اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يرى مصطفى ملكيان أن التعاليم الاثني عشر المشتركة في العرفان العملي تشكل سبيلاً لنيل السكينة وحياة أفضل، حتى دون إيمان بالله أو الدين؛ وهو مسلك يبدأ بالصمت الثلاثي والعيش في الحاضر هنا والآن.

يمكن النظر إلى هذه التعاليم الاثني عشر من 3 مناظير
يمكن النظر إلى التعاليم الاثني عشر التي أنا بصدد طرحها من ثلاثة مناظير. المنظور الأول هو المنظور العرفاني. للعرفان ثلاثة أقسام: قسم يُعبَّر عنه بالعرفان العملي أو السير والسلوك العرفاني، ويُطلق عليه اليوم منهج العرفان أو طريقته. والقسم الآخر هو العرفان النظري، أو بتعبير اليوم، العقيدة أو التعاليم العرفانية. والقسم الثالث هو «التجربة العرفانية» التي كان يُطلق عليها سابقاً الكشف والشهود أو المكاشفات، وقد شاع تعبير «التجربة العرفانية» في القرن الأخير.
يرتبط بحثنا بالعرفان العملي. وفي العرفان العملي يمكن طرح هذا السؤال: هل كان لأنظمة العرفان العملي، على الرغم من اختلافاتها الكثيرة، وجوه مشتركة؟ في هذا الباب يمكن القول إن جميع أنظمة العرفان العملي في العالم تشترك في اثني عشر مكوّناً.
ولكن يمكن النظر إلى هذه الخطوات والتعاليم العملية الاثنتي عشرة من منظور ثانٍ أيضاً.
إن النظرة الدينية والمذهبية تُثمر سلسلة من المطالب السيكولوجية، يستفيد منها جميع الملتزمين بالدين والمذهب بقدر التزامهم النظري والعملي. مطالب مثل الطمأنينة، والفرح، والأمل، والرضا عن الذات، ومعنى الحياة (المعنى بمعنى القيمة، والغرض، ووظيفة الحياة).
حتى وقت قريب، كان هناك إجماع بين علماء علم النفس وفلسفة الدين والإلهيات على أن فقدان النظرة الدينية والمذهبية يؤدي إلى الحرمان من هذه المطالب.
ولكن بحسب ظني، فإن هذه المطالب السيكولوجية يمكن الحصول عليها من طرق أخرى أيضاً. وإن كان هذا الطريق الآخر أصعب بكثير من الطريق الأول (الالتزام بدين ومذهب خاص).
الخطوات الاثنتا عشرة التي أريد أن أذكرها هي اثنتا عشرة خطوة لاستعادة المطالب السيكولوجية التي فُقدت نتيجة ترك الدين والمذهب.
ويمكن النظر إلى هذه المكونات الاثني عشر من منظور ثالث أيضاً، وهو أنك حتى لو كنت مادياً محضاً، وترى أن عالم الوجود منحصر في المادة والطاقة وتحولاتهما المتنوعة والمتبادلة، فإنك ترغب مع ذلك في أن تكون أسعد حالاً في هذه الحياة التي أمامك. بحسب ظني، كل من يطوي هذه الخطوات الاثنتي عشرة، حتى لو لم يكن له شأن بالله والحياة بعد الموت والتعالي والدين والمذهب... إلخ، فستكون له حياة أسعد. حتى لو لم تكن لديك مشاغل العرفان والدين والمذهب، فإن الالتزام بهذه الخطوات الاثنتي عشرة يصبح مدعاة لأسعدية الحياة.
سأحاول في بيان هذه الخطوات الاثنتي عشرة أن أراعي نوعاً من التقدم والتأخر. وإن كانت مراعاة هذا التقدم والتأخر تصبح صعبة، خصوصاً من الخطوة الخامسة فصاعداً.
التعليم الأول:
الصمت
ليس المقصود الصمت بمفهومه السياسي والاجتماعي الذي يعني عدم الاعتراض والسلبية. بل أعني ثلاثة أنواع من الصمت، هي على التوالي: صمت اللسان الكبير، وصمت اللسان الصغير، والصمت الذهني.
قديماً، كان من يقل كلامه في المجلس يُرى أكثر حظاً من الكمالات؛ أما الآن فقد تغير الوضع، وأصبح من يكثر الكلام يُعدّ كثير الكمالات. هذا تلقي جديد جداً، لم يكن معروفاً لدى أسلافنا، وهو بالطبع من أكبر المشكلات التي نعانيها اليوم.
كون الأصل في الحياة هو الصمت، وألا نتكلم إلا وقت الضرورة وبقدر الضرورة، هو الخطوة الأولى للعرفان العملي. أما بخصوص أنواع الصمت الثلاثة؛
النوع الأول من الصمت هو الصمت اللساني ذاته. ومعناه أنه عندما يتكلم شخص ما، لا أتكلم أنا بلساني.
هذا الصمت هو مقدمة للصمت الثاني، وهو صمت اللسان الصغير.
على الرغم من أننا نلتزم الصمت اللساني، ونبدو ظاهرياً في حالة إصغاء، فإننا نفكر باستمرار في أذهاننا. التفكير هو في الواقع كلام مع الذات. النطق هو بمعنى الكلام باللسان الكبير، وكذلك الكلام باللسان الصغير الذي هو التفكير ذاته.
معنى الصمت الثاني هو أن تكون، حين أتكلم أنا، في عالمي تماماً، وتؤجل كل تأملاتك حول هذا الكلام إلى ما بعد تلقي كلامي كاملاً.
البته سکوت اول اگر حاصل نیاید ممکن نیست که سکوت دوم را حاصل کنید.
اما سکوت سومی هم هست و عارفان اسلامی به آن میگویند رفع خاطرات و خطورات و در آیین بودا به آن سکوت ذهن گفته میشود. دو نوع سکوت پیشگفته، در برابر کس دیگری که در حال سخن گفتن است معنا مییابد. اما سکوت نوع سوم، سکوت در تنهایی است.
شما وقتی تنها هم هستید غالباً یا سوار بر سیّالهی آگاهی هستید، یا دائماً بر شما تداعی معانی پدید میآید، یا خاطرات گذشته را نشخوار میکنید و یا خطورات آینده در ذهنتان آمد و شد دارد.
تداعی معانی آن است که به وجهشباهت میان چیزها میآویزم و از چیزی به چیز دیگری میغلتم. از رنگقهوهای دفترم به رنگقهوهای پردهی اتاق، از پردهی اتاق به فکر...
این سه نوع سکوت، خیلی به بهداشت روانی ما کمک میکنند.
در هیچ دینی به اندازهی آیین بودا به ارزش سکوت تأکید نشده است. در آیین بودا چهار نوع سکوت زبان بزرگ، واجب است. سکوت هنگام غذاخوردن، دوساعت در شبانهروز، یکشبانهروز در هفته و سالی دوهفتهی متوالی.
آموزه دوم:
زندگی اینجایی و اکنونی
جسم ما همیشه در حال زندگی میکند، اما ذهن و روان ما اینگونه نیستند.
روانشناسان میگویند اغلب ما بهندرت، یکربع درشبانهروز، در زمان حال زندگی میکنیم. غالباً ذهن و روان ما در گذشته و آینده سیر میکند. سیر در گذشته و آینده دو ضرر بسیار بزرگ دارد.
اگر شما زندگی اینجایی و اکنونی داشته باشید مرتکب هیچ رفتار ضداخلاقی یا رذیلت غیراخلاقی نمیشوید. هر رفتار یا رذیلت ضداخلاقی، برآمده از پروازی به گذشته یا آینده است. مثلاً مقالهی شما برای داوری به دست من میرسد، اگر به گذشته برگردم و ببینم در حق من یا یکی از بستگانم لطفی کردهاید، از انصاف عدول میکنم و مقالهی شما را بهرغم فقدان صلاحیت، تأیید میکنم. یا با نظر به آینده، به چشمداشت منفعتی که از جانب شما متوجه من ممکن است بشود، از انصاف عدول کنم.
انتقامجویی، همیشه ناظر به گذشته است. خشم و کینه و نفرت نسبت به کسی هم مرتبط به یادآوری گذشته است. دزدی هم ناشی از خوف فقر در آینده است. بعید است که کسی همین حالا از گرسنگی در شُرُف مرگ باشد و دست به دزدی بزند. وگرنه ضروریات زندگی، ممنوعات را مباح میکند و دزدی او، اصلاً کار خلافی نبوده است. دزدی میکند چون به آینده فکر میکند و در وضع معیشت خانوادهی خود در آینده سیر میکند. اگر حافظهی ما از آینده بُریده میشد، تنها کسانی دزدی میکردند که از گرسنگی در حال مرگ بودند.
ابداع ارزشمند راولز(فیلسوف امریکایی) در عرصهِی سیاست، دفاع از «حجاب بیخبری» بود. او میگفت تنها راه اینکه دریابیم قانونی عادلانه است، این است که قانونگزاران از یاد ببرند که چه کسی هستند. جوری قانون وضع کنند که گویا بیخبرند از اینکه دانشجو هستند یا استاد، مرَدند یا زن، کارفرما هستند یا کارگر، شهریاند یا روستایی... از یاد ببرند که مسلمانند یا غیرمسلمان. آنوقت قانونی را تصویب میکردند که منصفانه است.
