اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
خلافاً للتصور الشائع الذي يرى في الحزن علامة قرب، يرى كثير من العارفين أن السلوك الصحيح هو بلوغ 'مدينة البهجة'. وهذا الفرح العميق ناشئ عن إدراك حضور الله المملوء بالمحبة في الوجود، وعن تحول النظرة من التصوف القائم على الخوف إلى التصوف العاشق.

يتحدث كثير من عرفاء ثقافتنا عن فرح مبهر يثير الغبطة، يبدو غريبًا للوهلة الأولى ويصعب علينا إدراك سببه. في أحوالهم ومقاماتهم نشهد أحوالاً طيبة، وكلامًا مبتهجًا، وأوقاتًا مفعمة بالطرب، تثير الدهشة والتساؤل معًا: ماذا جرى لهم حتى يفرحوا هكذا؟
خلافًا للتصور الشائع الذي يظن أن الحزن والأسى علامة على القرب من الله، كان كثير من العرفاء يقولون إن السلوك الصحيح هو ما يوصل المرء إلى «مدينة الفرح»، وكانوا يسألون الله أن يصبغ أرواحهم بلون البهجة. كان بهاء ولد يقول:
«إلهي! أوصل كل جزء مني بإنعام إلى مدينة الفرح والراحة، وافتح ألف باب من أبواب الفرح على كل جزء مني؛ والصراط المستقيم هو ما يوصل إلى مدينة الفرح، والصراط المعوج هو ما لا يوصل إلى مدينة الفرح.» (معارف بهاء ولد)
كانت هذه الفئة من العرفاء تعتقد أن الإنسان إذا ما أصبح بصيرًا وأدرك حضور الله المليء بالمحبة في الوجود، فسيرى أن:
«عالم الحق فسيح، بسط لا نهاية له عظيم.» (مقالات شمس)
«عالم الله نور في نور، لذة في لذة، بهاء في بهاء، كرم في كرم.» (مقالات شمس)
«إلهي أنا فرح فرح فرح، لأني بك لا بنفسي وقعت.» (خواجه عبد الله الأنصاري، من كتاب «من الأزل إلى الأبد للإنسان»)
«إلهي أتدري لمَ أنا فرح؟ لأني بك لا بنفسي وقعت.» (المصدر نفسه)
لذلك، كان من ينال حظًا أوفر من الفرح العميق في نظرهم ذا وجود فردوسي، وينبغي اختيار مجالسته. فمن كان على لون الجنة، فإن صحبته تبعث انشراح الصدر، وتُنسي المرء ضيق العالم، وتذكي نار الشوق:
«حقيقة الفرح هي الجنة نفسها، فمتى كان الفرح معك، كانت الجنة معك، وكان الله معك أيضًا، لأن الجنة وكل الأفراح والملذات هي من شعاع جمال لطف الله، وأنت غافل عن ذلك.» (معارف بهاء ولد)
«من رأيته واسع الخلق والخُلق، منشرح الكلام، رحب الصدر، يدعو بالخير للعالمين كله، ويحصل لك من كلامه انشراح قلب، ويُنسيك هذا العالم وضيقه، فذلك مَلَك وفردوسي. ومن رأيت فيه وفي كلامه قبضًا وضيقًا وبرودة، حتى إنك تبرد بكلامه بعد أن كنت قد دفئت بكلام ذاك الشخص، فلا تجد الآن ذلك الدفء بسبب برودته، فذلك شيطان وجهنمي. فالآن، من وقف على هذا السر وصار ذلك معاملته، لا يلتفت إلى مئة ألف شيخ.» (مقالات شمس)
قلتُ لا تجلس إلى جانب الرفيق الحزين
لا تجلس إلا إلى جوار ذوي القلوب الفرحة العذبة
(غزليات شمس)
من رأيته مملوءًا غمًا ومقطب الوجه
فليس بعاشق ولا هو من تلك الولاية
(غزليات شمس)
ويصف ابن سينا العارف أيضًا بأنه طلق الوجه بسّام:
«العارف دائم البشر، طلق الوجه، بسّام. ومن تواضعه يعظّم الخسيس كما يعظّم النبيل الجليل، وانبساطه وفرحه مع الخامل المجهول كحاله مع ذي الصيت العظيم والمعروف. وكيف لا يفرح؟ وهو مغتبط بالله وبكل شيء، لأنه يرى الله في كل شيء؛ وكيف لا يسوّي بين الجميع ويساويهم؟ وهم عنده سواء، لأنهم جميعًا أهل رحمة، مشغولون بالباطل...!» (الإشارات والتنبيهات)
كان شمس يقول إن الفرح هو الذي يُزهر، وله خاصية كالماء، فهو مادة النمو والحياة:
«لقد تركوا الفرح، ويعبدون الغم! الفرح كالماء اللطيف الصافي، حيثما حلّ، نبتت في الحال زهرة عجيبة. والغم كالسيل الأسود، حيثما حلّ، أذبل الزهرة.» (مقالات شمس)
أن تكون في بيت الغم فذلك من دناءة الهمة
وفي قلب دنيء الهمة، كيف تكون أسرارك؟
(غزليات شمس)
كان العارفون يقولون إننا نمتلك نظرة وروحاً خلقتا في قلوبنا جنة كهذه، ولو اطّلع ملوك الدنيا على ما نحن فيه من طيب الحال لذهب صبرهم:
حين رأى أحدهم إبراهيم الخواص في الصحراء وقد جلس محتبياً مطمئناً، قال له: يا أبا إسحاق! ما الذي يُجلسك هاهنا؟ فقال: اذهب أيها البطّال! لو علم ملوك الأرض بما أنا فيه من حال هاهنا لأتوا إلى رأسي بالسيوف حسداً. [الحُبوة: هي أن يضمّ ركبتيه إلى بطنه ويجمعهما بثوب أو بيديه.] (نفحات الأنس)
في فؤادنا روضة وغدير
لا سبيل فيه إلى ذبول
نحن دوماً في نضارة وشباب
طراوةً، حلاوةً، ضحوكاً، ظرفاء
(المثنوي: الدفتر الثالث)
دماؤنا على الغم حرام، ودم الغم علينا حلال
كل غمّ حام حولنا غرق في دمه
(غزليات شمس)
جعل الدنيا جنة من شكر ضحكه
ذاك الذي علّمني أن أضحك كالشرر
وإن كنت منذ الأزل طروباً ضحوكاً بالميلاد
فقد علّمني العشق شكلاً آخر من الضحك
(غزليات شمس)
لي عهد مع الفرح أن يكون الفرح لي
ولي وعد مع الحبيب أن يكون الحبيب روحاً لي
(غزليات شمس)
بطبيعة الحال، لم يكن العارفون في حالة فرح دائم. فقد حدّثونا هم أنفسهم عن أحوالهم المنقبضة والمحزونة، ولا سيما متصوفة القرون الأولى الذين كانوا في الغالب زهّاداً ذوي تصوف قائم على الخوف، وكانوا من شدة وجلهم من سوء أعمالهم بحيث لا نكاد نجد فيهم تجليات بارزة للفرح.
