لماذا نجد أنفسنا أحيانا، في العلاقات العاطفية، نعود إلى مواقف مألوفة رغم تجاربنا السابقة المؤلمة؟ تستعين مريم راج باستعارة سيزيف ومفهومي «قهر التكرار» و«التعلق» لتبحث في دور الوعي بالذات والتوقف بين رد الفعل والاختيار في كسر الأنماط المتكررة.

في قصة سيزيف، التي بقيت روايات عنها في أعمال عدد من الكتاب، ومنهم هوميروس، حكم على سيزيف أن يدفع صخرة ضخمة إلى قمة الجبل. لكن ما إن يقترب من القمة حتى تتدحرج الصخرة إلى أسفل من جديد، فيضطر إلى تكرار الطريق نفسه.
لو كان سيزيف إنسانا يعيش في عصرنا، فربما كان سيسأل نفسه: لماذا أسلك الطريق نفسه من جديد؟
وهذا سؤال جيد ينقلنا من الأسطورة إلى حياتنا. كم مرة قررنا ألا ندخل مرة أخرى في علاقة تشبه علاقتنا السابقة، ثم وجدنا أنفسنا بعد مدة في علاقة تعيد إلى الحياة مشاعر مألوفة لدينا؟
مشاعر مثل:
الخوف من الفقد
السعي إلى أن يرانا الآخر
الحاجة إلى إثبات الذات
القلق
الإرهاق
ثم نقول لأنفسنا: حدث الأمر نفسه مرة أخرى.
لكن ربما كان الأجدر بنا في هذه اللحظة أن نسأل أنفسنا:
ما دوري في هذا التكرار؟
في التحليل النفسي مفهوم يعرف باسم «قهر التكرار». طرح فرويد هذا المفهوم وطوره في أعماله، والتفت إلى حالات يكرر فيها الفرد، خلافا لما قد نتوقعه، تجارب وأنماطا سبق أن عاشها، حتى عندما لا يكون هذا التكرار ممتعا بالضرورة. وقد تناول فرويد هذا المفهوم بصورة أوسع في كتاب ما وراء مبدأ اللذة.
لكن لا ينبغي أن نحول هذا المفهوم إلى تفسير بسيط وموحد لكل أشكال التكرار في الحياة.
ليست كل علاقة فاشلة تكرارا لجرح من جروح الطفولة.
وليس كل اختيار خاطئ علامة على نمط لا واع.
وكلما نشأت علاقة تشبه علاقة سابقة، لا يمكننا القول إن سببها يكمن بالضرورة في ماضي الفرد.
فالإنسان أكثر تعقيدا من أن تفسر جميع اختياراته بسبب واحد.
ومع ذلك، قد يكون في بعض التجارب شيء مألوف لنا، وليس كل مألوف جيدا بالضرورة.
قد تؤثر تجاربنا السابقة في العلاقات القريبة في توقعاتنا وفي الطريقة التي نختبر بها الحميمية والثقة والمسافة والأمان. فمثلا، قد يصبح من عاش في بعض علاقاته السابقة محبة أو اهتماما متقلبا وغير قابل للتنبؤ أكثر حساسية في علاقة جديدة تجاه ابتعاد الطرف الآخر أو عدم توافره. وهذا لا يعني بالطبع أن الشخص يختار المعاناة بوعي، أو أن الماضي يحدد مصيره.
فقد يبدو لنا ما هو مألوف أسهل في التعرف والفهم، لمجرد أننا اختبرناه من قبل.
وهنا يمكن لنظرية التعلق، بمعزل عن مفهوم «قهر التكرار»، أن تساعدنا على فهم جانب من تجربتنا في العلاقات القريبة. توضح هذه النظرية أن الخبرات العلائقية، ولا سيما في العلاقات المبكرة، يمكن أن تسهم في تكوين أنماط تتعلق بالذات والآخرين والعلاقة. ويظل التعلق مهما أيضا في العلاقات القريبة والعاطفية في مرحلة الرشد. ومع ذلك، فإن أنماط التعلق ليست ثابتة ولا عصية على التغيير، ويمكن للتجارب العلائقية الجديدة أن تسهم في تغييرها.