مثل این است که کیکی را میخواهید بین دو دخترتان تقسیم کنید. به یک دخترتان میگویید که کیک را قسمت کند با این آگاهی که انتخاب هر یک از نیمهها به اختیار خواهرش باشد. آنوقت دخترتان به دقت هرچه تمام و در نهایت انصاف، کیک را نیمه میکند چون میداند انتخاب هر یک از نیمهها به عهدهی او نیست.
اگر من از گذشته و آیندهام ببُرم، در هر اقدامی روش عادلانه را در پیش میگیرم.
این از جهت خوبی و اخلاقی بودن زندگی.
اما اینجایی و اکنونی بودن در خوشی زندگی تأثیر فراوان دارد. هر چه در زمان حال زندگی کنیم هم لذات زندگیمان افزایش مییابد و هم از آلام و درد و رنجهای زندگی کاسته میشود.
إذا كنت أعاني الآن من ألم في الضرس، ولم أستحضر الماضي ولا المستقبل، فلن أتحمل سوى ألم هذه اللحظة. لكن إذا تذكرت أن ألم الضرس كان يمتد في الماضي لثلاثة أيام كلما أصابني، فإن ألم الضرس يتضاعف في الزمن الحاضر ذاته. أو إذا انتبهت إلى أنه ينبغي عليّ تحمل هذا الألم لساعات، منذ الليلة التي أصابني فيها ألم الضرس وحتى صباح الغد حين أذهب إلى طبيب الأسنان، فإن ألمي ومعاناتي يزدادان.
والأمر نفسه ينطبق على مباهج الحياة. فإذا حللتم ضيوفاً عليّ وجلستم إلى مائدتي العامرة، لكن أذهانكم كانت مشغولة بمعاناة أمكم المريضة في الماضي والمستقبل، فلن تنالوا قسطاً وافراً من اللذة.
لذا، فإن العيش في الحاضر مفيد لجودة الحياة وبهجتها معاً.
إن تحقق إمكانات الأمور المبهجة رهين بحالتكم الداخلية، وكذلك الأمر بالنسبة للأمور المؤلمة والمسببة للمعاناة. فبهجة تمرة واحدة تتوقف على من يأكلها.
يُروى في أحاديث كونفوشيوس أنه حين غضب عليه إمبراطور الصين وحُكم عليه بالإعدام، قال لرفيقه في الزنزانة ليلة الإعدام: انظر إلى هذه الفراشة، أي لون تكتسي حين تبسط جناحيها، وأي لون تكتسي حين تضمهما! فقال له رفيقه: لقد كنت أحسبك رجلاً حكيماً، ولكنني أراك أحمق لا أكثر. كيف تستطيع أن تسرّ قلبك بهذا وأنت تعلم أنك ستُعدم غداً؟ قال كونفوشيوس: أنا لا أسمح لموتي غداً بأن يحول بيني وبين استمتاعي بلحظتي الراهنة. ثم إنني لو كنت أعلم أن حرماني من هذه اللذة سيؤدي إلى تخفيف عقوبتي وموتي لكنت أعرضت عنها، لكنني ما دمت أعلم أنه لا تأثير له، فلماذا أحرم نفسي من هذا القدر من اللذة؟
لقد استطاع كونفوشيوس أن يُخرج المستقبل من ذهنه.
التعليم الثالث:
الفعل بلا رغبة
«الفعل بلا رغبة»، الذي يعود أصله إلى الهندوسية، هو من المشتركات بين جميع العرفانات العملية. ففي الهندوسية كانوا يقولون: إما أن تكون لديكم رغبة ولا فعل، وإما أن يكون لديكم فعل ورغبة معاً؛ وكلاهما خطأ، بل ينبغي أن يكون لديكم «فعل بلا رغبة».
افعلوا كل ما في وسعكم، ولكن لا تعودوا تهتموا البتة بما سيحدث. فحتى نحقق النجاح - في امتحان القبول الجامعي مثلاً - ينبغي أن تتضافر مليارات العوامل، وليس سعينا ونشاطنا سوى عامل واحد منها. فدراستي هي الشرط الضروري للنجاح، لكنها ليست الشرط الكافي أبداً. وفي تقلبات الكون، لا ينبغي انتظار العوامل الأخرى. فليس في العالم شيء يمكن للمرء أن يكون واثقاً من بلوغه.
وفي الإسلام، عُبّر عن «الفعل بلا رغبة» بـ «التوكل». أي أن تقوم بعملك وتلقي بالنتيجة على عاتق الله، وتشرع فور إتمام العمل في عمل آخر.
إننا نفقد الكثير من طاقاتنا الذهنية والنفسية لأننا ننتظر النتيجة؛ في حين أن النتيجة ليست في حوزتنا.
التعليم الرابع:
حكمة "ما شأني بهذا؟!"
أولاً، إن حكمة "ما شأني بهذا" لا تتعلق بمقام العمل، بل بمقام النظر. فليس الأمر أننا إذا شهدنا ظلماً نقول: ما شأني بهذا؟ بل نحن مكلفون أخلاقياً بأن نبدي رد فعل. إن مبدأ "ما شأني بهذا" يجد فاعليته في مقام «طلب العلم».
ثانيًا، إن «حكمة ما لي أنا» لا تتعلق بتخصصنا الذي هو ضروري لاستقلالنا المالي. مع التنبيه على أننا إن أردنا أن تكون حياتنا أخلاقية، فينبغي أن نتمتع بالاستقلال. نحتاج إلى الحرية لنكون أخلاقيين، ونحتاج لهذه الحرية إلى الاستقلال المادي والمالي، ونحتاج لهذا الاستقلال إلى دخل، وللدخل ينبغي أن تكون لنا وظيفة ومهنة، ولكي تكون لنا وظيفة ومهنة ينبغي أن نتخصص في علم أو فن أو تقنية. إذن، فالتخصص في علم أو فن أو تقنية شرط لازم للعيش الأخلاقي، وحكمة ما لي أنا لا تتعلق بهذا المجال.
لكن ماذا ينبغي أن نفعل بشأن سائر المعارف؟ يقول العارفون: اذهبوا في طلب تعلم ما له أثر في حياتكم. اسعوا فقط وراء الإجابة عن الأسئلة التي تتوفر فيها هذه الخصائص الثلاثة:
أسئلة تختلف حياتكم العملية قبل أن تخطر على بالكم عنها بعد أن تخطر على بالكم. أسئلة تُحدث فرقًا في الحياة العملية قبل العثور على جوابها وبعده، وأسئلة يختلف الأمر فيها لو كان جوابها س عن ما لو كان جوابها ص.
أما السعي وراء سائر الأسئلة، فيجعل حياتكم تعيسة.
يقولون إن في سقسين التركي قوسين
ضاع قوسان لنا فأي ضرر علينا
لننتبه إن كانت المعلومات التي نسعى إليها تؤثر في حياتنا العملية أم لا. هذا هو ما يُعبَّر عنه بـ «حكمة ما لي أنا».
كان نبي الإسلام يستعيذ بالله في دعائه من «علم لا ينفع»: «اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع».
كان كريشنامورتي يقول ينبغي أن تجدوا «التحرر من المعرفة»(1). أي ينبغي أن تصل قيمة المعرفة في نظركم إلى الصفر. ما دمتم تلتهمون الكتب فلن تبلغوا شيئًا. إلا إذا كان الكتاب الذي تقرؤونه ينتمي إلى إحدى الفئات الثلاث التي أشير إليها.
إن محطة تنقية «ما لي أنا» تقلب الحياة رأسًا على عقب حقًا. ترك علم الجغرافيا والتاريخ وجزء من الفلسفة و... هو من لوازم العمل بهذه الخطوة؛ إلا إذا كانت هذه هي مجالات تخصصنا.
ما الفرق بين التفاؤل والسذاجة وكيف نوجد توازنًا بينهما، هذا أمر مؤثر في حياتنا ولا نعرف عنه شيئًا.
كان شمس يقول: «قيل لجحا: انظر إلى هذا الجانب، إنهم يحملون خوانات [أطباق الطعام]. قال جحا: ما لي أنا؟ قالوا: إنهم يحملونها إلى بيتك. قال: ما لكم أنتم؟. فالآن ما لكم أنتم؟»
لم يؤكد أحد من عارفينا على هذا العنصر بقدر ما أكد عليه شمس التبريزي. له حكاية طريفة في موضع عن رجل عجز عن فهم اختلاف أهل التشبيه وأهل التنزيه في صفات الله وذاته، ولم يدر بأي القولين يأخذ. فلما رأت زوجة هذا الرجل سوء حال زوجها قالت:
«أيها الرجل، لا تعجزنّ، ولا تفكر في الحيرة. إن كان على العرش أو بلا عرش، إن كان في مكان أو بلا مكان، أينما كان فليطل الله عمره! وليدُم سلطانه! عليك أنت بفقرك وفكر في فقرك أنت.»(2)
التعليم الخامس:
ينبغي أن يكون هدفنا، فقط، إصلاح أنفسنا
إذا أصلحت نفسي، فإن المحيطين بي ومجتمعي، بقدر ما هم تحت تأثيري، يجدون وضعًا أفضل. نتيجة النجاح في إصلاح نفسي هي أن ألم ومعاناة أولئك الذين أؤثر في حياتهم يقلان. هذا هو السبيل الوحيد لتقليل ألم البشر ومعاناتهم. ينبغي أن يكون هدفي إصلاح نفسي، وإن كانت نتيجة التوفيق في هذا العمل هي تحسن وضع المجتمع بنفس النسبة.