ولكن ما الذي جعلنا نشهد، في العصور اللاحقة وخصوصاً لدى عرفاء خراسان الكبرى أمثال بايزيد البسطامي وأبي سعيد أبي الخير، والأكثر بروزاً مولانا جلال الدين الرومي، أحوالاً من طيب النفس تبعث الروح؟
لقد استبدل عرفاء ثقافتنا، وخاصة منذ زمن أبي سعيد أبي الخير، التصوف العاشق بالتصوف الخائف. فحتى القرن الرابع الهجري، كان التصوف السائد ممتزجاً بالحزن والخوف. وكان عرفاء القرون الأولى ينظمون علاقتهم بالله غالباً على أساس الخوف والرجاء. أما منذ عهد أبي سعيد فصاعداً، فقد قدّم جلّ العارفين، بإبرازهم لمفهوم العشق والمحبة، تعريفاً جديداً لصلتهم بالله. ففي هذه النظرة، صار الله محبوباً فاتناً هو الذي مدّ بنفسه يد الصداقة والمودة نحو الإنسان وبسط له حبال المحبة.
أُخرج أيها الغم من الصدر فلطف الحبيب آتٍ
وأنت أيضاً أيها القلب غِب عني فذلك الفاتن آتٍ
لا أقول للحبيب فرحاً لأنه قد تجاوز الفرح
ومن فرط عشقي له صار الفرح عاراً عليّ
(غزليات شمس)
من أين تستقي الأفراح العرفانية منابعها؟
1) يبدو أن أهم عامل باعث على الفرح لدى العارفين هو إدراك حضور المحبوب. فعندما يتجلى الله في صورة محبوب فاتن في مرآة الروح، وبالنظر إلى أن الوجود برمته هو مجلّى ظهور وجه المحبوب، فمن الطبيعي أن يجد المرء في صحبة المحبوب ومعاشرته النشوة والانجذاب والأحوال الطروبية.
ما دام في قلبي صورة ذلك الغادة الحسناء
فمن ذا الذي يكون قلبه شادياً مثلي في هذا العالم؟
والله إني لا أعرف العيش إلا شادياً
أسمع بالغم ولكني لا أدري ما هو
(غزليات شمس)
لا تسع أرواحنا جلودها من فرحنا بك
فقد جلبتَ هذا الجمال المحيي لأجلنا
(غزليات شمس)
يبدو أن من أهم أسباب طيب حال العارفين هو أنهم أولاً كانوا في علاقة عاشقة مع الله، وثانياً رأوا الوجود مرآةً يتجلى فيها وجهه، وارتشفوا خمر الحياة وجهاً لوجه مع الله، وبتعبير مولانا فقد تصوروا أنفسهم في «حضرة الله»:
لا تأتِ بلا دفٍّ إلى قبري يا أخي
ففي حضرة الله لا يليق الحزن
«إلهي كلما نظرت إليك توجتني بالملائكية، وكلما نظرت إلى نفسي وجدتني تراباً على تراب.» (خواجه عبد الله الأنصاري، من كتاب الأزل والأبد للإنسان)
عندما تكون لك علاقة عاشقة مع الذات الواهبة للوجود وموقدة مصباح العالم، فإنك تشعر أنك تعيش في الجنة:
إن كنت عاشقاً فدع الغم جانباً
وانظر إلى العرس ودع المأتم
(غزليات شمس)
أنا في سلام دائم مع هذا الأب
فهذا العالم في نظري كالجنة
(المثنوي: الدفتر الرابع)
قال بهلول لذاك الدرويش:
كيف حالك أيها الدرويش، أخبرني
قال: كيف يكون حال من تجري
أمور العالم على مراده أبداً؟
السيول والأنهار تجري كما يريد
والنجوم تكون كما يشاء
الحياة والموت قائداه
يسيران وفق مراده من مكان إلى مكان
لا يضحك في العالم سنٌّ
إلا برضا وأمر ذلك الآمر المطاع
اسمع هذا القدر: أن الأمر الكلي
لا يجري إلا بأمر الخالق
حين يصير قضاء الحق رضا العبد
يصير العبد طالباً لحكمه
(المثنوي: الدفتر الثالث)
العشق حين يقترن بقرب الحبيب يكون جالباً للفرح. في تجربة العشق المبهجة، تكون روح المرء سعيدة جداً بالحضور إلى جانب الصديق حتى إنها تستصغر ضيق العالم الخارجي. إن كنت رفيق يوسف في السجن، صار السجن لك روضة:
«يعجبني من هذا الحديث قوله: الدنيا سجن المؤمن؛ فأنا لم أر سجناً قط، بل رأيت كله سروراً، وكله عزة، وكله سعادة. لم أستشكل حديثاً من أحاديث النبي إلا هذا الحديث: الدنيا سجن المؤمن، لأني لا أرى سجناً. أقول: أين السجن؟» (مقالات شمس)
«نحن الذين نحيل السجن على أنفسنا بستاناً. فإذا صار سجننا بستاناً، فانظر كيف يكون بستاننا نفسه!» (مقالات شمس)
لحظة مع الصديق في الخلوة خير من مئة عام في العشرة
لا أريد الحرية، فأنا مع يوسف في السجن
(سعدي)
أينما كان يوسف كالقمر
فهي الجنة، وإن كانت في قعر البئر
(المثنوي: الدفتر الثالث)
كان العارفون يقولون: أصل الفرح وفرح الأصل هو أن تتذوق طيب وحلاوة الارتباط بالله ومناجاته. فما لم تصل إلى ذلك المؤنس الحقيقي، لا يمنحك شيء سكينة عميقة:
اختبرت قلبي بألف طريقة
فلم يرضه شيء إلا وصالك
(غزليات شمس)
«من يخرج من هذه الدنيا ولم يتذوق حلاوة كلام الله، فكأنه لم ينل شيئاً.» (أبو الحسن الخرقاني، تذكرة الأولياء)
«وزن ذرة من حلاوته أثقل من قصور الجنة.» (بايزيد البسطامي، دفتر الأنوار)
«في الإنسان عشق وألم وحنين وتوق، بحيث لو ملك مئة ألف عالم، لما استراح ولما وجد السكون. الخلق في كل حرفة وصنعة ومنصب يكدحون ولا ينالون أي قرار، لأن ما هو المقصود لم يُنل بعد. ألا ترى أنهم يسمون المعشوق دلارام، أي أن القلب يسكن به. فبغيره كيف يسكن ويستقر؟» (مولانا، فيه ما فيه)
«مدار لذة الحياة يتحقق مع الصديق. البستان والثمار والماء الجاري والدار، مع الغريب تكون منغصة، ومع الصديق تكون طيبة. كل الآلام من أجل الصديق تصير طيبة، وكل الملذات بلا صديق تصير كريهة.» (بهاء الدين ولد، معارف)
