لماذا يثير نجاحُ الآخرين وتقدّمهم فينا أحيانًا شعورًا بالتهديد والاستياء بدلًا من أن يُفرحنا؟ يتناول آذرخش مكري في محاضرته «حين يربح الآخر» عقلية المحصّلة الصفرية والنزعة المساواتية وفرضيات علم النفس التطوري، ليتتبّع الجذور المحتملة للتنافس والكيد ومقاومة تقدّم الآخرين.

لماذا يهدّدنا نجاح الآخرين؟
تقرير عن محاضرة «حين يربح الآخر» للدكتور آذرخش مكري في TELSI SCIENCE TALK 21
يفتتح الدكتور آذرخش مكري محاضرته «حين يربح الآخر» بالتشكيك في صورة مبسّطة للتطور: وهي أن الجينات الأفضل تصنع صفاتٍ أفضل؛ وأن الصفات الأفضل تفضي إلى بقاء أكبر وتكيّف أوفر؛ وبالتالي يُنجب أصحاب هذه الصفات أبناءً أكثر ويضاعفون جيناتهم. وفي رأيه أن قصة التطور ليست بهذه البساطة. فقد تعرّض الصفةُ التي يُفترض بها للوهلة الأولى أن تقود صاحبها إلى النجاح، إياه لردّ فعل الآخرين؛ وكأن التقدّم، بدلًا من أن يكون ميزةً فحسب، ينطوي كذلك على خطر اجتماعي.[1]
ويقول إنه لو اختار عنوان المحاضرة بنفسه، لربما اختار «سيكولوجيا الكيد»: لماذا يعجز الناس أحيانًا عن احتمال نموّ غيرهم، ولماذا يتحالفون لإيقافه، ومن أين جاء هذا السلوك؟ أما العنوان الرسمي، «حين يربح الآخر»، فيقترب من السؤال نفسه: لماذا يولّد فينا رؤيةُ ربح الآخر وتقدّمه، في بعض الحالات، شعورًا مزعجًا بدلًا من أن يكون محايدًا أو سارًّا؟
ويمضي مكري في هذه المسألة مرتبطةً بثلاثة مفاهيم: المساواتية، وعقلية المحصّلة الصفرية، وعقلية مناهضة الربح. والمقصود بعقلية المحصّلة الصفرية أن نفهم ربح شخص ما كأنه حصّة انتُزعت من يد غيره؛ أما عقلية مناهضة الربح فتشير إلى ميلٍ يعدّ مجرّد ربح فرد أو شركة علامةً سلبية. وسؤال المحاضر ليس: هل اللامساواة جيدة دائمًا أم سيئة؟ بل: من أين يأتي ردّ فعلنا على ربح الآخر، وإلى أي حدّ له جذور تطورية؟
وهذا السؤال ينبع عند مكري كذلك من تجارب مهنية. فقد دُعي مرارًا إلى بيئات العمل والتعليم للحديث عن المرونة النفسية، لكنه وجد في حواراته مع الناس أن الإنهاك والنفور لا ينشآن دائمًا من القلق أو الاكتئاب أو التجارب الصادمة. وأحيانًا يُضعف مناخُ البيئة قدرةَ الفرد على الصمود، ولا سيما الإحساس بأن الآخرين لا يريدون له أن يتقدّم أو لا يطيقون نجاحه. وفي المقابلات المعمّقة مع الطلاب والزملاء والأطباء تُسمع شكاوى من هذا القبيل: «هو لا يعمل بقدر ما أعمل، لكن دخله أكبر بكثير» أو «لا يستحق أن يربح هذا القدر». ومقارنات كهذه قد تولّد توترات جدية في العلاقات.
ولتوضيح المسألة يضرب مكري مثالًا بسيطًا: شخصان يملك كلٌّ منهما قطعة نقدية واحدة؛ ثم تنشأ حال يصبح فيها لأحدهما خمس عشرة قطعة وللآخر مئة. فهل تحسّن حال الأول أم ساء؟ يتوقف الجواب على العلاقة بين الشخصين، ودرجة التنافس، والموقع الوظيفي، وعوامل أخرى؛ لكن المحاضر يضع هذه التفاصيل جانبًا عمدًا ليطرح سؤالًا أعمّ. ويحذّر من أن نعمّم تجربتنا وردّ فعلنا على الجميع. فقد يفرح امرؤ فرحًا شديدًا بزيادة دخله، بينما يظل آخر، حتى بعد تحسّن أحواله المعيشية، يفكر لماذا نال غيره أكثر منه.