أفضل طريق لتحسين وضع المجتمع هو ألا يكون هدفي تحسين المجتمع. ينبغي أن يكون هدفي أن تكون لي حياة أكثر بهجة وأفضل وأكثر قيمة. وترجمة هذه النظرة في عالم المجتمع والسياسة هي: إن أفضل طريق للنضال السياسي-الاجتماعي هو أن يؤدي كل شخص العمل الذي تولى مسؤوليته على أحسن وجه.
إصلاح الذات هو الهدف، وإصلاح المجتمع هو النتيجة.
بقدر ما أكون معلماً جيداً إن كنت معلماً، ونجاراً جيداً إن كنت نجاراً، وميكانيكي سيارات جيداً إن كنت ميكانيكي سيارات، فإنني أساهم في إصلاح مجتمعي.
الفساد في المجتمع إما أن ينشأ من تولي أشخاص لمهمة لا يملكون الوعي والمعرفة اللازمين لها، أو أنهم لا يعملون وفقاً لوعيهم وعلمهم. إما أن يتولوا عملاً لا يتقنونه، أو أنهم لا يؤدون العمل الذي تولوه كما يتقنونه.
كل أشكال الفساد تنبع من داخلنا نحن، وفي داخل كل واحد منا فرعون، بعضهم سنحت له الفرصة للظهور وبعضهم لا.
التعليم السادس:
الحب، نعم، التعلق لا!
في الوقت الذي يكون فيه إصلاح الذات هو هدفنا، يجب أن نكن الحب لجميع البشر، بل لجميع الكائنات. لكن الحب، لا التعلق.
يعود الفصل بين الحب والتعلق من الناحية التاريخية إلى بوذا، لكنه لقي قبولاً في جميع العرفانيات. طبعاً استخدم بوذا تعبير "الشفقة" وليس الحب. كان بوذا يقول يجب أن نكن الشفقة تجاه جميع الكائنات. كان يقول إن سبب ألم الإنسان ومعاناته هو التعلق، ومنقذ الإنسان من جميع الآلام والمعاناة هو الحب. أي أنه كان يضعهما على طرفي نقيض إلى هذا الحد. الأصل الثالث من الأصول الشريفة الأربعة في البوذية هو هذا التعلق الذي يجب أن يحل محله الحب. كان بوذا يقول إن حب كائن ما له ثلاثة مكونات:
أولاً، أن تمتص إلى وجودك كل لذة يمكن امتصاصها من معشوقك، أن تمتصها إلى وجودك حتماً. أي أن تحصل بالفعل على كل اللذات التي يمكنك الحصول عليها بالقوة من ذلك الكائن. وإلا فسوف تندم لاحقاً.
ثانياً، أن أفعل كل خير يمكنني فعله بحق معشوقي. أي الالتزام مئة بالمئة بالواجبات الأخلاقية التي عليّ تجاه معشوقي.
الخاصية الثالثة هي ما يوصف بوذا بسببها أحياناً بالنبي قاسي القلب. وهي أنه إذا اختفى المعشوق لأي سبب، سواء لأنه فني حقاً أو لأنه خرج عن ناظري ومرآي، فيجب أن أتصرف وكأن ذلك المعشوق لم يوجد أصلاً.
عندما ننظر إلى علاقات الحب الماضية في حياتنا، حين ندرك أننا لم نمتص اللذة اللازمة من حضور المعشوق، نشعر بـ"الحسرة". وحين نتذكر أننا لم نؤد واجباتنا الأخلاقية تجاه المعشوق كما ينبغي، تصيبنا "الندامة". "الحسرة" ناتجة عن إدراك الفرص الضائعة. والندامة ناتجة عن معرفتي بأنني لم أؤد الواجب الأخلاقي. وعندما لا نستطيع التأقلم مع غياب المعشوق، نصاب بـ"الغم".
كان بوذا يقول إن غمك يعود إلى أنك لا تعلم أنك تعيش في عالم المبدأ الثابت الوحيد فيه هو مبدأ "اللاثبات". في اعتقادي هذا هو لب الحكمة الكونية والحياة الحكيمة. أن تعلم أنك تعيش في عالم الشيء الثابت الوحيد فيه هو "اللاثبات". نعتقد أنه حين يصبح شخص ما معشوقنا، فسيبقى معشوقنا إلى الأبد، لذلك نصاب بالغم حين نفقده. غافلين عن أن الرابطة العاطفية بين إنسانين هي، كسائر أمور الوجود، غير دائمة. كل الذين يتأسفون لفقدان شيء محبوب إنما يعود ذلك إلى أنهم كانوا يعتقدون أنهم يعيشون في عالم يسوده الثبات.
قال علي بن أبي طالب:
«الزُّهْدُ کلُّهُ بَینَ کلِمَتَینِ مِنَ الْقُرْآنِ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ (لِکیلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَکمْ وَ لا تَفْرَحُوا بِما آتاکمْ) وَ مَنْ لَمْ یأْسَ عَلَى الْمَاضِی وَ لَمْ یفْرَحْ بِالْآتِی فَقَدْ أَخَذَ الزُّهْدَ بِطَرَفَیهِ؛
كلمتان من القرآن تفسران "الزهد": "لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم". ومن لم يأسَ على الماضي ولم يفرح بالآتي فقد أخذ الزهد بطرفيه.» (نهج البلاغة، الحكمة 431)
إذا نلت شيئًا فلا تفرح، وإذا فقدته فلا تحزن. لماذا؟ لأنه لا ثبات هناك.
الصفحتان الأخيرتان من دعاء عرفة، واللتان تُنسبان خطأً إلى الإمام الحسين، هما في الواقع لأبي عبد الله النِّفَّري، أحد عرفاء غرب العالم الإسلامي وصاحب كتابي «المواقف» و«المخاطبات»، واللذين أراهما من روائع العرفان العالمي. وهاتان الصفحتان من دعاء عرفة الشهير هما جزء من كتابه «المواقف». وفيهما ورد:
«إِلَهِی إِنَّ اخْتِلافَ تَدْبِیرِک وَ سُرْعَةَ طَوَاءِ مَقَادِیرِک مَنَعَا عِبَادَک الْعَارِفِینَ بِک عَنِ السُّکونِ إِلَى عَطَاءٍ وَ الْیأْسِ مِنْک فِی بَلاءٍ.»
يقول: إلهي، إن تعاقب تدابيرك وتغيرها المستمر، وسرعة طيّ مقاديرك وتحولها المتسارع (هاتان الظاهرتان) تمنعان العارفين من أن يسكنوا إلى عطائك أو أن ييأسوا من بلائك.
لا أكون في أمان في الفرح، ولا يائسًا في الحزن. كل هذا يعني، بلغة الفلسفة، أن العالم عالم لا ثبات فيه. وعندما تفقد محبوبك، ينبغي أن تقول: «آه! عجبًا، إذن شمل مبدأ اللا ثبات أنت أيضًا. كنت أتوقع ذلك.» هكذا تكون قد عشقت عشقًا بوذيًا.
أما أنا وأنت، فبرحيل المحبوب ينهار عمود خيمة حياتنا، لأننا كنا نتوهم وجود ضمانة. بينما هذه الضمانة غير موجودة في أي ظاهرة من ظواهر عالم الوجود.
إذا لم نكتفِ بفهم ذهني لهذا المبدأ، بل حققنا «هضمًا وجوديًا» له، فستكون حياتنا أكثر بهجة، وأفضل بكثير، وأكثر قيمة.
نحن نعاني من التعلق لا العشق. لا ننال الملذات الممكنة من حضور المعشوق، ولا نؤدي الواجبات اللازمة تجاهه، ثم نحزن بعد فقده.
التعليم السابع:
أداء الحق تجاه الوجود
ورد تعبير «سلام ووداع» في الأديان الشرقية. كان بوذا يقول: لا تنفصل أبدًا عن موجود، أو حدث، أو عملية، إلا بعد أن تكون قد أوفيت جميع ديونك له، لأنه قد لا تلتقي بهذا الشخص، أو الحدث، أو العملية مرة أخرى. يُسمى هذا المبدأ «أداء الحق تجاه الوجود». كان بوذا يقول: إذا قبلت مبدأ اللا ثبات وآمنت بأن هذا اللقاء قد يكون الأخير مع هذا الشخص، فستسعى ألا تكون مدينًا له. ينبغي أن أفارقك في كل مرة، بشكل أكون فيه قد أبرأت ذمتي تجاهك. كل لقاء مع أي موجود، أو حدث، أو عملية، هو سلام ووداع.