«إلهي! صحبتك كلها فرح، وأيامها كلها عيد.» (خواجه عبد الله الأنصاري، من كتاب هرگز و هميشه إنسان)
لكن كيف تصير آلام العالم ومعاناته عند العارف محتملة، بل مستساغة؟ يعتقد العارفون أن الدنيا دار اختبار وامتحان، وأن معظم آلام الدنيا هي من هذا الباب ليمتحنوا العاشق. أنت حين تعشق شخصًا وتعلم أن معشوقك يوقعك في الصعاب ليختبرك ويرى كم أنت رشيق وثابت في عشقه، فإن تحمل تلك الصعاب يصير حلوًا في نفسك. لأنك تعلم أنها من قِبَله، ولإثبات عشقك له. تعلم أن هذه الآلام إنما تنقض عليك ليظهر كم وضعت قدمك في عشقه بجرأة:
العشق ليس شغل النازكين الخام
العشق شغل ذوي القلوب الجريئة والأبطال يا فتى
(غزليات شمس)
وبهذا التفسير، فإن المضايق التي تعرض للعارف، بما أنها في اعتقاده كلها من جانب المحبوب، تكون حلوة:
«البلاء حسن ما دام هو في البلاء.» (خواجه عبد الله الأنصاري، في كتاب هرگز و هميشه إنسان)
«البلاء من الصديق عطاء، فالشكوى من العطاء خطأ.» (المصدر نفسه)
«إلهي! كل الأفراح، بلا ذكرك، غرور، وكل الهموم مع ذكرك سرور.» (المصدر نفسه)
الغم والفرح عند العارف سيان
أيها الساقي هات هات فرح ذاك الذي هذا الغم منه
(سعدي)
يقول العارفون إن العشق الحقيقي لا يزول بالبلاء والمرارة، بل بتعبير مولانا «في البلاء أيضًا أتذوق لذاته». المواجهة العرفانية لآلام هذا العالم تُرى بوضوح في الحكاية التالية:
يُروى أن الحسن البصري ومالك بن دينار وشقيق البلخي دخلوا يومًا على رابعة، وكانت عليلة. قال الحسن: «ليس بصادق في دعواه من لم يصبر على ضرب مولاه». فقالت رابعة: «من هذا الكلام تفوح رائحة الأنا». قال شقيق: «ليس بصادق في دعواه من لم يشكر على ضرب مولاه». فقالت رابعة: «أحسن من هذا!». قال مالك بن دينار: «ليس بصادق في دعواه من لم يتلذذ بضرب مولاه». فقالت رابعة: «أفضل من هذا ينبغي!». قالوا: قولي أنت. قالت: «ليس بصادق في دعواه من لم ينسَ الضرب في مشاهدة مولاه»؛ ليس هذا بعجب أن نسوة مصر في مشاهدة المخلوق لم يجدن ألم الضرب، فلو كان أحد في مشاهدة الخالق بهذه الصفة، لما كان بديعًا. (تذكرة)
آلام العالم في نظر العارف، هي اختبارات محكية لعشقه، ومن ثم فهي مباركة وحلوة. الألم الذي يكون من جانب الصديق، حلو:
«ملذات العالم قد قُوّمت، كم ثمن كل واحدة منها. يا روح! هذا الألم بكم ثمنه؟!» (مقالات شمس)
في البلاء أيضًا أتذوق لذاته
مات له أنا، مات له أنا، مات له أنا
(المثنوي: الدفتر الثاني)
يصير فرحًا ذاك الغم الذي نأكله كالسكر حلوًا
أيها الغم هلم إلينا فنحن إكسير الهموم
(غزليات شمس)
«كنت كالمريض؛ قلت لأصحابي: لكل حال من أحوالي لذة أخرى. لمرضي لذة أخرى، ولصحتي لذة أخرى؛ لسفري لذة أخرى؛ ولإقامتي لذة أخرى؛ لحال افتضاحي لذة أخرى، ولعزلتي لذة أخرى. أنا في غالب أحوالي طيب القلب.» (معارف بهاء ولد)
في الواقع، من وجهة نظر العارف، فإن البلايا الدنيوية إنما هي لإظهار عشق الأصل عن محبة البدل. ذلك أن المحبة الحقيقية لا تخبو بجفاء المحبوب:
«حقيقة المحبة ألا تزيد بالبر ولا تنقص بالجفاء.» (يحيى بن معاذ، طبقات الصوفية)
«أودع الشبلي المارستان بتهمة الجنون. فجاءه قوم يزورونه. فقال: «مَن أنتُم؟» قالوا: «أحبّاؤُکَ.» فجعل يرميهم بالحجارة. فولوا هاربين. فقال: «لو کنتُم أحبّائی لِما فررتُم من بَلائی؟ فاصبِروا علی بلائی.» إن كنتم أحبائي فلماذا تهربون من بلائي؟ فالصديق لا يهرب من بلاء صديقه.» (كشف المحجوب)
وبتعبير مولانا، العارف هو من «جميع المكاره عنده بعشقه لذة. فـ«المكاره» حين تقترن بالعشق، تصير لذة:
يا سيئاتٍ تأتين بها في الغضب والعراك
أطربُ من سماعٍ ورنين عودٍ ورباب
يا جفاءكِ خيرٌ من إقبال الدهر والدول
وانتقامكِ أحبُّ إليَّ من الروح والبدن
نارك هذه، فكيف يكون نورك إذن؟
مأتمي هذا، فكيف يكون عرسك البهيج؟
من حلاوات جورك التي لا تُحصى
ومن لطائف سرك التي لا تُدرك
أنوح وأخشى أن يصدق ظني
فيخفف عني كرمًا ذاك الجور
عاشقٌ أنا لقهره ولطفه جِدًّا
فيا للعجب من عاشقٍ لهذين الضدين
والله لو خرجت من هذا الشوك إلى بستان
لصرت كالبلبل أنوح من أجل هذا
عجبًا لهذا البلبل يفتح فاه
ليأكل الشوك مع الورد والريحان
أي بلبل هذا؟ إنه تمساح ناري
جميع المكاره من عشقه له لذة
(المثنوي: الدفتر الأول)
كل همّ العارف أن لا يبعده الله عنه ولا يذيبه في مقام الغيبة والفراق. أما سائر الضوائق فهي عنده لا شيء:
ليس في العالم أمرّ من الهجران
فافعل ما شئت، لكن إياك وهذا
(غزليات شمس)
حديث هول القيامة الذي قاله واعظ المدينة
كنايةٌ عمّا قاله عن أيام الهجران
(حافظ)
ومتى ما شعر أنه في مقام القرب والصلح والحضور، فلا ينقصه شيء بعد ذلك:
إن ظفرت بوصل الحبيب لحظةً
فامضِ، فكل ما ترجوه في الدنيا لديك
(حافظ)
العامل الأساسي لبهجة العارفين هو عشق الله. عشق يحوّل الوجود برمته إلى مجلىً له، ويصالح العارف مع العالم أجمع. ويجعل الضوائق والمصاعب في عينه سهلة بل مستساغة، لأنها من قِبَل المحبوب.