ويقول مكري إن الاعتراض على نصيب الآخر الأكبر لا يزول بالضرورة بزوال الفقر أو الحرمان. فحتى في مجتمع صار أكثر تصنيعًا ورخاءً، قد يبقى بعض الناس ساخطين، لا لأنهم لم ينالوا شيئًا، بل لأن غيرهم نال أكثر منهم. ومن هنا ينشأ السؤال الرئيس: هل ردّ الفعل هذا جزء من «العتاد» الصلب لأذهاننا، أم أنه يتكوّن في سياق التعلّم الاجتماعي والثقافي؟
ولتفسير الجذور التطورية المحتملة لهذا السلوك، يستحضر مكري مفهومًا يسمّيه «التسوية الائتلافية»: حين يتقدّم أحدهم على الآخرين، يتّحد الآخرون ليسحبوه إلى الوراء. وهذه الفكرة، في رواية المحاضر، تتوتر مع الصورة المألوفة للذكر ألفا في بعض التفسيرات النفسية التطورية. ففي تلك الصورة قد يتمتع فردٌ بخصائص مثل القوة الجسدية أو الجاذبية الأكبر بميزة في اختيار الشريك والتناسل. لكن مكري يتساءل: لماذا نفترض أن بقية أعضاء الجماعة يبقون سلبيين ويتركون شخصًا واحدًا بلا منافس يرسّخ تفوقه؟ فلعلهم يتحالفون ويهدّدون موقعه.
ويربط هذا الاحتمال ببيئات العمل أيضًا. فنحن نظن عادةً أن من يقع ضحية سوء معاملة الزملاء شخصٌ ضعيف أو قليل المهارة أو سلبي؛ لكن مكري يقول إن الضحايا ليسوا جميعًا كذلك. فبعض من يقعون تحت الضغط شديدو الذكاء، ينجزون العمل أسرع، ويتمتعون بقدرة بارزة. وهذا التقدّم تحديدًا قد يولّد في الآخرين الشعور بأن حصتهم أو مكانتهم في خطر.
ثم يطرح المحاضر فرضيةً يشدّد هو نفسه على أنها غير قطعية. فقد تحدّث كريستوفر بوم وريتشارد رانغهام، في نقاشات تطور الإنسان، عن احتمال أن أعضاء الجماعات البشرية الأولى كانوا يلجؤون إلى ائتلافات منسّقة لكبح الأفراد المتغطرسين أو المفرطين في الهيمنة. ويشرح مكري هذه الآلية بالمصطلح الإنجليزي targeted conspiratorial killing؛ أي القتل المستهدَف التآمري لفرد على أيدي جماعة من رفاقه. وفي روايته، إذا أفرط فرد في طلب السلطة، أمكن للآخرين أن يجتمعوا حين يكون وحيدًا ويتخلصوا منه. وتُربط هذه الفرضية أيضًا بمفهوم «التدجين الذاتي» للإنسان: إذ تحدّ الجماعة، بكبح الفرد المهيمن، من السلوكيات التسلطية.[2]
ولا يعرض مكري هذه الرواية بوصفها واقعًا مثبتًا؛ بل يقول، على العكس، مرات عدة، إن مدى صحة هذه الفرضية غير معلوم، وإنه ليس واضحًا هل يمكن عدّها جزءًا من الإرث التطوري للإنسان. ومع ذلك، فإذا كانت آلية كهذه قد أدّت دورًا في الماضي، فقد تفسّر لماذا يواجه النجاح الفردي في الجماعات البشرية أحيانًا ريبةً ومقاومة من الآخرين. ففي جماعة صيد، قد يُنظر إلى من يعود في كل مرة بصيد أوفر، بدل أن يُكتفى بالإعجاب به، على أنه شخص مهدِّد. وقد تدفع الجماعة بتقييده كلفةً مادية، لكنها تقلّل خطر أن يتقوّى فرد واحد أكثر من اللازم.
ومن هذا المنظور يقترح مكري أن الظاهرة المعروفة في بعض الروايات المعاصرة باسم «قتل النخبة» ليست بالضرورة سمةً حصرية لمجتمع أو بلد بعينه. ويذكر كتاب «سوسيولوجيا قتل النخبة»، لكنه يصرّح بأنه لم يقرأه ولا ينوي نقده؛ وغايته أن الميل إلى إسقاط الفرد المتقدّم قد يكون ظاهرة أعمّ من الظروف السياسية لمجتمع ما. وفي هذه الحال، فإن ما نعانيه في بيئة العمل أو الجامعة من تخريب أو تشهير أو وضع عراقيل قد يكون صيغةً أحدث لصراع قديم على السلطة والتفوق.
