اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
كانت رواية «غادة الأندلس» حكايةً متخيَّلة عن سقوط الأندلس، لكنها تحوَّلت تدريجياً إلى ما يُشبه الحقيقة التاريخية بعد دخولها في تفسير طنطاوي جوهري وترجمتها الفارسية؛ مثالٌ على تحوُّل الحكاية إلى تاريخ في العالم الإسلامي.

كثيرًا ما يتحول الحكاية إلى تاريخ، تاركًا وراءه آثارًا قد تكون بالغة الجاذبية أحيانًا. أروي هذه التجربة غالبًا لطلاب التاريخ، لكنها، لارتباطها بأدبنا الديني المعاصر وبخاصة ما طُرح منه إبان الثورة، ستكون جذابة لعموم المهتمين أيضًا. آمُل أن يُتعامل معها بوصفها نظرية، وأن يرشدني هذا العبد الفقير إلى الله إن كان فيها موضع نقد.
ما سأستعرضه هو نموذج لكيفية تحول حكاية أو قصة إلى تاريخ يُستند إليه. ولا بد لي من الإشارة إلى أن هذا الأمر يحدث بكثرة، قصدًا أحيانًا وسهوًا أحيانًا أخرى، لكنه على أي حال يحتاج إلى أرضية مواتية؛ فإذا ما توفرت، تم هذا التحول بسهولة، وغدت القصة المختلقة حقيقة تاريخية، ثم يتسلل الاستناد إليها شيئًا فشيئًا من بين أوساط القصاصين لينفذ إلى أوساط من هم أعلى شأنًا قليلًا من الكتّاب، بل وحتى الباحثين الذين يكون مجال عملهم موضوعًا آخر، لكنهم يستخدمون هذه القصص بوصفها مسلّمات. يحدث هذا في أمم كثيرة، وله أمثلة لا تُحصى. غير أن القصص التي تُختلق بدوافع سياسية واجتماعية معينة من بينها تحتاج إلى مزيد من التدقيق. فهذه تُستخدم في حقبة زمنية ما، وغالبًا ما تكون منشأ لتغيرات تلفت النظر. كثيرًا ما تُختلق هذه القصص (كقصة المستر همفر) لأهداف محددة، ولكن عندما تكون هناك حاجة إليها في أعماق المجتمع وفي ظروف متأزمة، لا يُتوقف عند صحتها وسلامتها. أنوي هنا أن نفحص نموذجًا واحدًا. ومن الطبيعي أن تكون هذه المطالب في حدود الشواهد التي ستُعرض.
عندما وطئت أقدام الأوروبيين مصر إثر حملة نابليون عليها في الأعوام 1798 - 1801 ميلادية، بدأ استيلاؤهم على هذه الديار. وقد اتخذ هذا الاستيلاء مسارًا تدريجيًا، وكما هو واضح، فقد هيأت التدخلات الاقتصادية والاجتماعية والعسكرية والثقافية الأرضية لاستمرار هذا الاستيلاء والنفوذ. وخلال القرن التاسع عشر، أحدث وجود الإفرنج في مصر تغييرات كبيرة. فقد مهدت المدارس وتنشئة التلاميذ الجدد، وشيوع المحاكاة العمياء للإفرنج، والتغيرات الحضارية ومسائل كثيرة، إضافة إلى منح بعض الحريات الدينية وقضايا أخرى، الأرضية للتغيير. كما ذهب طلاب إلى باريس وعادوا إلى مصر محملين بتحصيل علمي جديد. شعر كثير من المسلمين بالخطر إزاء ذلك، وخاضوا صراعًا فكريًا مع الغرب، لكن التغييرات كانت ماضية في طريقها. في هذا الوقت، حاول طبيب يُدعى عبد الرحمن إسماعيل أن يصوغ قصة هذا الاستيلاء، مقارنًا إياه بما جرى على الأندلس أو إسبانيا في أواخر القرن الخامس عشر الميلادي (سقوط غرناطة، آخر إمارة إسلامية في الأندلس، في الأول من يناير عام 1492م)، في قصة واحدة، ليتمكن من التأثير في الناس وتوعيتهم.