يقول العارف: سر سعادتي هو امتلاكي لمحبتك وودك، وما دامت محبتك لم تفارق قلبي، فأنا حائز لأثمن الكنوز. الكنز الذي أسعد العارف بنفسه هو كنز المحبة الذي وجده في قلبه.
سئل بايزيد: «ما الفقر؟» فقال: «أن يغوص المرء في زاوية قلبه على كنز، فيجد فيه جوهرة، تسمى المحبة، فمن وجد تلك الجوهرة فهو الفقير.» (تذكرة الأولياء)
مملكة العشق وكنز الطرب
كل ما لديَّ من يمن همته
(حافظ)
في أحوال بعض العارفين ورد أنهم كانوا ذوي أبدان رشيقة سمينة، ولم يكونوا نحفاء هزالى، وكانوا يرون سبب ذلك الفرح الحاصل من العشق الإلهي:
نُقل أن الشيخ [أبا سعيد أبي الخير] كان ذا هيكل عظيم. قالوا: «ما هذا؟» قال: «من فرحي بالله أسمن.» قال أحدهم: «عجبي كيف يتسع جيب الشيخ لعنقه بهذه الضخامة.» فقال الشيخ: «الأعجب من هذا كيف يتسع له ثمانية عشر ألف عالم.» (تذوق طعم الوقت، شفيعي كدكني)
«... بايزيد البسطامي، في بداية أمره، قصد لقاء رجل من القوم فقطع سبعمائة فرسخ طريقاً. فلما وصل إليه، وجده سميناً. فندم على الذهاب إليه. أدرك الرجل ما يدور في خاطر بايزيد. فقال: يا بايزيد! لا تُضع قطعك سبعمائة فرسخ، إن سمني هذا من الفرح به.» (دفتر روشنايي، شفيعي كدكني)
يقول العارف إن السبب الرئيسي لألمك وحزنك هو أنك غافل عن أي شاهد موجود في هذا العالم. محبوب هو بتعبير مولانا «سلطان لا نظير له، وفيّ، سكّري الخلق» يذوب المرء من سلامه الحار:
في العالمين لطيفٌ عذبٌ، أين مثل أميرنا؟
ما تقطّب حاجبه، وإن رأى مئة خطأ
افتح عينيك وانظر، هات الذنب وانظر إلى الخلق
خلقٌ كماء الجدول، كله طراوة وصفاء
أنا من سلامه الحار ذبت من خجلي منه
ومن كلامه اللين تذوب الصخور
(غزليات شمس)
اطلبوا أيها العشاق ذوو السلوك الحسن
طرباً أيها الشواهد حلوات الفعال
إلى متى من البيت؟ هلمّوا طريق الصحراء
إلى متى من الكعبة؟ هلمّوا إلى باب الخمّار
من بعد هذا أيدينا وذيل الحبيب
بعد الآن آذاننا وحلقة الیار
في العالم شاهد ونحن غافلون؟!
في القدح جرعة ونحن صاحون؟!
(سنائي)
«لو علم العبد أن له رباً كريماً هكذا، وعرفه كما هو، لتطايرت نفسه من الفرح، ولأخذ العبد يختال ويتبختر [لنجيدن: اختال] من عظم شأنه.» (أبو سعيد أبي الخير، تذوق طعم الوقت)
في مثل هذه الحالة يكون الموت أيضاً حلواً، لأن العارف بخلاصه من قفص الجسد ينال الوصال واللقاء الأبدي.
قيل للشيخ [أبي سعيد أبي الخير]: «أي آية نقرأ أمام جنازتك؟» قال: «ذاك أمر جلل، اقرأوا هذا البيت:
ما كان في العالم أحسن من هذا الحال
ذهب الحبيب إلى الحبيب، والیار إلى الیار
ذاك، كله حزن، وهذا كله فرح
ذاك، كله قول، وهذا، كله فعل»
(تذوق طعم الوقت، شفيعي كدكني)
وقد نظم سلطان ولد، ابن مولانا، وصية الشيخ صلاح الدين زركوب:
قال الشيخ في جنازتي
هاتوا الطبول واضربوا الدف
سيروا إلى قبري رقصاً
فرحين مسرورين سكارى مصفقين
حتى يعلموا أن أولياء الله
يذهبون فرحين ضاحكين إلى اللقاء
كلهم من الروح والقلب الوصيةَ
سمعوا بلا رياء بصفاء
(ولدنامه)
يوم الموت إذا سار نعشي
لا تظن أن بي ألم هذه الدنيا
لا تبك عليّ ولا تقل وا أسفاه وا أسفاه
في شرك الديو تسقط، فالحسرة هناك تكون
إذا رأيت جنازتي فلا تقل فراق فراق
مرا وصال و ملاقات آن زمان باشد
مرا به گور سپردی مگو وداع وداع
که گور پردهی جمعیت جنان باشد
(غزلیات شمس)
گر مرگ رسد چرا هراسم
کان راه به توست میشناسم
این مرگ نه، باغ و بوستان است
کو راه سرای دوستان است
تا چند کنم ز مرگ فریاد
چون مرگ ازوست مرگ من باد
گر بنگرم آنچنان که رایست
این مرگ نه مرگ، نقل جایست
از خوردگهی به خوابگاهی
وز خوابگهی به بزم شاهی
خوابی که به بزم توست راهش
گردن نکشم ز خوابگاهش
چون شوق تو هست خانه خیزم
خوش خسبم و شادمانه خیزم
(نظامی، لیلی و مجنون)
این مرگ که خَلق لقمهی اوست
یک لقمه کنیم و غم نداریم
(غزلیات شمس)
تو مثال ذوالفقاری تن تو غلاف چوبین
اگر این غلاف بشکست شکسته دل چرایی؟
(غزلیات شمس)
مرگ اگر مرد است آید پیش من
تا کشم خوش در کنارش تنگ تنگ
من ازو جانی برم بی رنگ و بو
او زمن دلقی ستاند رنگ رنگ
(غزلیات شمس)
روح سلطانی ز زندانی بجست
جامه چه درانیم و چون خاییم دست
چونک ایشان خسرو دین بودهاند
وقت شادی شد چو بشکستند بند
سوی شادروان دولت تاختند
کُنده و زنجیر را انداختند
روز ملکست و گش و شاهنشهی
گر تو یک ذره ازیشان آگهی
(مثنوی: دفتر ششم)
2) عامل دیگری که عامل شادمانی عارف است بیاعتنایی او به قبول و ردّ دیگران است. وقتی شما تمام دلتان را به محبوبی یگانه میدهید دیگر برایتان مهم نیست که کسی از شما خوشش نیاید، مهمنیست که دیگران ترکتان کنند یا از شما بدگویی کنند.