وهذه الفرضية تعقّد كذلك معنى المساواتية. فهل حافظت الجماعات الأولى على المساواة لأن أعضاءها أرادوا، بدافع الإيثار، رفع المتخلفين، أم لأنهم خافوا أن يغدو فرد ما شديد القوة ويلحق الأذى بالآخرين؟ ويأخذ مكري مؤقتًا الاحتمالَ الثاني بجدية أكبر: فلعلّ بعض السلوكيات المساواتية في ظاهرها لم تنبع من حسن النية، بل من الخوف من عواقب تقدّم فرد واحد. وهذه النتيجة لا تزال عنده فرضية، لا حكمًا نهائيًا.
ولبحث مدى فطرية ردّ الفعل على اللامساواة، يشير مكري إلى أبحاث عن الأطفال. والمنطق العام لهذه الدراسات أنه إذا أمكن مقارنة ردود فعل الأطفال الصغار في ثقافات ومجتمعات شتى، فربما أمكن فصل علامات الميول المبكرة عن أثر التربية والأعراف الاجتماعية. على أن المحاضر نفسه يذكّر بصعوبة ذلك: فالأطفال منذ سنواتهم الأولى معرّضون للأسرة والثقافة وبيئة المعيشة، ولا تُظهر أي تجربة ببساطة «ذهنًا نقيًّا» منفصلًا عن الخبرة.
وفي أحد النماذج التجريبية يُرى الطفل أنه هو ونظيره في السن يتلقيان حصصًا مختلفة. ويُفصل بين حالتين: اللامساواة الضارة، أي حين يأخذ الآخر أكثر من الطفل؛ واللامساواة النافعة، أي حين تكون حصة الطفل أكبر من حصة الآخر. فمثلًا يُعطى أحدهما أربع وحدات والآخر وحدة واحدة. وفي بعض نسخ التجربة، يستطيع الطفل قبول الحصة غير المتساوية أو رفضها؛ فإن رفضها ضاعت الحصتان معًا. فالاعتراض على اللامساواة إذن له كلفة: يخسر الطفل جزءًا من منفعته هو أيضًا كي يمنع الآخر من التمتع بنصيب أكبر.
ويقول مكري إن الاكتشاف الذي يبرز في هذه الدراسات هو الفرق في ردّ الفعل على النوعين من اللامساواة. فالأطفال عادةً حين يأخذون هم الحصة الأقل يزداد احتمال رفضهم للتوزيع غير المتساوي مع التقدّم في السن؛ أما حين تكون الحصة الأكبر من نصيبهم، فهم في أغلب الحالات لا يعترضون بالقدر نفسه. وبعبارة أخرى، الاعتراض على اللامساواة الضارة أوضح من الاعتراض على اللامساواة النافعة. وفي رأي مكري، يثير هذا الفرق سؤالًا جديًّا في وجه التفسير الساذج للمساواتية: لو كان الدافع الرئيس هو طلب العدالة المحايد، فلماذا يقلّ استعداد الطفل للتخلي عن منفعة أكبر حين ينالها؟
ويقارن هذه النتيجة بالمثال الشهير للقرود المكاك التي تُبدي في بعض التجارب اعتراضًا على تلقّي مكافأة غير متساوية. لكنه يؤكد أن الاعتراض على الحصة الأقل ليس هو الاعتراض على اللامساواة في الاتجاهين. فإذا كان الطفل لا يستاء إلا حين يتلقى هو أقل، فلا يمكن أن نسمّي هذا الرد فورًا إيثارًا أو طلبًا للعدالة. ويرجّح مكري أن جزءًا من الحساسية تجاه «الأكل المنفرد» يتشكّل مع التقدّم في السن وعبر التعلّم، لا أنه مزروع في الذهن كاملًا منذ البداية.
وفي جزء آخر من النقاش يصف تجربةً يجمع فيها الأطفال مكعبات بأدوات صيد مغناطيسية، ثم يُفترض أن تتحول المكعبات إلى شوكولاتة. ودقّة التجربة أن أداة أحد الأطفال أقوى من دون علمه، فتسهّل عليه جمع المكعبات؛ لكن الطفل لا يعلم بهذا الفرق وقد يتصوّر أن الحصيلة نتاج مهارته وجهده. ثم يستطيع الباحثون أن يروا كيف يقسّم الأطفال المحصول النهائي. وتتصل هذه الحال بنقاش أكبر حول الاستحقاق والفرصة: إذا حصّل أحدهم أكثر، فهل بذل جهدًا أكبر حقًّا أم توفرت له ظروف أفضل؟
ويضع مكري هذا السؤال في سجال مألوف في الفضاء العام. فرأيٌ يقول إن الثروة ثمرة جهد الفرد واستحقاقه؛ ورأيٌ آخر يشدّد على الفرص والإمكانات الأسرية والظروف التي جعلت النجاح أيسر لبعضهم. والتجربة، في روايته على الأقل، طريقة لرؤية كيف يقرّر الأطفال في شأن التقسيم في مواقف تنشأ فيها الحصص من جهد ظاهر.