لذلك، حين نشعر مرة أخرى في علاقة ما بالخوف من الفقد، أو بالحاجة الشديدة إلى القبول، أو بالقلق من ابتعاد الآخر، فقد يكون من المفيد أن نتوقف قليلا، ونلتفت إلى داخلنا، ونسأل:
من أصبح في هذه العلاقة؟
هل أعود فأصبح شخصا يتخلى عن احتياجاته من أجل الحفاظ على العلاقة؟
هل أبالغ مرة أخرى في السعي إلى أن يراني الآخر؟
هل أعطي، خوفا من الفقد، أكثر مما أريد حقا أن أعطي؟
هل أصمت حين أكون غير راض خشية أن تنتهي العلاقة؟
هل أزداد تشبثا حين يبتعد الآخر، بدلا من أن أتحاور معه؟
وحين تهدأ العلاقة، هل أظل أنتظر حدوث شيء سيئ؟
يساعدنا طرح هذه الأسئلة على رؤية الجزء من تجربتنا الذي يقع ضمن نطاق قدرتنا على التصرف.
فنحن لا نستطيع دائما تغيير سلوك الآخر.
ولا نستطيع إجبار شخص على أن يحبنا أكثر، أو يتصرف بمسؤولية أكبر، أو يريد شيئا لا يريده.
لكننا نستطيع أن ننظر إلى سلوكنا نحن. نستطيع أن نرى لماذا نبقى، ولماذا نعود، ولماذا نصمت، ولماذا نعطي أكثر مما ينبغي، ولماذا نختار أحيانا من جديد ما نعرف أنه لا يناسبنا. وربما يبدأ التغيير من هنا، من اللحظة التي لا نكتفي فيها بالنظر إلى الصخرة، بل ننظر أيضا إلى الطريق الذي نسلكه.
ربما لا تقتصر المسألة على السؤال عن سبب تدحرج الصخرة إلى أسفل مرة أخرى. وربما يكون السؤال: لماذا سلكنا نحن الطريق نفسه من جديد؟
وبالطبع، ليس من الضروري دائما أن تكون الإجابة في داخلنا. فقد يكون سلوك الطرف الآخر مؤذيا بالفعل، وقد تكون العلاقة غير صحية. والبقاء في علاقة لا يعني الانتظار بصبر حتى يتغير الآخر، ولا سيما عندما نكون قد اختبرنا أذى تلك العلاقة مرارا.
معرفة الذات لا تهدف إلى تحميلنا مسؤولية سلوك الآخر.
بل تهدف إلى مساعدتنا على فهم الخيارات المتاحة لنا في مواجهة ما يحدث.
كلنا نصبح سيزيف أحيانا في حياتنا.
في علاقة.
في قرار.
في عادة.
وفي طريق أرانا مرارا إلى أين يقود.
لكن الإنسان، بخلاف سيزيف الأسطورة، يستطيع أن يتوقف لحظة.
أن ينظر إلى الصخرة.
أن ينظر إلى الطريق.
وأن يسأل نفسه:
كم مرة ستكون سيزيف؟
ربما كان جزء من النضج النفسي يكمن في هذه الوقفة القصيرة بين رد الفعل والاختيار، وقفة بين ما هو مألوف لنا وما يناسبنا حقا، وربما تنشأ من مثل هذه الوقفات إمكانية طريق جديد.
الهوامش:
1. لمزيد من التعرف إلى مفهوم «قهر التكرار» في التحليل النفسي، يمكن الرجوع إلى الكتاب الآتي: ما وراء مبدأ اللذة لسيغموند فرويد، بترجمة هوشمند ويژه. دار شما للنشر.
2. لمزيد من التعرف إلى مفهوم التعلق، يمكن الرجوع إلى الكتاب الآتي: دليل نظرية التعلق، تأليف آلن تشن، بترجمة أمينة كاشانيان، وفهيمة موسى زاده حليم، وفاطمة قناد زادكان، دار باد وبرك للنشر.
علم النفس
علم النفس
علم النفس
الفلسفة
علم النفس
نقاش حول هذا المقال٤ تعليق
سلام و نشکر
25 مهر استعفا دادم! نخواستم سیزیف باشم.
۲۶ شهریور، نه ۲۶ مهر! همه نشانه های اصلی فرسودگی شغلی را داشتم: احساس مسخشدگی، احساس عدم کفایت، احساس خستگی عاطفی. خواستم تغییر ایجاد کنم. هم در خودم، هم در محیط کار
سلام آقای مصطفی محمدنیاکان. پیام شما رو خوندم و خوشحالم که نوشتین (نخواستم سیزیف باشم). سبز باشید🌱