باز پرّان کن حَمام روح گیر [حَمام: کبوتر]
در ره دعوت طریق نوح گیر
خدمتی میکُن برای کردگار
با قبول و ردّ خَلقانت چه کار
(مثنوی: دفتر ششم)
ما وقتی حالمان بد است که وابستهی نظر و داوری دیگران هستیم. ستایشها و نکوهشهای مردم خیلی در ما اثر میگذارند. دلهره داریم مبادا تصویرمان در ذهن دیگران خراب شود. اما آنکه نه یک دل که صد دل عاشق کسی است، تنها خرسندی محبوب برای او اهمیت دارد و اینکه در کنار محبوب باشد.
با ازل خوش با اجل خوش شادکام
فارغ از تشنیع و گفت خاص و عام
آنک جان در روی او خندد چو قند
از ترشرویی خلقش چه گزند
آنک جان بوسه دهد بر چشم او
کی خورد غم از فلک وز خشم او
(مثنوی: دفتر دوم)
«درویش را از تُرُشی خلق چه زیان؟ همه عالَم را دریا گیرد، بط را چه زیان؟»(مقالات شمس)
ابوفراس در شعری زیبا گفته است:
فَلَيْتَكِ تَحْلُو وَالحَيَاةُ مَرِيرَةٌ
وَلَيْتَكِ تَرْضَى وَالأَنَامُ غِضَابُ
وَلَيْتَ الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَكِ عَامِرٌ
وَبَيْنِي وَبَيْنَ العَالَمِينَ خَرَابُ
إِذَا صَحَّ مِنْكِ الوُدُّ فَالكُلُّ هَيِّنٌ
وَكُلُّ الَّذِي فَوْقَ التُّرَابِ تُرَابُ
«ترجمه: ليتك تكونين حلوة والحياة مريرة، وليتك ترضين والأنام غضاب.
ليت ما بيني وبينك عامر، وما بيني وبين العالمين خراب.
إذا صحّ منك الودّ فكل شيء هيّن، وكل ما على وجه الأرض تراب.»
مثلاً في هذه الحكاية نرى الشيخ أبا سعيد أبي الخير كم هو طليق النفس، وكم هو مرتاح وهو يأكل اللفت في السوق، وفي حال صافية:
بقي [الأستاذ أبو القاسم القشيري] فترة في صحبة الشيخ، حتى كان يوم يسيران معاً في سوق نيسابور. فرأيا لفتاً مطبوخاً موضوعاً، أبيض نظيفاً. فاشتهته نفسا كليهما. فأعطى الشيخ قطعة نقد صغيرة وأخذ من ذلك اللفت وأكل. فقال الأستاذ أبو القاسم في نفسه: «أنا إمام نيسابور، كيف آكل اللفت في وسط السوق؟» فلم يأكل وذهب إلى الخانقاه. وكما كانت عادة الشيخ، أقاموا بعد الطعام سماعاً. فوجد الشيخ حالاً عظيماً. فخطر بقلب الأستاذ أبي القاسم أن «كل هذا التحصيل الذي حصلته، وما كابدته من مشاق في طريق الطريقة، لم يُسَلَّم لي مثل هذا الوقت والحال.» فرفع الشيخ رأسه وقال: «تلك الساعة التي كنت آكل فيها اللفت في السوق، كنت أنت تعبد صنم النفس وتقول: أنا إمام نيسابور، كيف آكل اللفت في السوق؟ ألا تعلم أن أحداً من عبدة الأصنام لا يُعطى هذا الوقت والحال؟» (حالات وسخنان أبو سعيد أبو الخير، جمال الدين أبو روح لطف الله)
خذ كأس العشق وامضِ
واعرف ذلك المعشوق وامضِ
كن شراباً بلا حثالة الصورة
لطيفاً صافياً كالروح وامضِ
لقاؤه الواحد يساوي مئة روح
هب الروح واشترِ رخيصاً وامضِ
حين ترى ذاك القدّ الفضي
أنفق الفضة ودع الهميان وامضِ
إن بكى العالم فماذا عليك؟
انظر إلى القمر الضاحك وامضِ
إن قالوا رزاق وخالي
قل أنا كذا مئتا ضعف وامضِ
اطلِ شفتيك بطين مع الخلق
وخذ السكر بين أسنانك وامضِ
قل ذاك القمر لي، والباقي لكم
لا أريد جاهاً ولا مالاً وامضِ
(غزليات شمس)
ألف عدو إن راموا هلاكي
إن كنتَ لي ودوداً فلا أخشاهم
(حافظ)
حكاية من فمك أتت مسمع الروح
فصار سائر نصح الناس حكاية في أذني
(سعدي)
3) تحرر العارف، سبب آخر لفرحه. فكلما زاد إحساسك بالتملك ونزعة الاستحواذ، زاد اضطراب حالك. حين يجد العارف المطلوب الحقيقي وسكينة القلب الأصلية، تخف لديه شهوة الطلب والامتلاك والاستحواذ، ويصبح، بتعبير مولانا، ذا «عين شبعى».
ليس لدى العارف عطش للتملك والاستحواذ والظفر بالشيء وزيادة حجم ممتلكاته.
«سئل أبو بكر المصري عن الفقير الصادق فقال: لا يَملِك ولا يُملَك، ومعناه ألا يكون له مِلك ولا يكون مِلكاً لأحد.
