اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
نحن نعتبر معتقداتنا حقائق، ونسارع إلى الاستنتاج بناءً على معطيات منتقاة. يكشف «سُلَّم الاستدلال» آلية اتخاذ القرار لنتمكن من تجنب الأحكام المتسرعة واتخاذ قرارات أكثر صوابًا.

أذكر أن أحد المتحدثين المحترفين في البلاد، ممن ينظمون دورات متنوعة في مجال التمكين الفردي والتحفيز، كان يروي حكاية عن إحدى ندواته. في تلك الندوة، بدأ المتحدث جلسته كعادته بحماس وطاقة. وكان الجميع تقريباً يستمعون إليه باهتمام وجدية. في بداية المحاضرة، انجذب انتباهه إلى شخص بدا، على عكس البقية، غير مهتم به، وكان قلقاً ومضطرباً على مقعده ويتحرك باستمرار. تصور المتحدث أن ذلك الشخص لا يكترث لحديثه، فانشغل ذهنه، وتأثر بذلك الحاضر طوال الجلسة، فلم يستطع إلقاء المحاضرة بالشكل الذي أراده. بعد انتهاء الجلسة، جاء ذلك المشارك ليتحدث إلى المتحدث، فقال له المتحدث، الذي كان منزعجاً منه، بنبرة تهكمية: "يبدو أنك لم تكن مهتماً على الإطلاق بموضوع المحاضرة؟" فأجابه الرجل بحزن: "لا يا سيدي العزيز، كنت أعاني من ألم شديد في الأسنان، ورغم حالتي الجسدية المزعجة، أتيت إلى جلستكم بصعوبة بالغة لأستمع إلى حديثكم بالتأكيد، وكنت أتلوّى من ألم الأسنان طوال الجلسة!"
بالتأكيد مررتم أنتم أيضاً بمواقف فُهم فيها كلامكم أو سلوككم على نحو لم تقصدوه، أو أطلقتم حكماً على الآخرين لم يكن صحيحاً. الحقيقة هي أننا نعيش في عالم تشكل بناءً على تصوراتنا ومعتقداتنا، معتقدات لا نختبر صحة الكثير منها أبداً. نحن نؤمن بهذه المعتقدات لأنها تستند إلى نتائج مستخلصة من ملاحظاتنا وتجاربنا السابقة. نظن أن معتقداتنا هي الحقائق نفسها، وأن هذه الحقائق واضحة وجلية جداً. نعتقد أن معتقداتنا قد تشكلت بناءً على معطيات واقعية، وأن المعطيات التي نختارها للوصول إلى النتائج هي المعطيات الواقعية نفسها!
في عالم الأعمال اليوم، حيث يتعرض المدراء لضغوط لاتخاذ قراراتهم بسرعة، نحتاج إلى أن تكون قراراتنا وإجراءاتنا قائمة على الأدلة والحقائق المتاحة، لا على تصوراتنا ومعتقداتنا. سلم الاستدلال (Ladder of Inference) هو أداة يمكن أن تساعد المدراء على فهم العملية الذهنية لاتخاذ القرار والوصول إلى النتائج بشكل أفضل، والتفكير بطريقة لا تقودهم بسرعة إلى نتائج خاطئة. كما يمكنكم من خلال هذه الأداة التعبير عن عمليتكم الذهنية في اتخاذ القرار للآخرين بشكل أكثر وضوحاً، أو التشكيك في استدلالات الآخرين وقراراتهم.
قُدم سلم الاستدلال لأول مرة من قبل عالم النفس التنظيمي كريس أرجريس (Chris Argyris) وجرى التأكيد عليه في كتاب "الفرمان الخامس" لبيتر سينج (Peter Senge). يوضح هذا النموذج أن كل واحد منا، لاتخاذ قرار، يصعد سلماً في ذهنه (الشكل-1)، وهو أمر يحدث بالطبع في كثير من الحالات بشكل لا واعٍ.
على الدرجة الأولى، توجد التجارب والبيانات القابلة للملاحظة.
للتحليل، يختار ذهننا مجموعة فرعية من البيانات والحقائق.
يفسر الذهن البيانات والأحداث.
يضيف إليها افتراضاته.
يستنتج بناءً على الافتراضات والبيانات المجمعة.
يُحدّث معتقداته بناءً على النتائج.
يتصرف بناءً على ما يعتقد أنه صحيح.
في المثال الذي أشرت إليه أعلاه، ينتبه المتحدث إلى سلوك الحضور (ملاحظة الحقائق).
من بين الحضور، يركز ذهنه أكثر على الشخص الذي كان يعاني من ألم الأسنان (الاختيار).
يستنتج المتحدث من التلوي الذي كان يقوم به الشخص المذكور خلال الجلسة أنه قلق ومضطرب (تفسير الأحداث).
يفترض المتحدث من تجربته السابقة أنه إذا لم تكن محاضرته جذابة للمستمع، فإن المستمع يشعر بالقلق والاضطراب (الافتراضات).