أفضل شخصية رأيتها في الروايات هي زوربا، التي صُوِّرت في رواية «زوربا اليوناني». عشق زوربا هو عشق بوذي تمامًا. فبعد أن يقتلوا محبوبته بأبشع صورة، يقول لصديقه: دعنا نذهب إلى شاطئ البحر لنرقص رقصة. (3)
ألا تحزن ليس قسوة؛ لأن المعشوق الذي اختفى لا يهمه سواء أحزنت أم لا. لكنك إن حزنت، فقد ظلمت نفسك. لأنك أنت أيضًا تستحق الشفقة والعشق. وعندما تظل تحزن على غياب المعشوق وفقده، فإنك تحرم الآخرين، الذين يمكن أن يكونوا موضع عشقك وشفقتك.
التعليم الثامن:
عدم الاكتراث بأحكام القيمة الصادرة عن الآخرين
لقد بالغ البعض في هذا المبدأ حتى أصبحوا من الملامتية. وهذا بالطبع إفراط. يُحكى أن درويشًا كان يصلي وينشغل بلحيته، فهتف به هاتف: أيها الدرويش، أنت منشغل بلحيتك. فلما سمع الدرويش ذلك، شرع في نتف لحيته، فهتف به الهاتف: أنت لا تزال منشغلًا بلحيتك. (4)
معنى هذا أن من هو ملامتي لا يزال أسيرًا لأحكام القيمة الصادرة عن الآخرين.
إن قيام المرء بفعلٍ يجعل نظرة الآخرين إليه سلبية هو أيضاً إعطاء قيمة لأحكام الآخرين القيمية. أما عدم إعطاء قيمة لأحكام الآخرين القيمية فيعني أن تعيش بشكل طبيعي. العيش الطبيعي أو ما يُسمى بالبساطة (simplicity) يعني ألا يؤثر حضور الآخرين وغيابهم على سلوكي. الطفل يتمتع بالبساطة، ولا يفرق لديه حضور الآخرين وغيابهم. وفي تفسير قول المسيح الذي ورد في ثلاثة من الأناجيل: «لن تدخلوا ملكوت السماوات إن لم ترجعوا وتصيروا مثل الأطفال الصغار»، قال أغلب اللاهوتيين والعارفين إن المقصود هو «بساطة» الأطفال.
يعبّر فلاسفة الوجودية اليوم عن «البساطة» والعيش الطبيعي بمصطلح «الحياة الأصيلة». أي الحياة وفقاً لفهم المرء وتشخيصه. إن لم أكن أصيلاً، فلن تكون حياتي تلقائية ونابعة من الذات، بل ستكون مستعارة. لا أفعل ما ينبع من أعماقي. الحياة الأصيلة تعني أن تتصرف بناءً على عقلك وضميرك الأخلاقي. وقد أورد سعدي في كتابه «كلستان»:
«كان زاهدٌ ضيفاً على ملك، فلما جلسوا للطعام أكل أقل مما أراد، ولما قاموا للصلاة صلى أكثر من عادته، لكي يظنوا فيه صلاحاً أكثر.
قال: في نظرهم لم آكل شيئاً ينفع، فقال: اقضِ الصلاة أيضاً، فما فعلت شيئاً ينفع»
الحياة الأصيلة تعني ألا يختلف أمرنا في الخلوة والجلوة. الحياة الأصيلة هي حياة «المحك الذاتي» و«المقياس الذاتي» و«المعيار الذاتي»، حيث يمتلك الفرد ميزان الصواب والخطأ في داخله. في الأمور النظرية يجعل عقله هو الحَكَم، وفي الأمور العملية يجعل ضميره هو الحَكَم.
البشر الأصيلون لا يكترثون مطلقاً بالآراء العامة، أو الموضات الفكرية السائدة في العصر، أو ما يسميه الهيغليون «روح العصر». من يهتم بأحكام الآخرين القيمية يعاني في أعماق وجوده من عقدة حقارة. لماذا، حين يكون حكمي أنا أنني أفعل الصواب، أتوقف عن الفعل بسبب حكمك أنت؟ لماذا أقدّم حكمك على حكمي؟ لأنني أعتبر نفسي أقل منك. في أساس هذا الأمر وجذوره تكمن عقدة حقارة، وكان العارفون يرون أنه ينبغي ألا تكون لدينا عقدة حقارة تجاه الآخرين لثلاثة أسباب.
لن أتطرق في هذا المقام إلى هذه الأسباب الثلاثة، ولا إلى الآثار النفسية والأخلاقية الناجمة عن الحياة الأصيلة.
التعليم الثامن:
تحسين العالم يخضع لمبدأ التدرج
الوضع الراهن للعالم يخضع لمبدأ «اللاثبات»، وتحسينه يخضع لمبدأ «التدرج». لإصلاح الذات الذي يستتبع إصلاح العالم، يجب الانتباه إلى مبدأ التدرج.
لنفترض أنك مدمن على السجائر وتدخن 50 سيجارة يومياً. ثم يحدث لك تحول فجائي فتقرر ألا تلمس السيجارة من هذه اللحظة. إن فعلت ذلك فأنا أضمن لك أنك ستبقى مدخناً طوال عمرك. لكن إن قلت: قررت الإقلاع عن التدخين، ولكن من الآن وحتى شهرين سأستهلك 49 سيجارة بدلاً من 50، فأنا أضمن لك أنك ستقلع عن التدخين يوماً ما. لأن كائنك الحي، من الناحية الجسدية والبيولوجية ومن الناحية العصبية والنفسية، قد اعتاد على 50 سيجارة، فإن أردت غداً ألا تدخن مطلقاً، فستتحمل حتى الظهر، لكن الوحدة السيكوسوماتية التي اعتادت على 50 سيجارة ستثور حتماً وبشكل كامل ضد الانقطاع المطلق عن التدخين. حينها إن دخّنت سيجارة واحدة، فإن قرارك بالإقلاع عن التدخين يكون قد انتقض وتحطم، وتبقى فاشلاً.
الجسد الذي اعتاد على 50 سيجارة يمكنه أن يعتاد على 49 سيجارة لمدة شهرين، وهكذا يقلل العدد بالتدريج.
كان العرفاء قلقين من أن يكون قراركم متخذاً دون الالتفات إلى هذا المبدأ. إن قلتم: سألتزم الصمت المطلق من صباح الغد وحتى آخر العمر، فستبقون ثرثارين.
راجعوا رواية «وجدان زنون» (La Coscienza di Zeno) بقلم «إيتالو سفيفو» (Italo Svevo) التي صدرت بترجمة مرتضى كلانتريان عن دار نشر آگاه. تُرجم هذا الكتاب إلى الفارسية قبل الثورة، وترجمته جيدة. إن لم تسعفكم الطاقة لقراءة الكتاب كله، فاقرأوا الفصل الأول فحسب. يقرر زنون الإقلاع عن التدخين، وحينئذ يريد أن يقلع عنه دون مراعاة مبدأ التدرج، فيفشل، ويخلص في نهاية الفصل نفسه إلى أنه ينبغي أن يبدأ برذيلة أخرى، وأنه لا يستطيع ترك التدخين. هذه الرواية رواية نفسية جادة ومهمة للغاية.
إذا أردتم تغيير أنفسكم فراعوا التدرج. لا تضعوا برامج طموحة. لم يكن العارفون يعارضون الثورات السياسية-الاجتماعية فحسب، بل كانوا يقولون إنه لا ينبغي لكم أن تثوروا على أنفسكم أيضاً، بل عليكم أن تغيروا نظامكم النفسي والأخلاقي ذرة ذرة.
التعليم التاسع:
الحياة على أساس مبادئ الصدق والإحسان والتواضع الثلاثة
ترجع منابع الأخلاق من وجهة نظر العارفين إلى هذه الثلاثة: الصدق، والإحسان، والتواضع. من منظور العرفان، لا تخرج الأعمال الأخلاقية الصائبة عن ثلاثة أقسام، والأعمال الأخلاقية الخاطئة هي أضداد هذه الثلاثة أو نقائضها. يبني العارفون للأخلاق نظاماً شجرياً. أي أن لدينا ثلاثة أعمال صائبة، وباقي الأعمال الأخلاقية إما أن تكون مصاديق لهذه الثلاثة أو تنشأ من تزاوجها وتركيبها. بعضها مصاديق وبعضها أبناء هذه الثلاثة. وهذه الثلاثة هي: الصدق، والإحسان، والتواضع.
«الصدق» هو تكامل وتناغم كل ساحات وجودنا الخمس. أي ساحات: المعتقدات؛ والعواطف، والمشاعر، والانفعالات؛ والرغبة والإرادة؛ والفعل؛ والقول. الساحات الثلاث الأولى في باطننا، والساحتان الأخريان في ظاهرنا.
ويجب الانتباه إلى أن «الصدق» بمعنى قول الحقيقة، ليس سوى أحد مصاديق «الصدق» ويعني انطباق القول مع المعتقد.
