اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يشرح مصطفى ملكيان مراحل كيركغور الثلاث في الحياة؛ الانتقال من الطور الجمالي والتعلق بالأمور الخارجية إلى الطور الأخلاقي والمبادئ الباطنية، في مقاربة وجودية لنهج البلاغة تُظهر بوّابة القلب والعبور من «الامتلاك» إلى «الوجود».

باستمداد من قول اثنين من المفكرين الغربيين، أبيّن نقطتين. طبعاً هذه النقاط ليست من ابتكار هؤلاء السادة، لكن طريقة بيانها أكثر جاذبية. المفكر والعارف الدنماركي «سورن كيركجور» لديه تقسيم للبشر معروف باسم «المراحل الثلاث لحياة الإنسان» يقول إن كل واحد منا يعيش في إحدى هذه المراحل الثلاث:
.
.
رسالة الدين: «العاشق»، لا «العبد»؛ «الكينونة»، لا «المِلك»
باستمداد من قول اثنين من المفكرين الغربيين، أبيّن نقطتين. طبعاً هذه النقاط ليست من ابتكار هؤلاء السادة، لكن طريقة بيانها أكثر جاذبية. المفكر والعارف الدنماركي «سورن كيركجور»[۱] لديه تقسيم للبشر معروف باسم «المراحل الثلاث لحياة الإنسان» يقول إن كل واحد منا يعيش في إحدى هذه المراحل الثلاث:
1_ المرحلة الجمالية
2_ المرحلة الأخلاقية
3_ المرحلة الدينية
الإنسان في المرحلة الجمالية يريد أن يتمتع بكل نعمة. الإنسان في هذه المرحلة يشبه تماماً نحلة تريد أن تذوق من كل زهرة. لا يرضى أن يتخلى عن بعض النعم. نحن جميعاً عموماً نعيش في هذه المرحلة. كلنا نحب الأطعمة والمشروبات والملابس. نحب أنواع الثياب والمساكن المختلفة. نسعى وراء الشهرة والشعبية وغيرها. نستمتع بالعلم والقوة وما شابه ذلك. من أدنى مستوياتها وهي الأطعمة والمشروبات إلى السعي للقوة والعلم والجمال وغيره، لكل هذا نطاق واسع. طالما نحن في هذه المرحلة الجمالية، لا نرضى أن نتخلى عن أي منها. وعندما نسعى وراء أي منها، نطلب منها أنواعاً مختلفة أيضاً. مثلاً نحب الشهرة وفي الوقت ذاته نريد أن نشتهر من جوانب مختلفة. وهذا يقودنا إلى أن يكون التشتت مستمراً علينا. خاصية الذين يعيشون في هذه المرحلة هي أن حالهم حقاً متفرقة، لأن التنوعات لا تحد لها. نحن نسعى وراء التنوع، لذا لا نشعر أبداً بالهدوء والاستقرار.
لا يوجد مكان نقول فيه إن هنا مقرنا ونريد أن نبقى هنا. عندما نريد أن نستقر في مكان واحد، يظهر تنوع جديد، وهكذا يستمر هذا السير، لذا لا استقرار ولا راحة في الأمر. الإنسان في هذه المرحلة يشبه تماماً من يريد أن يلحق بظله ويمسكه، وأنتم تعلمون أن الإنسان لا يصل أبداً إلى ظله. هذه المرحلة هي التي ينظر فيها الإنسان إلى الأشياء الخارجية. إذا تدبرتم، فإن كل النعم التي نريد الوصول إليها والنقم التي نريد الهروب منها هي أشياء خارجية عينية، وإن وجدت أمور لها حالة اعتبارية فقد اعتبرناها ووهبناها صفة الخارجية. مثل الرياسة التي هي أمر اعتباري، إلا أننا لأننا اعتبرناها بأنفسنا أصبحت لنا كشيء خارجي ونسعى وراءها. بعض هذه الاعتباريات أكتسبت عندنا قدراً من الحقيقة حتى أننا نعتبر الأمور العينية الأخرى أدنى شأناً منها.
ابن سينا في الإشارات لديه بحث جميل جداً يقول: قد تتعجبون كيف يبقى لاعب الشطرنج ساعات في الساحة منشغلاً باللعب لا ينتبه للأطعمة والمشروبات التي تقدم إليه. من ليس بلاعب شطرنج لا يفهم السبب، لكن من هو مألوف بهذه اللعبة يعلم أن لاعب الشطرنج يشعر بلذة لا تقاس بتلك اللذات. فهو يتجاهل هذه اللذات لأنه يرى أنه قد وصل إلى لذة أسمى. على أي حال، نحن في هذه المرحلة نسعى وراء الأمور الخارجية، وبما أن هذه الأشياء الخارجية متعددة وعددها لا ينتهي، فنحن نركض وراءها باستمرار.
أما بعضهم تجاوز هذه المرحلة ووصل إلى المرحلة الثانية، أي المرحلة الأخلاقية. في هذه المرحلة ينصرف الانتباه الإنساني عن الأشياء الخارجية. يصبح كل همه وغمه مصروفاً إلى مجموعة من المبادئ، سلسلة من الضوابط والمعايير الأخلاقية. يجب أن أعيش طول حياتي بطريقة لا أتجاوز فيها هذه المبادئ القليلة (بطبيعة الحال لا يهمنا الآن من أين يكتسب الإنسان هذه المبادئ، لكن تعبير كيركجور هو أن الإنسان في هذه المرحلة يُعتبر أخلاقياً بشرط أن يضع هذه الضوابط بنفسه لنفسه). الإنسان في هذه المرحلة منتبه فقط لهذه الضوابط وغافل عن سائر الأمور. هذه الضوابط تختلف من عدة جوانب:
أ) من حيث المنشأ: من أين نكتسب هذه الضوابط؟ قد تكون من رغبتنا الذاتية، وقد تكون مكتسبة من الآخرين. بالطبع ما ينبع من ذاتي مختلف جداً عما استقيته من الآخرين.
ب) من حيث العدد: كل شخص يؤمن بعدد معين من المبادئ. كان الفيلسوف الإنجليزي الشهير «سيدجويك» يقول: المبدأ الذي اخترته لنفسي هو أن أعامل الآخرين كما أود أن يعاملوني. هذا هو ما كانوا يسمونه قديماً «القاعدة الذهبية»[۲]. شخص مثل برتراند راسل كان يقول: أنا أؤمن بمبدأين؛ الأول أن «لا أظلم أي إنسان»، والثاني أن «أنمّي كل ما أجده من استعدادات في نفسي». على أي حال، الناس الذين يعيشون بهذه الطريقة يعيشون في المرحلة الأخلاقية. هذه المرحلة ليست مرحلة تافهة. دعونا نتجاوز القول بأنها، برأي كيركجور، أقل شأناً من المرحلة التالية، لكن هذه المرحلة نفسها ذات قيمة كبيرة جداً. في هذه المرحلة للحياة صفتان لم تكن موجودتين في المرحلة الأولى: أولاً، في المرحلة الأولى لا هدوء في الحياة. الإنسان يركض دائماً؛ يحصل على شيء فيريد شيئاً آخر، وهكذا... يريد دائماً ما هو أعلى. وثم إن هذه الرغبات في ما هو أعلى كلها من نوع واحد. هذا التشتت الفكري الموجود في المرحلة الأولى لا يوجد على الإطلاق في هذه المرحلة الثانية. هنا نصل إلى سكينة، لماذا؟ لأن مهما يحدث في العالم الخارجي، أنا موجود وهذه مبادئي. وهذه المبادئ هي التي يجب أن تحافظ عليها. ما يحدث في العالم الخارجي، برغم تنوعاته وتشتاته، لا يشتت انتباهي. القلق قد قل كثيراً جداً، إن لم نزعم أنه لا يوجد على الإطلاق. ثانياً، في المرحلة الأولى كنا منغمسين في الأشياء الخارجية، لكن في المرحلة الثانية انغمسنا في المبادئ الداخلية.
في هذه المرحلة قد التفتنا انتباهنا من الأشياء الخارجية إلى داخلنا. هذه المبادئ بالنسبة للفرد مثل الأواني الكريستالية التي يظل الفرد مراقباً بحذر كي لا تُلحق بها أضرار. لاحظوا أن الإنسان عندما يحمل «كيس فاكهة» سلوكه مختلف جداً عن عندما يحمل «بلورة». في الحالة الأولى يفعل أي شيء ولا ينتبه لكيس الفاكهة، لكن عندما يحمل إناء بلوري، في كل الأحوال ينتبه للإناء كي لا يفعل حركة تؤذيه. الفرد غير منتبه لكل شيء، لماذا؟ لأنه قلق على إناؤه.
كانوا يسألون الإمام علياً (ع) كيف وصلت إلى هذه الحالة؟ فقال: «كنت حارساً لقلبي منذ بداية طفولتي» كنت مراقباً من يدخل ومن يخرج، لماذا يدخل من يدخل ولماذا يخرج من يخرج. هذه حالة الحراسة حالة يجب بالضرورة أن يمتلكها الإنسان في هذه المرحلة.
لكن هناك أيضاً مرحلة ثالثة في الإنسان يسميها كيركجور «المرحلة الدينية». في المرحلة الدينية نعود من جديد من المبادئ إلى العالم الخارجي، لكن هذه الحالة تختلف عن الحالة التي كانت لدينا في المرحلة الجمالية. في المرحلة الأولى كنا منغمسين في كل الأشياء، وفي المرحلة الدينية انغمسنا في شيء واحد من الأشياء الخارجية. «الحب» هو بالضبط خاصية المرحلة الثانية. لقد قلت مراراً أن الدين ليس مقدمة للأخلاق، بل الأخلاق هي مقدمة الدين. رأيي تماماً كرأي كانط. لكن من جانب آخر، كانط كان يقول: نحن لا نريد الدين من أجل الأخلاق. نريد الأخلاق من أجل الدين. الأخلاق هي مقدمة للدخول في الدين وليس العكس، والحقيقة هي فعلاً كذلك. يجب أن يصبح الإنسان أخلاقياً أولاً، فإذا تكامل في كونه أخلاقياً، فحينئذ يصبح ديناً.
حسنًا، نعود هنا مجددًا إلى الأشياء الخارجية. لكن ليس إلى كلها، بل إلى شيء خارجي واحد، نصبح عاشقين لذلك الشيء. وعندما نصبح عاشقين له، فمهما أمر به فهو الحق. علاقتنا به ليست علاقة «عبد ومولى»، بل علاقة «عاشق ومعشوق». الإنسان الذي لم يجاوز المرحلة الأخلاقية، إذا دخل الدين أيضًا، فإن تصوره للدين هو تصور العبد والمولى، تصور الخادم والسيد. لكن إذا دخل الدين بعد المرحلة الأخلاقية، فإن علاقته بذلك الموجود علاقة عاشق ومعشوق، وهذان الارتباطان يختلفان عن بعضهما. الخادم بالطبع لا يتجاوز أوامر سيده، لكن لماذا؟ لأنه يخاف من العقاب. أما هذا الخادم نفسه إذا أصبح عاشقًا، فهو يطيع معشوقه أيضًا، لكن هذه الطاعة تختلف كثيرًا عن طاعته لسيده. هذان الشكلان من الطاعة يختلفان عن بعضهما من ثلاث جهات:
أولاً في الحالة الأولى، ما يجبره على الطاعة هو «الخوف». أما في الحالة الثانية فهو «المحبة» التي تأمره.
ثانيًا في الحالة الأولى، إذا ابتعد عن نطاق إشراف السيد، فإنه يفعل ما يخالف أوامره، لماذا؟ لأن كل ما كان يجبره على الطاعة هو الخوف. الخوف يسيطر عندما يكون السيد مراقبًا. الآن إذا كان السيد في مكان غير مرئي، فإنه يفعل أشياء أخرى أو أشياء لم يؤمر بها أو يفعل حتى ما نهى عنه. أما من يكون عاشقًا لآخر، فالحضور غير الفيزيائي للمعشوق لا يطرح بالنسبة له أي مسألة. لذلك، الهروب من الطاعة لا معنى له أبدًا. لأن الطاعة بالنسبة للعاشق ليست عبئًا ليريد التخلص منها، فالعبء إنما هو بالنسبة للعبد.
ثالثًا في الحالة الأولى، العبد حتى لو لم يصرح، عندما يفعل شيئًا للمولى، فإنه يضع عليه «المنة» بأي حال من الأحوال لأنه قد فعل شيئًا من أجله. أما العاشق الذي يفعل شيئًا للمعشوق، فليس فقط لا يضع مِنَّة، بل يتحمل المِنَّة بنفسه، وهذا يُحدث فرقًا كبيرًا. مجرد أنه تمكن من فعل شيء للمعشوق وقَبِله، فهذه منّة للمعشوق على العاشق، وليس العكس. نحن عادة لا ننتبه إلى هذه المسألة، ولهذا في الدين دائمًا نقول يجب «إسقاط التكليف». التكليف يعني «المشقة». مشقة وقعت على عاتقي يجب أن أتخلص منها بأي شكل، أن أسقطها.
الآن أن الإسلام يقول «لا تمنوا على اسلامكم» (ما ورد في القرآن أن يقول النبي للناس بأن إسلامكم ليس بمِنَّة تملكونها عليّ) يشير إلى هذه النقطة: لا تظنوا أن الله مثل سيد، عندما تفعلون شيئًا، تستطيعون أن تضعوا عليه مِنَّة. هذا ليس الحال إطلاقًا. نحن نتحمل المِنَّة لأن الله وضعنا تحت أوامره. هل رأيتم أن بعض العرفاء عند تفسيرهم تلك الآية من القرآن التي تقول «يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون» يقولون إن كل المرارة التي يتحملها الشخص عند الصيام تُنسى فقط من أجل كلمة «يا أيها الذين آمنوا».
مجرد أن الإنسان يجد في نفسه من الشرف كل هذا القدر لأن الله وجّه له الخطاب، هذا مصدر فخر. تصوروا سيدًا له عبدان، عندما ينادي أحدهما، يسعد الآخر لأنه لم يقع عبء على عاتقه. لكن إذا كان هناك شخصان عاشق لمعشوق واحد، عندما ينادي المعشوق أحدهما، يتضايق الآخر. أعلى من هذا كان العرفاء يقولون أنه عندما يظلم المعشوق العاشق أيضًا، يسر العاشق من هذا الظلم، لأن هذا يدل على أنه يحسبه حسابًا.
لو كان لها مع غيري ميل فلِمَ الكأس لي كسرت ليلى
مجرد أنها كسرت كأسي يدل على أن لها التفاتة انتباه إليّ. هذا الالتفات[۳] بأي ثمن يستحق.
إذا عدنا إلى تعابير كيركغور، فإنّه يقول إنّه في المرحلة الدينية أنت تقع في حب موجود واحد من الموجودات الخارجية فحسب، وبسبب ذلك حياتك لا تجد السلام وحده الذي كانت تتمتع به نسبياً في المرحلة الأخلاقية، بل تكتسب إضافة إلى ذلك «حلاوة وحنان». في هذه المرحلة الثالثة حتى المبادئ الأخلاقية نفسها لا تؤخذ في الحسبان. إذا تعارضت إرادة المعشوق مع المبادئ الأخلاقية، فلا بأس في ذلك. والمثال الذي يضربه هو نفسه ظل ينتبه له طيلة حياته هو مثال «إبراهيم وإسماعيل». كان يقول إنّ قصة إبراهيم وإسماعيل هي مثال نموذجي لأولئك الذين يعيشون في المرحلة الدينية، فلا يعتدون بالمبادئ الأخلاقية حتى. جاء في التوراة وفي القرآن أنّ إبراهيم قال لإسماعيل إنني رأيت في الحلم مراراً أنني أذبحك. وكان إسماعيل في حالة التسليم ويقول: «ﺍﻓﻌﻞ» أو «يا أبت افعل ما تؤمر». افعل ما تؤمر يا أبي، يا أبي العزيز. لم يقل يا أبي. خطابه بدقة مصحوب بحالة من الرحمة والعطف.
كيركغور يقول إنّه بناء على «المرحلة الأخلاقية» فإنّ قطع رأس إنسان بريء من قبل إبراهيم يخالف قواعد الأخلاق. ظاهراً، كان قطع رأس إسماعيل مفروضاً على إبراهيم وعلى إسماعيل معاً. كان يجب عليه أن يقتل ابناً بريئاً وكان يجب على إسماعيل أن يُقتل وهو بريء. لكن لا في التوراة ولا في القرآن أثر من هذه الشكوك والوسوسات. كلاهما في تسليم تام. تروي بعض الروايات لطائف وحقائق دقيقة من هذه القصة. منها أنّ الابن لم يكن ينظر في وجه أبيه حتى لا يقع الأب في حالة خجل. لأنه كان يدرك أن أباه ينفّذ أمراً من المحبوب. ترى أنّه على الرغم من أنّ أمراً يخالف الأخلاق يصدر، إلا أنّ كلا منهما لا يعترض على الإطلاق بأنّ هذا الأمر يخالف المبادئ الأخلاقية. لأنّ هذين لم يكونا يعيشان في المرحلة الأخلاقية بعد الآن. في المرحلة الدينية لا يجب قياس الأمر بالموازين الأخلاقية. لأنّ العلاقة هي علاقة عاشق ومعشوق، لكن إذا كانت العلاقة علاقة عبد وسيد، فللعبد أن يقول للسيد إنّ هذا الأمر يخالف المبادئ الأخلاقية. (الآن إما أن يريد أن يهرب من الأمر أو أنه فعلاً يؤمن بالمبادئ الأخلاقية). لكن في علاقة العاشق والمعشوق لا يبقى لهذا الكلام مجال.