كتاب غادة الأندلس لعبد الرحمن إسماعيل (ت ۱۳۱۵هـ / ۱۸۹۷م) هو كتاب قصصي. كان عبد الرحمن طبيبًا في القاهرة وتوفي شابًا في الثلاثين من عمره. وإلى جانب مؤلفاته في الطب العام، كان أديبًا وشاعرًا، وكتب الروايات أيضًا. في ذلك الوقت، كان يُتصوَّر أن مصير مصر والبلاد الإسلامية يشبه الوضع الذي كانت عليه الأندلس يومًا ما، ففي الواقع، ولأن الأندلس قد ضاعت، كان الخوف من أن تضيع مصر أيضًا. وبطبيعة الحال، كانت هذه القصة التي تحمل اسم غادة الأندلس تعبّر عن كيفية انتزاع الغربيين للأندلس من قبضة المسلمين. وقد أشار الزركلي (الأعلام، ج ۳، ص ۲۹۹) إلى سيرة عبد الرحمن هذا، وعدّ من بين مؤلفاته «غادة الأندلس» ووصفها بأنها كتاب «قصة» وروايات.
وبعد سنوات، أورد مفسر مصري يُدعى طنطاوي جوهري (ت ۱۹۴۰م) صاحب تفسير الجواهر، في ذيل إحدى آيات سورة الأحقاف، ملخصًا لكتاب غادة الأندلس في أربع صفحات (تفسير الجواهر، ج ۲۱، صص ۱۸۰ - ۱۸۳) دون أن يشير إلى أنها قصة. كتب طنطاوي في تفسير الجواهر في بداية هذه الحكاية: «فانظر ما جاء في كتاب غادة الأندلس المؤلف حديثًا في عصرنا، وهذا ملخص مما فيه». ثم جاء هذا التفصيل الذي يتضمن حكاية طويلة تشبه القصة رواها عن سقوط الأندلس.
كان أساس هذه الحكاية أن الأوروبيين تمكنوا، عن طريق مسلم فاسد، من التسلل إلى الأندلس، ومن خلال إقامة العلاقات التجارية والاقتصادية، وبناء المدارس، وإنشاء المتنزهات والحدائق العامة، وترويج شرب الخمر والمسكرات، ونشر السفور، أفسدوا مسلمي الأندلس واستولوا عليها.
كان هذا سؤالًا مهمًا واجهه المسلمون في مصر. لكن من الطبيعي أن هذه المشكلة كانت مطروحة في العديد من البلاد الإسلامية الأخرى، بما فيها إيران. لذلك كان طبيعيًا أن تجد هذه الحكاية أرضيتها اللازمة في إيران أيضًا. كان هناك سؤالان مهمان مطروحان: كيف ضاعت الأندلس؟ ونقطة أخرى هي أن الأندلس قد ضاعت على يد الأوروبيين. ما الأدوات والأساليب التي استخدموها؟ هذا الفساد الأخلاقي نفسه، الذي كان مهمًا جدًا للمسلمين، وكان ظاهريًا أحد الفروق الرئيسية بينهم وبين الغربيين المنحلين، يمكن أن يكون جواب سؤالهم. كان من السهل جدًا في فهم المسلمين أن الغربيين يجلبون الفحشاء والفساد ليقضوا على حياتهم وينهبوا بلادهم.
أما في إيران: ففي عام ۱۳۳۰ش صدر كتيب في قم بعنوان «غروب آفتاب در اندلس» (غروب الشمس في الأندلس). مؤلفه هو عبد الجواد قريب، وكُتب على الغلاف أن هذا الأثر تُرجم بأمر وإشارة ومساعدة الميرزا خليل المجتهد الكمرئي.