وبجمع تفسيره للأحداث التي وقعت مع افتراضاته، يخلص إلى أن المستمع لا يهتم بالموضوع (الاستنتاج).
يعتقد المتحدث لاحقاً أن محاضرته ليست جذابة (المعتقدات).
وأخيراً، يؤثر هذا الاعتقاد سلباً على أدائه ويشتت تركيزه أثناء المحاضرة (الإجراءات).

نحن نستخدم هذه العملية مراراً وتكراراً خلال اليوم ونتخذ القرارات بناءً عليها. وبالرغم من كونها فعالة، إلا أن هذه العملية يمكن أن تؤدي إلى مشكلات أيضاً.
تتمثل إحدى المشكلات الرئيسية في أن الأفراد يفترضون أن الآخرين يرون العالم مثلهم؛ لذلك عندما يتجادل الناس ويصلون إلى خلاف، فغالباً ما يكون الجدال حول الاستنتاجات. نحن نتصور أن الآخرين يختارون نفس المجموعة الفرعية من البيانات والأحداث التي اخترناها، ونعتقد أن لديهم نفس افتراضاتنا ويفسرونها مثلنا.
نقطة أخرى هي أنه، كما هو واضح في شكل-۱، نحن نختار البيانات بناءً على معتقداتنا. في الواقع، ما نراه هو العالم الذي نعتقد به، وليس العالم الموجود حقاً. لا يستطيع ذهننا تفسير وتحليل كم هائل من المعلومات، لذلك يلجأ إلى "التعميم" و"التنميط". قد تكون هذه الطريقة فعالة من بعض النواحي، لكنها في بعض الحالات تعمينا عن الحقائق. وكلما كانت معتقداتنا أكثر جموداً ومحدودية، اختار الذهن بيانات ووقائع محدودة أكثر للاستنتاج واتخاذ القرار.
الحلقة الثانية تتعلق بأعمالنا وسلوكياتنا التي يمكن أن تؤدي إلى تحقق النبوءة ذاتياً (Self-fulfilling Prophecy). وذلك بأن نقوم، بناءً على الاعتقاد الذي توصلنا إليه، بأعمال تساعد على تحقق افتراضاتنا ومعتقداتنا. في المثال المذكور، أثرت أفكار المتحدث تدريجياً على أدائه خلال الندوة، وفي النهاية لم يتمكن من إلقاء المحاضرة كما كان يتوقع. والأسوأ من ذلك، إذا استمرت هذه العملية الذهنية، فقد يشعر الشخص بارتياح داخلي لأن افتراضاته ومعتقداته قد تأكدت، ولا يتخذ أي إجراء للخروج من هذه الدورة السلبية.
للمساعدة على اتخاذ قرارات أفضل، من الضروري إخراج هذه العملية من حالتها الضمنية واتباعها بشكل أكثر وضوحاً. يمكن للنقاط التالية أن تساعد في هذا السياق:
ما هي البيانات التي تم اختيارها ولماذا؟ هل اخترنا البيانات بشكل دقيق ومنهجي؟
ما هي الافتراضات التي لديكم حول المسألة قيد البحث ولماذا؟ هل هذه الافتراضات صحيحة؟
عندما تتناقشون مع أشخاص آخرين، هل هناك تصورات متطابقة للكلمات والمفاهيم؟
حللوا عملية استنتاجكم من الافتراضات والبيانات مرة أخرى.
ما هي المعتقدات التي تشكل سلوكياتكم وإجراءاتكم؟
لماذا تقوم بالإجراءات الحالية؟ هل توجد أصلاً مسارات أخرى لحل المشكلة؟
حاول ألا تمر بالمراحل المذكورة بسرعة. ركز على كل مرحلة من المراحل بطمأنينة، بل يمكنك أن تطلب من زميلك أو صديقك أن يرافقك في كل مرحلة من مراحل سلم الاستدلال ويتحدى طريقة تفكيرك.
يمكن أن تكون أداة سلم الاستدلال فعالة جداً في اتخاذ القرار الجماعي أيضاً. تساعدك هذه الأداة على شرح عملية اتخاذ القرار وكيفية الوصول إلى النتيجة بشكل أكثر شفافية وصراحة للآخرين، وتجعل النقاش حول المسألة أكثر تنظيماً وفعالية. أنا على يقين من أنه سيكون مثيراً للاهتمام بالنسبة لك أنت أيضاً أن تفهم كيف توصلت إلى ذلك القرار!
.
.
King, L. (2013). “The Ladder of Inference: Why We Jump to Conclusions and How to Avoid It?” https://synergycommons.net/resources/the-ladder-of-inference/
Senege, P.M., Kleiner, A., Roberts, C., Ross, R. B., & Smith, B. J. (1994). “The Fifth Discipline Fieldbook: Strategies and Tools for Building a Learning Organization.” Nicholas Brealey Publishing
Sadovey, L. (2015). “Automating Bad Decisions and the Ladder of Inference.” http://blogs.sas.com/content/valuealley/2015/12/15/automating-bad-decisions-and-the-ladder-of-inference/
.
.
.
.
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.