قيل عن الإمام جعفر الصادق(ع) أنّ أحداً قال له: لماذا لا تقوم؟ قال الإمام: إننا لا نملك العون الذي يؤيدنا. قال الشخص: أنتم تملكون في العراق أكثر من مائة ألف من الشيعة. قال الحضرة: أيّ واحد من هؤلاء من النوع الذي إذا أشعلت ناراً وقلت لهم ادخلوها كانوا يدخلونها؟ حسناً، ما أريد أن أقول هو أنّه إذا قال لنا الحضرة ادخلوا النار، ماذا نفعل؟ هذا ما نفعله يتوقف على المرحلة التي نعيش فيها. ما هو تصورنا عنهم؟ هل هو تصور المولى أم تصور المعشوق؟
كان كيركغور يقول إنّه في هذه المرحلة ما يصدر عن المعشوق هو نفسه معيار أخلاقي، فلا يجب التطابق معه بمعايير أخلاقية أخرى وإذا تطابق امتثلنا. لا، هذه المسألة لا تُؤخذ في الاعتبار على الإطلاق. كيركغور لم يتناول مسألة إبراهيم وإسماعيل باعتبارها مسألة استثنائية وموقتة. يتناولها ليُظهر أنّ أناساً عاشوا في هذه المرحلة وأنت إذا أردت أن تكون متديناً يجب عليك أن تبلغ نفسك إلى هذه المرحلة. حسناً، إذا أردت أن ترى هذا الأمر الذي يخالف المعايير الأخلاقية في الدين، فترى أنه ليس قاصراً على واحد. انتبه إلى اختلاف موسى وعبد صالح. موسى كان يعمل بدقة وفق المعايير الأخلاقية، لكن عبد صالح ذاك (الذي لا نعرف من يكون والمفسرون قالوا إنه الخضر) كان يتجاوز موسى أو على الأقل في تلك المرحلة كان يفكر بما يتجاوز مستوى موسى. موسى كان يقول لا دليل على أننا نعاقب قبل الجريمة. قتل شخص لأنه سيقتل والديه في المستقبل لا يتفق مع أي قاعدة أخلاقية أو عقلية. أنت إذا قتلته فلن يبقى ليقتل أحداً. بالتالي لم تنفّذ القصاص قبل الجنايةن بل نفذت القصاص بدون جناية. انتبه إلى هذه المسألة. أي تبرير لها؟ إلا أنه إذا كان عبد صالح مأموراً بقطع رأس شخص، فلا تُطبق معايير أخلاقية بعد ذلك؟
فلاحظوا إذن أنه عندما يتعلق البحث بالحسن والقبح العقلي أو الشرعي، فهذه تقع في أفق واحد. لكن في أفق أسمى يجب أن تكون لنا حالة عاشقة تجاه الله، وبالتالي فإن أوامر الله ونواهيه كلها مطاعة، بدون استفسار أو تردد. عندئذ إذا لم تتجاوزوا المرحلة الأخلاقية ودخلتم المرحلة الدينية، فسيكون تلقيكم لله تلقي الموالى. إن تلقيكم لله بوصفه معشوقاً سيتحقق بشرط أن تكونوا قد تجاوزتم المرحلة الأخلاقية، فيكون: «يحبهم ويحبونه»، فالله عاشق ومعشوق، ونحن أيضاً عاشقون ومعشوقون.
خلاصة كلامي في هذا القسم هي: أولاً يجب أن ندخل الدين من خلال قناة الأخلاق. لا سبيل آخر. ثانياً إن لم ندخل الدين عبر الأخلاق، فسنفهم الدين بطريقة ما منحرفة. سننسج لأنفسنا سيداً غنياً جداً من الله ونعتقد أننا في وضع العبد.
يجب أن أنبه هنا على ملحوظة، وهي أنكم ترون في القرآن تعبيرات عن العبد والموالى، وفي الروايات أيضاً هذا التعبير موجود. وهذا لسببين: 1) على أي حال يجب تجاوز المرحلة الأخلاقية لدخول المرحلة الدينية. إن الذين لم يتجاوزوا هذه المرحلة، فمن الطبيعي أن يُستخدم في حقهم تعبير العبد والموالى. 2) لا يجب أبداً أن نلتبس حالة «الفاعل»[٤] بحالة «الشاهد»[٥]. إذا صورت تصرفات العاشق في طاعته، يمكنك من هذا الفيلم أن تستخرج تعبيرات العبودية والموالاة. لأنك لا تعرف ما يجري في قلبه، بل ترى فقط الطاعات، وحيث أن الحال كذلك، فإن هذه الطاعات من وجهة نظرك أنت الشاهد المراقب، تقبل تفسيرات متعددة: يمكنك أن تفسرها بحب عاشق وكذلك برابطة عبد وموالى. لأن الحب أمر «باطني» والطاعة أمر «ظاهري». الطاعة لا تقبل تفسيراً واحداً أبداً. عندما ننظر إلى الآخرين لا نرى سوى طاعاتهم. لكن هذه الطاعات قد تكون من «خوف» أو من «مودة». وهذا يتعلق بقلب المطيع نفسه. قد يكون في إمكانك أن تفسر تلك الطاعة تفسيراً يتعلق بالعبودية والموالاة، مع أن الرابطة الحقيقية هي رابطة عاشقة، أو العكس، وهذه مشكلة نواجهها في جميع العلوم الإنسانية (العلوم الاجتماعية). لا يمكن، بدون الرجوع إلى باطن الفاعل، أن نستخرج تفسيراً صحيحاً من الظاهر والفيزياء للعمل. من هذا الجهة، قد نظن أحياناً أن شخصاً يتصرف بعبودية، بينما هو في الحقيقة عاشق، والعكس صحيح أيضاً. تُرى هذه الملحوظة بوفرة في دعاءات الإمام علي (ع) نفسه، فالإمام في دعاء الكميل يقول إن ما يضطرني ليس جهنم على الإطلاق، بل فقط البعد عنك. «هب لي صبري على عذابك فكيف أصبر على فراقك». افترض يا إلهي أنني قويت على عذابك (وهذا افتراض، لأن عذاب الله لا يُحتمل، هذا كلام عاشق)، فكيف أحتمل بعدك. الموضوع ليس عن الجنة والجحيم على الإطلاق. إن ذهبت حتى إلى الجنة بدون الله، فهي جحيم.
لاحظوا إذن أن ما قلناه لا يتناقض مع أننا نرى أحياناً في القرآن والروايات تعبيرات عن العبد والموالى، لسببين: أولاً الناس في مراحل مختلفة والله أو الناس في مراحل مختلفة يقولون كلاماً مختلفاً، وثانياً لا يجب الخلط بين حالة الشاهد أو الفاعل.
ملحوظة أخرى يجب أن أذكرها، وهي أن العبد والموالى المطروح في الفقه هو قصة أخرى. في أصول الفقه التلقي المستمر للعلاقة بين الإنسان والله هو علاقة عبد وموالى. بالطبع هذا يتعلق بالمسائل القانونية والمسائل القانونية هي مسائل اجتماعية، ولهذا السبب يجب أن نشبه الله في مقام التشريع والتقنين بالأسياد والعبيد الاجتماعيين. هذا صحيح في موضعه ولا علاقة له بحثنا.
نستعير ملاحظة أخرى من عالم النفس والطبيب النفساني الأمريكي الشهير «إريك فروم» المولود في ألمانيا عام 1900. لإريك فروم كتاب بعنوان «الامتلاك أم الكينونة». يذكر فروم نقطة في هذا الكتاب ويكررها باستمرار في أعماله الأخرى مفادها أنه يجب أن نقرر لأنفسنا مرة واحدة وإلى الأبد: هل نحن مجموع كيانتنا أم مجموع ممتلكاتنا؟ نحن الناس البسطاء نقول: هذا أملكه، وذاك أملكه. نحمل دائماً محمولات تندرج تحت فئة الملكيات. أملك شيئاً ما، أملك شيئاً آخر. ممتلكاتي أكثر من ممتلكاتك و... لكن إريك فروم كان يقول إننا يجب أن ننتبه إلى أننا مجموع كيانتنا وليس مجموع ممتلكاتنا! وهذه الملكيات ليست مقصورة على ما يقوله التجار والذين يرون كل شيء من منظور تجاري. نحن أيضاً عندما نستند إلى معلوماتنا نركز على الملكيات. معلوماتنا أيضاً من ممتلكاتنا. وعلى هذا الأساس نقارن بين الأفراد. لكن النقطة المهمة هي أنه في مقام الحكم لا يمكننا الاعتماد على الملكيات. لا شك أنه عندما تريد شراء كتاب تذهب إلى من لديه كتب أحدث وأفضل. وعندما تريد شراء احتياجاتك تراجع من لديه سلع أفضل، لكن هل يمكننا على هذا الأساس أن نحكم على أفراد بناءً على ممتلكاتهم؟ هذا مهم. اليوم أحكامنا قائمة بالكامل على الملكيات. صحيح أن البعض يقصر الملكية على البيت والسيارة و... والآخر يعطي أهمية للقوة والآخر يعتبر العلم مهماً، لكن كما قلت مراراً، ما يجعل السلسلة سيئة هو أنها تمنعنا من التحرك وليس مادة السلسلة. السلسلة هي سلسلة، وسوء السلسلة يكمن في احتباسها لنا وليس في طبيعتها. هل يختلف الأمر إذا كانت سلسلتنا من نحاس أم فضة أم ذهب؟
للأسف نحن (نحن الذين نتقدم على الآخرين مثلاً) راضون بتبديل مادة السلسلة، نقول: هؤلاء يسعون وراء المال أو الشهرة و... لكننا نسعى وراء العلم. العلم أيضاً سلسلة لكنها من ذهب. يجب أن نفعل ما يحررنا. نحن دائماً نحسب حسابنا على ممتلكاتنا، وكل هذه الملكيات سلاسل. لماذا؟ لأنه عندما تملك شيئاً تنشغل بحفظه، وعندما لا يكون موجوداً تكون دائماً في قلق عليه. هل الحارس أعز أم المحروس؟ المحروس دائماً أعز من الحارس، لأنه من الواضح أننا رضينا بأن شيئاً أعز من أنفسنا، قبلنا أن تكون بيتنا وعلمنا و... أعز من أنفسنا.
قال إريك فروم: تعالوا لننقد أحكامنا بالطريقة التي تحب الأديان. تقول الأديان: أعطوا أهمية للكيانات وليس للملكيات. وعندما نبدأ بإعطاء أهمية للكيانات وليس للملكيات، فهذا يعني أننا حتى لا نعطي أهمية لمعلوماتنا. انظر: «من أنت» وليس «ما الذي تملكه»؛ كيف حالك، وليس ما الأشياء التي تملكها. الآن انتبه، إذا أردنا الالتفات إلى هذه المسألة، يجب أن نميل فقط نحو «الأخلاق»[٦] وهذا يعني أن يجب علينا أن نخرج من «الفقه» و«علم الكلام» ونخوض في «الأخلاق». «الفقه» يعطينا الوجوبات والمحرمات الظاهرية وفي الحقيقة، و«علم الكلام» يلقي إلينا المعتقدات. لكن الوجوبات والمحرمات الظاهرية وكذلك المعتقدات كلاهما يخدم غاية واحدة وهي أن تكسبنا «خصائص أخلاقية معينة». في «علم الكلام» يقال لنا: الله موجود، الله عادل، الله الرحمن... والجنة والنار والقيامة... موجودة (من فئة الوجود وعدم الوجود). في «الفقه» يقال لنا: عمل كذا واجب أو حرام أو... (الوجوبات والمحرمات الظاهرية أي ما يظهر في أعضائنا وجوارحنا الظاهرة). لاحظ أن كل الوجودات وعدم الوجودات التي في «علم الكلام» وكل الوجوبات والمحرمات الظاهرية كلها تخدم أمراً ثالثاً. وتعرف ما هو هذا الأمر الثالث؟ عندما نقول: الأمور إما من فئة الوجود وعدم الوجود أو من فئة الوجوب والحظر (بحصر عقلي)، ثم ننجز حصراً عقلياً آخر بأن الوجوبات والمحرمات أيضاً من نوعين: وجوبات ومحرمات باطنية ووجوبات ومحرمات ظاهرية. وبما أنه حصر عقلي، فإن عدد الأقسام لا يتجاوز هذه الثلاثة:
1_ الوجود وعدم الوجود = علم الكلام
2_ الوجوب والحظر الظاهري = الفقه
3_ الوجوب والحظر الباطني = الأخلاق
هذا أن لنا في نطاق كل دين ثلاثة علوم رئيسية فقط لا أكثر: علم الكلام والفقه والأخلاق. لكن الحديث الجوهري هو: أي واحد من هذه الثلاثة له الأولوية؟ علم الكلام والفقه كلاهما يخدم الأخلاق. إذا قيل في علم الكلام إن الله والقيامة وما إليه موجودان، وقيل في الفقه لا تكذبوا و...، فكلا الصنفين يُلقي إلينا لكي نكتسب أخلاقاً معينة، يتحول باطننا، نحدث وضعاً جديداً في الداخل. إن الأخلاق وحدها فقط هي التي تتعامل مع «وجودنا». نحن في الأخلاق نصير «موجوداً جديداً». حين نخرج من الأخلاق، نواجه باستمرار أشياء جديدة، وعلينا أن نسعى دائماً ليكون لنا وجود جديد، لا أن نشعر بالندم على ما لم نملكه فيما سبق. إذا منحنا الدين «اتجاهاً» معيناً في الحياة، أو بتعبير آخر أعطى حياتي وحياتك «معنى آخر»، أو بتعبير ثالث جعلنا «موجوداً جديداً»، عندئذ قد تحققت وظيفته تجاهنا. أما إذا جعلنا الدين نملك أشياء جديدة فقط، فإننا حقاً لسنا متدينين. لقد نظرنا إلى الدين كنظام قانوني يريد أن يحافظ على مصالحنا. لكن إذا أعطانا الدين اتجاهاً، ومنح حياتنا معنى، فإننا بالمعنى الحقيقي متدينون. أنصح الأصدقاء بأن ينتبهوا إلى هذه الملكيات والوجودات. هذا بطبيعة الحال ليس الشيء الذي قاله إريك فروم للمرة الأولى. لقد صاغه بنحو منسق. إذا درستم كتابه هذا (الملكية والوجود) وآثاره الأخرى، ترون أننا معنوياً أقل مستوى ممن هو في مثل مستواه. نحن نغبط حال من لا يدعي الوصول إلى شيء، لكنهم مع ذلك أرقى منا. لكي تشعروا بصدمة نفسية (بالتعبير المعاصر) تدركون بها مدى تدننا، وحتى يتضح لكم هذا الأمر عقلياً أيضاً، فادرسوا كتب كيركجور وإريك فروم حتماً في هذين الاتجاهين.
[۱] عاش في القرن التاسع عشر وهو مؤسس مدرسة الوجودية. كان عارفاً بالمعنى الحقيقي للكلمة وكان له خوف من الله غريب الأطوار، وهذا هو السبب في أنه غادر الدنيا مبكراً جداً (في سن ۴۳ سنة).[۲] The golden rule[۳] من طرف العين[۴] Agent[۵] Spectator[۶] بمعنى آخر مختلف عما قلناه حتى الآن.
.
.
كن تقياً واحسن!
(ومن خطبة له عليه السلام. روي أن صاحبي أمير المؤمنين (ع) يقال له همام...) روي أن أحد أصحاب أمير المؤمنين اسمه همام وكان رجلاً عابداً، قال للإمام يوماً: صف لي المتقين حتى كأنني أراهم. اجعل الحديث حياً وناطقاً وموضحاً. توقف الإمام قليلاً وأظهر نوعاً من الثقل والوقار. (قال البعض إنهم عرفوا السبب. لكن في الحقيقة السبب غير واضح) ثم أعطى جواباً إجمالياً ليعتذر عن الجواب المفصل. فقال: اتق الله واحسن. ذكر صفتين: إحداهما أن تبرز التقوى تجاه الله والأخرى أن تحسن العمل. إذا انتبهتم، فالصفة الأولى تتعلق بالجانب الباطني للإنسان والصفة الثانية بالجانب الظاهري. أراد الإمام أن يقول: في الداخل كن تقياً وفي الخارج احسن. بتعبير آخر، لكي يكون العمل قيماً، يجب أن يكون له «حسن فعلي» و«حسن فاعلي». يشير الإمام بكلمة «التقوى» إلى الحسن الفاعلي وبكلمة «الإحسان» إلى الحسن الفعلي. وكان علماؤنا أيضاً يقولون إنه إذا أراد عمل أن يكون مرضياً لذات الله العليا، يجب أن يكون له خيران: ۱) الحسن الفعلي ۲) الحسن الفاعلي. الحسن الفعلي يعني أن يكون العمل من قبيل الواجبات أو من قبيل المستحبات أو من قبيل المباحات. في هذه الحالة، العمل بذاته خير بذاته. الأعمال التي تكون مكروهة أو حرام ليس لها حسن فعلي. الحسن الفاعلي يتعلق بفاعل العمل؛ أي أن الشخص بالإضافة إلى كون عمله ذا حسن فعلي، يجب أن يكون لديه نية صحيحة أيضاً. ظاهر العمل وجسده المادي، ليس كافياً لقبول ذلك العمل، بل المهم هو النية التي تنام خلف العمل. كما قال الرسول (ص): رب تال للقرآن والقرآن يلعنه! تلاوة القرآن لها حسن فعلي، لكن لا يُعلم دائماً أن يكون لها حسن فاعلي أيضاً. قد يسعى الشخص لأغراض غير إلهية. ثم يشير الإمام إلى آية من القرآن تقول: «إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون.»
أما همام فلم يرض بهذا القول وأصرّ حتى أقسم على الإمام أن يستمرّ في كلامه. فعندئذ استسلم الإمام وبعد حمد الله وثناؤه على الرب، وإرسال الصلوات على النبي، قال: إن الله تعالى خلق المخلوقات، لكن حينما كان يخلقها، كانت فيه تعالى صفتان: إحداهما أنه كان غنياً عن طاعة المخلوقات والأخرى أنه كان آمناً من معصيتهم. (يُسمّى الذنب معصية وعصياناً، لأن الذنب هو عصيان لأمر الله. لكن الذنب بمجرد كونه ذنباً ليس معصية وعصياناً، بل يتعلق الأمر بعلاقة الشخص الآثم بالله، فالذنب يصبح ذنباً، وإلا فالفرد قد أطاع بطريقة ما حتى في ذلك الذنب، لكن بالنسبة للنفس الأمّارة بالسوء).
