اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
تشير الدراسات النفسية إلى أن الفرد يكذب مرات عديدة يوميًا؛ وبينما قد يكافئ المجتمع الكاذب أحيانًا، فإن جذور هذا السلوك تكمن في الخوف والحاجة، فيما تمنح الصراحة طمأنينة داخلية أعمق.

أجلس داخل العيادة منتظراً دخول المريض التالي، تدخل سيدة فارعة الطول تبدو عليها البشاشة، ظاهرها يوحي بأنها حسنة المعشر وتُحسن السؤال عن الحال، تقف وتعرض عليّ طلبها وهو إجراء تخطيط للأعصاب والعضلات، تبدو في هيئتها كشخص في الخمسين أو الخامسة والخمسين من عمرها لكنها تقول إن عمري 67 عاماً، تعيش في أمريكا منذ سنوات وجاءت إلى إيران منذ فترة لرعاية شقيقها المُصاب بإعاقة حربية، وهي مصابة بداء السكري منذ 15 عاماً وتأخذ 5 وحدات من أنسولين نوفورابيد قبل كل وجبة، طلبها مكتوب على ورقة روشتة حرة وبخط أخصائي، تسلمني أيضاً إبرة تخطيط العصب ذات الاستعمال الواحد، وأطلب منها أن تريني الإيصال، على الإيصال مكتوب تاريخ قبول المريض، واسم الخدمة المطلوبة، واسمي كمُجري لها، وتكلفة الخدمة وهي صفر (مجانية بالكامل)، واسم المريض وهو جلال ... أسألها: هل أنتِ المريضة؟ تقول: نعم، فأقول: لكن اسم المريض هنا رجل! فتقول: لعل قسم الاستقبال أخطأ، اسمي حلال! فأقول: حسناً، طلبكِ على روشتة حرة، فضلاً أعطني دفتر التأمين، فتناولني دفتراً باسم جلال ... نفسه، وطلب تخطيط العصب والعضلة مكتوب فيه أيضاً بشكل غير احترافي بختم وتوقيع طبيب عام، وهو يختلف عن اسم الأخصائي الذي كتب الطلب على الورقة الحرة! ... يقول ليونارد ساكس أستاذ الطب النفسي في جامعة برانديز إن للكذب تاريخاً طويلاً، ولا يمر يوم إلا ونحن نكذب أو نسمع كذباً! حتى الثلاثين عاماً الأخيرة فقط كان الحديث عن هذا الموضوع أقل في مجال علم النفس والطب النفسي، ففي كتب الطب النفسي قبل خمسين عاماً ربما كان الكذب يُختزل في سطر أو فقرة واحدة، وكان يجب البحث عن أثر هذا الموضوع أساساً تحت المباحث الثقافية والأخلاقية والإلهيات، فرويد مؤسس علم النفس لم يقل شيئاً تقريباً عن الكذب، ومؤخراً فقط تنبه الأطباء النفسيون إلى تعقيدات الكذب وعمقه، ثمة طبيب نفسي آخر اسمه دي باولو أجرى دراسات موسعة عن الكذب في العلاقات الشخصية والاجتماعية وعلاقته بشخصية الأفراد، وكذلك تغيرات تعابير الوجه، وعدم تجانس النظرات، وهيئة الوجه وكلام الأفراد أثناء الكذب، وكذلك طريقة الكلام، وزلات اللسان، وتغير الإيقاع والنبرة وفلسفتهم للكلام، بعض نتائج دراسته تستخدمها أجهزة التجسس والاستجواب أيضاً لعلها تستطيع باكتشاف "المُعبِّرات الدقيقة" في الحالة العامة للنظرات والوجه وتعبيرات الأفراد أن تدرك إجرام الأشخاص المشتبه بهم. كما أكد دي باولو مقولة نيتشه هذه: "الكذب مقتضى الحياة".
في الأدب والثقافة الفارسية، الكذب ملعون ومذموم على الدوام، تراثنا الأدبي الغني مليء بمدح الصدق وذم الكذب، لكن من الواضح أنه لم يكن له تأثير كبير على نشر ثقافة الصدق!، التعاليم الدينية وصفت الكذاب بأنه عدو لله وجعلته في عداد الكبائر، لكن من المعلوم أن قوله أسهل على بعض المؤمنين من شرب الماء! في الساحة الاجتماعية، الكذب مذموم لكن عمل وحال الأشخاص الكذابين أكثر انتظاماً! في السياسة، ليس من العبودية أن نقول إن السياسيين الصادقين أقل ركوباً على سدة السلطة والسياسيين الكذابين أكثر.
