشه، يمكن القول إن هذا القول يعبّر عن حكمة متحفظة بطيئة الخطى؛ حكمة ’العميان‘، التي تقف حكمة نيتشه على النقيض منها تماماً، أي الحكمة البصيرة الجسورة التي تُسرع قائلة ’نعم‘ وتلقي بنفسها في قلب الحياة ومخاطرها، وتستلذ ’لذة شيطانية في الإسراع‘.
أما نيتشه فيجد أحد النماذج الرفيعة لحكمته البصيرة ’الديونيسوسية‘ في حافظ. ورد اسم حافظ عشر مرات في مجموعة أعماله. لا شك أن تعلق غوته بحافظ وإشادته به وبحكمته ’الشرقية‘ في الديوان الغربي-الشرقي لعب دوراً أساسياً في اهتمام نيتشه بحافظ. في كتابات نيتشه، يرد اسم حافظ في معظم الحالات إلى جانب اسم غوته، ويمتدح نيتشه كليهما بوصفهما قمماً للحكمة العميقة. حافظ عنده يمثل تلك الروح الشرقية الحرة التي، بوجد ديونيسوسي وبنظرة تراجيدية، تمجد الحياة بشغف فائض، وتُقبل على ملذاتها، وفي الوقت نفسه، لا تدير ظهرها لأخطارها وبلاياها (’بلایی کز حبیب آید، هزارش مرحبا گفتیم!‘). هذه، من وجهة نظر نيتشه، هي سمات المقاربة الإيجابية والجريئة، أو المقاربة ’التراجيدية‘، للحياة.
من بين المذكرات المتفرقة المتبقية من نيتشه، ثمة قصيدة موجهة إلى حافظ: ’إلى حافظ. سؤال شارب ماء.‘
تلك الحانة التي بنيتها لأجلك
أوسع من كل بيت،
الخمرة التي عتقتها فيها
يعجز العالم كله عن احتسائها.
ذلك الطائر الذي كان [اسمه] يوماً ققنس،
في البيت ضيفك،
ذلك الفأر الذي ولدته الجبال،
هو — أنت نفسك!
أنت الكل واللا شيء، أنت الخمر والحانة،
أنت الققنس، أنت الجبل، أنت الفأر،
أنت الذي تنصب في نفسك أبداً
ومن نفسك تطير أبداً —
أنت أعمق انخفاضات المرتفعات،
أنت أشدّ ضياءٍ في الأعماق سطوعًا،
أنت نشوةُ أكثرِ النشواتِ انتشاءً
——— ما لكِ، ما لكِ — وما للخمرة؟
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.