كان الكتاب حتى الصفحة ۶ مقدمة عن الأندلس، وفي نهاية المقدمة ذُكر أن النص مترجم عن تفسير الجواهر لطنطاوي، المجلد ۲۱، صص ۱۸۰ ـ ۱۸۳. ومن الصفحة ۶۶ حتى نهاية هذا الكتيب، أي الصفحة ۲۱، هي ترجمة للنص نفسه. وبالطبع، لم يُذكر في النص الفارسي من أين أتى الكاتب بهذا المطلب، ولكن كما مرّ، اعتبر طنطاوي مصدره هو كتاب غادة الأندلس نفسه.
وهكذا، فإن كتابًا قصصيًا، من تأليف طبيب في الثلاثين من عمره، هو النص ذاته الذي أورده طنطاوي في تفسير الجواهر، وقد تُرجم إلى الفارسية عام 1330. قصة الكتاب تدور حول كيفية تمكن المسيحيين من انتزاع الأندلس من أيدي المسلمين. وخلاصة هذه الحكاية أن قائدًا عربيًا خائنًا يُدعى براق، يلتقي بإيلدفونس في الفاتيكان، وبتخطيطهم تُهيأ مقدمات سقوط الأندلس. وهناك يلقنه ثلاثة دروب: أولها إشاعة حرية الدين، وثانيها فتح باب التجارة، وثالثها حرية التعليم. ويشرح لهم هذا المسلم الفاسد أنهم يستطيعون، عن طريق التجارة، مخالطة المسلمين، وسلب خصائصهم القومية والدينية، وإشاعة المسكرات، ونزع الحياء والعفة عنهم بتفشي الفحشاء. [هذه أمور تتعلق بالعصر الحديث، وقد أرجعها كاتب القصة إلى عمق التاريخ، أي زمن سقوط الأندلس في القرن التاسع الهجري، ليبين أن الاستعمار يأتي من هذا الطريق]. ويرى براق أن المسيحيين لو فعلوا هذه الأمور الثلاثة، لسقطت الأندلس من قبضة المسلمين. وقد ورد في هذه القصة أن المسيحيين، بعد شرح ذلك المسلم الفاسد، عقدوا جمعية كبرى بهذا الشأن. ويهيئ المسيحيون، بموجب معاهدة صلح، أرضية للنفوذ إلى الأندلس، وهكذا يتسللون إلى بلاد المسلمين. وتُقام الاحتفالات بذريعة الصلح، وينهمك الجميع في هذه الاحتفالات باللهو والمجون. وبرأي كاتب القصة، هذه هي مقدمة «سقوط الدولة الإسلامية في الأندلس وانحطاطها». يدخل المبشرون المسيحيون الأندلس، ويُبنى على ضفاف نهر قرطبة قصر جميل، وتُنشأ المتنزهات، وتُهيأ أسباب الخلاعة والترفيه للأمراء المسلمين وشبابهم. كما تُنشأ مدارس لتعليم أبناء المسلمين، وتُدفع نفقاتها [وهنا يشير المترجم إلى بدء عمل المدارس الأمريكية في إيران]. وما إن تبدأ التجارة حتى يبدأ بيع المسكرات والمشروبات الروحية. «القسيس الذي يخصص خمر قرطبة للشباب المسلمين». هذا عنوان ورد في ص 13، ويُتحدث فيه عن إفساد الشباب بإشاعة الخمرة. وتتولى الفتيات النصرانيات، اللواتي استخدمهن القساوسة المسيحيون، مهمة إشاعة الفحشاء. وهكذا شاع اللهو والخلاعة حتى لم يعد دخل الناس يكفيها. فشرعوا في الاختلاس والسرقة من بيت المال، وساد الفساد كل شيء تدريجيًا. «في ذلك الحين، بلغ عدد المبشرين والقساوسة المسيحيين في الأندلس ألف شخص، وبلغ عدد معلمي المدارس التي كان البابا يدفع نفقاتها ونفقاتهم 485 شخصًا! كما كان البابا يدفع من خزانته الخاصة ألف فلورين سنويًا لترويج الخمرة بين مسلمي الأندلس». (ص 16) [هنا ذُكر عام 486 / 1094 م، ولا يُعرف أساسًا ما صلته بزمن السقوط الذي حدث بعده بأربعة قرون].