نتائج دراسات دي باولو تبعث على شيء من الخجل، في دراسة له عام 1996 أجراها هو وزملاؤه على 147 شخصاً تتراوح أعمارهم بين 18 و76 عاماً، لاحظ أنهم يكذبون مرة أو مرتين في اليوم، الأفراد رجالاً ونساءً في محادثة اجتماعية مدتها عشر دقائق يختلقون الكذب لبعضهم البعض في عشرين بالمئة من الوقت، وخلال أسبوع تصل هذه النسبة إلى ثلاثين بالمئة، هذا الوضع أسوأ في علاقات الوالدين مع المراهقين، في المواعيد الغرامية، يكذب الأزواج على بعضهم البعض بشكل مأساوي، لكن في الزواج الوضع أفضل قليلاً، فالزوج والزوجة يكذبان على بعضهما في عشرة بالمئة فقط من الحالات، وهنا ربما يكون للزواج دور وقائي، في هذه الدراسة، تبادل المجاملات مثل أنا بخير، لا توجد أي مشكلة و... لم يُحسب ضمن مصاديق الكذب.
هل الكذب ذاتي في الحياة الاجتماعية؟
في بعض المهن، يكون الكذب جزءًا جوهريًا من طبيعة تلك المهنة، فالمحامون يضطرون، من أجل موكليهم ولإنجاح عملهم، إلى إيجاد مبررات قانونية للكذب! وكلما زاد القرب بين الناس، ازداد كذبهم على بعضهم البعض بشكل مدهش، وهو على الأرجح نوع من الإيثار والإحسان. النساء أكثر مهارة في الإحساس بالكذب مع مرور الزمن، أما الرجال فأوضاعهم يرثى لها في هذا المجال ويتقبلون الكذب بسهولة حين يتعلق الأمر بهم. الأشخاص ذوو الثقة العالية بالنفس، الاجتماعيون والمنفتحون، يكذبون أكثر مقارنة بالأشخاص المكتئبين والانطوائيين، أما الأشخاص المسؤولون فيكذبون أقل. بل إن علماء النفس يذهبون إلى أبعد من ذلك ويقولون إن "خداع الذات" ليس سيئًا بعض الشيء للصحة النفسية، وهو يمثل نوعًا من آلية الدفاع للهروب من القلق. في قصة "موت بائع متجول" لأرثر ميلر، يتحول بطل القصة، بعد أن ينكشف كذبه، إلى روح خالدة وشخصية تراجيدية! في الأساس، يكافئ المجتمع الأشخاص الميكافيلليين والمخادعين أكثر مما يكافئ الصادقين والمستقيمين، وكثير من الكاذبين يكررون كذبهم وخداعهم بسبب حصولهم على هذه المكافأة. إن تصور يوم لا تكون فيه أية فرصة للكذب والخداع، ويكون العالم مليئًا بسقف من الصدق والاستقامة، أمر يثير الرهبة؛ حينها ربما كانت أعمدة المجتمع ستنهار وتتداعى بالكامل من ثقل هذا الصدق!
كل ما سبق قيل لنصل إلى أنه على الرغم من أن الكاذبين قد يحصلون على مكافآت في المجتمع، إلا أن هذا لا يعني أنهم يتمتعون بنفس مطمئنة وهادئة، وباطن سعيد ووجه بشوش. الكاذبون ليسوا بشرًا مرتاحين على أية حال. الجذر النفسي للكذب لا يخرج عن ثلاث حالات: الخوف، الحاجة، وكسب الاهتمام والشهرة. لذا، فالبشر الكاذبون جبناء، محتاجون، أنانيون ونرجسيون، والكذب بالنسبة لهم هو في الغالب أمر دفاعي، سلبي ويحمل شحنة سلبية. من ناحية أخرى، في الصدق، وبسبب اتخاذ نهج إيجابي وبنّاء، يحمل الفرد شحنة موجبة وطاقة أكبر، وبكلمة واحدة، حاله أفضل. لذلك، إذا كانت نسبة الكاذبين لا تزال أعلى على صعيد المجتمع، فذلك لأن معظم الناس، لسوء الحظ، لا يزالون، من حيث الاحتياجات النفسية، في قاعدة هرم ماسلو وليس في قمته، ومنشغلين بتلبية الاحتياجات الأولية والخوف من الخسائر والقلق الدائم من عدم التمتع بمنافع الحياة.
.
.
.
.
نقاش حول هذا المقال١ تعليق
« گنجینه غنی ادبیات ما مملو از ستایش راستی و نکوهش دروغ است ولی واضح است که تاثیر چندانی برگسترش فرهنگ صداقت نداشته است » . دروغ کم بسامدتر از راستی است و زمانی نافذ است که راستی غالب باشد . در واقع دروغ بر بستر راستی است که مؤثر و کارآمد به نظر می رسد . دروغ ستیزی دروغ گویی را کاهش داده است و کاهش می دهد ؛ آن را نابود نکرده است و نابود نمی کند . همین که دروغ گو از بر ملا شدن دروغش واهمه دارد و پیش خود از دروغ گفتن شرم می کند ، نشان درستی راست گویی و نأثیر ژرف دروغ ستیزی در فرهنگ دیرینه ایران است .