كذلك «الرياء»، هو عدم انطباق ساحة القول أو الفعل مع الساحة الثانية من وجودنا. وفي أحيان كثيرة جداً لا تنطبق معتقداتنا مع عواطفنا ومشاعرنا وانفعالاتنا. مثلاً، أعرف شخصاً من مشاهير عصرنا وهو ماركسي جديد بالكامل، لكنه يقول إنه تأثر وأجهش بالبكاء يوم عاشوراء وهو يشاهد العزاء على التلفاز.
«التواضع» هو أن ترى نفسك آخراً في نعم الحياة. في الجوانب الإيجابية من الحياة، أفترض أني آخر. أي لو فزت بجائزة نوبل، أشعر كما لو أن آخر هو من فاز بهذه الجائزة. فينتابني من الانتفاخ والفرح وتوقع معاملة مختلفة، القدر نفسه الذي كان لينتابني لو فاز آخر بتلك الجائزة، وذلك حين أفوز أنا بها.
أي كل ما يُعتبر إيجابياً في منظومتكم القيمية، افترضوا أنه وقع في يد آخر.
«الإحسان» هو أن ترى الآخر نفسك في نقم الحياة، في مساوئها ومكارهها. إن مرض ابني، فكم أكون قلقاً ومضطرباً كي أوصله إلى المستشفى بأسرع وقت، فإذا مرض ابنكم، أوصله أنا إلى المستشفى بالقلق والاضطراب نفسه. أي أن كل سوء ومكروه في حياة الآخرين، هو كأنه سوء حياتي ومكروهها. كان أبو الحسن الخرقاني يقول: «لو شاك أحد من تركستان إلى أبواب الشام شوكة في إصبعه، فتلك لي، وكذلك لو أصاب أحداً من الترك إلى الشام حجر في قدمه فالضرر لي، ولو كان في قلب حزن فذلك القلب لي.»
وقد قال القرآن عن نبي الإسلام: «عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ» (التوبة: 128). «العنت» هو المشقة الصغيرة، و«العزة» هي المشقة العظيمة. أي أن كل مشقة صغيرة تصيبكم، هي مشقة عظيمة على النبي.
«الإحسان» هو خيرية الإرادة وفعل الخير معاً. له جانب في المشيئة وجانب في الفعل. قال الشاعر:
من لم يكن لنا صديقاً، فليكن الله صديقه
ومن أذلنا، فليتمتع بالعمر مديداً
ومن ألقى في طريقنا شوكاً من عداوة
فليتفتح كل زهر من بستان عمره بلا شوك
ليس لنا في العالمين غبار مع أحد
كل من آذانا، فليكن في راحة دائمة
يقول: أحب من يلقي الشوك في طريقي، حتى وروده لا شوك فيها.
هذه الأشعار والأقوال هي على الأقل نوع من (Guide Line). نوع من دليل العمل. عندما نقول لطفلنا لا تتوقف حتى تقرأ كل كتب العالم، نعلم أنه لن يستطيع قراءة كل كتب العالم، لكننا نقول ذلك لكي لا يقنع بأي نقطة. هذه التوصيات والتعليمات تسمى في علم النفس والعلاج النفسي (Guide Line). لقد أولى مولانا اهتماماً كبيراً لهذه النقطة. يقول:
أنت بأي صورة تأتي تقف
قائلاً أنا هذا، والله ذاك ليس أنت [المثنوي: الدفتر الرابع]
أي بمجرد أن تقول لقد بلغت هنا، أقول لك لا، لا تزال هناك طرق لم تُسلَك. أنت أسمى من هذا. تستطيع أن تخطو خطوات أخرى.
وإن لم تبلغ تلك الدرجة من الإحسان فعلى الأقل تبلغ هنا حيث تستطيع العفو (الصفح). حتى لو لم تبلغ هنا حيث تقول «كل وردة يفنى عمرها فلتكن بلا شوك»، فعلى أقل القليل تستطيع أن تعفو.
كان يبدو للعارفين أن الأخلاق كلها تقوم على هذه الثلاثة. أولها أن نتحلى بالصدق ولا يتسلل إلينا التزوير والرياء. وثانيها أن كل سرور يصيبنا نفترض أنه أصاب غيرنا. وثالثها أن كل مكروه يصيب غيرنا نفترض أنه أصابنا نحن.
(11)
التعليم الحادي عشر:
التــــــــــــؤدة
إذا قلت لكم إن حكيماً عاش في الصين القديمة، يتبادر إلى أذهانكم إنسان هادئ مطمئن، شخص يتكلم ببطء، لا يقاطع كلامكم، لا يترك كلامه ناقصاً، ولا يقوم بعملين في آن واحد. حدسنا هو أن الإنسان كلما ازداد كمالاً، صار أكثر تؤدة وعاش بطمأنينة أكبر.
من خصائص الإنسان الحديث، للأسف، التسرع وقد أشار إلى هذا الموضوع الكثير من علماء النفس الاجتماعي وعلماء الاجتماع. أنصح بقراءة رواية «البطء» القصيرة لميلان كونديرا. يريد كونديرا في هذه الرواية القصيرة أن يبين كيف ندمر نفسيتنا بتسرعنا، وفي أعقاب فقدان الصحة النفسية، نفقد صحتنا الأخلاقية أيضاً.
بيتر بيرغر، عالم الاجتماع وعالم النفس الاجتماعي الأمريكي الذي له كتاب مهم عن مجتمع اليوم، خصص أحد فصول كتابه لهذه «التؤدة» بالذات.
دعوني أضرب مثلاً. استيقظتم صباحاً وتريدون الذهاب إلى عملكم. تأخرتم وتقومون بكل الأعمال بتسرع. ثم حين تريدون التوجه إلى سيارتكم ترون أن مفتاح السيارة ليس معكم. رغم كل هذا التسرع والأعمال غير المكتملة، تجدون أنفسكم مضطرين للتوقف لحظات كي تجدوا مفتاح سيارتكم. أن تهدأوا وحتى أن تغمضوا أعينكم. لأنه فقط في هذه الحالة من التركيز والتؤدة والطمأنينة تستطيعون أن تجدوا ضالتكم.
حين نتسرع نكون محرومين من خزينة ذاكرتنا. يشبه الأمر أن نضع كل ثروتنا في غرفة ونضيع المفتاح. نحن أغنياء بمعنى ما لكننا، لأننا لا نستطيع الوصول إلى ثروتنا، فقراء في الواقع. في التسرع، يفقد المرء وصوله إلى قوته الاستدلالية ومحفوظاته وذكرياته. لكي لا نفقد هذا الوصول ينبغي أن نتحلى بنوع من التؤدة أو الطمأنينة في السلوك والكلام. بقدر ما نكون متئدين، يكون تسلطنا على أنفسنا أكبر.
الحياة اليوم، كلما سلبت الطمأنينة من كلامنا وسلوكنا، تسلب الطمأنينة من تفكيرنا أيضاً وتقلل وصولنا إلى مجموع ثرواتنا ومواهبنا الداخلية. كان العرفاء يقولون ينبغي أن يكون في كل حركاتكم نوع من السكون.
للوصول إلى الذات الحقيقية، ينبغي أن يزداد تركيزنا يومًا بعد يوم. في كل لحظة، يجب أن نركز على عمل واحد. عندما نقوم بعدة أعمال في آنٍ واحد، فهذا يعني أننا نفتقر إلى التركيز.
للسيدة سيمون فاي، العارفة وعالمة الدين والفيلسوفة الفرنسية، مقالة كلاسيكية شهيرة جدًا بعنوان «تأملات حول الاستخدام الصحيح للدراسات في سبيل محبة الله»، ترجمها السيد إحسان ممتحن ونُشرت في العدد الثالث من مجلة ناقد الفصلية. تتناول المقالة كيف يمكن للرياضيات أن تقربنا من الله. كان شقيق سيمون فاي، «أندريه فاي»، أحد أعظم رياضيي القرن العشرين، وقد درست سيمون فاي نفسها الرياضيات لسنوات وأرادت منافسة شقيقها. تقول سيمون فاي إن الرياضيات، بما أنها تتطلب أعلى درجات التركيز بين العلوم، فهي تمرين ممتاز للاقتراب أكثر فأكثر من الذات الحقيقية، وبما أن الذات الحقيقية لكل إنسان هي الله، إذن فالرياضيات يمكنها أن تقرب الإنسان من الله. الرياضيات بالنسبة لها هي رمز التركيز بين العلوم.
العمل بتؤدة يعني في الواقع أن نركز في كل لحظة على عمل واحد فقط. لُب العمل بتؤدة هو التركيز، وكلما ازداد التركيز، أدركتُ ذاتي الحقيقية أكثر، وتحررت أكثر من الذوات الزائفة، وبما أن الذات الحقيقية من وجهة نظر العارفين هي الله نفسه، فإنكم باقترابكم من الذات الحقيقية تقتربون من الله.
هذا التعليم يقربنا من الخطوة الثانية عشرة.