إن الإمام يقول هذه الجملة ليبيّن أنني إذا أوصيتك بالتقوى، فليس لأخلق لله عبداً منك. إذا أخطأتم جميعاً فلن يقع غبار على جلال الله، وإذا أطعتم جميعاً فلا يستفيد الله منه شيئاً. أقول هذا لتعلموا أن منفعته تعود إليكم أنتم، لا إلى الله. لقد انتبه عرفاؤنا كثيراً جداً لهذه النقطة. كانوا يركّزون دائماً على غنى الله. والآن حينما يقول القرآن: «لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ»، فلماذا لا أجلب لنفسي النفع ولماذا أجلب لنفسي الضرر؟ إذا فهمنا هذا، سيكون السير في طريق الطاعة فعّالاً جداً. لكن ما دام هناك ريب قليل حول هذا الموضوع في ذهن الفرد، لن يفلح.
بل إن الله تعالى يؤكّد في القرآن أن الله لا يستفيد من الطاعة والمعصية فحسب، بل الأنبياء أيضاً لا يستفيدون شيئاً. «وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ، اتَّبِعُوا مَن لَّا يَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا وَهُم مُّهْتَدُونَ»... جاء رجل من أطراف المدينة مسرعاً وقال لقومه: اتبعوا هؤلاء المرسلين الذين تتحقق فيهم الصفتان اللتان تطلبونهما من كل مرشد. تلك الصفتان اللتان تدفعاننا لنستمع إلى نصيحة الناصح بكل وعي، تتمثلان أولاً في المعرفة، أي أنه لم يضع نفسه في الضلالة؛ بل يرى الطريق الذي ينصحك به برؤية كاملة. لديه معرفة كاملة ويتكلم عن بصيرة. لكن هذا غير كافٍ. يجب أن تكون هناك صفة ثانية وهي «النصح الخالص». يجب أن تتحقق هذه الصفة الثانية بشكل كامل. لكن ما هو النصح الخالص؟ أولاً، يجب أن يريد مصلحة الطرف الآخر وثانياً، يجب ألا يريد مصلحته هو. بهاتين الصفتين للنصح الخالص يكون كاملاً. الآن هذا الرجل ذكّر قومه بهاتين الصفتين وقال إن هؤلاء الأنبياء يتمتعون بهما معاً: لا يطلبون منكم أجراً في مقابل الهداية التي يدعونكم إليها (النصح الخالص) وأيضاً أنهم قد وجدوا الطريق بأنفسهم (المعرفة). هذه النقطة وردت في القرآن مرات عديدة. تقريباً بخصوص كل نبي من الستة وعشرين نبياً الذين ورد ذكرهم في القرآن، تكررت هذه الجملة.
إذاً، الله تعالى نفسه بطريق أولى «غَنِيٌّ عَن طَاعَتِهِمْ وَآمِنٌ مِّن مَّعْصِيَتِهِمْ». لماذا الله غني عن الطاعة وآمن من المعصية؟ يقولون: لأن من يعصيه لا يستطيع أن يضره، ومن يطيعه لا يستطيع أن ينفعه. إنه فوق النفع والضرر.
(فقسم بينهم ...) قسَّم الله بعد الخلق معايش الناس فيما بينهم، وأعطى كل مخلوق موضعاً في الدنيا. النقطة التي تشير إليها هذه الجملة قد وردت في عدة مواضع من القرآن؛ وخاصة في سورة الزخرف، الآيات 31 إلى 35، وردت أكمل من كل مكان آخر. تبدأ الآية برفع إشكال. كان للمنكرين للنبي استدلال، وهو أنهم يقولون: إذا كان فعلاً هناك رسالة تأتي من السماء، فلماذا لم تنزل على أحد أشراف مكة والمدينة، وعلى أحد الأعيان (أصحاب الأموال)؟ يقول القرآن: إنهم ظنوا أن رحمة الله من يقسمها؟ رحمة الله يجب أن يقسمها الله نفسه. المعطي هو الذي يجب أن يكون هو الموزّع. أعطى العلم لواحد، والثروة والشهرة والمحبوبية والجمال لآخرين، وكل هذا من باب الرحمة. حسناً، نعمة أخرى هي نعمة «النبوة» وأعطيها لمن أشاء. يقول القرآن: «نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا» نحن الذين نقسم المعايش. العبارة عند الإمام شبيهة بهذه العبارة. ثم يقول القرآن: نحن الذين نرفع بعضهم فوق بعض درجات. لماذا؟ «ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً» ليتمكن بعضهم من استخدام البعض الآخر. هنا يطرح بحث مهم، لكن ليس هنا موضع بحثه. لكن لتوضيح الموضوع أوجه الانتباه إلى ثلاث نقاط لتصبح المسألة مفهومة:
النقطة 1. أن قوله ترفع بعضهم فوق بعض درجات ليس مطلقاً. أي لم يقل أننا نعطي بعض الناس علماً أكثر، وجمالاً وقوة وغيرها أكثر، وناساً آخرين نعطيهم أقل من كل هذه الجوانب. بل نعطي قوماً علماً أكثر وآخرين علماً أقل. في المقابل، من أعطيناه علماً أقل نعطيه جمالاً أكثر، ومن أعطيناه علماً أكثر نعطيه جمالاً أقل، وهكذا. إن كنت أنا أقل منك في جانب أو جوانب، فأنا أتفوق عليك في جوانب أخرى، وأنت كذلك.
النقطة 2. إذا لم يكن الأمر كذلك، فلن تكون الحياة الاجتماعية ممكنة أصلاً. لأن هذه الجوانب من «التفوق» و«التأخر» موجودة، تصبح الحياة الاجتماعية ممكنة. في الحقيقة، المجتمع لا يملك خدماً وحسب أو مخدومين وحسب. كل إنسان هو خادم ومخدوم، وهذا هو محور الحياة الاجتماعية. لو كنا خداماً فقط أو مخدومين فقط، لو أرادت مجموعة أن تكون خدماً فقط وأرادت مجموعة أخرى أن تكون مخدومين فقط، لما تشكلت الحياة الاجتماعية أصلاً ليستمر بقاؤها. يجب أن تلتصق حاجتي وحاجتك بالبعض، إن لم توجد هذه الحاجة، لن نلتصق ببعضنا. لماذا؟ لأن حب الذات قوي جداً في الإنسان بحيث أنه ما لم يأتِ أمر أشد منه، لن ننشئ رابطة اجتماعية ببعضنا. لو كنا موجودين وحب الذات موجود، لأردنا كل شيء لأنفسنا. لذا خلق الله تعالى فينا شيئاً آخر، وهو أن لا أحد منا مكتفٍ بذاته، ولا سبيل آخر، لأننا لا نستطيع أن نعيش منفردين، فعلينا أن نقترب من بعضنا لتلبية حاجاتنا.
النقطة 3. تلك الرفعة في الدرجات هي «تكوينية» وليست «تشريعية». بالتالي، هذه الرفعة في الدرجات ليست مطلقاً تبريراً للاستغلال والظلم، وهذا غاية الأهمية. إذا رأيتم التاريخ الثقافي الغربي، أو على الأقل إذا اطلعتم على كتب ماركس، فإن أحد الأمور التي ساقته نحو الاتجاه المعادي للدين هو أن الكهنة كانوا يقولون فعلاً وجداً: بما أن الله خلق الجميع مختلفين، دع هذا الاختلاف يستمر. أي دع الأغنياء يستمرون في استغلال الفقراء. كتب أحد هؤلاء الكهنة مقالة في معارضة مشروع قانون مضمونه ينطوي على إزالة أو على الأقل تقليل الفجوة الطبقية. قال فيها: نحن نريد أن نعارض عمل الله. الله نفسه أراد أن نكون مختلفين، ومن أجل هذا يأتي باستدلالات خادعة. عندئذ يقول ماركس: انظروا، هؤلاء هم رجال الدين. هؤلاء هم الذين يؤيدون الاستغلال.
كان هناك أشخاص يفسرون هذه الآيات بالطريقة ذاتها ولا يعتبرونها قابلة للدفاع. لكن هذه الآيات تطرح الحاجات التكوينية، وليس لها شأن بالحاجات التشريعية. تقول هذه الآيات إنه في مقام التكوين، خلقناكم بطريقة تبقى فيها هذه الحاجات قائمة. لكن أشخاصاً مثل ذلك القس يريدون الإساءة في استخدامها. والإساءات التي تأتي من استخدام ما أعطاه الله تكويناً لشخص ما، لا تتعلق بالتكوين ذاته. فإن أساء شخص في استخدام الجمال والقوة وما أعطاه الله إياه في اتجاه التفوق والظلم وما شابه، فلا علاقة لذلك بتلك النعمة الإلهية. إن ما يسبب الظلم والإجحاف وعدم العدالة ليس هو التفاوتات التكوينية ذاتها، بل الإساءة في استخدام تلك التفاوتات هي التي تسبب الظلم. هذه الإساءات تقع في مجال «التشريع».
[۱] انتبه إلى أن أسس الحمد والمدح والشكر والثناء في اللغة العربية بينها اختلاف، وإن كانت في آفاق واحدة. سأذكر هذا الاختلاف في موضع مناسب من البحث.[۲] الصلاة: التبريك. السلام والسلام والصلاة دعاء بالخير والسلام يدل على الشكر والتقدير.[۳] المعيشة في اللغة العربية، كمصدر ميمي، بمعنى العيش أي الحياة، لكن بالإضافة إلى ذلك تعني ضروريات الحياة أيضاً.[۴] الأنانية النفسية.
.
.
الطيران بهذه الأجنحة الصغيرة
من أوجه القصور في أدبنا العرفاني وحتى الديني أنهم يصورون لنا دائماً وضعاً مثالياً وساحراً جداً، لكنهم لا يقولون لنا: كيف يمكنكم الوصول إلى هذا الوضع؟ كان سعدي يقول: عاشقة بكل العالم لأن كل العالم منه. حسناً، فالسؤال هو: ماذا يجب أن نفعل لنصل إلى هذه الحالة؟ كيف يمكن أن نحب كل العالم؟ لا يقولون هذا، وهذا ما يجعلنا في الحرمان واليأس. يتم رفع هذا القصور حين نكتب لنصوصنا العرفانية «علماً نفسياً عرفانياً» و«سلوكاً عرفانياً» أيضاً، بحيث نعرض الطريق. نتيجة الموعظة هي إظهار مراحل ودرجات سلوك الطريق، لكن بدون علم نفس عرفاني وسلوك عرفاني، يحدث فقط الطرب والشوق والحماس، لكن لا نتيجة له لأن أقدامنا مقيدة في الحقيقة.
انظر: من بين الكتب التي انتشرت كثيراً بعد الثورة كانت كتب «الدكتور كاستانيدا» التي تتضمن تعاليم «دون خوان». إن كون هذه الكتب من أكثر الكتب توزيعاً قد يكون له عوامل متعددة. لكن أهم عامل في رأيي هو أنها لا تحتوي فقط على صور ساحرة، بل تقول: إن أردتم الوصول إلى حيث وصلت يجب عليكم أن تقوموا خطوة خطوة بالأعمال التي أخبركم عنها. هذه الكتب مصحوبة بعلم نفس عرفاني وسلوك عرفاني، وهذا مهم في السلوك الروحي.
لاحظ أن الوصول إلى درجات قيمة جداً يتم عن طريق أعمال تبدو تافهة جداً. يجب أن نخطو هذه الخطوات الصغيرة. هذه الخطوات الصغيرة ذاتها تحمل الشخص تدريجياً معنوياً. لا يمكن أبداً الوصول إلى الدرجات العالية بخطوات كبيرة ومفاجئة. يقول الإمام علي (ع): أحياناً ترى المعنوية تهجم عليك، هذا الهجوم هو ثمرة تلك الخطوات البطيئة.
الأمر الثاني هو أن تصورنا يقوم على أنه للتحول إلى كائن معنوي يجب أن يحدث للإنسان تحول ثوري، وهذا يحدث فوراً. نحن ننتظر حدث ما يقع، حلماً نرى... وبعدها يحدث ذلك التحول المعنوي فينا.
إلا الإنسانُ النادرُ جداً جداً لم يستطع أن يسير في هذا الطريق، وذلك أيضاً يحتاج إلى توضيح. فإذن هذه الأمور كلها «تدريجية الوصول». والثورة الروحية الفجائية لا يمكن تبريرها لا في الفلسفة ولا في التجربة. من هذه الناحية، حكاية قصص مثل قصة فضيل بن عياض التي نادراً ما نجد له مثيلاً في التاريخ تؤثر سلباً على الناس. لماذا؟ لأننا حينئذٍ نقول: نحن لسنا أسوأ من فضيل، فنحن أيضاً ننتظر تلك اللحظة، وغالباً لا تحدث تلك اللحظة. لا تقل لنفسك أبداً إنني «سأصبح إنساناً صالحاً من غد»، فإن قلت هذا فلن تصبح صالحاً أبداً، بل قل «يجب أن أصبح إنساناً أفضل غداً». الذي يدخن خمسين سيجارة يومياً لا ينبغي أن يقول: من غد لن أمس السيجار، بل ليقل: غداً سأدخن تسعة وأربعين سيجارة. هذا هو سر نجاحه. ولأن البعض يبحثون عن الثورة الفجائية، فإن التوصيات في نهج البلاغة تبدو لهم عادية. لكن هذه هي الدقائق والرقائق التي تقودنا إلى المتقين. انظر، أبو ذر يتحدث عن «صيرورته أبا ذر»، يقول: لم أكن أتجاوز على أموال الفقراء، ولم أكذب، وكنت أحب الوحدة. هذه هي الدقائق التي هي منبع الثورات الروحية العظيمة.
إن كان لديكم معرفة بكتب العرفاء والكتب الأخلاقية لبعض الأخلاقيين، مثل الكتب الأخلاقية للرواقيين، أو إن كنتم تتعاملون مع بعض النصوص المقدسة في الأديان الأخرى – مثل الهندوسية والبوذية – فمثلاً إن كنتم تتعاملون مع كتب «الأوبانيشادات» و«الذمة بده»، فسيخطر على بالكم وهمٌ، وهو: لماذا لا توجود هذه الروعة والجلالة التي تتمتع بها هذه النصوص في القرآن والروايات؟ فحينما يقول الإمام علي: كن متواضعاً، والاقتصاد والاعتدال، والعدل... أين هذه من المعاني السامية التي كان يقولها عين القاضي أو مولانا؟
انتبهوا إلى أن أحداً لا يستطيع أن يخطو خطوة كبيرة جداً، فالخطوة الكبيرة ما هي إلا خطوات صغيرة. هذه الخطوات الصغيرة هي التي تسفر عن الخطوة الكبيرة. من الإشكالات التي ترِد على الكثير من العرفاء هي أنهم يريننا مناظر جميلة جداً، لكنهم لا يقولون كيف يمكن الوصول إليها. يجب أن يريونا الحال المطلوب وأن يقولوا كيف يمكن الانتقال من الحال الموجود غير المطلوب إلى الحال المطلوب غير الموجود.[۲] وكذلك الحال في العلوم الاجتماعية. ألم يكن هناك من رسم المدينة الفاضلة والأوطوبيا؟ لكن لماذا فشلوا؟ لأنهم عجزوا عن بيان الطريق. الآن هذه المسألة موجودة بطريق أولى في المسائل الأخلاقية. ادرسوا كتب رسائل عين القاضي الهمذاني أو ديوان الشمس، فمن المستحيل ألا تشعروا بالتأثر من الحال التي تصورها، وألا ينشأ فيكم نوع من الطلب والاشتياق. لكن إن سألتموهم «كيف؟» ترون أنهم لا يملكون أية توصية. الآن، إن القرآن والروايات قد تطرقا إلى التفاصيل لأنهما أرادا بيان الطريق من الحال غير المطلوب الموجود إلى الحال المطلوب غير الموجود. بناءً عليه، لا يجب أن تقارنا بالكتب العرفانية وما شابهها. لأن الذي يبين الطريق يخدم أكثر من الذي يريك الحديقة الخضراء فقط ويتركك في الشوق والطلب.
«فالمتقون فيها أهل الفضائل» أي فضائل؟
«منطقهم الصواب»؛ كلامهم صواب. طبعاً تعلمون أن الكلام الصدق يختلف عن الكلام الصواب. ليس كل كلام صدق صواباً، لكن بالتأكيد كل كلام صواب هو صدق. إن كان الكلام حقاً، فيجب أن يكون في محله أيضاً، وهكذا الكلام يكون صواباً مجموعاً. ملاحظة: الكلام الصواب له خمس خصائص:
1_ لا يوجد في الكلام الصواب أي كذب.
2_ في الكلام الصواب كل ما يقال هو حق (مطابق للواقع)
3_ يقال كل الحقيقة، لا بعض الحقيقة، لأن قول بعض الحقيقة أسوأ من الكذب؛ لأن الكذب يُكتشف عاجلاً أم آجلاً لكن هذا لا يُكتشف. (أن أقول إني كنت تلميذ فلان، صحيح، لكن يجب أن أقول «وما زلت تلميذه». لأنه في الحالة الأولى ربما يُتوهم أنني لم أعد بحاجة إلى التعليم، وربما تفوقت على أستاذي). هذا هو قول كل الحقيقة الذي له أهمية كبيرة جداً، وإلا أولئك الذين يكذبون يفعلون عملاً سفيهاً، لأن الكذب يُكتشف عاجلاً أم آجلاً[۳]
4_ يجب أن يكون الكلام الصواب في وقت الضرورة (في موضعه) وبمقدار الضرورة. أؤكد بشدة أن لا شيء يعكر روح الإنسان مثل الكثرة في الكلام؛ لا شيء يُغرق روح الإنسان في الظلمات مثل الكثرة في الكلام. قال الإمام علي (عليه السلام) في موضع من نهج البلاغة: «اجتنبوا الإكثار من الكلام، فإن من أكثر الكلام أكثر الخطأ، ومن أكثر الخطأ أكثرت عليه الغفلة، ومن كثرت عليه الغفلة قلّ حياؤه، ومن قلّ حياؤه قلّ خوفه، ومن قلّ خوفه هلك».