وأما عمومًا، فينبغي الانتباه إلى أن الحديث عن الأندلس في مطلع عصر المسلمين الحديث، حين التفتوا إلى حضارتهم الماضية، كان يبدو مؤلمًا بعض الشيء، لذا كان من الطبيعي أن يلتفتوا إليه لأسباب مختلفة ويكتبوا عنه. (وقد تأوه السيد مطهري مرارًا من هذه المسألة وأبدى أسفه، كمثال على ذلك). كان الحديث عن ضياع الأندلس، ولم تكن هذه المسألة هينة. وفي العصر الحديث، ومع بداية عصر الهيمنة الغربية الذي طُرح أول ما طُرح في مصر، ذكّر الناس بتلك الفترة، وساد تصور أن هذه القضية تكررت وأن مصر ستضيع هي الأخرى. لذا صارت موضوعًا شيقًا للبحث، موضوعًا دفع كاتبة غادة الأندلس إلى كتابة قصة وعرض مسائل عصرها في قالب قصصي مع تلك الفترة. لكن العجب أن تصبح هذه القصة أساسًا لتحليل وتُؤخذ على محمل الجد. في إيران، ألّف أحد فضلاء الحوزة آنذاك، واسمه [آية الله] سيد علي محقق، كتابًا بعنوان سرزمین خاطرهها (أرض الذكريات)، طبعته مرارًا دار نشر نسل جوان (الجيل الشاب) - التي كانت تحت إشراف السيد مكارم شيرازي. يقدم الكتاب في البداية شرحًا لاستيلاء المسلمين على الأندلس، أي إسبانيا، ومرورًا تاريخيًا سريعًا عليها. وقد كُتب هذا القسم بالاستفادة من مصادر مختلفة.
في القسم الأخير منه، يُناقش أسباب انحطاط إسبانيا، وهو مأخوذ تقريبًا من كتاب «غروب الشمس في الأندلس» نفسه. يُشار في هذا القسم إلى دور الكنيسة والاستعمار، وإلى الوسائل التي تمكّنت بها الكنيسة من انتزاع إسبانيا من أيدي المسلمين. لقد «كان عليهم أن يبدأوا العمل من الداخل، وكان عليهم أن ينفّذوا المخطّط بين المسلمين أنفسهم، وفي النهاية فعلوا ما أرادوا» (الأندلس أرض الذكريات، ص ٥٩). ولتحقيق ذلك، عمدوا إلى إثارة الخلافات الداخلية، والأهم من ذلك «نشر إدمان الخمر والشهوانية بين الشباب على أيدي أعوان الكنيسة». كما ذُكر من عوامل انحطاط إسبانيا «الانتشار الواسع للمسيحيين في الدعاية الدينية وهجوم المبشّرين المسيحيين على إسبانيا» وكذلك «توسّع العلاقات التجارية بين المسلمين والمسيحيين وتغلغل المسيحيين في ثقافة المسلمين» (المصدر نفسه، ص ٦٠). هذه المطالب هي خلاصة ما أورده طنطاوي من كتاب «غادة الأندلس» وتُرجم في كتيّب «غروب الشمس في الأندلس». وفي ثنايا هذه المطالب، تُكرّر الإشارة إلى تكرار التاريخ وتطبيق الأساليب نفسها في البلدان الإسلامية: «ومؤخرًا، قامت دول أخرى هي من صنائع ذلك العنقاء العجوز نفسه، ففاق التلميذ أستاذه وأصبحوا يؤدّون هذا الدور الحيوي بمهارة أكبر». (المصدر نفسه، ص ٦٥) هنا إشارة إلى إثارة الخلاف بين البلدان الإسلامية. وعن شيوع الفساد قيل: «الشباب