وسئل سمنون عن التصوف فقال: هو ألا يكون شيء مِلكاً لك، ولا تكون أنت مِلكاً لشيء.» (الرسالة القشيرية، أبو القاسم القشيري)
في الحكاية التالية يشير أبو سعيد إلى نقطة مهمة:
يُروى أن أبا محمد الجويني كان ذات يوم مع الشيخ [أبي سعيد أبي الخير] في الحمّام. قال الشيخ: «لِمَ هذا الحمّام طيب؟» قال: «لأنه يُطهّر المرء ويُزيل عنه الدرن.» قال الشيخ: «أحسن من هذا ينبغي.» قال: «لأن مثلك حاضر هاهنا.» قال الشيخ: «ارفع قدم الأنا والنحن من الوسط!» قال: «الشيخ أعلم.» قال الشيخ: «إنه طيب لأن متضادين – أي النار والماء – قد تألفا وصارا واحداً.» تعجب أبو محمد من هذا المعنى اللطيف. ثم قال الشيخ: «إنه طيب لأنه ليس معك من جملة مال الدنيا وملكها أكثر من دلو وإزار [وزرة]، ثم إنهما أيضاً ليسا لك!» (تذوق طعم الوقت، شفيعي كدكني)
من أسباب تعاستنا كثرة الطلب، فإذا أمكن إخماد عطش الرغبة، لم يبقَ عناء:
«قيل لمريض: ماذا تشتهي نفسك؟ قال: ألا تشتهي شيئاً.» (كلستان سعدي، الباب الثالث)
قال الشبلي: «أريد ألا أريد.» وقال الخرقاني: «هذه إرادة أيضاً.» (نفحات الأنس)
قال الحق – تعالى – لباييزيد: «يا بايزيد! ماذا تريد؟» قال: «أريد ألا أريد.» (تذكرة الأولياء)
«جميع الآلام تنشأ من أنك تريد شيئاً ولا يتيسر. فإذا لم تُرد لم يبقَ ألم.» (فيه ما فيه)
ثم إن العارف يلتفت إلى زوال الوجود وفنائه، وإلى أن دار الدنيا لا اعتبار لها ولا بقاء:
يا حافظ، ما دام غم الدنيا وسرورها في مرور
فالأفضل أن أصون خاطري مسروراً
هذه النظرة تجعله لا يتعلق قلبه بما يملك، وتكسبه تجرداً:
(لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ...) [الحديد: 23]
«كل كآبة الدنيا من وضع القلب على هذا العالم. كل لحظة تكون فيها حراً من هذا العالم وتعد نفسك غريباً، وفي كل لون تنظر إليه وكل طعم تذوقه، تعلم أنك لا تبقى معه وأنك ذاهب إلى مكان آخر، لا تكتئب.» (مولانا، مناقب العارفين)
«كان معنا في قافلة الحجاز رجل مرقّع الثياب، أعطاه أحد أمراء العرب مئة دينار لينحر بها قرباناً. فهجم لصوص خفاجة فجأة على القافلة وسلبوها عن آخرها. أخذ التجار يبكون ويتضرعون، ويرفعون صراخاً لا طائل منه، إلا ذلك الدراويش الصالح الذي بقي على حاله ولم يطرأ عليه تغير. فقلت: لعلهم لم يأخذوا مالك؟ قال: بلى أخذوا، ولكن لم تكن لي به ألفة حتى أكون منكسر القلب وقت الفراق.» (كلستان، الباب الخامس)
العارفون، بما أنهم قد ارتووا من عشق الله، فليس لديهم ذلك الجوع والولع بتملك الأشياء، وبتعبير آخر فإن «غم الدين» و«غم العشق» قد أبعدا عنهم سائر الهموم:
قال: اذهب، فكل من اختار غم الدين
قطع الله عنه سائر الهموم
(المثنوي، الدفتر الرابع)
الغم قسمان، يا أخي، فاستمع
واجعل شعلتنا مصباحاً للوعي
غمٌّ هو الغم الذي يأكل المرء
وغمٌّ آخر يأكل كل غم
ذلك الغم الآخر الذي هو أنيسنا
روحنا بصحبته بلا غم
(إقبال لاهوري، زبور العجم)
4) طريق اللذة من الداخل. هذه حقيقة يؤمن بها العارف. منبع السعادة في القلب، وينبغي للمرء، بدلاً من أن يبحث عن السعادة في الأشياء أو الأشخاص الخارجيين، أن يجد السعادة والبهجة في داخله، وكما قال الخيام: «نحن أصل السرور ومعدن الغم»
«انعدام الطعم كله من مرضك أنت، لا من أجل أنه لا طعم في العالم وفي الطعام والشراب والصحبة والنظر. فاجتهد أنت حتى يزول المرض من بدنك، والخيرة من عينك، والانقباض من رجلك.» (بهاء ولد، معارف)
ابسط يدك وخذ بطرف ردائك
مرهم این ریش جز این ریش نیست
(غزلیات شمس)
حالت که خوب باشد فرقی نمیکند در چه مکان و موقعیتی قرار گرفته است:
راه لذت از درون دان نه از برون
ابلهی دان جستن قصر و حُصون
آن یکی در کنج مسجد مست و شاد
وآن دگر در باغ تُرش و بیمراد
(مثنوی: دفتر ششم)
آن یکی در مرغزار و جوی آب
و آن یکی پهلوی او اندر عذاب
او عجب مانده که ذوق این ز چیست
و آن عجب مانده که این در حبس کیست
(مثنوی: دفتر سوم)
هر چه بر تو آید از ظلمات و غم
آن ز بی باکی و گستاخی است هم
(مثنوی: دفتر اول)
پس ترا هر غم که پیش آید ز درد
بر کسی تهمت منه بر خویش گرد
(مثنوی: دفتر چهارم)
آدم که حالش خوب باشد و به تعبیر بوسعید مراقب «طعم وقت» باشد، از هر موهبت و موقعیتی، نهایت حظ و بهره را میبَرد:
«و آورده اند که روزی شیخ ما بعد از آن حالت- که او بدان درجه رسیده بود، که مشهور است- بر در مشهد مقدّس، نشسته بود، مریدی از مریدان شیخ سَرسَر[قاچ قاچ] خربزهی شیرین به کارد میگرفت و در شکرِ سوده میگردانید و به شیخ میداد تا میخورد، یکی از منکران این حدیث بر آنجا بگذشت گفت: «ای شیخ! این که این ساعت میخوری چه طعم دارد و آن سرخار و گز که در بیابان هفت سال میخوردی چه طعم داشت؟ و کدام خوشتر است؟» شیخ ما گفت که «هر دو طعمِ وقت دارد، یعنی اگر وقت را صفت بسط بود، آن سرگز و خار خوشتر ازین بود و اگر حالت را صورت قبض باشد که(اللهُ یقبِضُ و یَبصُطُ: خدای تنگ فراگیرد وفراخ فراگیرد.- بقره/245) و آنچ مطلوب است در حجاب، این شکر ناخوشتر از آن خار بُود.»(اسرارالتوحید)
این معرفت انسانی موجب میشد عارف در «بسط وقت» بکوشد و سعی کند دلی فراخ و شامّهای تازه و تیز پیدا کند تا از آنچه دارد حظ وافر ببرد:
«با تنگدلی ملک همه جهان منغّص بود و با فرادلی همه رنجها آسان بود.»(معارف بهاءولد)
«عارف کسی است که هیچ کدورتی مَشربِ صاف او را مکدّر نگرداند و هر کدورتی که بدو رسد، صافی شود.»(فیه ما فیه)
نگاه عارف این است که گلستان واقعی را در دل باید ساخت و اگر فراخی دل و نورانیت درون حاصل شود، جهان بیرون نیز در نظر فرد بهارآیین خواهد شد:
«صوفیای را گفتند سر برآر اُنظُر إلَی آثارِ رَحمةِ اللهِ، گفت آن آثار آثار است. گلها و لالهها در اندرون است»(مقالات شمس)
به درون توست یوسف، چه روی به مصر هرزه؟
تو درآ درون پرده بنگر چه خوش لقایی
-
ز جیب خویش بجو مَه چو موسی عمران
نگر به روزن خویش و بگو سلام سلام
(غزلیات شمس)
عارفان را شمع و شاهد نیست از بیرون خویش
خون انگوری نخورده باده شان هم خون خویش
هر کسی اندر جهان مجنون لیلی شدند
عارفان لیلی خویش و دم به دم مجنون خویش
ساعتی میزان آنی ساعتی موزون این
بعد از این میزان خود شو تا شوی موزون خویش
باده غمگینان خورند و ما ز می خوشدلتریم
رو به محبوسان غم ده ساقیا افیون خویش
خون ما بر غم حرام و خون غم بر ما حلال
هر غمی کو گرد ما گردید شد در خون خویش
الخمرة وردية اللون على وجنات مرضى الغم
نحن في بهجة من لوننا ووجنتنا المتوردة
(غزليات شمس)
5) السلام الداخلي والتصالح مع الجميع، شرط لطيب القلب. لقد سعى العارفون لأن يكونوا في سلام مع الجميع. عندما تكون في مقام الصلح والوئام، تصبح داخلك جنة. إن العيش في سلام ووئام مع الآخرين، وعدم إضمار سوء النية أو الحقد أو العداوة لأحد في القلب، هو قبل كل شيء في صالح الفرد نفسه ويُحسّن حاله.