يقول لنا العرفاء إن الأصل هو عدم الكلام؛ والاستثناء هو الكلام. لكننا عادة نعتقد العكس. نعتقد أن من يسبق الآخرين في الكلام هو الأفضل. لكن من فهم أكثر قيمة الصمت هو الأعلم. حتى النبي، على الرغم من أن كلامه لم يكن إلا إرشاداً، كان يقول: «إذا تكلمت اسودّ قلبي»، مع أن كلامه لم يكن فيه خطأ أو عدم صواب، ولهذا كان يقول: «أستغفر الله في اليوم سبعين مرة من كلامي». هذا يدل على أن الكلام نفسه، حتى لو كان في وقته وبمقداره، يجلب الظلمة؛ فكيف إذا كان في هذا الكلام ألف شائبة نفسية وإرادات شيطانية. لذا أوصيكم بأن تتحلوا بأقصى درجات البخل في هذا المجال. يقول أحد الكبار: «أتعجب من الذين يبخلون في كل شيء، لكنهم في الكلام هم الأسخى من الجميع». بلا شك، مع ما قلناه، عندما يأتي وقت الكلام، يجب أن ينطق بمقدار الضرورة. في الحقيقة، إن عدم الكلام في وقت الضرورة هو نفسه ذنب يرفع قيمة كل صمت آخر.
۵. الكلام الصواب لا ينبغي أن يدعو أحداً إليّ، بل يجب أن يكون سبباً في الدعوة إلى «الآخر». لاحظوا لماذا يقول الإمام عن نفسه: «أنا آية الله العظمى»، أنا آية الله الكبرى. يجب أن نكون جميعاً آيات الله. «الآية» تعني «اللوحة»، أي «العلامة» و«الدلالة». لسوء الحظ نحن لسنا لوحات. لأن اللوحة تقول: انظر إليّ لكن لا تريني، بل انظر الطريق من خلالي. بعبارة أخرى: لا تنظر إليّ بل انظر معي. من ينظر إلى اللوحة ويركز عليها فقد خالف الغرض الحقيقي. الذي ينتفع باللوحة هو من لا يركز عليها؛ يلقي عليها نظرة واحدة ويفهم ما يجب أن يفهمه. ينظر مع اللوحة إلى الطريق. إذاً يجب النظر إلى الطريق. قول الإمام إنني لوحة الله يعني أنني لا أدعو أحداً إلى نفسي. لكن كلامنا نحن عادة ما يجذب الآخرين إلى «أنفسنا» وليس إلى «الحق» ولا إلى «الواجب». نحن عندما نتكلم نشعر بنقص في أنفسنا، فنتكلم لجذب الانتباه. لكن قال ذلك العارف الكبير: «تكلم لتخفي نفسك»، وهذه هي خاصية أن تكون لوحة. الإمام كلما تحدث عن نفسه، فوراً كان يلفت الانتباه إلى أن هذا الكلام إنما قلته لتعلموا أنه يمكن من هنا الوصول إلى مكان آخر.
«ملبسهم الاقتصاد[۴]»؛ ملبسهم المعتدل. (نفترض المعنى العادي للملبس) ارتداء الملبس المعتدل فيه فوائد عديدة. الملبس المعتدل يعني الذي ليس أقل من حد الناس المتوسط ولا أعلى، وترتتب عليه آثار كثيرة جداً. أوصيكم بألا ترتدوا أبداً ملابس فوق أو تحت حد الناس المتوسط، وبألا تحبوها. لا تحبوا عزة أنفسكم وذلة الآخرين، وكذلك لا تحبوا ذلة أنفسكم وتعظم الآخرين؛ فالأولى ضرر يترتب على الملبس فوق الحد المتوسط، والثانية ضرر يترتب على الملبس تحت الحد المتوسط. هاتان ضررا الملبس فوق وتحت الحد المتوسط الرئيسيان، وسأذكر الأضرار الأخرى.
يريد الإسلام منا ألا نكون مثل الأعلين ولا مثل الأدنين، بل أن نكون مثل الناس. كان خليل بن أحمد يقول: «اللهم اجعلني عندك من أحسن الناس وعند الناس مثل الناس وعند نفسي من أرذل الناس»، أريد يا إلهي ثلاث حالات، أريد أنه كلما نظرت إليّ أن تراني أفضل العباد، وكلما نظرت إلى نفسي أن أرى نفسي أرذل من الجميع، وكلما نظر إليّ الناس أن لا يروني أدنى ولا أعلى. هذا دعاء مهم جداً ومسألة ذات أهمية أن نعرف أن لدينا ثلاثة ناظرين في الحياة: الله، ونفسي، والناس الآخرون، وحسن أن يكون لهؤلاء الناظرين الثلاثة رؤى مختلفة. يجب السير في هذه الاتجاهات الثلاثة.
أما قولهم «عند الناس مثل الناس»، فسبب ذلك أنني إن رأوني فوقهم أظهروا التواضع تجاهي، وإن رأوني دونهم مارسوا الكبر عليّ وأذلّوني. مع أن التواضع يجب أن يكون أمام الله، والعبد لا ينبغي أن يُذلّ. فلماذا، إذا كنا حتى أغنياء، لا نرتدي ملابس فوق الحد المتوسط، ولماذا لا نرتدي ملابس أقل من الحد المتوسط؟ إن ارتدينا ملابس أقل من مستوى ملابس الناس العادية، فإن الناس، وخاصة أولئك الذين يواجهونني في الشارع، سيعتبرونني شخصاً تافهاً. هذا هو الأثر الأول من آثار لباسي الرثّ: أنكم تعتبرونني شخصاً تافهاً. لا تقولوا إن هذا الحكم الذي يصدره الناس عليّ بناءً على لباسي هو حكم خاطئ. لا يجب أن نحكم هكذا. بل، لا يجب فعلاً، لكن هذا الحكم موجود. من الناحية الدينية، لا يجب أن أصدر حكماً سيئاً على شخص ما بناءً على ملابسه، وهذا صحيح. لكن هل يفعل الناس هذا أم لا يفعلونه في كل الأعصار والأزمان والأماكن؟ سأضرب مثالاً آخر: إن رأيت أنك تتردد على مجلس ليس له سمعة طيبة، فليس لي حقاً من الناحية الشرعية أن أعتبرك شخصاً لا مبالياً وما إلى ذلك، لأنه قيل: «اجتنبوا كثيراً من الظن». هذا صحيح، لكن من جهة أخرى قيل: «اتقوا مظان التهم». تجنبوا الأماكن التي لن تحصلوا على حكم حسن بسبب ذهابكم إليها. إذن كلا القولين صحيح. لقد قيل لي أن لا أصدر أحكاماً سيئة، وقيل لكم أن لا تفعلوا ما يجعلكم محل تهمة. لا تفعلوا ما يثير سوء الظن لدى الناس عادة. التوافق بين هذا المثال وكلامنا هو أنه من جهة لا يجب أن نحكم على الناس بناءً على ملابسهم، لكن الناس عادة يفعلون ذلك، وبما أن الحال كذلك، فليس لنا الحق في ارتداء ملابس أقل من الحد المتوسط. (بالطبع إن أتسعت حالتنا المالية لذلك). هذا ضرر أول: لا يمكن أن أقول إنني أحافظ على كرامتي في داخلي، فالكرامة التي يجب أن تحافظوا عليها هي التي يجب أن تعتبروها بأنفسكم، وكثير من الكرامات تتحقق في العلاقات الاجتماعية بين الأفراد. النتائج المترتبة على هذا الحكم الخاطئ من الناس هي أنهم لا يصغون إلى كلامي، ولا يقيمون وزناً لأحكامي. لا يولون أهمية لرضائي أو سخطي. وجودي وعدمي يصبح متساوياً تقريباً، بل قد أقول في بعض الأحيان إن وجودي يزعجهم. في الإسلام قيل إن المؤمن يجب أن يقدّر نفسه من الناحية النفسية، وخارجياً لا يجب أن يعتبر نفسه مذلولاً من قبل الآخرين. حتى من هذه الناحية قيل إن لا نكثر من المزاح. من أوجه أهمية عدم المزاح الكثير، هو أنه عندما يكثر الشخص من المزاح، الناس لا يأخذونه مأخذ الجد بعد ذلك. هذا النوع من فقدان الكرامة غير مباح في الإسلام. من هذا الجهب، كره الفقهاء وغيرهم من العارفين أعمال الصوفية الملامتية. كانوا يقولون: كل شيء يجعلني حقيراً في نظر الآخرين يؤدي إلى زوال العجب عني. لذا كانوا يسعون إلى كل شيء من هذا القبيل، وبما أن العجب أعظم داء روحي، كانوا يقولون نحن نلجأ إلى أي علاج. كان الفقهاء يقولون: نعم، يجب أن نزيل العجب، لكن عندما تزيلون العجب بهذه الطريقة، تفقدون شيئاً آخر أيضاً وهو الكرامة. يجب أن نزيل العجب بطريقة أخرى. قال لأمام جعفر الصادق(ع) شخص ما: لماذا ترتدي ملابس فاخرة؟ فأرخى الإمام تفتاح قميصه وأظهر أنه كان يرتدي تحتها ملابس خشنة، وقال: لقد ارتديتها لنفسي كي لا أتكاسل، لكنني ارتديتها للناس كي تبقى كرامتي محفوظة.
أما لماذا لا يجب أن نرتدي ملابس فوق الحد المتوسط؟ لأن لذلك آثاراً سيئة جداً جداً، خاصة عندما ننظر في الجوانب المعيشية للأمر. أولاً: قد شجعنا على ذلك حتى يشعر الآخرون بالذل تجاهه، ويشعر هو بالعجب تجاهم. لماذا نسلم الساحة للآخرين حتى يصبحوا أذلاء في أيدينا؟ ارتداء الملابس الفاخرة والأرستقراطية يؤدي إلى أن: أ. ينشأ نوع من الإعجاب بالنفس فينا و ب. يرى الآخرون أنفسهم أذلاء أمامنا. أي أن العجب يكون منّا والذل يكون منهم.
هناك دليل آخر يجب أن يُقال في هذا المعنى، وهو أنه عندما نرتدي ملابس فاخرة، فإن الآخرين الذين لا يستطيعون ارتداء هذا النوع من الملابس يشعرون بالضيق من وضعهم. إذا لم نستطع أن نجلب للناس الرفاهية المادية، فلنجلب على الأقل الرفاهية النفسية. كانوا يقولون للإمام علي(ع): أنت بهذا الوضع لا تستطيع مساعدة الفقراء، فلا تستطيع أن تنقذ كل الفقراء من الفقر، وبهذه الطريقة لن يتم القضاء على الفقر من جذوره، فلماذا تُلبس أطفالك ملابس متوسطة؟ مع أن لديك القدرة المالية لتُلبسهم ملابس أفضل. فقال الإمام: نعم، لديّ القدرة، لكن إذا قالت امرأة لزوجها: لماذا لا تُلبس أطفالك أحذية أفضل؟ فيستطيع أن يقول: إن أطفال علي يرتدون نفس النوع من الأحذية والملابس. لكن هل هذا القول يزيل فقرهم المادي؟ هل يوفر لهم أحذية؟ كلا، لكن على الأقل يزيل عنهم الألم النفسي. والحقيقة أنه حتى لو تعاون جميعنا معاً، لا نستطيع أن نقضي على الفقر المادي من وجه الأرض بالكامل. لكن على الأقل يمكننا أن نعيش بطريقة تجعل حياة الفقراء محتملة لهم. على الأقل لا نكن سبباً في معاناة الفقراء.
لقد قلت مراراً: لا تظنوا أن «السوء» هو ما جاء تحت عنوان السوء في الفقه، فإذا كنت بملابس أو حذاء أو نوع من الترف معين، إذا جعلت الوضع البائس للفقراء غير محتمل لهم، فهذا ليس جناية صغيرة. يقول راسل في أحد كتبه جملة جميلة؛ اليوم يفعل الناس أموراً من الناحية الفقهية لا يمكن القول إنها أمور سيئة، لكن كل إنسان له ضمير يفهم أن الأمر غير قابل للتبرير على الإطلاق. إذا لم أستطع القضاء على الفقر، فعلى الأقل أرتدي ملابس وأعيش بطريقة لا يشعر الآخرون معي بفارق كبير في المرتبة، فهذا الفارق في المرتبة هو الذي يجعل الحياة غير محتملة. هذا مهم جداً. هذا من أعظم الظلم الإنساني والأخلاقي. الواقعية تقتضي أن نقبل أولاً أن الفقر المادي لا يمكن القضاء عليه جذرياً. وثانياً أن الفقر المعنوي يمكن القضاء عليه. إذا لم تُعطِ المال، فلا تُعرِّض لهم غناك. الرفاهية المعنوية لهم في يدك. أترك تفصيل هذا الموضوع لحكمتك أنت، كن أنت متابعاً لهذه القضية وانظر كم من الظلم غير المقصود نفعله من هذه الناحية.
المسألة الأخرى هنا هي أنه عندما تشتري ملابس فاخرة، تشتري بيتاً للترف، تشتري سيارة وغيرها أفضل، بأي ثمن تحصل عليها؟ إذا كنت تريد هذه الأشياء بصرف وقت أقل وجهد أقل، فعليك أن تستسلم لآلاف التلويثات (الربا، الرياء، الغش، الغلاء وغيرها)، واعلم أنه "لا يستحق أن يكون العالم في يديك، لكن تفقد روحك"[۶] وهذا خسران عظيم أن تبيع روحك للشيطان في مقابل الدنيا. لكن إذا أردت أن تكتسب هذا الثروة الأكبر بوقت وجهد عادي، أليس من العار أن نعطي العمر وفي المقابل نأخذ سلعة؟ في كل شراء لا يجب أن تسأل: كم اشتريت؟ بل يجب أن تسأل: بكم ساعة اشتريت؟ كل سلعة هي تبلور ساعات من حياتنا. هل وصلنا إلى هنا لنأخذ السلع؟ نحن في كل اكتسابنا الحلال - وليس في الحرام - نعطي بشكل دائم وقتنا وعمرنا. كان سروش يقول: إنني حتى أتعجب من البائعين بالزهور. يا بائع الزهور، لماذا تأخذ النقود بدلاً من الزهور؟ أيستحق أن نعطي زهرة وفي المقابل نأخذ نقوداً؟ الذين وصلوا إلى أعلى مراتب العالم، فهموا جيداً أنه لا يستحق أن نعطي العمر وفي المقابل نأخذ السلع. فما الطريق إذاً؟ قالوا: "الضرورة تقدر بأقدارها"؛ إذا كنت تريد أن تعيش حياة ضرورية، فالضرورة لها قيمة، فخذ بقدر الضرورة، لا أكثر من اللازم. بقول الإمام علي(ع) في موضع آخر: اعطِ العمر فقط في مقابل ما هو أثمن من العمر. اعطِ العمر وخذ المعنويات، هذه صفقة جيدة.
يقولون إن الفارابي كان يمشي في أسواق بغداد (التي كانت في ذلك الوقت "أم المدن" في العالم وعروس مدن العالم) ويقول: ما أكثر السلع هنا التي لا أحتاجها. حسناً، كان الفارابي يعلم أن الذين يملكون هذه السلع يعيشون حياة أحسن منه. لكن العيش الأحسن لا يعني العيش الأفضل. المتعة طالما لم تتناقض مع الصلاح، فلا مانع منها. لكن أكثر المتع تتناقض مع الصلاح.
النقطة الأخرى التي يمكن قولها في هذا الصدد هي أنك في الحياة تكون دائماً في منافسة مع الآخرين. القرآن أيضاً قبل أن تكون ساحة الحياة مسابقة: «فاستبقوا الخيرات». لكن اترك المسابقة في الخيرات. لقد أرسلت المسابقة في الترف إلى ممر وقناة أخرى. لم يقولوا لا تكن جشعاً، قالوا وجّه الجشع إلى المسار الصحيح. لأن الإنسان جشع بطبعه، عندما ترى ملابس فاخرة على جسد شخص ما، تقول يجب أن أتنافس في هذا الاتجاه وعندما تقع المنافسات في هذه القناة، إلى أين تنتهي هذه الحلقة؟ هذا مثل أنني في ضوضاء حتى يصل صوتي إليك، أتحدث بصوت عالٍ، حسناً الآخرون أيضاً لكي يصل صوتهم إلى الآذان، يتحدثون بصوت أعلى وهكذا يستمر الأمر. الآن بما أننا بطبعنا نحب المنافسة، لماذا نتنافس في اتجاه ليس له نهاية ولا فائز وبطل؟ سواء انتصرنا ظاهراً أم خسرنا، فقد خسرنا. لماذا لا نتنافس في التواضع (التواضع الباطني الذي لا نعتبر أنفسنا فوقك حقاً، وليس التواضع الزائف وهو نوع من الكبر)؟ لماذا لا نتنافس في الأمور الروحية، بحيث نستفيد جميعاً منها؟ بحسب قول الفلاسفة، الدنيا دار تزاحم. في الدنيا شيء واحد لا يكون من اثنين في آن واحد؛ لكن في الأمور الروحية يمكن لشيء واحد أن يكون ملكاً لنا جميعاً في نفس الوقت. لكن في الأمور المادية الحياة الفاخرة الظاهرية لا تحتمل من قبل الآخرين، فيسعون للعلو عليك، ثم تسعى أنت للعلو عليهم و... وإلى أين نصل؟ فقط عندما نصحو لأن الموت قد جاء إلينا.