وفي مثال آخر يُطلب من الأطفال تقسيم حصيلة عمل شخصين: جمع أحدهما تسع وحدات والآخر ثلاثًا؛ والمجموع اثنتا عشرة وحدة. والتقسيم المتساوي يعني أن يأخذ كلٌّ منهما ست وحدات؛ والتقسيم بحسب الإنجاز يعني أن يأخذ من جمع تسعًا تسعًا ويأخذ الآخر ثلاثًا. وإذا حسمت القوة الجسدية أو الغلبة القرار، زادت حصة الأقوى. ويقول مكري إن المقارنة التي يطرحها شملت أطفال مجتمعات الصيد وجمع الثمار، ومجتمعات الرعي والزراعة البدائية، وأطفال ألمانيا الحديثة. فمال الأطفال الألمان أكثر إلى التقسيم بحسب مقدار ما حُصِّل؛ وقارب أطفال مجتمعات الصيد وجمع الثمار التقسيم المتساوي؛ وقلّ التقسيم المتساوي في مجموعات الرعاة والمزارعين.
وفي نظر المحاضر، لا تعطي هذه النتائج صورة بسيطة عن الإنسان الأول. فقد يكون التقسيم المتساوي في جماعة الصيد وجمع الثمار علامة على المساواتية، لكنه لا يوضح وحده هل دافعه التعاطف والإيثار أم الخوف من ردّ فعل الجماعة على من يأخذ أكثر من اللازم. ويشدّد على أنه لا ينبغي إضفاء الطابع الرومانسي على المعطيات واستنتاج أن البشر الأوائل كانوا بطبعهم أكثر حسن نية.
ويشير مكري إلى أبحاث أخرى، منها أعمال جوزيف هنريش وزملائه، استخدمت في مجتمعات مختلفة لعبة الدكتاتور ولعبة الإنذار الأخير لدراسة السلوكيات المتصلة بالتقسيم. ففي لعبة الدكتاتور يستطيع الفرد أن يعطي الآخر جزءًا من ماله بحرّية؛ وفي لعبة الإنذار الأخير يستطيع المتلقّي أن يرفض العرض غير المتساوي، فلا يتلقى أيٌّ منهما شيئًا. ويقول المحاضر إنه في مقارنة المجتمعات ارتبط حجم المجتمع، وأثر المؤسسات الثقافية والدينية، ودرجة الاندماج في السوق والتبادل، بسلوكيات أكثر إنصافًا. وفي هذه الرواية تُظهر المجتمعات الأكبر والمجتمعات الأكثر انخراطًا في تبادلات السوق أحيانًا استعدادًا أكبر لمعاقبة التقسيم الجائر أو لمراعاة قواعد الإنصاف.[3][4]
ويشير كذلك إلى دراسات عن الهادزا، وهم أحد مجتمعات الصيد وجمع الثمار. وفي المثال الذي يصفه مكري، يستطيع الفرد أن يتنازل عن جزء من حصته الأكبر لتعويض الحصة الأقل لدى الآخر، أو أن يأخذ من حصته في غيابه. والنتائج، بحسب المحاضر، ليست موحّدة: فبعض الأفراد يهبون من حصتهم، لكن بعضهم يأخذ أيضًا من حصة الغائب. ويذكّر بهذا التباين ليبيّن أن المتوسطات والأنماط الجماعية مهمة، لكن لا يمكن وصف أي مجتمع بسمة أخلاقية واحدة.
والخلاصة المؤقتة لهذا القسم هي: أن الاعتراض على اللامساواة والتقسيم المنصف ليسا بالضرورة قدرة واحدة، وكلاهما لا يُختزل ببساطة في الجينات أو في الثقافة. فالأطفال في مواقف كثيرة يتفاعلون أكثر مع اللامساواة التي تضرّ بهم؛ وفي الوقت نفسه تُظهر بعض المجتمعات الحديثة في مواقف معينة سلوكًا مساواتيًا أكبر أو معاقبة أشدّ للامساواة. وهذه النتائج كافية عند مكري ليشكّك في الرواية الرومانسية عن «الإنسان الأول الإيثاري»، لكنها لا تكفي لإغلاق ملف أصل الإيثار.