«ليس في الدنيا أصعب من أن تكون لك خصومة مع أحد.» (أبو الحسن الخرقاني، تذكرة الأولياء)
«إن أردت أن تكون في الجنة دائمًا، فصادق جميع الناس ولا تضمر حقدًا لأحد في قلبك، لأنك متى ذكرت شخصًا بصداقة، كنت دائمًا مسرورًا، وتلك المسرة عين الجنة. وإن ذكرت أحدًا بعداوة، كنت دائمًا في غم، وذلك الغم عين جهنم. إذا ذكرت الأصدقاء، تفتح بستان داخلك من الفرح ويمتلئ بالورد والريحان. وإذا ذكرت الأعداء، امتلأ بستان داخلك بالأشواك والأفاعي وصرت ذابلًا.» (مولانا، مناقب العارفين)
العارف هو من جعل قلبه بحرًا، لا يتأذى بالجفاء ولا يحمل حقدًا في قلبه:
البحر الواسع لا يكدره حجر
والعارف إن تأذى فهو لا يزال ضحل الماء
(سعدي)
نفي بالعهد ونحتمل الملامة ونكون في خير حال
ففي طريقتنا التأذي كفر
(حافظ)
قال السيد برهان الدين محقق الترمذي: «الحر هو من لا يتأذى من أذية أحد. والفتى هو من لا يؤذي من يستحق الأذية.» (معارف الترمذي)
لقد كان العارفون، بدل النزاع والحرب مع الآخرين، مشغولين أكثر بمحاربة صفاتهم المذمومة:
«صالحت خلق الله فلم أحاربهم أبدًا، وحاربت النفس فلم أصالحها أبدًا.» (أبو الحسن الخرقاني، تذكرة الأولياء)
عندما كان شيخنا [أبو سعيد أبو الخير] يتحدث في مجلس بميهنة، دخل درويش في أثناء المجلس وقال: «أيها الشيخ! أريد أن أعلم أي رجل أنت وأي شيء أنت؟» فقال الشيخ: «أيها الدرويش! ليس لنا همّ بالكيس، وليس لنا حرب مع خلق الله.» (أسرار التوحيد)
«[سُئل الخواجة عبد الله الأنصاري] عن التصوف، فقال: ظاهر بلا لون، وباطن بلا حرب.» (من كتاب "من الأزل إلى الأبد للإنسان")
أنشد الشيخ نظام الدين أولياء في مجلس هذين البيتين:
كل من لا يذكرنا، فليكن الله عونه
ومن يؤذينا، فلتكثر راحته
كل من يضع شوكة في طريقنا من عداوة
فكل زهرة تتفتح من بستان عمره، فلتكن بلا شوك!
ثم أضاف: «واحد يضع شوكة وأنت تضع شوكة أيضًا. فيكون هذا شوكًا في شوك!... هكذا الحال بين الناس، أن تكون مع الحِسان حَسَنًا ومع القِباح قبيحًا [نغز: جميل الوجه وبديع، كوز: منحني وأحدب]؛ ولكن، بين الدراويش هكذا الحال، أن تكون مع الحِسان حَسَنًا ومع القِباح حَسَنًا أيضًا.» (فوائد الفؤاد)
6) الطلب والبحث هو ما يبعث الحيوية والطراوة. الإنسان الذي لا طلب له، يكون ملولًا وسئمًا. العارف في «طلب دائم»، وفي الطلب الدائم لذة:
«اللذة والطيب في الطلب. في النيل، لا طيب. النيل صدمة تحطمك. كل الراحات والأطياف والألطاف والولايات واللذائذ، هي في الطلب.» (الخواجة عبد الله الأنصاري، طبقات الصوفية)
إن لم يكن لك حبيب، فلماذا لا تطلب؟
وإذا وصلت إلى الحبيب، فلماذا لا تطرب؟
(غزليات شمس)
7) عندما تطلب سعادتك لنفسك، تهرب منك. عليك أن تسعى لإسعاد غيرك وتطلب رضا المحبوب، حينها تأتيك السعادة بنفسها:
«حق تعالى وإن كان قد وعد بأن جزاءات الخير والشر ستكون في القيامة، إلا أن نموذجها يصل لحظة بلحظة وطرفة عين إثر طرفة عين. إن أتت الإنسانَ بهجةٌ في قلبه، فهي جزاءُ كونه قد أدخل البهجة على أحد. وإن اعتراه الغم، فقد أغتمَّ أحداً بسببه. هذه هدايا ذلك العالم ونموذج يوم الجزاء، حتى يُفهم الكثيرُ بهذا القليل، كما يُعرض من كومة القمح حفنةُ قمح.