الآن هذه النقاط التي توجد بخصوص اللباس، نكررها في جميع الأمور. كان خليل بن أحمد يقول باستمرار: «يا إلهي اجعل بحيث عندما تنظر إليّ، تريني من أفضل عبادك (التنافس في الخيرات والأمور الروحية) وعندما أنظر إلى نفسي، أرى نفسي من أسوأ العباد وعندما ينظر الناس إليّ، يرونني مثلهم.» إذا رآنا هؤلاء الثلاثة الناظرون بهذه الطريقة، تصبح الحياة مرغوبة. بخصوص الناظر الأول (الله) نصبح أفضل العباد عندما نتنافس في الأمور الروحية، وبخصوص الناظر الثاني (النفس) يجب أن نرى أنفسنا حقاً أقل من الآخرين. لأننا لا نعرف ما بداخل الآخرين، لكننا نعرف ما بداخلنا. البستان الذي نراه في داخلنا، الذي فيه ذبول وآفات. لذلك يجب أن نعطي احتمالاً مؤكداً بأن بستان داخل الآخرين أعمر من بستان داخلنا. هذا يجعلنا نرى أنفسنا حقاً أقل من الآخرين. أن نعرف أنفسنا حقاً أتضع من الآخرين، لأننا نرى تضاعنا. كما يقول ذلك العارف حتى لا يرى نفسه أتضع من قاتل ولي الله، لأنه لا يُعلم ما يقطعه من تقلبات إلى وقت الموت وما تقطعه أنت. لا يوجد سوء يمكن القول أنه يبقى سوءاً إلى آخر العمر ولا خير يمكن القول أنه يبقى خيراً إلى آخر العمر، لا يوجد ضمان في أي اتجاه. هذا ما جعل يعقوب يقول لأبنائه: «ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون» ولم يقل آمنوا لأنه لا يوجد ضمان بأننا سنكون مسلمين عند الموت. الآن متى وقت الموت؟ لا يُعلم. لذلك يجب أن نبقي أنفسنا دائماً في حالة الإسلام.
بخصوص الناظر الثالث (الناس) توجد نفس هذه النقاشات التي ذكرتها. إذاً ترى أن هذه الوصية التي تبدو صغيرة وسطحية، ما أهميتها! نفس الأمر ينطبق على التواضع أيضاً.
«و مشيهم التواضع»؛ إن أخذت «مشي» بمعناها الحقيقي، فمعنى العبارة «يسيرون بتواضع»، وإن أخذتها بمعناها المجازي، فمعناها «يتحلون برفتار متواضع». والتواضع بالطبع يختلف عن أن يصغر الإنسان نفسه أمام الآخرين. أحياناً نصغر أنفسنا أمام الآخرين لنحصل على شيء في حوزتهم. لكن هذا في الحقيقة ذل وليس تواضع. أنا بداخلي فرعون، لكن بما أنني وقفت أمام فرعون أقوى، أتواضع، وأكثر تواضعنا مداهنة. بداخلي ذئب، لكن كل ذئب يذل نفسه أمام ذئب أقوى. نحن لا نريد، على قول هوبز، أن يكون الإنسان ذئباً للإنسان، نريد أن يكون الإنسان صديقاً للإنسان. كان أمير المؤمنين(ع) يوصي بالتواضع وكان متواضعاً أيضاً. هو نفسه الذي كان يقول: «إن أحبني جبل تفتت لحبي». كان يعتز بنفسه إلى هذا الحد، لكنه كان يظهر سلوكاً دائماً يدل على أنه كان يقلل من شأن نفسه حقاً. مع أنه كان يعتز بنفسه في موضعها، لأن عبد الله إنما يكون ذليلاً أمام الله وحده. كان أصحاب أمير المؤمنين يقولون إنه كان يبتسم لنا دائماً، لكن هيبته لم تعطنا جرأة على الكلام. وقد قيل عن الإمام السجاد(ع) أنه كان يخفض بصره على الأرض من فرط الحياء، لكن الآخرين كانوا أيضاً يخفضون بصرهم أمام هيبته. الحرم تحدثه هيبتهم. خلق هذا الحرم يختلف عن أن يخلقه الشخص نفسه. مثلاً يقول: بما أنني أستاذ، يجب أن أجلس في الصف الأول من المجلس. لخلق الحرم طريقان: الأول أن شخصيتك، سواء أراد الآخرون أم لم يريدوا، تخلق لك حرماً. والثاني أن تريد أنت بنفسك، من خلال أعمال معينة، أن تخلق لنفسك حرماً، وهذا ضار.
[۱]. كلية اللاهوت بجامعة طهران، السنة ۶۹-۷۰[۲] في هذه الأمور يمكنكم أن ترجعوا إلى كتاب "الطريق والحق" (ذمه پده). هذا الكتاب واحد من الكتب المقدسة في الشرق (الصين والهند واليابان وغيرها). في هذا الكتاب تُصوَّر حالات جميلة بحيث يشعر المريد بحلاوتها في حلق روحه. لكنه يريهم فقط بستاناً مثمراً ولا يبين لهم الطريق للوصول إليه.[۳] السؤال: أهذا هو التورية نفسه؟ الأستاذ: بشأن التورية يمكن أن يكون لنا تقويم فقهي وتقويم أخلاقي. لا يجب أبداً أن نعتبر ما جاء في الفقه مطابقاً لما جاء في الأخلاق. إذا أسسنا وجهاً شرعياً للتورية، فإنه يؤدي فقط إلى أن التورية لا تسبب لك عقاباً، لكننا في الأخلاق نريد أكثر من مجرد عدم التعرض للعقاب والحصول على الثواب. إن قول أمير المؤمنين علي (عليه السلام): إنني لا أستوحش من الدخول إلى جهنم بقدر ما أستوحش من أن يعرف الناس أن الاقتراب من الله شيء أسمى من عدم الدخول إلى جهنم. قد يحدث أن لا يدخل إنسان جهنم لكنه لا ينال الاقتراب من الله. ما نريده في الأخلاق هو أن نصبح إنساناً أكمل، لا نريد أن يكون كل عمل وفقاً للمعايير الفقهية فقط. لا يمكن لإنسان أن يعمل طول عمره وفقاً للمعايير الفقهية ثم يكون في أسفل السافلين من جهنم؟ ألا يمكن لإنسان أن يصلي ويدفع الخمس طول عمره من الرياء وغيره ولا ينال أي فائدة؟ قلت مراراً إن من يسحق أيدي وأقدام أنا وأنت ويؤذي الناس هنا وهناك وغيره... لكنه يصل إلى الصف الأول من المصلين، فإنه في الحقيقة قد فدى الأخلاق بالفقه. من يقول، وفقاً لقول أحد عرفاء الغرب: ائتني بكتاب دعائي لأدعو، فقد قال جملة متناقضة (وإن لم تكن تناقضاً منطقياً). فأي فائدة يجني من الدعاء؟ هناك جمل لا تحتوي على تناقض منطقي، لكنها متناقضة تماماً في مقام العمل. نحن هنا لا نعنى بالحيل والتفاصيل التي قيلت لتجعل ظاهر حياتنا فقهياً. نحن مشغولون بهم أن نغادر هذا العالم أكمل مما جئنا إليه. بالطبع أكمل الأشياء يتطلب شرطاً أن نعيش حياة فقهية أيضاً، لكنه ليس شرطاً كافياً. (العيش الفقهي يعني أن نعيش كما ينصح الفقهاء) قلت مراراً إن الإسلام والكفر من حيث الطريقة الفقهية ليسا بالضرورة منجياً ومهلكاً. هل الإسلام من الناحية الفقهية ينال إلا بالشهادتين؟ لكن هل هو كامل من الناحية الروحية أيضاً؟ الإسلام من الناحية الفقهية لا يضمن نجاتك، والكفر من الناحية الفقهية ليس بالضرورة مهلكاً. الإسلام والكفر من الناحية الفقهية يناسبان فقط النظام الاجتماعي للمسلمين، لكن الهلاك والنجاة في مكان آخر. أنا أحب أن أكون على هذا النحو وأنصحكم أيضاً أن "لا تتعاملوا أبداً مع الروحانيات بطريقة تجارية". من يتعامل مع الروحانيات بطريقة تجارية لا يفهم من الروحانيات إلا توضيح المسائل. انتبهوا لما يقول الإمام فافعلوه وما يقول فلا تفعلوه، هذا ليس خمس مسائل فقهية؛ الإمام يتحدث فوق الفقه. هل رأيتم مع كل هذا الحزن والذوبان الذي يفعلونه، هل قالوا مرة: لماذا لا تغسلون جيداً؟ في كل هذا الوصف للمتقين، أي جزء منه حكم فقهي؟ الحكم الفقهي أقل جداً من ما يحتاجه الإنسان، لكنه بالطبع ضروري بذاته لكن كل احتياجنا ليس فيه.[۴]. الاقتصاد في اللغة العربية الأصيلة بمعنى "الاعتدال" أو "السير في الوسط". لقمان قال لابنه: {واقصد في مشيك}. اسر في طريقك بالوسط. الاقتصاد في ذلك الوقت هو ما نسميه اليوم بـ "الاعتدال".[۵]. لاحظوا أن المعدل المتوسط في زمن أمير المؤمنين علي (عليه السلام) كان منخفضاً جداً. منذ زمن معاوية ارتفع المعدل المتوسط بسبب الفتوحات التي حدثت والغنائم التي جرت.[۶]. أنصحكم بمشاهدة مسرحية "فاوست" لغوته. فيها يصور جيداً كيف يبيع الإنسان روحه أحياناً ليحصل على العالم في المقابل.
.
.
كل شيء ينبثق من داخلك
«غضوا ابصارهم عما حرم الله عليهم» يغضون أبصارهم عما حرم الله عليهم. لاحظوا أن "غض البصر" غير "إغلاق العين". وقد جاء في القرآن أيضاً أن "اغضضوا من أبصاركم". غض يعني أن نحول البصر من الجهة التي فيها الحرام إلى جهة أخرى. عادة ما يُطلب منا أن نكون غاضي الطرف، وهذا يعني غض البصر وليس إغلاق العين.
ينبغي أن أذكّر ملاحظة بشأن النظر. إنّ قولهم لا تنظروا إلى الأجنبيات ليس لأنّنا نلحق الضرر بهنّ. كلا، بل لأننا نلحق الضرر بأنفسنا. والأمر كذلك في الحجاب. يظن البعض أنهم عندما يراعون الحجاب يخدمون الآخرين. لكن الأمر ليس كذلك. من ترتدي الملابس اللائقة تخدم نفسها. وبالمثل، من لا تنظر إلى الأجنبي لا تخدم الأجنبي، بل تخدم نفسها فحسب. إذا أصابنا ضرر أو نلنا نفعاً، فمن جهة أنفسنا وأعمالنا. يجب أن ننتبه كثيراً إلى هذه النقطة: إذا فعلنا ما يجب أن نفعله، وظللنا دائماً نعي ما نفعله بأنفسنا، فلن يلحق بنا الآخرون ضرراً، والعجيب هنا أننا لا ننتبه أساساً للأضرار التي نلحقها بأنفسنا. لا نشعر بألم، لا نعاني، ودائماً نتوهم أن الآخرين يلحقون بنا الضرر. بعبارة أخرى، المنافع والأضرار من جهة أعمالنا الاختيارية، لا من جهة ما ليس في اختيارنا. هذا ما يؤكده العرفاء من كل المدارس والعرفاء عندنا أيضاً: أنكم تنتفعون وتتضررون من جهة أعمالكم الاختيارية فحسب ولا شيء غير ذلك. أي أنكم لا تتعرضون للنفع والضرر من جهة أعمالكم غير الاختيارية وأعمال الآخرين الاختيارية. هذه الأشياء لا تحط بنا ولا ترفعنا.
إذاً، عندما يقول الإمام: "يغضون أبصارهم عما حرم الله عليهم" فهم يمنّون على أنفسهم لا على غيرهم. والآن انتبهوا أن (لا أريد الخوض في البحث الفقهي) الممنوع هو النظر بسوء القصد. النظر المحض ليس ممنوعاً. قد لا أنظر، لكن بقول القرآن في قلبي مرض، أطمع من خلال الكلام مع الأجنبية. إذا لم يكن الطمع موجوداً، فلا النظر ولا الكلام ولا السماع محظور. لكن إذا دخل الطمع، فحتى لو لم ينظر، فهو محظور. أن نراقب ما يجري في قلوبنا هذا عمل أخلاقي وليس من عمل الفقه، لأنه يقول لا تنظروا بريبة. قيل هذا من أجل "الريبة" وليس من أجل "كون النظر نظراً" وعلاوة على ذلك قيل لا تسمعوا بريبة أيضاً، وهذا متعلق بالقلب.
«وَوَقَفُوا آذَانَهُم عَلَى العِلْمِ النَّافِعِ لَهُم» آذانهم موقوفة، مختصة على العلم الذي يكون نافعاً لهم. أي أولاً إن كان الكلام العلمي لا يضيف معارف جديدة إلى معارفهم السابقة فإنهم لا يستمعون إليه؛ لا يستمعون للأقوال الفارغة والعقيمة، وثانياً يستمعون إلى العلم النافع. في الإسلام العلم ليس له قداسة بمجرد كونه علماً؛ بل له قداسته من خلال الفوائد التي تترتب عليه. في الإسلام قيل إن العلم قد يكون نافعاً وقد يكون ضاراً. العلم في ذاته محايد وينبغي أن تُلحظ النتائج التي تترتب عليه. فالعلم النافع هو العلم الذي يترتب عليه منفعة دنيوية أو أخروية. طبعاً قد اعتقد البعض أن العلم مقدس بسبب أنه كشف عن الواقع، دون الالتفات إلى ضرره أو نفعه. في دعاء ما بعد صلاة الظهر يوجد دعاء نستجير فيه من العلم الذي يضر. السؤال هو: كيف يمكن للعلم بمعنى الكشف عن الواقع أن يضر؟ يمكن أن يضر في حالتين: ١. حينما لا يترتب على ذلك العلم لا منفعة دنيوية ولا أخروية. لا يحل أي مشكلة دنيوية أو أخروية. هذا النوع من الضرر يعود على العلم ذاته. ٢. حينما يكون العلم ضاراً، لكن ليس من جهة العلم ذاته، بل من جهة الشخص المتعلم. من جهة الوعاء الذي سيُصب العلم فيه. لكننا نملك أوعية مختلفة (قصة سلمان وأبي ذر). ليس الحال أن ما ينفع شخصاً ينفع الآخرين. إن كان المعيار أن العلم ينبغي أن يحمل نفعاً، فيجب أن نرى لمن ينفع ولمن لا ينفع. كان العرفاء يقولون إنه يجب أن يكون لدينا نمطان من التعليم: نمط من التعليمات الخارجية يمكن أن تكون عامة وفي متناول الجميع، ونمط من التعليمات الخاصة التي تتطلب حفظ السر. وبالتالي العلم من جهة أنه لم يُوضع في الوعاء الصحيح، يمكن أن يكون ضاراً. في رأيي أحد نقاط ضعف الثقافة الحديثة للغرب أنها ترى جميع البشر سواسية. تقول إذا كان هناك كلام يستحق أن يُقال، فيجب أن يُقال للجميع، وإذا لم يستحق أن يُقال فلا يجب أن يُقال لأحد. هذه الرؤية الإنسانوية لا تلتفت إلى التفاوت في أحوال الناس، بل ترى الجميع على طريقة واحدة. لكن من الناحية الدينية الأمر ليس كذلك. كان الإمام السجاد (عليه السلام) يقول إنني أختار الأفراد بعناية وأتحدث معهم بما يناسبهم. الآن ثمة فرق بين هذين الضررين. الضرر الأول يجب أن يعرفه المتعلم والضرر الثاني يجب أن يدركه المعلم[١].
«نزلت أنفسهم في البلاء كالتي نزلت في الرخاء» المتقون في وقت البلاء والشدة مثل غيرهم في وقت الرخاء والآسة. كما أن الناس العاديين في الرخاء يستريحون، فإنهم في وقت الشدة يستريحون. بالنسبة لنا الراحة معلقة بآستنا؛ إذا كنا مرتاحين، نستريح، لكن المتقين سواء كانوا في بلاء أو رخاء لا يفقدون الطمأنينة والوقار[۲]. حتى وإن كانوا مضطربين ظاهراً، فقدوا عملهم، وقعوا في مشقة وما إلى ذلك، فإنهم لا يفقدون سكون واستقرار القلب. من أهم العناصر الأخلاقية الرواقية هذا بالذات: يُنصح أن تفعل شيئاً ما بحيث لا يكون استقرارك معلقاً بآسة جسدك. اقطع هذه الصلة. أي أن ما يجري في قلبك لا يجب أن يكون معلقاً بما يحدث لجسدك. من أبرز العلماء ذوي النظر القوي جداً والمتقدمين من جهة العرفان، الشيخ محمد حسين الغروي الأصفهاني (أستاذ العلامة الطباطبائي في الفلسفة والأصول). قلما وصل أحد إلى هذه الدرجة من الكمال في الرأي والعمل. كان والده من التجار بمعنى ما عالمياً، وكان غنياً جداً. بعد وفاة والده، انتقلت كل الثروة إليه، فأنفقها جميعاً في طلب العلم والطلاب وأعطاها للآخرين. ينقل عنه مشهدان: الأول أنه بينما كان في الطريق، سقط من يده سبحة ثمينة وسقطت. يقولون إنه لم يعد حتى لينظر إليها. كأنه خجل أن ينحني ويرفعها من الأرض. المشهد الثاني حين اشترى بصلاً وكان يحمله إلى البيت، فانفتحت فجأة منديل كان يحتوي على البصل وتناثر البصل. فانحنى وجمع البصل! سأله من رأى المشهدين: كيف كنت حينئذ وكيف أنت الآن؟ أقسم برسول الله علي بن أبي طالب(ع) أن حالي حينئذ والآن لم يختلف قيد ذرة. يعني: لم أجعل استقراري الداخلي معلقاً بآسي الخارجي. الوصول إلى هذه الحالة، وهي بحق جديرة بالتوصية، صعب جداً. يمكن أن نرى المثال الكامل جداً لهذا الأمر في حضرة الإمام. لم أر أحداً مثله كي لا تؤثر الأمور الخارجية مطلقاً على استقراره الداخلي. كان الإمام يفكر فقط: إذا أديت واجبي، فأنا مستقر. أما ما يحدث في الخارج، فليحدث؛ وإذا لم أؤد واجبي، فأنا غير مستقر، والخارج مرة أخرى غير ذي أهمية. إذا بلغت إلى هذه النقطة وهي أن ما يجب فقط وفقط أن يجلب لك الاستقرار أو ينزعه عنك هو أداء الواجب وعدم أداء الواجب. إذا أديت عملك، استقررت ولو «من منجنيق الفلك ينهمر حجر الفتنة». الخارج لا يعطيني استقراراً ولا ينزعه عني. الأحوال والأوضاع الخارجية لا تجلب حلاوة وشعفاً داخلياً. اعلم أن من يملك نعمة دنيوية، يستلذها الآخرون أكثر؛ بخلاف النعم المعنوية التي ينتفع بها الشخص نفسه. هذه نقطة مهمة جداً جداً، فانتبه: أي شيء يعطيك لذة وأي شيء يعطي اللذة للآخرين. إن كان دنيوياً، فأنت لا تنال اللذة التي يستلذها الآخرون، وإن كان معنوياً، فالآخرون لا ينالون اللذة التي تستلذها أنت. يجب أن نصل يوماً ما إلى أن نقطع صلتنا بالواقع، وهذا يعني أن لا نتأثر بالواقع. لكن بما أننا نسعى لأداء الواجب، فإننا نؤثر على الواقع. إذن، استقرارنا يجب ألا يكون معلقاً بأمر خارجي، بل يجب أن يكون معلقاً بأداء الواجب.