بعد بحث المساواتية، ينتقل مكري إلى ميل آخر يسمّيه «عقلية مناهضة الربح»: وهي التصوّر بأن الفرد أو الشركة إذا ربح ربحًا كبيرًا فهو على الأرجح ضارّ بالمجتمع. ويصف تجربةً طُلب فيها من مجموعة من المشاركين الأمريكيين أن يخمّنوا إيرادات عدد من الشركات الكبرى، ثم يحكموا على مدى نفعها أو ضررها للمجتمع. وبحسب رواية مكري، كلما كان إيراد الشركة المتصوَّر أكبر، صار تقييمها من حيث النفع الاجتماعي أكثر سلبية. حتى شركة مثل فايزر، التي تنتج منتجات دوائية، لم تنل بالضرورة مكانة إيجابية في هذا القياس بسبب إيراداتها المرتفعة.
وكي لا تكون النتيجة مجرد انعكاس لسوء سمعة علامات تجارية بعينها، استخدم الباحثون في عيّنات أخرى، بدلًا من أسماء شركات حقيقية، أنواعًا من النشاط الاقتصادي؛ منها النفط والدواء والوجبات السريعة والكتب والصحف. وفي الوصف الذي يقدّمه مكري، كانت الأنشطة ذات الإيراد والربح الأكبر تُقيَّم أحيانًا على أنها أقل نفعًا، بينما بدت أنشطة مثل نشر الكتب والصحف أكثر نفعًا رغم قلة ربحها. كما أن إخبار الناس بأن هدف الشركة هو تحقيق الربح كان يغيّر تقييمهم؛ أي أن الدافع المعلَن للشركة، بمعزل عن وصف عملها ومنتجها، كان له دور مهم في الحكم الأخلاقي.
ويطرح مكري هنا سؤالًا: لماذا اقترن طلب الربح بالسوء في أذهاننا إلى هذا الحد؟ ولماذا يولّد سماعُ أن مؤسسة ما «غير ربحية» شعورًا أكثر إيجابية سلفًا، بينما قد يثير إعلانُ دافع الربح الريبة؟ ويربط هذا الردّ بالتسوية الائتلافية: فإذا ربح أحدهم ربحًا كبيرًا واكتسب بذلك قوة أكبر، فربما رأته الجماعة آليًّا خطيرًا وأرادت منع نموّه.
وفي هذا الجزء، لا يدّعي المحاضر أن كل ربح نافع أو أن كل نقد للمؤسسات الساعية إلى الربح لا أساس له. ومسألته هي الاستجابة الآلية لـ«تحقيق الربح»؛ وهي استجابة تتشكل أحيانًا قبل فحص المنتج وجودة الخدمة والآثار الاجتماعية وشروط الصفقة. وعلى حد تعبيره، حتى حين يمكن أن يكون نشاط شركة ما مفيدًا للآخرين، قد تدفع نيتها الربحية تقييمنا نحو السلبية.
ثم يشير مكري إلى عبارة ينسبها إلى تشارلز شولتز: أن توظيف دافع الربح الأناني لزيادة المنفعة العامة كان من أهم الاختراعات الاجتماعية للبشرية. ومقصوده أن الأفراد قد يعملون من أجل منفعتهم الشخصية، لكن تشابك هذه المنافع قد ينتج سلعًا وخدمات وفرصًا تنفع الآخرين أيضًا. وقبول هذا الاحتمال صعب، لأننا عادةً نطابق بين نية الفرد ونتيجة فعله: فإذا كان أحدٌ يعمل من أجل المال، فقد نظن أن عمله بالضرورة في غير مصلحتنا.
ويقترب مكري هنا من أحد الأسئلة المحورية في المحاضرة: هل يمكن التمييز بين الدافع الأناني والنتيجة النافعة؟ فقد يؤسس شخصٌ شركةً بقصد الكسب، لكنه يقدّم منتجًا أو خدمة ذات قيمة للآخرين أيضًا. ودافعه ليس بالضرورة إيثاريًّا؛ ومع ذلك فهذا لا يثبت بذاته أن نتيجة نشاطه ضارة بالآخرين. وفي رأي المحاضر، تحول عقلية مناهضة الربح دون الفصل بين هذين المستويين.