هذه القبضات والكدرات والمنغصات التي تعتريك، هي من أثر الأذى والمعصية التي اقترفتها، وإن كنت لا تذكر تفصيلاً ماذا وماذا فعلت. انظر كم لديك من انبساط وكم لديك من قبض، فالقبض جزاء المعصية قطعاً، والبسط جزاء الطاعة.» (مولانا، فيه ما فيه)
لقد خرج العارفون من شرنقتهم ليصيروا فراشاتٍ تحوم حول أزهار العشق. لقد منحهم العشق «إمكانية أن يصيروا طائراً». نسيان الذات ضروري لمعانقة الآخر، وهو باعث للبهجة في الآن نفسه:
«اخطُ خطوةً واحدةً خارج ‹ذاتك›، لترى البهجات.» (روضة الفريقين، مؤمل بن منصور الشاشي)
تلك النَفسُ التي أنتَ فيها بذاتك، يأتيكَ الحبيبُ كالشوك
وتلك النَفسُ التي أنتَ فيها بلا ذات، ماذا يفيدكَ الحبيب؟
تلك النَفسُ التي أنتَ فيها بذاتك، أسيرُ غيمةِ غُصّة
وتلك النَفسُ التي أنتَ فيها بلا ذات، يأتيكَ القمرُ إلى الحضن
تلك النَفسُ التي أنتَ فيها بذاتك، يجتنبكَ الحبيب
وتلك النَفسُ التي أنتَ فيها بلا ذات، يأتيكَ الحبيبُ خمرةً
تلك النَفسُ التي أنتَ فيها بذاتك، كالخريف ذابلٌ
وتلك النَفسُ التي أنتَ فيها بلا ذات، يأتيكَ كانونُ كالربيع
(غزليات شمس)
8- بالطبع، لا يقيم العارف في البهجة دوماً، بل يعتوره الغم والأسى أيضاً:
يجعلني لحظةً كالگلستان فرحاً
ويجعلني لحظةً كالشتاء
يجعلني تارةً ينبوعَ شمس
ويجعلني تارةً ليلاً حالكاً
(غزليات شمس)
لكن النظرة التي يحملها العارف إلى الغم والأسى، هي نظرة شافية وجابرة. يعتقد العارفون أن «الغم» صانع البهجة، وأن حال القبض والأسى كريح الخريف التي تسقط الأوراق لتنبت من جديد أوراق طازجة على أغصان الشجرة. البهجة هي إنفاق الروح، وكل إنفاق يحتاج إلى دخل وإيراد. إنفاق البهجة واستهلاكها يأتي من دخل الغم وإيراده. لذا، ففي القبض والغم يكمن أمل بهجة جديدة:
فكرة الغم إن كانت تعترض طريق البهجة
فهي تقوم بتدبيرات البهجة
تكنس الدار بسرعة من الغير
حتى تدخل بهجة جديدة من أصل الخير
(المثنوي: الدفتر الخامس)
إذا ما اعتراك قبض أيها السالك
فذاك صلاحك، لا تكن محترق القلب
لأنك في إنفاق من ذلك البسط والانشراح
والإنفاق لا بد له من دخل بالاستعداد
سكر البهجة ثمرة بستان الغم
هذا الفرح جرح، وذاك الغم مرهم
(المثنوي: الدفتر الثالث)
«وقت الغم أطيب من وقت البهجة، لأن الغم يوصل الروح إلى الله. فالروح في وقت الغم تأخذ حظها من الله
وفي وقت البهجة والطيب تنفق. أليس دخل الروح خيراً من إنفاقها في النهاية.» (معارف بهاء ولد)
«الرجل هو من يكون طيباً في غير الطيب، وشاداً في الغم. لأنه يعلم أن المراد ملتف في اللامراد. في ذلك اللامراد أمل المراد، وفي ذلك المراد غصة بلوغ اللامراد. يوم كانت نوبتي للحمى، كنت شاداً لأن صحة الغد قد وصلت. ويوم كانت نوبتي للصحة، كنت في غصة لأن الحمى ستأتي غداً.» (مقالات شمس)
«كل شيء يولد من كيفيته الذاتية، إلا البهجة فإنها تولد من الأسى.» (طبقات الصوفية)
المصادر:
1- أسرار التوحيد في مقامات الشيخ أبي سعيد، محمد بن منور الميهني، مقدمة وتحقيق وتعليقات الدكتور محمد رضا شفيعي كدكني، مؤسسة انتشارات آگاه، الطبعة السادسة، 1385
2- الإشارات والتنبيهات، ابن سينا، تحقيق: سليمان دنيا، القاهرة، دار المعارف، الطبعة الثالثة، 1985م.
3- تذكرة الأولياء، الشيخ فريد الدين العطار النيسابوري، تصحيح رينولد آلن نيكلسون، انتشارات أساطير، الطبعة الثانية، 1386
4- تذوق طعم الوقت، من التراث العرفاني لأبي سعيد أبي الخير، مقدمة وتحقيق وتعليقات محمد رضا شفيعي كدكني، نشر سخن، الطبعة الأولى، 1385
5- أحوال وأقوال أبي سعيد أبي الخير، تأليف جمال الدين أبي روح لطف الله بن أبي سعيد بن أبي سعد، مقدمة وتحقيق وتعليقات محمد رضا شفيعي كدكني، نشر سخن، الطبعة السادسة، 1384
6- خم من الخمر الرباني: مختارات مقالات شمس، اختيار وتوضيح محمد علي موحد، نشر سخن، الطبعة الثانية، 1388.
7- في لم يزل وأبد الإنسان (من التراث العرفاني لخواجه عبد الله الأنصاري)، محمد رضا شفيعي كدكني، انتشارات سخن، الطبعة الأولى، 1394
8- دفتر الأنوار، من التراث العرفاني لبايزيد البسطامي، الدكتور شفيعي كدكني. نشر سخن، الطبعة الأولى، 1384
الرسالة القشيرية، ترجمة أبي علي حسن بن أحمد العثماني، تصحيح بديع الزمان فروزانفر، انتشارات علمي فرهنكي، الطبعة التاسعة، 1385
9- طبقات الصوفية، خواجه عبد الله الأنصاري، بتصحيح الدكتور محمد سرور مولايي، طهران، 1362
10- فوائد الفؤاد (ملفوظات الشيخ نظام الدين أولياء)، أمير حسين السجزي، بجهود محمد لطيف ملك، لاهور، 1966 م
11- كشف المحجوب، أبو الحسن علي بن عثمان الهجويري؛ مقدمة وتحقيق وتعليقات محمود عابدي، انتشارات سروش، الطبعة الخامسة، 1389
12- كيميا: دفتر في الأدب والفن والعرفان (2)، الدكتور حسين إلهي قمشهاي وسيد أحمد بهشتي شيرازي، انتشارات روزنه، الطبعة الثالثة، 1381
13- مختارات فيه ما فيه (مقالات مولانا)، تلخيص ومقدمة وشرح: الدكتور حسين إلهي قمشهاي، انتشارات وآموزش انقلاب إسلامي، طهران، 1370
14- معارف، بهاء الدين محمد ولد، طبعة بديع الزمان فروزانفر، طهران، طهوري، 1352
15- معارف، سيد برهان الدين محقق الترمذي، بتصحيح بديع الزمان فروزانفر، طهران، 1339
16- مناقب العارفين، شمس الدين الأفلاكي، بتصحيح تحسين يازيجي، طهران، دنياي كتاب، 1375
17- نفحات الأنس من حضرات القدس، نور الدين عبد الرحمن الجامي، مقدمة وتحقيق وتعليقات الدكتور محمود عابدي، نشر سخن، الطبعة الخامسة، 1386
18- كتابة على البحر، من التراث العرفاني لأبي الحسن الخرقاني، محمد رضا شفيعي كدكني، انتشارات سخن، الطبعة الأولى، 1384
19- ولدنامه، تصحيح جلال الدين همائي، شركة نسبي إقبال، طهران 1315.
20- حرف صوفي واحد: أقوال من العارفين، محمود عابدي، نشر سخن، الطبعة الأولى، 1385
.
.
.
.
نقاش حول هذا المقال١ تعليق
بسیار عالی و زیبا بود