«و لولا الأجل الذي كُتب لهم لم تستقر أرواحهم في أجسادهم طرفة عين شوقاً إلى الثواب و خوفاً من العقاب» فقط الموت أبقاهم هنا. لولا القهر الذي يفرضه الموت، لما بقيت أرواحهم في أجسادهم للحظة. لولا القتيّة المقررة من قبل الأجل المحتوم، ما كانوا ليبقوا للحظة في الدنيا. لماذا؟ لسببين: أحدهما أن الثواب يشوقهم للرحيل، والآخر أن العقاب يثير فيهم خوفاً شديداً جداً. الخوف من العقاب يجعلهم يودون مغادرة هذا الجسد من شدة الفزع، ومن جهة أخرى فإن الشوق إلى الثواب لا يترك لهم ميلاً للبقاء في الدنيا. يقول حضرة علي(ع) في موضع آخر: أوصيكم بخمسة أشياء، إن تسيّروا عليها طوال عمركم بجنب الإبل، لاستحقت المشقة. إن أنفقتم العمر كله في السفر لنيل هذه الخمسة، لاستحقت. الآن انتبهوا، فالتأكيد الذي يُوكّد إنما يوكّده شخص ليس فيه جهل ولا طمع ولا سوء نية. بالتأكيد تحت تأكيده دقائق مختفية لا يمكن نيلها بالطريقة العادية. (التأكيد كثير في الجمل):
١. لا يليق بأحد منكم أن يعلّق قلبه بموجود ما سوى الله تعالى، ولا أن يرجو من موجود آخر شيئاً؛ فكونوا آيسين من الجميع، لأن ما لا يكون خالداً لا يستحق التعلّق به.
٢. لا يخافنّ أحد منكم إلا من ذنبه. الخوف من الله الذي ورد في القرآن ليس في الواقع خوفاً من الله، بل هو خوف من عدله، وهو في الحقيقة خوف من ذنوبنا نحن. ما يُلقينا في التراب الأسود هو إثمنا. الله ليس موجوداً مخيفاً. الله موجود نعلّق به قلوبنا ونحبّه.
٣. إذا سُئل أحدكم عن شيء لا يعلمه، فلا يستحيِ أن يقول: لا أعلم. قال علي (عليه السلام): من نسي "لا أعلم" سار إلى حتفه.
٤. وحالما تدركوا أنكم لا تعلمون شيئاً، لا تستحيوا من السؤال.
٥. كونوا صابرين، فإن الصبر في الحياة كالرأس في الجسد. كما أن لا خير في جسد بلا رأس، كذلك لا فائدة في الإيمان بلا صبر. فاعملوا بالصبر في أموركم.
ما يستوقف نظرنا هو الجزء الأول والثاني من هذه الوصية. إنهم يعلّقون الآمال بالله وحده، ويخافون من ذنوبهم. المتقون بتعبير القرآن لا يملكون "تثاقل إلى الأرض"؛ لم يَثقلوا على الأرض؛ لم يصبحوا ثقيلين على الأرض، بل هم مثل ورقة تنهض بأقل نسيم، وليسوا كحجر ثقيل لا تحرّكه العاصفة. كان هناك أناس تحرّكهم جملة واحدة. همّام نفسه كان من هؤلاء الأشخاص. كان مثل ورقة خفيفة هبّت عليها نسائم كلام الإمام فرفعته عن الأرض.
يقول الإمام السجاد: "الهم إني أعوذ بك من العين الجامدة". العين التي لا تذرف دموعاً هي لمن يثقل على الأرض؛ لا شيء يرفعه. كان علي (عليه السلام) يقول لأصحابه: لماذا أنتم على هذه الحالة؟ لماذا لستم مثل أصحاب النبي؟ كانوا بحيث إذا تحدّث النبي انهمرت الدموع من أعينهم، وإذا رأيتهم من الخلف لرأيت أكتافهم فقط ترتعش من شدة البكاء. الآن عدم امتلاك هذا "التثاقل إلى الأرض" له علامات، إحداها أن الأشخاص الموصوفين بهذه الصفة، بالقول المشهور، دموعهم تنهمر بسهولة، ولولا خشية الرياء لما توقفوا عن البكاء؛ والبكاء ينبع من لطافة الروح ورؤية عظمة الذنب.
"عظم الخالق في أنفسهم فصغر ما دونه في أعينهم". لأن الله قد عظم في نفوسهم، صغّرت سائر الأمور في أعينهم.
ملحوظة: ليس صحيحاً أن كل وصف يكون للماديات يكون للمجردات أيضاً. من بين اختلافات الماديات والمجردات، هناك اختلافان جوهريان يستحقان الاهتمام في بحثنا، وهما: أولاً، في الماديات لا يمكن أن يكون الشيء ألف قريباً من الشيء باء، بينما الشيء باء بعيد من الشيء ألف؛ هذا محال. لكننا رأينا أن الله تعالى هو أقرب موجود إلينا - "نحن أقرب إليه من حبل الوريد" - لكننا نحن بعيدون منه. وفي موضع آخر من القرآن يقول الله: "إن الله يحول بين المرء وقلبه"، أي الله يحول بين القلب وصاحبه، بمعنى أنك أقرب إلى الله منك إلى قلبك. الآن ربما تقولون: كيف يمكن أن يكون الله قريباً منا إلى هذه الدرجة ونكون نحن بعيدين عنه إلى هذا الحد؟ حتى النبي يقول: "ما عرفناك حق معرفتك"، كيف يمكن لمثل هذا الشيء أن يكون؟ هذا لأن العلاقة التي بين أمرين ماديين غير العلاقة التي بين أمرين مجردين أو بين أمر مجرد وآخر مادي. في مثل هذه الحالات يكون هذا ممكناً. ثانياً، الاختلاف الثاني بين الماديات والمجردات هو أن الماديات إذا كانت صغيرة فهي صغيرة، وإذا كانت كبيرة فهي كبيرة. لا يمكن أن نقول إن هذا الكتاب مثلاً يكون صغيراً أحياناً وكبيراً أحياناً أخرى. الماديات لا تستطيع أن تملك صفات متضادة، لكن هذا ليس كذلك في الأمور المجردة. الله صغير في نظر البعض وكبير في نظر البعض، وأعظم في نظر آخرين، وأعظم الكل في نظر آخرين. لا يمكن أن نقول إن لله عظمة يدركها الجميع وليس هناك ما هو أعظم منها ولا ما هو أصغر. لله في قلب كل شخص عظمة وعزة خاصة به.
يقول الإمام: إن الله قد عظُم في نفوس المتقين، لأن كل واحد منا يُدرك الأمور بقدر سعة وجوده. ثم يقول: وإذا كان الأمر كذلك، فكل شيء آخر يصغر في أعينهم. نحن لا نستطيع أن نذم الدنيا دائماً عند الذين تحت تعليمنا. بهذا العمل لا تصبح الدنيا حقيرة عنده. إذا أردتم أن تصبح الدنيا حقيرة، فيجب أن تريه شيئاً أكبر من الدنيا. إذا أخذ طفلك قلمك، مهما قلت له: أعطِ، لن يعطيك، بل يمسكه بقوة أكثر؛ يجب أن تريه شيئاً أجمل، حينئذ لا حاجة لتقول: أعطِ، فهو بنفسه سيفتح يده ويترك القلم. لكننا دائماً نقول: الدنيا سيئة والطرف الآخر مثل هذا الطفل الذي يمسك الدنيا بقبضته؛ لن يتركها، يجب أن تريه شيئاً أفضل من الدنيا. الإمام أيضاً يقول أولاً: «عظم الخالق ...» ثم يقول: «فصغر ...»؛ فنتيجة تعظيم الله في نظره هي تصغير الأشياء الأخرى في عينيه؛ وطالما أن الدنيا حلوة في نفس روحنا، فلن نتركها.
من هذا المنظور، طريقة العرفاء أفضل من طريقة الفقهاء. العرفاء يريان لي ولك حديقة أجمل أولاً، فيترتب على ذلك أننا نترك ما التصقنا به بشدة دون أي أداب وترتيب. أما الفقهاء فيقولون: يجب أن تصلي أولاً وتصوم و... ثم تدخل الحديقة. الفقهاء يريدون أن يضربوا القناة من الخارج إلى الداخل، لكن يجب أن تضرب من الداخل إلى الخارج. من طريق الآداب والأعمال الظاهرة لا يمكن جر الفرد إلى الروحانية. يجب أولاً أن تثير في قلب الآخرين محبة لله؛ يجب أن تري أولاً حدائق أخضر من الدنيا، حينئذ الفرد نفسه يسأل: كيف أصوم أفضل صيام. لا حاجة بعد ذلك إلى إلقاء شيء من الخارج. هذا مثل حين تنبع عين من الداخل وحين ننحن أنفسنا نصب الماء في بئر ونقول: تعالوا خذوه. يجب أن نفعل ما يجعل شيئاً ينبع من داخل الناس. ما نفعله من الخارج لا يفيد أحداً ولا ينفعه، إلى أن يصير في نظرنا الإقبال والإدبار من الله عظيماً، نحن وإقبال الناس وإدبارهم؛ الشهرة في نظرنا والثروة والعظمة المادية في نظرنا عظيمة. نحن أيضاً مثل الأطفال، إذا فهمنا قيمة الإقبال والإدبار من الله، تركنا إقبال الناس وإدبارهم. هذه النقطة مهمة جداً في التعليم والتربية أيضاً.
«فهم والجنة كمن قدرها فهم فيها منعمون وهم والنار كمن قدرها فهم فيها معذبون». هذه نقطة مهمة جداً، وإذا أخذتم هذا الخطاب من الإمام، فهذا كافٍ. النقطة هي أن: «الآخرة ليست إلا باطن الدنيا». صفات الآخرة هي في الحقيقة حقيقة الدنيا. يقول الإمام: المتقون لا ينظرون إلى الجنة على أنها شيء سيحدث في المستقبل. هم يجدونها الآن ويستفيدون من نعيمها، والنار أيضاً بنفس الطريقة. إذا وجدتم هذا، فقد استقبلتم رسالة جميع الأديان والمدارس العرفانية. أي أن تدركوا أن «الجنة ليست إلا تجسد روحك أنت والنار ليست إلا تجسد روحك أنت». الجنة والنار ليستا مكاناً تأخذاننا إليه في المستقبل. المدارس العرفانية دائماً تقول: «اطلب من نفسك كل ما تشاء لأنك أنت»، ليس هناك شيء خارجك؛ لا تظن أن السرور والحزن في مكان آخر. السرور والحزن ينبعان من داخلك؛ إذا لم يكن لديك سرور، لا أحد يستطيع أن يعطيك إياه. مولانا كان يقول: تصور حيواناً دخلت الشوكة في قدمه، بدلاً من أن يرى الشوكة دخلت إلى أين ويسحبها للخارج، يطرق الأرض بقدمه دائماً ويدفع الشوكة أعمق في قدمه. الآن إذا كنا سعداء أو حزينين، يجب أن نرى أي شيء من الداخل جعلنا سعداء أو حزينين. لكننا دائماً نذهب وراء الأسباب والعوامل الخارجية. إذا كنا سعداء من الداخل، لا شيء خارجي يستطيع أن يجعلنا حزينين. أن القرآن يقول: «إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون»، رمزه هو أن أولياء الله سعداء من الداخل. يجب أن نراقب دائماً داخلنا. الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال شيئاً قريباً من هذا المعنى: إذا كان لديك لؤلؤة في يدك وقال الجميع إن لديك جوزة في يدك، هل تحزن؟ إذا كان الحال معكوساً، كان لديك جوزة وقال الجميع إن لديك لؤلؤة، هل تسعد؟ لا، لأنك تعلم بنفسك ما في يدك. الآن نحن لدينا جوزة من الداخل وننظر إلى من يقول: لديك لؤلؤة ونظن أن هذا سيجعلنا سعداء. لكن هذا خطأ. إذا أردنا أن نعبر عن هذا الكلام بلسان ديني، سنقول: الآخرة ليست إلا باطن الدنيا.
للعلامة الطباطبائي استدلال تحت الآية «يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ غَافِلُونَ» مفاده أن هذه الآية تحتوي على تقابلين: ۱٫ يعلمون ولا يعلمون (يعلمون وغافلون)؛ ۲٫ ظاهراً من الحياة الدنيا والآخرة؛ أي أن الآخرة هي باطن الدنيا. لأنه يقول: إنهم يفهمون ظاهر الدنيا لكنهم لا يعلمون الآخرة. والصفات التي يذكرونها للآخرة يثبتونها بطريقة الباطنية للدنيا. مثلاً يقولون: إن العالم بلا عمل في يوم القيامة يضيء من حوله بالنور بينما هو في الداخل مظلم. حسناً، هذه الصفة هي نفسها الدنيا. كثيرون من العلماء يهتدي الناس بعلمهم لكنهم أنفسهم لا يهتدون؛ فهم في الظلمات لكنهم يبثون النور للآخرين. وإحدى صفات الآخرة هي أن كل إنسان مشغول بنفسه. بهذه الصفة، إذا كانت الآخرة هي باطن الدنيا، فيتضح أننا في الدنيا على هذا الحال. أي اعلموا أن لا أحد مشغول بكم. لقد قلت مراراً أن الله قد طلّى الحياة الدنيا بطلاء. تماماً كما يفعل إنسان بجدران منزل قديم حين يضع ورق الجدران عليها لكي تُباع. هذا الطلاء للحياة الدنيوية لا يجب أن يخدعنا. لقد وضع هذا الطلاء لكي يتمكن الإنسان من الحياة في الدنيا. وفي الوقت ذاته، طُلب منا أن ننظر إلى باطنه. مرة واحدة فقط أزل شيئاً من هذا الطلاء وورق الجدران وانظر إلى باطن هذا الجدار وشاهد مدى الخراب. إحدى طلاءات هذه الحياة هي أننا نتوهم أن أحداً مشغول بنا، كلا، كل إنسان مشغول بنفسه. إذا قالوا إن الآخرة هكذا، معنى ذلك أن باطن الدنيا هكذا، غير أنك تتعامل مع ظاهر الدنيا.
العرفاء أثبتوا أن الإنسان وحيد في الدنيا. نعم، إذا قارناه بالله فهو ليس وحيداً، بل منفصلاً، وقد أدرك هذه الحالة الثنائية. اعلموا أنه كلما ازداد إدراككم لهذه النقطة، كنتم أكثر نجاحاً في السير العرفاني. لقد قلت مراراً أن إحدى الفروقات بين التصور العرفاني والتصور الإيجودي للقرن الحديث (الماهية الوجودية الحديثة) هي أن الإيجودية تعتبر الإنسان وحيداً. لكن التصور العرفاني يقول: نعم، هو وحيد بالمقارنة مع الإنسان الآخرين، لكن إذا قارنته بالله وقسته على علاقته بالله، فليس هناك وحدة؛ بل هناك انفصال. أي أن لي من أتصل به لكنني بعيد عنه. هذا الابتعاد يجب إزالته. الآن إذا وجدت عين البصيرة الباطنية للدنيا، تشعر أن كل إنسان يسعى وراء نفعه في الدنيا؛ فاسعَ أنت أيضاً وراء نفعك.
النقطة الثانية هي أن لا تضيعوا الحق من أجل صديق أو عدو. إذا لاحظت أن لا أحد قد أفادك، وبالتالي لست مديناً لأحد، فلن تضيع الحق. لماذا من أجل الحزبية والتفصيل والعصبية نضيع الحق؟ أنا أتصور أن الناس يعودون علي بنفع، فمن أجل الرضا والسخط من الناس أتاجر بالربا وآخذ الرشوة وأرفع الأسعار و…. القرآن يقول: عندما تعرضون عن الله تصبحون كلحم سقط من السماء وكل طائر يقطع منه قطعة بمنقاره. عندما يصل هذا اللحم إلى الأرض، لم يعد في الواقع لحماً؛ فقد صار كله طعماً لمناقير الطيور. الإنسان الذي يعرض عن الله يأخذون منه الآخرون بمناقيرهم لكنه لا يشعر بذلك. نحن بالغش والافتراء والغيبة و… نفقد أجزاء من وجودنا[۴]. إن باطن الدنيا كونها الآخرة، إحداها أننا نعلم أننا وحيدون.
في وصف الآخرة قالوا حتى يدك وقدمك يشهدان عليك. هذا معناه أن يدك وقدمك غيرك. أنا وأنت نعتبر يدنا وقدمنا «أنفسنا». نحن نتصور أن وجهنا هو «أنا»، بينما حتى في الدنيا هذه تشهد ضدنا. أنا في تعجب كبير من الناس الذين يجعلونني «نفسي» ويصلون إلى غير نفسي. أي أنك تفسد رأسمالك لكي تعمر ما ليس «أنت». السعاة كانوا يسعون لكي يفهموا ما هو «نفسك»، ثم يقولون: لا تعتبر سوى نفع هذا «النفس». بالطبع، يجب الانتباه هنا إلى أن من يفيد «الآخر»، في الحقيقة يفيد «النفس». لا نقول لا تفيدوا الآخرين، لكن إذا كان غرضك فقط إفادة الآخرين فانتبه إلى نقطتين:
1_ عندما تقصد خدمة «الآخرين»، فاعلم أنك تخدم «النفس».