وينقل مكري المسألة بعد ذلك من تقييم الشركات إلى قدرتنا الذهنية على فهم مصالح الآخرين. فهو يسأل لماذا نفترض آليًّا، حين نعلم أن أحدًا ربح، أنه أضرّ بنا أو سيهدّدنا في المستقبل. وهذه هي الحلقة التي تصل عقلية المحصّلة الصفرية بعقلية مناهضة الربح: فيُفسَّر ربح الآخر لا بوصفه حدثًا مستقلًّا، بل علامةً على خسارتنا المحتملة.
ولتوضيح هذه الصعوبة، يشير مكري إلى مفهوم «تمايز الذات» في نظرية موراي بوين. وفي استخدام المحاضر لهذا المفهوم، يشير التمايز إلى القدرة على إبقاء الحكم الشخصي والقرار الشخصي منفصلين عن الضغط العاطفي للعلاقات. فالفرد الذي يتمتع بهذه القدرة يستطيع أن يتعاون مع من لا يحبه أو لا يرتاح إلى نيته، من دون أن يعدّ التعاون دليلًا على تجانس أخلاقي أو فكري. ويستطيع أن يقول: هذا الشخص يسعى إلى منفعته، وأنا أيضًا لا أعدّه بالضرورة إيثاريًّا؛ لكن نشاطه قد يعود عليّ في ظروف معينة بالنفع.[5]
ويصف مكري عدة عوائق تجعل عبور هذه النقطة عسيرًا. أحدها «الاندماج» أو fusion: وهو التصوّر بأنني إن تعاونت مع شخص فأنا من جنسه أو أن قيمنا وهويتنا واحدة. وعائق آخر هو «القطيعة» أو cutoff؛ وهو ميل يقول إنني إن كرهتُ شخصًا وجب أن أقطع كل أنواع الصلة والتعاون معه. وقد يمتزج الانفعال بالإدراك أيضًا: فلأنني أمقت شخصًا، أتصوّر أن أفعاله لا بد أن تكون خاطئة؛ أو، على العكس، لأنني أحب شخصًا، أقيّم سلوكه تقييمًا إيجابيًّا.
وفي مقابل هذه الاستجابات، يذكر مكري موقفًا يسمّيه في المحاضرة I-position؛ وهو موقف يستطيع فيه الفرد أن يميّز مشاعره، لكنه لا يترك قراره لها وحدها. وفي حال كهذه لا يعني التعاون مع الآخر تأييدَه. فيمكن لشخصين أن تكون لهما مصلحة مشتركة في مسألة ما من غير أن يتشابها أو يتفقا في كل الموضوعات. ويمكن أن يكون التحالف استراتيجيًّا ومؤقتًا وينتهي إذا تغيرت الظروف.
وهذه القدرة مهمة عند مكري للحياة الفردية، وكذلك للعلاقات التنظيمية والتعليمية والاجتماعية. ففي العلاقات القريبة، إذا شعر أحد الطرفين أن الآخر يربح باستمرار وأنه هو وحده يدفع الثمن، صارت العلاقة مشكلةً حقيقية يجب الحديث فيها. لكن المحاضر يسأل: هل يمكن تعميم ردّ الفعل نفسه من دون تغيير على ساحات أكبر؟ ففي بيئة من مئات أو آلاف الأشخاص، قد يسعى فرد إلى منفعته الشخصية وحدها، لكن نشاطه يخلق في الوقت نفسه فرصة أو ربحًا للآخرين. ورؤية هذا الاحتمال تقتضي أن نفصل بين النية والنتيجة ومصالحنا نحن.
ولبيان أهمية هذا الفصل، يشير مكري إلى أبحاث عن التبادل الاقتصادي. ففي الأمثلة التي يصفها، يحكم المشاركون على مواقف: شخص يشتري قميصًا، وآخر يشتري شوكولاتة، وثالث يدفع ثمن تدليك أو ينفق على إصلاح أنبوب؛ وفي أمثلة أخرى يتبادل الناس سلعًا فيما بينهم. ويُسأل المشاركون من الذي ربح في كل صفقة. وبحسب رواية مكري، ينتبه الناس إلى المال الذي تلقّاه البائع أكثر مما ينتبهون إلى القيمة التي حصّلها المشتري. فالمال في يد البائع يُعدّ علامة ربح، أما السلعة أو الخدمة التي تلقّاها المشتري فنادرًا ما تُرى منفعةً له.