التعليم الثاني عشر:
الفصل بين الذات وممتلكاتها
لنفترض أن أحد المصابيح المضاءة في غرفتكم يعتقد أنه الأجمل بنيةً والأفضل أداءً بين جميع مصابيح العالم، وينخرط في نوع من الإعجاب بالنفس والتباهي، ويدّعي لنفسه التفوق والامتياز على سائر المصابيح. في هذه الحال، وبافتراض أن بقية المصابيح تستطيع الرد عليه، فستقول له: أنت مصنوع من الزجاج، إذن لو لم تكن هناك حجارة في الطبيعة يمكن صنع الزجاج منها، أو لو لم تكن هناك معادن يمكن تحويلها إلى أسلاك معدنية وتوضع في داخلك، أو لو وجدت كل هذه المواد الأولية ولكن لم يوجد مهندسون يمكنهم استخلاص مثل هذه الأشياء من هذه المعادن والحجارة، أو وجد المهندسون ولكن لم توجد مصانع، لما كنتَ موجودًا الآن.
إذا تابعتم هذه السلسلة، فسترون أنه لا يوجد جزء من أجزاء الوجود إلا وقد شارك بشكل ما في ظهور ذلك المصباح. الجبال التي استُخرجت منها هذه المواد المعدنية، الشمس التي أشرقت على هذه الجبال... إلخ، باختصار، كل عالم الطبيعة قد أثّر وشارك في أن تجد أنت هذه البنية وهذا النور. إذن، أنت لا تملك شيئًا يخصك أنت وحدك لتتكئ عليه وتتباهى به على المصابيح الأخرى وتتفاخر. هل يمكن في هذا المصباح أن نُظهر جوهرًا، أو خاصية، أو حدثًا، أو عملية، أو نسبة بين الأجزاء، تخص هذا المصباح وحده؟ لو كانت للمصابيح الأخرى قدرة على الاستدلال والحوار، لقالت: يجب أن تكون شاكرًا وممتنًا للوجود كله، لأنه بدل أن يمنح هذه البنية لشخص آخر، منحها لك، ولا ينبغي أن يكون هذا الأمر مدعاة للعُجب والخيلاء والبَطَر والاستكبار، بل ينبغي أن يجعلك هذا الوعي أكثر خشوعًا وتواضعًا تجاه الوجود كله. لأن جميع أجزاء الوجود قد تضافرت حتى ظهرت أنت بهذه البنية والوظيفة.
لنفترض أنني أعتقد - بغض النظر عن مدى حقيقة ذلك - أن بنيتي ووظائفي أفضل بكثير من بنيتكم ووظائفكم. جسدي أسلم وأجمل وأقوى. في المجال الذهني، قدرتي على التعلم وسرعة الانتقال وقوة التفكير وعمق الفهم وذاكرتي أفضل منكم. في ساحة النفس، لدي كرم وشجاعة وفضائل أخلاقية أكثر، أو في علاقاتي، من حيث نفوذ الكلمة، والنَفَس الدافئ، وقوة الإقناع، وروح الدعابة، وسرعة البديهة، وسائر القدرات المهارية، أتفوق عليكم جميعًا. هل مع كل هذه الأحوال، وبافتراض صحة كل هذه الادعاءات، يمكنني أن أقول: «هذا أنا طاووس عليين قد صرت»؟
كلا؛ إذ يمكنك أن تقول لي إن كثيرًا من هذه السمات التي تتصف بها هي نتاج جيناتك، وبيئتك التربوية والتعليمية، خصوصًا في السنوات الثلاث الأولى من حياتك، وعوامل أخرى كثيرة. حتى المناخ الذي عشت فيه أثّر فيك. العائلة وخصائص الأب والأم، وكونك وُلدت في أسرة عريقة وأصيلة، كل ذلك كان له دور. أنت لا تملك شيئًا يخصك وحدك. حتى لو قلتُ إنني كنت مثابرًا، بينما كان نديّ الذي يشبهني تمامًا في الظروف نفسها يفتقر إلى المثابرة، مما حال دون وصوله إلى شيء؛ يمكن أن يُسأل: مَن الذي منحك هذا الشغف، وهذه الإرادة القوية، وهذا المثابرة؟ كان يكفي أن لا يقع حدث واحد من الأحداث التي وقعت في حياتك، حتى لا تصبح ما أنت عليه.
من هذا المثال، إما أن نستنتج أنه لا وجود لأنا أصلاً، كما قال بوذا، ومن بين فلاسفة العصر الحديث ديفيد هيوم، وإما أن نستنتج أن هناك أنا موجودة، لكن لا حدود بين «الأنا» و«اللا أنا». إن وُجدت أنا، فهي سابحة في الوجود كله. ما الشيء الذي نملكه نحن حصرًا ولا يملك الوجود القدرة على التأثير فيه؟ إذا هطل المطر أيامًا متتالية ولم تستطع الخروج من المنزل وتعكّر مزاجك، ستفهم أن المطر جزء منك وليس خارجًا عنك. كل ما في العالم يؤثر في حالنا.
نحن البشر عادةً ما نتقبل هذا في ناحية أجسادنا، فمثلاً جمالنا أو صلابة أسناننا لم تكن بأيدينا وقد ورثناها؛ لكننا في عالم الذهن، وأكثر من ذلك في عالم النفس والروح، لا نتقبل هذا الموضوع. أي أننا نريد أن ننسب قدراتنا الذهنية والنفسية إلى أنفسنا. ورد في القرآن أنه عندما طُلب من قارون، الذي كان من أثرياء عصر موسى، أن يمنح جزءًا من ثروته للفقراء، قال في جوابه: «إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي». لقد حصلت على هذه بفضل علمي ومعرفتي. كان ينبغي أن يُسأل: مَن الذي أعطاك هذا الذكاء العالي وهذه الذاكرة القوية؟ إن كل الوجود قد تضافر ليمنحك إياها، ووهبك كل هذا مجانًا. لم تُمنح أي نعمة بسبب استحقاقك، ولم تكن النقم بسبب عدم استحقاقك. إذن، مما وُهب لك مجانًا، امنح أنت أيضًا مجانًا.
لقد ذهبتَ لشراء كتاب دراسي، وبالصدفة وقع بين يديك كتاب عرفاني، فانقلبت حياتك. الأمور تنجم عن بعضها في العالم. مجيء الأحداث وذهابها يشكلاننا، وحتى لو قلت إن قدراتك هي نتاج تخطيطك، نسألك: مَن الذي أعطاك ذكاء وفن التخطيط؟
دعني أضرب مثلاً آخر. تخيل خيطًا طوله لا نهائي، ويقوم شخص ما بعقد هذا الخيط باستمرار. قد تُعقد خمسون عقدة في نقطة، وفي نقطة أخرى عقدة واحدة فقط، وبطبيعة الحال، حيث تحولت إلى عقدة كبيرة، سيكون لها بنية ووظيفة مختلفتان. هل تستطيع العقدة الأكبر أن تتفاخر على العقد الأخرى؟ نحن أيضًا في خيط الوجود اللانهائي، عُقدنا منها ما غلظ ومنها ما دق، ولا يوجد شيء يدعو إلى المباهاة والفخر.
إذن، إما لا وجود لأنا، أو أن «الأنا» سيّالة وسابحة في العالم كله، وأي تغير طفيف في العالم يُحدث تغييرًا فيّ. نحن في هذا العالم نتصادم باستمرار، ونتيجة لهذا التصادم، يتغير كل من المتصادِم والمتصادَم، ولا مناص ولا مهرب من هذا التصادم. هذه النظرة تجعلني لا أعتبر نفسي متميزًا ومنفصلاً عن الآخرين.
يمكن النظر إلى ما تناولناه حتى الآن من منظور آخر، وهو المنظور الذي عبّر عنه العارفون.
منذ القدم في الفلسفة، وحاليًا في فلسفة الذهن والعلوم المعرفية، يوجد مبحث حول: كم ساحة للإنسان؟ قال البعض منذ القدم إن الإنسان ليس له أكثر من ساحة واحدة، وهي ساحة البدن (الجسد، الجسم). وفي رؤية أخرى، الإنسان هو بدن زائد ذهن (Mind). وفي رؤية ثالثة، الإنسان هو بدن زائد ذهن ونفس (Soul). وفي رؤية، الإنسان له ساحتان فقط: البدن والنفس. وفي رؤية أخرى، الإنسان بالإضافة إلى ساحات البدن والذهن والنفس الثلاث، له ساحة الروح (Spirit) أيضًا. بتركيب وامتزاج هذه الساحات الأربع، تنشأ رؤى مركبة وجزيئية، لكن على أي حال، بسائط هذه الرؤى هي هذه الساحات الأربع نفسها. أي ساحات البدن، والذهن، والنفس، والروح.
يمكن القول تقريبًا إن جميع العرفاء يقولون بوجود هذه الساحات الأربع للإنسان. والسؤال الآن هو: أيٌّ من هذه الساحات الأربع يمكن حمله على الإنسان بفعل «يكون» وأيُّها بفعل «يملك»؟ هل الإنسانُ هو الجسد ويملك الروح والنفس والذهن؟ أم هو الذهن ويملك الجسد والنفس والروح؟ أم هو النفس ويملك الجسد والذهن كما كان يقول أفلاطون؟ بتعبير الفلاسفة، أيّها ينبغي حمله حمل «هو هو» وأيّها حمل «ذو هو»؟ لا شك في أنه من بين هذه الساحات الأربع، يمكن حمل ساحة واحدة فقط على الإنسان بفعل «يكون» والباقي بفعل «يملك». ذلك لأن الإنسان كائن واحد لا أكثر، وله هوية واحدة؛ في حين أن مملوكاته يمكن أن تكون متعددة؛ وعليه، لا يمكن حمل سوى واحدة من الساحات على الإنسان بفعل «يكون».