2_ حين تخدم ذاتك، فلا تتوقع المكافأة من الآخرين. وقد قيل للنبي أيضاً: أولاً، اعلم أن كل خدمة تقدمها للآخرين فأنت في الحقيقة تخدم ذاتك: «لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ» وثانياً، لا تظن أن هذه الخدمة التي تقدمها للآخرين تعتمد على حالك. كلا، بل تعتمد على الآخرين. عندما يدرس المعلم الدرس، أي أنه يضع تحت تصرفهم ما يستطيعون أن ينتفعوا به. أما هل ينتفعون مما قاله أم لا، فذلك غير معروف؛ فهذا يعتمد على الآخرين أنفسهم. لذا في الحقيقة، النبي لم ينفعكم، بل أنتم أنفسكم من خدمتم ذواتكم بقبولكم خدمته. إذاً من انتفع بالهداية خدم نفسه فعلاً، ومن لم ينتفع بالهداية أضر بنفسه. فالمعلم، لأنه ينوي الخدمة، يعمر ذاته فعلاً من خلال هذه النية، لكن الآخرين يمكنهم أن يعمروا أنفسهم أو لا يعمروها.
كان مولانا يقول إن العالم مثل مدينة بغداد - وهي مثل يُضرب لمدينة تعم فيها النعم وتُعتبر «أم المدن» - إن آلاف الناس يدخلون إلى هذه المدينة من السفن، لكن النحاسين يذهبون إلى سوق النحاسين، والصاغة يذهبون إلى الذهب، و... لكن حماراً يذهب خلف قشرة شمام وقعت في الطريق بالقرب من الميناء، وينكب برأسه عليها. فهل هذا تقصير بغداد أنه يذهب خلف قشرة الشمام؟ الله هو «بغداد» العالم، الله هو كل شيء. لكني أنا من رضي بقشرة الشمام، فآخرون استهوتهم المدارس أو النحاس أو الذهب أو... وحيث إن الله هو بغداد العالم، فالناس الإلهيون أيضاً بغداد العالم - أي أنهم يعرضون أنفسهم. لكن الأمر يعتمد على ما نختار أن نأخذه من هذه البغداد المعروضة. بحسب تعبير مولانا الذي قال: «يا يوسف حسن الاسم / تمضي بخير على سطحنا»، الله هو «يوسفنا حسن الاسم» الذي يمشي باستمرار على سطحنا. الأمر يعتمد على ما إذا كنا ندعوه ليدخل منزلنا؛ من يدخل منزلنا ومن لا يدخل يعتمد على أنفسنا. النبي هو أيضاً «رحمة للعالمين» مثل الله نفسه، لكن عندما لا نستفيد منه أنا وأنت ماذا يحدث؟ لاحظ أنه عندما يدخل المعلم الفصل، يقول واحد إن علمه جيد، وآخر إن بيانه كان جيداً، وثالث يقول...، ورابع يقول مثلاً إن شعره كان بهذا الشكل! المعلم نفسه لم يقل انظروا إلى علمي أو بياني أو شعري. المعلم عرض نفسه بنية الخدمة، وبما أنه هكذا، فقد حقق مكسبه. أما ما إذا حققتم أنتم مكسباً أم لا، فذلك يعود إليكم أنتم. كل من يكون إلهياً يكون بنحو ما «بغدادياً»؛ كل شيء يوجد فيهم. وهذا ما جعل البعض ينظرون إلى النبي ويقولون حسب القرآن: ما هذا النبي الذي يأكل الطعام ويمشي في الأسواق؟ هذا كل ما كانوا يرون في النبي.
الآن بناءً على هذا الأساس نقول إن «الإيثار» في جوهره ليس «إيثاراً». بالطبع عندما أحتاج إلى شيء ما وأهبه لآخر، فقد آثرت. لكن عندما تكون «نفسي المادية» ملتقية بـ «نفسك المادية» ومقارنة، فأنا أخذت من «نفسي المادية» وأعطيت «لنفسك المادية». لكن إذا دخلت «نفسي المعنوية» فقد عززت «نفسي» فعلاً. الربح المعنوي من الإيثار هو لي. في سورة الدهر حيث يبيّن الله قصة علي وأهله وينوّه بهم، يقول: عندما كانوا يعطون كانوا يقولون إننا لا نريد منكم مكافأة ولا شكوراً. حسناً إذا اعتبرنا «نفسهم المادية» نعم، فقد فدوا «نفسهم المادية»، آثروا. لكن أنهم لا يريدون جزاء وشكراً هو لأنهم كانوا يقولون إننا نخاف من يوم القيامة أن يقال لنا لماذا لم تفعلوا؟ إذاً هم مرة أخرى يحسبون حسابهم بأنفسهم. لكن أي نفس؟ «النفس المعنوية» وليس النفس المادية. يمكن عدم الإيثار، لكننا نريد ألا ننخفض معنوياً. وبالتالي عندما يكون الأمر كذلك فالإيثار لم يعد «إيثاراً»، بل هو «اختيار للذات».
إذاً عندما تكون هذه «الذوات» هي ذوات ما قبل الأساس، يكتسب الإيثار معنى. لكن إذا كانت الذات ذاتاً ما بعد الأساس فحتى النبي يحقق مكسبه، لأنه من خلال الهداية وتأدية الواجب فقط يقترب من الله.
فعندما نقول إنه إذا نظرنا إلى باطن العالم فإننا جميعاً وحدانيون، لا يعني هذا أن الأب لا يساعد الابن أو الابنة لا تساعد الأم أو... بل يساعد، لكن في الباطن الجميع يبحثون عن مصلحتهم. فأنت أيضاً ابحث عن مصلحتك. لكن انتبه: من أنت أنت حتى تفهم فيم تكمن مصلحتك؟
خطأنا هو أننا أخطأنا في فهم «الذات». كان مولوي يقول: كان هناك من عمل في التجارة والعمل مدة طويلة حتى أثرى، ثم اشترى أرضاً وقرر أن يبني عليها قصراً. بعد خمس أو ست سنوات ذهب وببعض المال الذي كسبه بجهد شاق بنى قصراً. وعندما أراد أن يذهب إليه، اكتشف أنه بنى البيت على أرض أخرى بالخطأ! كان مولوي يقول: هناك أرضان متجاورتان، إحداهما «أرض الجسد» والأخرى «أرض الروح». لقد عملنا طوال حياتنا على عمارة «أرض الجسد»:
لا تبن بيتاً في أرض الغير اعمل عملك لا تعمل عمل الغير
من الغير؟ جسدك الترابي أنت لأجله وجودك كله يشقى ينأى
ما دمت تعطي جسدك الدسم والرخاء فلا تنال الروح غنى وسراء
لقد خلطنا بين الجسد والروح. لأنهما بالفعل متجاوران ومتبادلان. عملنا طوال حياتنا على عمارة الجسد، فعندما نموت نشعر أن وقت الانتقال الحقيقي قد حان؛ نجد أننا عمّرنا أرض الجار وتركنا أرضنا خراباً.
قد يخطر على البال اعتراض: من جهة تقولون إن كل واحد يفكر في نفسه وكل واحد وحيد، ومن جهة أخرى تأمرون بأن تفكروا في أنفسكم. إذا كنا نفكر في أنفسنا، فلماذا تأمرون بذلك؟ نحن جميعاً نفكر في أنفسنا لكن أحياناً نخطئ في فهم هذه الذات؛ نأخذ «ذات الجسد» بدل «ذات الروح». من يكذب يفكر في نفسه، ومن يصدق يفكر في نفسه، لكن هاتين «الذاتين» مختلفتان. يجب أن نفكر في ذاتنا الروحية، لهذا قال العرفاء: «اعرفوا ذاتكم»، «ميّزوا الذات الحقيقية عن الذات الكاذبة» حتى تعرفوا مصالح ذاتكم الحقيقية، وإذا عرفتموها فأنتم طوال حياتكم في خدمة ذاتكم وفي نفس الوقت تخدمون الآخرين دائماً. هذا لا تنافي بينه وبينهما. أسأل: ألم يكن الإمام دائماً يفكر في الخدمة؟ لكن لماذا؟ للتقرب إلى الله. مع أنه كان يفكر في نفسه كان يخدم الجميع. ما يخلق عدم التوافق بيني وبين الآخرين وما يجعل متابعتي لنفسي تسحق الآخرين هو عندما تكون «أناي المادية» هي المقصود، لكن إذا متابع «أناي الحقيقية» لا نسحق أحداً.
من قال مثل الإمام علي: لن أقول إلا الحق، لن أتصرف إلا بعدل، كان يفكر في «أناه فوق الدين» لكنه كان يخدم الجميع. أما هذا الجدل الذي يطرح في المسائل الحقوقية بشأن أن الفرد أم المجتمع، وهل يجب التضحية بالفرد من أجل الآخرين أو العكس، فهذا ينطبق فقط على «أنا دون الدين» وله معنى فقط فيها. أما إذا كان المقصود «أنا حقيقية» فهذا الجدل لا يطرح أصلاً. يمكن في الواقع رفع الذات من خلال خدمة الآخرين. لكن هذا لا يعني بالضرورة أن الآخرين ينتفعون من خدمتك. هذا ما يقول القرآن: يا أيها النبي «إنك لا تهدي من أحببت»، أنت لا تستطيع هداية من تحب. أنت فقط تهيئ الأرضية، والانتفاع من قبلهم يتعلق بهم.
الخلاصة أنني وحيد بالمقارنة مع الإنسان الآخر، لكن بالمقارنة مع الله لست وحيداً، بل منفصل فقط، لأن الله تعالى هو الوحيد الذي لا يبحث عن مصلحته، بل أنتم تجدون المصلحة. لذا لا نشعر بالوحدة معه؛ نشعر بالانفصال.
الحبيب أقرب إليّ من نفسي والعجب أنني عنه بعيد
وهذا هو الشعور بالانفصال. كل رسالة تحملها الأديان والعرفاء هي أن – بالتعبير العرفاني – «كل شيء ينبثق من داخلك» وبالتعبير الديني «الآخرة باطن الدنيا». لاحظوا أن الأمور الخارجية لا تستطيع أن تجعل أحداً سعيداً أو حزيناً، يجب أن تنقب عن نفسك. نحن نظن أن من يملك الثروة أو القوة وما إلى ذلك يكون سعيداً، لكن هذه الأمور الخارجية لا تستطيع أن تجلب حزناً أو سعادة. إذا كنت سعيداً في الداخل لا يستطيع أحد أن يجعلني حزيناً وكذلك بالعكس. أتمنى أن تقوموا بهذا التنقيب في أنفسكم وأن تحاوروا الآخرين أيضاً في هذا الشأن.
هناك من يبدو لنا أنه يجب أن يكون الأسعد من الجميع، لكنه الأكثر قلقاً من الجميع. وهذا أحد الأدلة على أن الآخرة باطن هذه الدنيا. الذين يعرضون عن الله يكونون قلقين هنا. نحن نظن أنهم سيصيرون أهل النار في الآخرة والمؤمنون سيذهبون إلى الجنة في الآخرة و ... لكن من يكون مؤمناً، يكون سعيداً هنا وهنا في الجنة، ومن يعرض عن الله، يكون تعساً هنا. غير أن الأقنعة عادة لا تسمح لنا بأن نخبر الآخرين بالحزن الداخلي، فيظنون أننا سعداء. لكن إذا أُزيلت هذه الأقنعة، اتضح أن من لا يكون مع الله، كلما أصبح أكثر ثراءً، كان أكثر تعاسة. والسر في هذا أن من لم يذق شيئاً، يقول: إن ذقته، أي لذة سأجد؟ لكن هؤلاء ذاقوا كل شيء ورأوا أن ما كانوا يريدونه ليس موجوداً. لأنهم حسبوا أنهم يستمتعون بالأشياء الخارجية. ولهذا السبب قيل: «ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون». وبالطبع لأولياء الله حزن آخر والإمام أيضاً يقول: «قلوبهم محزونة». فهل باطن الإنسان الكامل سعادة خالصة أم حزن خالص؟ أم أنه جمع بين أشد الأحزان وأشد السعادات؟ أم أنه لا يفهم السعادة ولا الحزن؟
[١] ر. ك: إحياء علوم الدين للغزالي – بشأن العلم النافع والضار[٢] الوقار: السكون القلبي وراحة الدل[٣] خذوا العمل بمعناه الواسع.[٤] هذا المعنى صُوّر جيداً في قصة «الشيخ والبحر» لإرنست همينغوي نحن تماماً مثل الشيخ الذي صاد سمكة ضخمة جداً وكان يكابد معها كل المشقات ويسعد لأنه عندما يصل إلى الشاطئ سيكون لديه سمكة تزن أربعين رطلاً لكنه لم يكن ينتبه إلى أن أعداءه ليسوا فقط تلك القروش التي تخرج رؤوسها من الماء ويحاربونه علناً بل بعض القروش تحت الماء تأكل قطع جسده واحدة واحدة فعندما وصل إلى الشاطئ وسحب الحبل، رأى أن لم يبقَ من السمكة سوى الهيكل العظمي الآن نحن أيضاً نظن أننا نجر معنا شيئاً ولا ننتبه إلى أننا نفقده ذرة ذرة.
.
.