وهذا الرد، على حد قول المحاضر، يكشف عن نوع من العقلية التجارية أو mercantilist mindset: كأن المال الذي يبقى في يد شخص ما في نهاية الصفقة هو المعيار الأساسي للربح. لكن إذا كان المشتري قد دفع ماله طوعًا مقابل سلعة أرادها، فقد يكون الطرفان كلاهما قد ربحا من الصفقة. فالبائع يتلقى المال، والمشتري يتلقى ما له قيمة عنده. ويقول مكري إن هذه الأبحاث بيّنت أن مجرد التذكير بأن الناس قد تكون لهم رغبات مختلفة كان يزيد الإحساس بأن الصفقة رابحة للطرفين. فحين كان المشارك، بدلًا من تقييم الصفقة من منظوره وحده، يفكر في تفضيل الطرف الآخر أيضًا، كان أقدر على أن يفهم أن كليهما قد نال مبتغاه.
أما تغيير السعر في الأمثلة التجريبية فلم يكن يبدّل هذا الانطباع كثيرًا بمفرده؛ فالمسألة الأساسية لم تكن كون السلعة رخيصة أو غالية، بل هل يستطيع المرء أن يخرج من ذهنه هو وأن يرى قيمة الصفقة من منظور الطرف الآخر أيضًا. ومن هنا يصل مكري إلى نتيجة محدودة لكنها مهمة: إن إدراك المكسب المتبادل يتوقف إلى حد ما على القدرة على رؤية اختلاف تفضيلات الناس. فإذا كنت أفضّل المال، ويفضّل الآخر السلعة أو الخدمة، فتلقّيه المال لا يعني بالضرورة أنني خسرت.
وهذه الفكرة تشكّل الحلقة الأخيرة في المحاضرة. فالتسوية الائتلافية، والمساواتية الناشئة من القلق على قوة الفرد المتقدّم، وعقلية مناهضة الربح، وصعوبة فهم الصفقة الرابحة للطرفين، تلتقي كلها عند نقطة واحدة: قد نفسّر ربح الآخر تهديدًا لنا قبل أن نزنه بنتيجته الفعلية. وقد يكون هذا الرد في بعض المواقف تحذيرًا في محله؛ لكنه إذا عمل آليًّا وعلى نحو شامل حجب عن الأنظار إمكان التعاون والانتفاع المتبادل.
وفي الختام يربط مكري بين المحاور الثلاثة للمحاضرة: المساواتية، وعقلية المحصّلة الصفرية، وعقلية مناهضة الربح. ويذكّر بأنه في البيئات التي تكون فيها الموارد محدودة ويمكن أن تتحول قوة الفرد إلى تهديد للآخرين، ربما كان تقدّم شخص واحد خطيرًا حقًّا. وفي ظروف كهذه قد تتحالف الجماعة لكبح الفرد المهيمن. أما في المجتمعات الحديثة، ومع وجود مؤسسات وقواعد قادرة على حماية الأفراد من السلطة التعسفية، فقد يبقى ذلك الرد القديم فاعلًا ويعدّ كل ربح علامة تهديد.[6]
ومن وجهة نظر مكري، فإن أحد التغيرات المهمة في العالم الحديث هو إمكان إدراك «المحصّلة غير الصفرية»: وضع لا يُدفع فيه ربح شخص ما بالضرورة من جيب غيره، ويمكن أن تُصنع فيه ظروف ينتفع فيها أكثر من طرف. ويطرح هذه الفكرة في صلة باتساع التبادل والاقتصاد الحديث، لكنه لا يؤكد أن جميع صفقات السوق عادلة أو أن كل نشاط يستهدف الربح يفضي إلى الخير العام. والمقصود أن مجرد ربح الآخر ليس سببًا كافيًا لمعارضته؛ بل ينبغي أن نسأل كيف نشأ هذا الربح، وما نتائجه، وهل يمكن مواءمته مع منفعتنا.
ويظل المحاضر حذرًا في شأن الأصل النهائي للإيثار. فهو يرجّح أن بعض جوانب السلوك الخيّر قد تشكّلت، أكثر من كونها نتاجًا مباشرًا للجينات، بارتباطها بالتعلّم والثقافة وتجربة التفاعلات المعقدة وفهم العلاقات ذات المحصّلة غير الصفرية. ومع ذلك يقول صراحة إنه لم يُغلق ذهنه، وإن الأبحاث المقبلة قد تكشف جذورًا أخرى للإيثار. وما يراه خطرًا هو المراهنة على التصور القائل إن الإنسان إيثاري بطبعه وبصورة آلية، وإنه يمكن بناء مجتمع أكثر إنسانية على هذا الافتراض وحده.