الذين كانوا حتى وقت قريب يقضون أوقات فراغهم في التسلية والترفيه بالتدرب على الرماية وركوب الخيل والمبارزة بالسيف أو المناقشات العلمية، هجموا على هذه المتنزهات الوطنية وانشغلوا بالغرام مع الفتيات المسيحيات اللواتي لم تكن لهن مهمة سوى ذلك». (المصدر نفسه، ص ٧١). وفي النهاية، في الخلاصة: «نعم، هكذا ينشط الصليبيون بإصرار، ونحن المسلمين الغارقين في النوم نصبح في كثير من الحالات منفّذين لمخططاتهم. أفلامهم المسمومة والمثيرة للشهوة، صحفهم ومجلاتهم المبتذلة، جمعياتهم الثقافية و... هي جزء من دورهم المشؤوم» (ص ٧٥). لم ينتهِ هذا الأدب عند هذا الحد، بل تداولته الأيدي في الكتابات الفارسية وتُنوقِل. هذا الأدب القائل بأن طريقة الاستيلاء على الأندلس كانت عبر نشر الفحشاء والفساد، ورد مرارًا في آثار السيد مطهري أيضًا دون أن يذكر مصدرًا له. كتب في أحد المواضع: «نقرأ في تاريخ الأندلس الإسلامية، أي إسبانيا الحالية، أن الخطة التي رسمها المسيحيون للاستيلاء على الأندلس وانتزاعها من أيدي المسلمين كانت أن يوفّروا لهم، تحت ستار الصداقة والخدمة، وسائل اللهو والمجون: أوقِفت البساتين والحدائق لصنع الخمر وسقاية المسلمين. وخرجت الفتيات الجميلات الغنجات في الشوارع يتغزّلن ويوقعن في العشق. وتوفّرت الملاهي الشهوانية من كل جانب فماتت روح الإيمان والفتوة. وبعد هذا الجريان تمكّنوا من إبادة المسلمين بحد السيف دون توانٍ». (مجموعة آثار الشهيد مطهري، ج ٣، ص ٤٠٤). وفي موضع آخر قال: «انظروا إلى الأندلس التي كانت إحدى البلاد القديمة والعظيمة والمتحضّرة. كثير من حكماء الإسلام وأدبائه وفلاسفته كانوا من هذه الأرض، ثم استولى عليها المسيحيون ولا تزال فيها مساجد تاريخية عظيمة. كيف انتصرت المسيحية هناك؟ لقد رسمت خطة وروّجت لأمرين: أحدهما مسألة السفور والآخر مسألة شرب الخمر. شرعوا في ذلك بأن أمروا فتيات مسيحيات فائقات الجمال أن يتزيّنّ بأحسن زينة ويمشين ويتردّدن في الشوارع ويكُنّ حرّات في علاقاتهن مع الرجال. وكانت النتيجة أنه بعد فترة نشأت تعلّقات وحدثت زيجات، وشيئًا فشيئًا حدثت هذه الزيجات في المستويات العليا أيضًا وانتهى الأمر». (مجموعة آثار ج ٢٤، ص ٥٤٧)، وشرح آخر في مجموعة آثار ج ٢٥، ص ٣٠٥). كتاب آخر سرد هذه القصة على الأساس نفسه هو كتاب «مناظرة الدكتور والپير» لأثر المرحوم هاشمي نجاد، الذي تحدّث بتفصيل عن حضارة المسلمين، وعندما وصل إلى الأندلس، ذكر قصة انحطاطها بانتشار إدمان الخمر وسفور فتيات النصارى وغير ذلك. (مناظرة الدكتور والپير صص ٣٤٥ ـ ٣٥٣) وهو يورد عين ما جاء في كتاب «غروب الشمس في الأندلس».