اعتقد العرفاء، خلافًا للفهم العرفي وقول الفلاسفة وحتى خلافًا لقول معظم الإلهيين على مر التاريخ، أن ساحات الجسد والذهن والنفس هي من مملوكاتنا، وأن ساحة الروح وحدها هي التي يمكن حملها على الإنسان بفعل «يكون». كانوا يقولون: أنت روح، ولكنك تملك جسدًا وذهنًا ونفسًا.
لم يقبل أي فيلسوف هذا الرأي، ولم يقبله الإلهيون غالبًا، ولكن معظم العرفاء يقولون بهذا الرأي.
ساحة البدن أو الجسد واضحة ما هي. أما ساحة النفس، وهي ساحتنا الثالثة، ففي داخلها ثلاث ساحات. الأولى، ساحة معتقداتنا التي نتعامل معها عندما نستخدم أفعالًا مثل «أعتقد»، «أوقن»، «أشك»، «أظن»، «أحتمل»، «أنقد»... إلخ. تنتمي هذه الأفعال جميعًا إلى ساحتنا الاعتقادية أو المعرفية، وهذه الساحة هي مجموعة فرعية من ساحة نفسنا.
المجموعة الفرعية الثانية من ساحة نفسنا هي ساحتنا العاطفية والشعورية. تعابير مثل «أعشق»، «أكره»، «أغضب»، «أتلذذ»، «أتألم»، «آمل»... إلخ، تنتمي إلى ساحتنا العاطفية والشعورية. هذه الساحة هي ساحة اللذات والآلام. العواطف والمشاعر والانفعالات التي يبلغ مجموعها 85، تقع في هذه الساحة. الساحة العاطفية والشعورية هي المجموعة الفرعية الثانية من ساحة نفسنا.
المجموعة الفرعية الثالثة من ساحة نفسنا هي ساحة رغباتنا، وتسمى الساحة الإرادية أو ساحة المشيئة. جميع قراراتنا وإراداتنا ورغباتنا وميولنا تنتمي إلى هذه الساحة.
هذه الساحات الثلاث، أي الساحة المعرفية الاعتقادية، والساحة العاطفية الشعورية، والساحة الإرادية المشيئية، هي مجموعات فرعية لساحتنا الثالثة، أي ساحة النفس.
أما ساحة ذهننا، فهي الساحة التي تتوسط بين جسدنا ونفسنا. ساحة الذهن هي الساحة التي تعي كل ما يجري في نفسنا وبعض ما يجري في جسمنا. الذهن جسر بين الجسد والنفس، ووظيفته هي «الوعي».
إذا طلبت من الحاسوب أن يخبرك بحاصل ضرب 19 في 19، فسيقول 361. هذا عمل نقوم به نحن أيضًا في ساحتنا المعرفية. لكن الفرق هو أننا نحسب ونحن واعون بأننا نحسب، أما الحاسوب فليس لديه وعي بهذا الفعل الذي يقوم به.
قال كثير من الفلاسفة، وهو قول صحيح في نظري، إن الفرق بيننا وبين الحيوانات والحواسيب يكمن في هذا «الوعي». نحن نموت ونحن واعون بأننا نموت، أما الحيوانات فتموت وهي غير واعية بأنها ستموت.
هناك نظرية أقول بها، مفادها أن الثقافة والحضارة البشرية برمتها صُنعت من أجل الموت. لأن البشر يعون أنهم يموتون، أوجدوا هذه الثقافة والحضارة، أما الدببة والقطط فلأنها محرومة من هذا الوعي، لم تبنِ حضارة. الشعراء قالوا الشعر لمجابهة الموت، والمعماريون صمموا العمارة لمجابهة الموت.
حتى هنا أشرنا إلى ساحة الجسد والذهن والنفس، وكذلك إلى المجموعات الفرعية الثلاث لساحة النفس؛ أما ساحتنا الرابعة، فهي ساحة الروح.
الفرق بين الساحات الثلاث الأولى وساحة الروح هو أن الساحات الثلاث الأولى تقبل «المضاف إليه»، أما ساحة الروح فلا تقبله. يمكننا أن نقول: جسدي، جسدك، جسده، نفسي، نفسك، ذهني، ذهنك... إلخ؛ ولكن لا يمكن قول هذا بشأن الروح. نحن نختلف في الجسد والذهن والنفس. أجسادنا، أذهاننا، عواطفنا ومشاعرنا، معتقداتنا ورغباتنا تختلف عن بعضها البعض.
بهذا التوضيح يمكن القول إن الساحات الثلاث الأولى هي ساحة «تفرّد» الإنسان، أما ساحة الروح فهي ساحة «جمعيّتنا». في الساحات الثلاث الأولى، أنا غيرك وأنت غيري. نحن في هذه الساحات الثلاث منفصلون عن بعضنا، أما في الساحة الرابعة فكلنا واحد. لا يوجد إلا روح واحد، أما البدن والعقل والنفس فهي متعددة بتعدد الآدميين.
حتى هنا يمكن تلخيص المطالب في نقطتين. الأولى أن ثلاثاً من ساحاتنا الأربع هي من ممتلكاتنا وليست نحن أنفسنا. أنا لديَّ نفس، ولديَّ عقل، ولديَّ بدن، ولكني روح. كان العرفاء يقولون ينبغي أن نقبل أننا لسنا البدن، ولسنا العقل ولا النفس، نحن روح ولدينا بدن وعقل ونفس.
والثانية، أنك أنت أيضاً روح، وهو أيضاً روح، وكل إنسان في الحقيقة روح، وليس هناك إلا روح واحد، وبالتالي فنحن في النهاية واحد. أنا أنت وأنت أنا. هذه الساحة هي ساحة جمعيتنا. نحن لدينا وحدة. وحدة لا اتحاد، أي أننا واحد وليس ينبغي أن نصير واحداً. لم يكن العرفاء يقولون اتحدوا معاً، بل كانوا يقولون إنكم أساساً متحدون. أنتم واحد. حتى هذه الواحدية تشمل الحيوانات والنباتات والجمادات أيضاً، لأن العالم كله مملوء بشيء واحد اسمه «الروح». أنا روح وأنت روح.
لكن يُطرح هذا السؤال: لماذا لا ندرك أننا واحد؟ يقول العارف: لأنكم جعلتم أنفسكم متحدة الهوية مع بدنكم وعقلكم ونفسكم، في حين أنها مملوكة لكم وممتلكاتكم وليست أنتم. نحن من وجهة نظر عارف، طوال العمر، نشعر بالاتحاد مع «لا أنواتنا»(5). ما دمت أشعر بالواحدية واتحاد الهوية مع نفسي التي ليست جزءاً مني، بل هي من ممتلكاتي، لا أستطيع أن أفهم أنني روح ولست شيئاً من هذه.
حين ترى شعراتك البيضاء أو تجاعيد وجهك، تغتم، لأنك تظن أنك بدنك. لكنك لست هكذا بخصوص جوربك، ولو قال لك أحد إن جوربك قد صار بالياً لا تنزعج. السبب في أننا حين نسمع أحداً يقول لنا صرت بديناً أو لم تعد لديك رشاقة السابق، ننزعج، هو أننا جعلنا أنفسنا متحدة الهوية مع بدننا.
لكن اتحاد الهوية هذا لا يقتصر على ساحة بدننا فحسب. نحن جعلنا أنفسنا متحدة الهوية مع ساحة نفسنا وعقلنا أيضاً. لو قال لنا أحد إن مستوى ذكائنا منخفض أو إن فهمنا ليس عميقاً، نشعر بأنه تم التعدي علينا، لأننا نعتبر أنفسنا نفسنا وعقلنا. يقول العارف: لو علمت أنك لست نفسك ولا عقلك ولا بدنك، «لما جلس الغبار على ذيل الكبرياء».
هذه النظرة، باستمرار، تقص أجنحتنا وتضيّق دائرتنا أكثر فأكثر. نحن الذين لا نشعر فقط باتحاد الهوية مع الساحات الثلاث: البدن والنفس والعقل، بل نقول أيضاً: سعدي أنا، الفردوسي أنا، بلدي أنا. أي لمجرد أنه على بُعد 1800 كيلومتر مني، وقبل ألف عام، كان هناك رجل اسمه الفردوسي، أقول: الفردوسي لي وأفتخر به.
العرفاء يقصون الماضي والمستقبل أيضاً ويقولون: أنت لست فقط لا هوية لك مع الماضي والمستقبل، بل لست حتى بدنك. يبدو أن هذه النظرة تصغّر دائرة الإنسان باستمرار حتى تصل إلى لانهاية الروح.