والطريق الذي يقترحه مكري في الختام ليس إنكار أنانية الإنسان ولا إدانة كل من يربح. بل يشدّد على ضرورة تخفيف عقلية مناهضة الربح: فبمجرد أن نرى أن شخصًا ما حصّل منفعة، لا ينبغي أن نستنتج فورًا أن علينا معارضته لأنه بلا شك قلّص حصتنا. فلعله يمكن إيجاد آلية يتحول بها ربحه إلى ربح لنا أيضًا. وفي هذه الحال لا يحتاج التعاون بالضرورة إلى تشابه أخلاقي أو فكري، ويمكن أن تتشكل منفعة مشتركة حتى بين من لا يحب بعضهم بعضًا أو تختلف دوافعهم.
وهذا هو السؤال نفسه الذي تابعته المحاضرة منذ البداية: حين يربح الآخر، هل نقص منا شيء حتمًا؟ وجواب مكري ليس أنه ينبغي الترحيب بنجاح الآخرين في كل الحالات؛ بل يدعو إلى أن نبتعد، قبل المعارضة، عن الرد الآلي، وأن نزن احتمالًا آخر أيضًا: أن ربح الآخر قد يكون جزءًا من لعبة رابحة للطرفين.
Wrangham, Richard W. “Targeted conspiratorial killing, human self-domestication and the evolution of groupishness.” Evolutionary Human Sciences 3 (2021):
e26. https://doi.org/10.1017/ehs.2021.20
https://doi.org/10.1017/ehs.2021.20
Henrich, Joseph, et al. “Economic man” in cross-cultural perspective: Behavioral experiments in 15 small-scale societies. Behavioral and Brain Sciences 28, no. 6 (2005): 795–815. https://doi.org/10.1017/S0140525X05000142
https://doi.org/10.1017/S0140525X05000142
Bowen Center for the Study of the Family. “Differentiation of Self.” https://www.thebowencenter.org/differentiation-of-self
https://www.thebowencenter.org/differentiation-of-self
مكري، آذرخش. «حين يربح الآخر». محاضرة في فعالية TELSI SCIENCE TALK 21، بعنوان «الجين الأناني، الإنسان المضحّي».
[1]يستند هذا التقرير إلى محاضرة «حين يربح الآخر» للدكتور آذرخش مكري في فعالية «TELSI SCIENCE TALK 21» بعنوان «الجين الأناني، الإنسان المضحّي». الفيديو:
youtube.com/watch?v=Q6uLSG8lFio
[2]Richard W. Wrangham, “Targeted conspiratorial killing, human self-domestication and the evolution of groupishness,” Evolutionary Human Sciences, 3 (2021), e26. DOI: 10.1017/ehs.2021.20.
تبحث هذه المقالة في فرضية القتل الائتلافي المستهدَف وصلتها بالتدجين الذاتي للإنسان؛ وقد وردت هذه الفرضية في التقرير بوصفها رأيًا قيد النقاش لا واقعًا قاطعًا.
[3]لعبة الدكتاتور ولعبة الإنذار الأخير من الطرائق التجريبية الشائعة لدراسة تقسيم الموارد. ففي لعبة الدكتاتور يستطيع صاحب القرار أن يتنازل عن جزء من الموارد للآخر؛ وفي لعبة الإنذار الأخير يملك المتلقّي إمكان رفض العرض، ويؤدي الرفض عادةً إلى ضياع حصة الطرفين معًا.
[4]وللاطلاع على الخلفية البحثية لهذا النقاش، انظر:
Joseph Henrich et al., “Economic man” in cross-cultural perspective: Behavioral experiments in 15 small-scale societies, Behavioral and Brain Sciences 28, no. 6 (2005): 795–815. DOI: 10.1017/S0140525X05000142.
تشير المحاضرة إلى أبحاث عابرة للثقافات عن السوق والإنصاف والعقاب؛ وقد وردت تفاصيل النتائج في نص التقرير بحذر ووفق رواية المحاضر.
[5]في نظرية بوين للأسرة، يشير «تمايز الذات» (Differentiation of Self) إلى القدرة على الحفاظ على موقف المرء الفكري والانفعالي في العلاقات القريبة وتحت الضغط العاطفي. ومصدر تعريف المفهوم:
Bowen Center for the Study of the Family, “Differentiation of Self,” https://www.thebowencenter.org/differentiation-of-self
[6]«عقلية المحصّلة الصفرية» (zero-sum mindset) تشير إلى فهم للموقف يُفترض فيه أن منفعة أحد الطرفين تعادل خسارة الطرف الآخر؛ وفي المقابل تُبقي المحصّلة غير الصفرية إمكان الربح المتبادل مفتوحًا في التفاعل. وفي هذا التقرير تُستعمل هذه المصطلحات بالمعنى نفسه الذي يستعملها به المحاضر في شرح أمثلته.
علم النفس
علم الاجتماع
علم النفس
الدين
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.