وقد استمر الاهتمام بهذا الأدب في الأندلس في كتيب قصصي بعنوان «طفل من الأندلس»، وهو أثر كتبه ونشره المرحوم السيد مهدي حائري نجل الحاج الشيخ عبد الكريم. وفي مقدمة هذا الأثر أيضاً تأكيد على ضرورة اعتبار المسلمين بقصة الأندلس، وكيف أنها ضاعت بعد فتحها وسيطرة ثمانية قرون عليها. وبحسب قوله، فإن هذه المسألة يمكن أن تكون «درساً بليغاً وعبرة تاريخية نافعة لنا» (طفل من الأندلس، ص 9).
وبحسب المؤلف، فإن هذه القصة مأخوذة من نصوص عربية، ومن الواضح أن لها أثراً في الأدب العربي المعاصر في مصر وغيرها من البلاد. أصل القصة حكاية أسرة مسلمة لجأت إلى التقية خوفاً من سيطرة المسيحيين في إسبانيا، فأخفت دينها الإسلامي. راوي الحكاية طفل في العاشرة من عمره، يخبره والده في سن العاشرة بقصة إسلامهم في غرفة كانوا يبعدونه عنها حتى ذلك الحين، وكان فيها مصحف وسجادة، ويطلب منه ألا يبوح بالأمر لأي أحد خوفاً من محاكم التفتيش التي كانت تكتشف المسلمين وتقتلهم. قال لابنه: إننا عرب ومسلمون. (المصدر نفسه، ص 32).
وهنا يشرح الأب لطفله كيف أننا كنا مسلمين مسيطرين على إسبانيا طوال ثمانمائة عام، ولكن الوضع تغير منذ أربعين عاماً واستولى أعداؤنا المسيحيون على هذا المكان. بعد ذلك، تغيرت نظرة الطفل إلى قصر الحمراء الذي كان مسجداً في الواقع، وصار يأتي إليه أياماً ويحادثه، لكنه في الوقت نفسه يخشى أن يفاجئه المفتشون. وفي إحدى المرات، حين عاد إلى البيت، لم يجد أباه وأمه. يصل عمه ويخرجه من الأندلس عبر طريق سري إلى المغرب. هذا الطفل هو نفسه محمد بن رفيع الأندلسي الذي بلغ فيما بعد مكانة عالية في الأدب والعلم. هذه هي آخر كلمات هذا الكتاب، ولأن المؤلف لم يذكر مصدر القصة، فليس من الواضح ما إذا كان لها أساس أم لا. ومما يذكر أنه كان هناك قطعاً كثير من المسلمين من العرب وغيرهم في الأندلس بعد السقوط يعيشون متخفين طوال عشرات السنين، بل أكثر.
لقد كان تأثير هذه المسألة في أدبنا الديني المعاصر كبيراً جداً، وببحث بسيط يمكن رؤية انتشار هذه الفكرة في العديد من الكتابات العامة. وقد نقل كثير من الدعاة الدينيين هذه المطالب واستشهدوا بها على مر السنين.
لم يكن هدفنا من طرح هذا المطلب، ولا يزال، إثبات أو إنكار أي نقطة بشأن تأثير الفساد في المجتمعات الإسلامية، أو أهداف الغربيين أو ما شابه ذلك. من الحماقة أن يتصور أحد أن كاتب هذه السطور قد عنون هذه المطالب دفاعاً عن وجهة نظر معينة بشأن الغرب أو الشرق أو تأثير الفساد وما إلى ذلك. كان هدفي، بصفتي مهتماً بحقل التاريخ، هو بيان كيف تتحول حكاية وقصة إلى تاريخ وحقيقة تاريخية. أدين بالتنبه لهذا الموضوع وبعض الإشارات والعلامات لصديقي العالم الدكتور حسين توفيقي.
المصدر : موقع خبر أونلاين
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.