ثمة بيت منسوب إلى علي بن أبي طالب:
أتَزْعَمُ انَّكَ جِرْمٌ صَغْيِرٌ
وَفيْكَ انْطَوىَ الْعالَمُ الْاكْبَر
أتزعم أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر؟
كان العرفاء يسمون هذه الساحة الرابعة روحاً. بعضهم مثل منصور الحلاج الذي كان يقول «أنا الحق» كان يسميها «حقاً». بعض الفلاسفة يسمونها «نفس الوجود» أو «الوجود البحت». يقول العرفاء إن إله الأديان والمذاهب هو اسم آخر لهذه الروح ذاتها. من وجهة نظر العرفاء، بقطع الخطوات الإحدى عشرة السابقة، يمكنكم رويداً رويداً أن تبلغوا هذه المرحلة.
يُجري ابن سينا في الإشارات وإلهيات الشفاء تجربةً لإثبات أننا لسنا بأبداننا وأن النفس غير البدن، يسميها «الإنسان المعلّق في الفضاء». يقول ابن سينا إن تصورنا شخصًا في هواء طلق (حرٍّ ساكن) يمكنه أن يظل معلقًا في الفضاء ولا يستطيع الإحساس ببدنه أو لمسه، فإن هذا الإنسان المعلّق يظل قادرًا على إدراك ذاته ولا يعتريه الشك والتردد أبدًا في وجوده. يريد بهذا الاستدلال أن يُظهر أن الروح أو النفس غير بدننا.
لكن ابن سينا لا يُجري هذا إلا في شأن الساحة الأولى، أي ساحة بدننا. يقول العرفاء إنكم بتطبيق الخطوات الإحدى عشرة السابقة تستطيعون أن تفعلوا ذلك في شأن ساحات وجودكم الثلاث، وتدركوا أنكم لستم بدنكم ولا ذهنكم ولا نفسكم. أنتم الروح، والبدن والذهن والنفس مقتنياتكم وممتلكاتكم.
حتى لو نظرنا إلى هذا التصور من جهته السلبية فحسب، ففيه مزايا كثيرة. إذا قبلنا وأدركنا أننا لسنا بدننا ولا نفسنا ولا ذهننا، نُصبح حينئذٍ منيعين لا نُخترق. نعرى من كل غضب وحقد وضغينة، ولا يستطيع أحد أن يُحزننا. على سبيل المثال، حين يهاجم أحدهم أحد معتقداتنا ويُشكك فيها، لا نضطرب، لأننا نعلم أننا لسنا متحدي الهوية بمعتقداتنا، بل نمتلك معتقداتنا. فنصغي إلى كلامه، فإن كانت أدلته مقنعة تخلينا عن معتقدنا، وإن لم تكن مقنعة بقينا ملتزمين به. أي ينشأ فينا نوع من رباطة الجأش وعدم التعلق إزاء المعتقدات والعواطف.
التعلق منشأ كل الآلام والعذابات. حين تفقد ذاكرتك لا تغتم، ويكون الأمر بالنسبة لك كأنك أضعت كل ثيابك. تكون قد أضعت ممتلكاتك لا ذاتك.
أنت الروح، تشاهد وتتفرج على عواطفك ومعتقداتك تذهب وتجيء، تنقص وتزيد وتتبدل، أما أنت فثابت، وإياب ممتلكاتك وساحاتك الثلاث وذهابها لا يُقلقك ولا يُضطربك. تنظر إلى ساحاتك الثلاث من علٍ وبعين المالك لممتلكاته.
التعليم الثاني عشر المشترك بين العارفين هو أن نفصل بين ذواتنا وممتلكاتنا، وألا نعتبر ذواتنا متحدة الهوية وواحدة مع بدننا وذهننا ونفسنا، وألا نعتبر «اللاذات» «ذاتًا».
.
.
1- التحرر من المعرفة هو عنوان أحد كتب كريشنا مورتي وقد تُرجم إلى الفارسية أيضًا:
رهایی از دانستگی، ترجمهی مرسده لسانی، نشر بهنام.
2- مقالات شمس التبريزي، تصحيح محمد علي موحد، انتشارات خوارزمي
3.
- زوربا، لقد نسيت تلك المسكينة بوبولينا سريعًا، هاه!
اغتاظ زوربا وانطلق صوته. قال بصوت عالٍ:
- طريق جديدة ومشاريع جديدة! لقد كففتُ عن تذكر ما مضى بالأمس، أو الحديث عما سيحدث غدًا. أنا لا أغتنم إلا اللحظة الراهنة، ولستُ مشغول البال إلا بما يحدث اليوم وفي هذه اللحظة بالذات. أقول لنفسي: «بماذا أنت مشغول في هذه اللحظة يا زوربا؟ - أعمل- إذن فأحسن العمل!- بماذا أنت منهمك في هذه اللحظة يا زوربا؟ إني أعشق امرأة- إذن فأحسن العشق يا زوربا! وفي اللحظة التي تنهمك فيها بهذا العمل انسَ كل ما عداه. ليس في الدنيا أحد سواك وسواها. فيا الله انهمك معها!
[زوربا اليوناني، نيكوس كازانتزاكيس، ترجمة محمد قاضي، انتشارات خوارزمي]
4- كان عابدٌ في زمن الكليم / في عبادة مقيمًا ليله واليوم
ذرة ذوق وانشراح ما وجد / من شمس الصدر ضياء ما ورد
كانت له لحية حسناء ذاك الرجل الصالح / كان بين حين وحين يسرح لحيته
رأى العابد موسى من بعيد / فمشى إليه قائلًا يا قائد الطور
بحق الحق سل الحق / لماذا لا ذوق لي ولا حال
چون کلیم القصه شد بر کوه طور / بازپرسید آن سخن، حق گفت دور
گوهر آنک از وصل ما درویش ماند / دایماً مشغول ریش خویش ماند
موسی آمد قصه بر گفتا که چیست / ریش خود میکند مرد و میگریست
جبرئیل آمد سوی موسی دوان / گفت همی مشغول ریشی این زمان
ریش اگر آراست در تشویش بود / ور همی برکند هم درویش بود
یک نفس بی او برآوردن خطاست / چه به کژ زو بازمانی چه به راست
از زریش خود برون ناآمده / غرق این دریای خون ناآمده
چون ز ریش خود بپردازی نخست / عزم تو گردد درین دریا درست
ور تو با این ریش در دریا شوی / هم ز ریش خویش ناپروا شوی
(منطقالطیر، عطار نیشابوری)
5- من باب المثال، يقول مولانا في الأبيات التالية إن جسدنا الترابي غريبٌ وغيرُنا:
در زمین مردمان خانه مکن
کار خود کن کار بیگانه مکن
کیست بیگانه؟ تن خاکی تو
کز برای اوست غمناکی تو
(المثنوي: الدفتر الثاني)
.
.
.
.
نقاش حول هذا المقال٦ تعليق
نوشته ها بسیار پیچیده و طولانی هستند. پیشنهاد میدهم که اول یا آخر هر نوشته خلاصه مطلب را به صورت فهرست وار و خلاصه بنویسید تا خواننده مطلب از سوال و جستجوی خود پشیمان نشود
بسيار عالي بود. دريچه ديگري به رويم باز كرد.
سلام به همه ی دوستان صدا نتی عزیز و ممنون بابت زحماتی که می کشید نکاتی به ذهنم رسید که دوست دارم با شما در میان بگذارم و در صورتی که نکته ای در باب آن ها داشتید خواهش می کنم با من در میان بگذارید : یک نکته درباره ی اندیشیدن به حال ، راستش من خودم چنین تجربه و شهودی رو به صورت مشخص در زندگی نداشتم . در باب مثال کنفسیوس هم همان طور که دکتر فرمودند ، کنفسیوس نخست به کیفیت تاثیر زمان حال در رخداد آینده می اندیشد و بعد از بی اثر یافتن آن ، به لذت بردن در زمان حال مبادرت می ورزد . البته به نظر می رسد او می توانست در عین انجام کاری هم که در سرنوشت فردایش موثر است ، لذت ببرد اما نکته ی من تاثیر غیر قابل کتمان زمان گذشته و خصوصا آینده بر کیفیت عمل ما و لذت و المی که از آن می بریم است . اما در باب کنش بی خواهش به نظرم می رسد این درست است که ما در هنگام توکل به این اذعان داریم که نتیجه دست ما نیست ، اما از سوی دیگر به نظرم می رسد این را نیز مدنظر قرار می دهیم که در عین تلاش، نتیجه را به خداوند عادل و قادر و رحیم واگذار می کنیم، این یعنی این طور نیست که مطلقا عنان نتیجه اندیشی را در تفکرات و ذهنیات خود ، کنار بگذاریم بلکه از آن رو که آن را به ستون محکمی وا گذار می کنیم ، خیالمان آسوده است ... ولی جدای از این ها کل متن واقعا جالب توجه بود و در این بین نکته ی دوازدهم بسیار تحلیل جالب و لذت بخشی در خود داشت .
با سلام نوسینده تلاش خوبی داشته و کمال سپاسگذاری را از ایشان دارم.
سلام. بسیار ممنونم از انتشار این سخنان آموزنده. خسته نباشید. دست تان درد نکناد!
سپاسگذارم از به اشتراک گذاشتن این متن آموزنده .