جدية الحياة والرغبات التي لا تتحقق
أحد الموضوعات التي أكد عليها الإمام علي (عليه السلام) وكذلك التي يحتاجها الناس في هذا العصر، وما نحتاج إليها بشدة، هي مسألة «أخذ الحياة على محمل الجد». أي أن الحياة يجب أن تؤخذ على محمل الجد. الإمام (عليه السلام) في رسالة كتبها بعد حرب صفين الأولى إلى الإمام الحسن (عليه السلام)[۱]: أنا الآن على حافة الرحيل، ولما كان الحال كذلك يجب أن أنسحب من الناس، وأجلس وحدي وأنصرف إلى ذاتي، وأحاسب نفسي، لكن لأني أراك بعضاً من ذاتي، بل بل وجدتك كلي (أي كل ذاتي) «وجدتك بعضي بل وجدتك كلي» فإني أنصرف إليك أيضاً. في بداية الرسالة يقول: لقد مررت بتجارب كثيرة وحدثت لي أمور جمّة. من بين هذه النقاط، النقطة التي يجب أن تحتل المكان الأول هي أن كل ما حدث لي في الحياة قد أوصلني إلى هنا حتى فهمت أن «الحياة يجب أن يؤخذ فيها بجدية». «فافضِ بيلي إلى جدٍ لا يكون فيه لعب.» لا يمكن أن نتعامل مع الحياة كلعبة. في موضع آخر، يصف أبا ذر فيقول: كان في الحياة مثل «الأفعى في الكهف» و«الأسد في الغابة»، وهذه التعابير في اللغة العربية تدل على الجدية في الحياة. أي أن أبا ذر كان يأخذ كل شيء بجدية. وهناك حالات أخرى في نهج البلاغة. والإمام نفسه كان كذلك في حياته. والآن، ما معنى أخذ الحياة على محمل الجد؟ ولماذا يجب أن نأخذ الحياة على محمل الجد؟ إذا كنت تواجه نظاماً تحكمه قوانين صارمة وقاسية فيجب أن تكون جاداً أيضاً. جدية النظام تلزمنا بأن لا نعامله باستخفاف. كلما اعتبرنا أمراً أكثر جدية، تعاملنا معه بجدية أكبر. أن نتحلى بالحذر واليقظة إزاء أمور معينة يعود بالضبط إلى هذه النقطة، وهذه النقطة ليست نقطة تافهة. نظام الوجود نظام جاد تماماً. إذاً، يجب أن نكون جادين إزاءه. نقاط حول جدية نظام الوجود النقطة الأولى: نحن نتعامل مع موجود (العالم الوجودي) واعٍ (بصير وسميع) وذي شعور. لا نواجه موجوداً أعمى وأطرش وفاقداً للشعور. لماذا؟ لأن هذا الموجود يتصرف بدقة كبيرة جداً في إظهار رد الفعل. عالم الوجود يبدي حساسية كبيرة إزاء سلوكاتنا، ويحكم عليها، ويظهر رد فعل بناء على حكمه. من يكون متديناً يدرك هذه النقطة على أساس نصوص الدين، ومن لا يكون متديناً يدركها على أساس تجربته. نقرأ في القرآن: «من يعمل مثقال ذرة شراً يره» أنت تتعامل مع نظام جاد وأخّاذ. لا تظن أنك تعمل عملاً ثم تنساه. كل ما نعمله، وكل موضوع نتناوله، وكل خلق ننميه في أنفسنا و...، سيكون له رد فعل متناسب في الكون. في هذه الآية لم يأتِ حتى تعبير «رد الفعل»، بل لتأكيد أكثر قيل «ترى» نفسك. إلا أنه هنا قيل «يره»، وفي بعض الموارد قيل «يرجزاءه»، ولا معنى لأي منهما بالمعنى الحقيقي حتى ينشأ تناقض بينهما. إذا جاء هنا «يره» فإنه لتأكيد أن قانون الفعل ورد الفعل حاكم إلى درجة أن الأمر وكأنه «فعل وفعل» وليس «فعل ورد فعل». النقطة الثانية أن رد الفعل لكل فعل موجه للفاعل وحده لا غير. إذا فعلت سوءاً أو خيراً فاعلم أنت وحدك في انتظار رؤية السوء أو الخير. لا يوجد لي درع إزاء رد الفعل. لهذا قيل في القرآن: «لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت»، كل ما يفعله الإنسان إن كان سوءاً فهو لنفسه وإن كان خيراً فهو لنفسه أيضاً. رد الفعل يعود إلى الفاعل؛ لا يعود إلى غيره. وكذلك جاء في القرآن: «لقد جئتمونا فراداً كما خلقناكم أول مرة»، أنتم تأتون إلينا واحداً واحداً كما خلقناكم واحداً واحداً. أنت وحدك وما عملت. لا تأتي إلينا مع أهلك وحاشيتك حتى تنحرف بعض ردود الأفعال عنك. لم نخلقكم في البداية مع أب وأم وأبناء وزوجة وعصبة وقبيلة وجناح و...، حتى تأتوا إلينا معهم. خلقناكم واحداً واحداً، وسوف تعودون إلينا واحداً واحداً. افعل بحيث تستطيع أن تكون مسؤولاً عن أفعالك. يقول «الإمام فخر الرازي»: إذا ضاع القرآن كله، فإن هذه الجملة وحدها كافية لترعد فرائص الناس؛ إذ قال الله تعالى في وصف القيامة: ستأتونني واحداً واحداً. إذا رأيت الآيات المتعلقة بالقيامة تجد أن القيامة يوم يفر الفرد من أبيه وأمه وأخيه وزوجته وأبنائه وعشيرته[۲]، بينما هؤلاء في حياتنا الدنيا هم حامونا. في القيامة، أنا أفر من كل أولئك الذين أعطوني الملجأ في حياة الدنيا. لماذا؟ لأنه في ذلك اليوم كل نفس ستنشغل بنفسها حتى لا تستطيع الانشغال بغيرها. «وحدتنا» في القيامة تعني بالضبط هذا المعنى. وحدتنا في القيامة تنشأ عن سببين: أحدهما أن الأصدقاء في القيامة يصبحون أعداء.وعلاوة على ذلك، أنا منهمك جداً في فحص ذاتي، أُطرح للسؤال كثيراً جداً حتى لا أستطيع الإجابة على أسئلتكم. أنا منشغل جداً بالإجابة على أسئلتي الخاصة حتى لا أستطيع الإجابة على أسئلة الأخ والأخت و... وقد ورد هذا المعنى مراراً في القرآن. في الحقيقة، حيثما توجد «الخطر»، فإنها تتسم بهذه الخاصية، فمن الناحية الفيزيائية، تسبب التجمع. لكن من الناحية النفسية، تسبب الوحدة. في أوقات عدم الخطر أي الأمان، لا يوجد ذلك التجمع الفيزيائي ولا تلك الوحدة النفسية. في وقت الخطر، يركز الفرد على ذاته فقط. كلما زاد الخطر، زاد هذا الانشغال بالذات، وبالتالي زادت الوحدة. في يوم القيامة، توجد كلتا خاصيتي الخطر بشكل كامل. القيامة هي «ازدحام الوحدى». لهذا السبب يقول القرآن في شأن القيامة من جهة: «لَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ»، ومن جهة أخرى يستخدم لفظ «الحشر» (التجمع). الخوف عظيم جداً بحيث حتى الحيوانات تتجمع «إِذَا الْوَحْشُ حُشِرَتْ». الآن، إذا جمعتم بين هذا «ازدحام الوحدى» وبين الملاحظة بأن «القيامة ليست إلا باطن الدنيا»، ستصلون إلى النتيجة بأنه في الدنيا أيضاً، إذا أدركتم الحقيقة الفعلية، ستجدون أن «نحن نعيش بجانب بعضنا لكننا وحدى». لا أحد بجانبنا ليتلقى ردة فعل أفعالنا. في الثقافات الشرقية وردت هذه الملاحظة بالصيغة التالية: «كل إنسان يواجه الكون برمته بمفرده». لذلك فإن العيش بجانب الآخرين وهم (مايا). نحن فعلاً وحدى. أن يكون هناك آخرون بجانبنا هو وهم. النقطة الثالثة: بخصوص جدية العالم، فإن تعويض التقصير أو الأخطاء السابقة ممكن فقط بالعمل، وبالعمل الصالح. الندم والحسرة والبكاء ليست فعّالة لتخفيف ردة الفعل. هذه علامات على عدم أخذ نظام الوجود بجدية. كأنك تضع قبعة على رأس النظام! مثلاً أن ترسب في درس، ثم تذهب إلى المعلم لتتملقه أو تبكي أو... في حين أن أول ما يفهمه المعلم هو أنك لم تأخذ الدرس بجدية وأنك لا تعتبره شخصاً جدياً. في هذا النظام، التقصير يُعوّض بالعمل الكثير فقط، والخطأ يُعوّض بالعمل الصالح فقط. يقول الإمام علي (عليه السلام): «لو أحبني جبل تهاوى» لماذا؟ لأنه إذا أحبني فهو يريد أن يعيش مثلي، وإذا عاش هكذا فسيتهاوى مثلي. العيش مثلي لا طريق له إلا بالعمل مثلي. بعبارة أخرى، لا توجد «طريقة مختصرة». في الحياة يجب أن تكون من السالكين. النقطة الرابعة: الحياة تنمّي الخيرات، نظام العالم ينمّي الخيرات. نظام العالم موقفه من الشرور والخيرات موقف سلبي وإيجابي. لا يترك حتى ذرة من الشرور تُنسى. ردة فعلها ستصل حتماً. لكن بشأن الخيرات أيضاً، لا يتركها تُنسى وإنما ينميها ويطورها. في مزرعة العالم، بذرة الشر لا تختفي بل تبقى بنفس الكمية التي بُذرت. لكن بذرة الخير تنمو أيضاً. هذا ما يقوله القرآن: العمل الصالح يُعطى له أجر عشرة أضعاف أو سبعين ضعفاً أو سبعمائة ضعف. لذلك، موقف العالم من الخيرات هو موقف تنمية. النقطة الخامسة: في الحياة، إذا تعلقنا بأي شيء قابل للنسيان، فقد أخطأنا. كان سلفنا يقولون لا تتعلقوا بالمال والجمال والأطفال و...، لأنهم يزولون. فقط الذكر الحسن يبقى. وفروغ فرخزاد كانت تقول: «فقط الصوت هو ما يبقى». لكن الدين والتأمل العميق العرفاني يقول لكم لا تتعلقوا بهذا أيضاً لأنه أيضاً لا يبقى. من قبل ستة آلاف سنة إلى الآن، ذاكرة التاريخ حفظت أسماء عدد قليل فقط (مثل كونفوشيوس ولاوتسه بوذا). لكن هل كانوا الوحيدين الصالحين؟ ألا ينسى هؤلاء الثلاثة أنفسهم بعد عدة قرون؟ جدية الحياة تعني أن كل شيء غير الموافقة على نظام العالم، بالتعبير الديني، المطابقة لإرادة الله ومشيئته، تنفيذ الأوامر والنواهي الإلهية، كل هذا يُنسى. لا تتعلقوا بشيء آخر. جدية نظام الوجود تلزمنا أن نكون جديين. القرآن يقول في مواضع كثيرة: «ما نحن بأهل لهو ولعب». لهذين اللفظين معنيان إنشائي وإخباري: ١) المعنى الإخباري: في نظام الخلق، اللهو والعبث لا يجدان طريقاً. قوانينه من حديد. نحن لا نسخر من أحد. نسحب الشعرة من العجين. ٢) المعنى الإنشائي: إذا لم نكن أهل لهو ولعب، وإذا كان عليكم أن تتشبهوا بنا، فبالنتيجة، يجب ألا تكونوا أهل لهو ولعب. بهذا البيان، ما معنى الجدية؟ كيف يجب أن نكون جديين؟ لتقريب المسألة، أسأل: ما هي الكسل؟ عادة نأخذ الكسل – وهو شيء سيء في نظرنا – بمعنى «عدم الحركة الفيزيائية» والنشاط بمعنى «الحركة الجسدية». لكن إذا كان الكسل بهذا المعنى، لا يمكن الحكم عليه بأنه سيء بشكل مطلق.بل، التكاسل بمعنى «نسيان الهدف» يشمل النسيان قصير الأجل أو طويل الأجل. أي أنني إذا نسيت أي هدف أسعى إليه، فقد وقعت في التكاسل. وللتكاسل نتيجتان: ۱) القيام بعمل أقل (في اتجاه الهدف) ۲) القيام بعمل في الاتجاه المعاكس للهدف (العمل السيء) الشخص الذي يقع في التكاسل قد يقع في إحدى هاتين النتيجتين أو كليهما. إذا كان هدف شخص ما حل مسألة رياضية أو فلسفية أو منطقية، وإذا استلقى من الصباح إلى المساء، فإن هذا في النهاية نشاط، بالرغم من أنه يبدو ظاهراً أنه يقع في التكاسل. من ناحية أخرى، إذا انشغل هذا الشخص نفسه من الصباح إلى المساء بالبيع والشراء وغيرها، فلأنه نسي الهدف، فإنه يعيش في حالة تكاسل. أن يقال لك: خذ الحياة بجدية، كن جادّاً، يعني «لا تنسَ الهدف»، وهذا لا يمكن فهمه من الفيزياء الحياتية للفرد. «المراقبون» لا يستطيعون أن يفهموا ما إذا كان الفرد قد أخذ الحياة بجدية أم أنه يقع في التكاسل. فقط «الفاعل» يعي ذلك لأن: ۱) فقط هو يعرف ما هو هدفه. ۲) فقط هو يعرف ما نوع النشاط الذي يتطلبه الهدف. ۳) فقط هو يعرف ما إذا كان يعمل بمقتضى هدفه أم لا. الأنبياء والعرفاء وعلماء الأخلاق هم أكثر الناس جدية. أحد العرفاء يقول: الحياة جادة إلى درجة أنه إذا سألك أحد ما فجأة في لحظة ما: فيم تفكر، يجب أن تكون قادراً بالفعل على الإجابة. بطبيعة الحال يجب أن نلتفت إلى أن مشاهد الحياة المختلفة لها متطلبات مختلفة. الشخص الذي يأخذ الحياة بجدية حقاً قد يكون من متطلبات جديته في موقف معين أن يظهر عبثاً وفكاهة وخفة. ليس الأمر أنك تستطيع أن تشعر بأخذ الحياة بجدية من وجه الشخص. كان النبي(ص) يلعب مع الأطفال في الطريق وكان يقول: «ألعب مع الأطفال حتى يتعبوا هم، وما داموا يرغبون في اللعب لا أتركهم في منتصف اللعب». إذا نظرنا إلى هذا الأمر بنظرة ظاهرية قد نقول: إنه لم يكن جادّاً في حياته. لكن الأمر ليس كذلك. أحياناً يكون الشخص، لأنه يريد أن يأخذ الحياة بجدية، في الظروف والأحوال المختلفة التي تواجهه يتخذ ردود فعل متنوعة. في موقف ما يظهر قسوة شديدة وفي آخر يظهر رقة قلب، في موقف ما يكون حازماً جداً وفي آخر ناعماً جداً، في موقف ما ثرثاراً وفي آخر صامتاً. لقد قلت دائماً: لا يمكن إعطاء إجابة واحدة على السؤال: أأن تكون ثرثاراً أفضل أم صامتاً؟ إذا اعتبرت، بتعبير فلاسفة الأخلاق، الواجب «في البادئة» و«من النظرة الأولى»، أي إذا كانت الظروف والأحوال التي تريد أن تتحدث فيها مساوية تماماً للظروف والأحوال التي تريد أن تصمت فيها، فبالطبع في الأحوال المتساوية، الصمت أولى من الكلام. لكن في الظروف والأحوال الواقعية والحياتية، أي عندما تأخذ في الاعتبار الظروف والأحوال التي تكون فيها بالفعل، لا يمكن أن تقول: الصمت أفضل أم الكلام، لأنه في موقف ما الصمت أفضل وفي آخر الكلام أفضل. في موقف ما الحديث الكثير أفضل وفي آخر الحديث القليل أفضل. إذاً لا يوجد شيء محدد يدل على أخذ الحياة بجدية. لا تظنوا أن الذين يأخذون الحياة بجدية لهم فيزياء حياتية موحدة يمكن التنبؤ بها دائماً، بحيث أستطيع أن أقول: هم سعداء دائماً أو تعساء دائماً. بتعبير ما، الشخص الذي يأخذ الحياة بجدية، من وجهة نظري، يعيش حياة غير قابلة للتنبؤ. أما الذي حياته قابلة للتنبؤ تماماً فقد استسلم لنفسه تماماً ويسير مع التيار. حياة مثل هذا الفرد يمكن التنبؤ بها تماماً. مثلاً يمكن أن يقول المرء: إنه سيفعل كذا في اجتماع معين أو سيظهر رد فعل معيناً أمام مشكلة معينة. لكن الذين يأخذون الحياة بجدية لا يمكن التنبؤ بحياتهم فعلاً. أريد أن أؤكد جداً على هذه النقطة. لا يجب أن تتوقع أن حياة رجال الله قابلة للتنبؤ. بل على العكس، كلما كرس الإنسان نفسه أكثر لغاية ما، أصبحت حياته أقل قابلية للتنبؤ. في الواقع، نحن نعتبر أكثر نجاحاً أولئك الذين حياتهم قابلة للتنبؤ، والذين يظهرون ردود فعل غير متوقعة نظن أنهم لا يتمتعون بسلامة روحية. بل على العكس، كلما ازدادت سلامتنا الروحية قلّت قابلية التنبؤ بحياتنا. أحد أصحاب علي(ع) يروي أنه في ذروة معركة صفين أومأ إليّ الإمام أنه عطش جداً وطلب الماء. يقول: أحضرت له ماء، وما إن شربه حتى قال: أهل تغيير عسل الكوفة هذا الماء؟ نحن لا نستطيع تبرير هذا. نقول إننا إذا فكرنا في الحالة التي حدثت في خضم الحرب، كيف لم تغيب عنه حتى ملاحظة أن العسل قد أذيب في الماء، وليس العسل من أي مكان بل «عسل الكوفة». وفي كتاب «وقعة صفين» أيضاً – الذي ترجم إلى الفارسية وهو كتاب جيد – ينقل أحد الصحابة عن الإمام علي(ع) أنه في خضم الحرب طلب منه الطعام والشراب، فأحضر له الطعام، لكن عندما نظر الإمام إلى الإناء الذي كان من نحاس، قال: إن الأكل في الإناء النحاسي مكروه. إذا كان لديك إناء آخر، فغيّر إناء هذا الطعام. نحن لا نفهم على الإطلاق كيف يتمكن الحضرة من الالتفات إلى هذه المسائل في خضم الحرب. يبدو لنا أن الإنسان الجاد، وقت الحرب، لا يفكر إلا في الحرب ولا يفكر في شيء آخر. سنتابع مناقشة «الجدية في الحياة» في موضع آخر من نهج البلاغة. يبين الحضرة في الخطبة 132 من نهج البلاغة الجدية في الحياة بتأكيد أكثر، وبعدها يفسّر الجدية في الحياة إلى حد ما. يقول: «والله إن الحياة جادة»؛ «الحياة ليست لعباً». قلت في هذا الشأن أن مقتضى الجدية في الحياة هو أن ظاهر حال الإنسان لا يكون واحداً دائماً. أي أن الذين يأخذون الحياة بجدية فعلاً، أي الذين ينظرون في هدف أو أهداف معاً ويريدون الوصول إلى تلك الأهداف، فإن حفاظهم على هذه الأهداف أو هذا الهدف ثابتة، هذا نفسه يؤدي إلى أن لا يكون لهم مهنة ثابتة؛ ولا موضع ثابت. لكن عندما أقول إن المهنة الواحدة والموضع الواحد لا يقتضيان الهدف الواحد، فهذا يعني نقطتين: النقطة الأولى: لا يجب أن نظن أنه إذا أخذنا الحياة بجدية واتخذنا هدفاً ثابتاً أمامنا، فهذا يعني بالضرورة أننا نتخذ مهنة معينة أو طريقة معينة. بالطبع، هذا لا يعني الضرورة العكس أيضاً. أي أنني لا أريد أن أقول إن من يملك هدفاً واحداً في حياته لا يظهر أي ثبات خارجي، لكن من جهة أخرى لا تتوقع أن يظهر ثبات في جميع جوانب حياة من لديه هدف واحد. ما يُدّعى هو أن من يريد الحفاظ على شيء ما، عادة، يجب أن يناور من أجل حفاظه في الظروف المختلفة، وهذا المناورة تعني تغيير المهنة، تغيير المكان، أي تغيير الموضع. مثلاً، الإمام علي(ع) كان يعمل بالزراعة مرة، وكان حاكماً مرة، وكان يعيش في البيت مرة. هو نفسه يقول في نهج البلاغة إن بعض الناس يظنون أنني لم أسل السيف من أجل الخلافة، لأنني أخاف من القتل والموت. ويقولون إنني عندما كنت شاباً لم أخف من الموت، فكيف الآن. لكن كلما رأيت ما يريده الله مني، فعلت ذلك. وهذه نقطة مهمة، نحن الناس العاديين غالباً ما نكون في مهنة وموضع معين. مثلاً، نادراً ما ترى طبيباً يقوم بالخطابة. نحن عادة اليوم الوحدة الوحيدة التي توجد بيننا هي وحدة المهنة، وهذه الوحدة ليست نقطة قوتنا. بل هي نقطة ضعفنا. نحن لا نستطيع، بالتعبير القرآني، أن نكون «كل يوم هو في شأن» – التي جاءت عن الله – وهذا يدل على نقطة ضعفنا. أن نحن لا نستطيع القيام بأعمال مختلفة، يظن البعض أن السبب هو أننا وجدنا هدفاً واحداً. في الواقع، وجود الإنسان لهدف واحد، نفس هذا الوجود يؤدي إلى أنه لا يقتصر على قشرة واحدة وليس له طريقة وموضع واحد. أئمتنا لم يكونوا هكذا فعلاً. رجال الله ليسوا هكذا. النقطة الثانية: عندما نقول إنه لا توجد وحدة في العمل، هذا في الظاهر. خلف هذه الاختلافات، توجد وحدة. لكن هذه الوحدة لا تعني أننا يجب بالضرورة أن يكون لدينا هدف واحد. يمكن أن يكون لدينا عدة أهداف، وهذه الأهداف متسلسلة معاً وتكون متوافقة مع بعضها. وليس هناك مشكلة في هذا. المشكلة تأتي عندما يكون لدي عدة أهداف، لا تكون متسلسلة معاً وتكون غير متوافقة مع بعضها. نحن جئنا إلى هذا العالم لنضع رأسنا عند عتبة هدف واحد أو سلسلة من الأهداف المتسلسلة معاً. الرجال العظماء كانوا هكذا أيضاً، وإن كان هذا قد أدى إلى أن تكون حياتهم متغيرة جداً. التمنيات البحث الآخر يتعلق بالتمنيات. النقطة التي يشير إليها الإمام علي(ع) كثيراً هي أن «الناس يُقتلون بتمنياتهم». التمنيات هي قاتلات الناس. لهذا يوصي قائلاً: «كن زاهداً في التمنيات». يقول الإمام علي(ع) في رسالة إلى الإمام الحسن(ع): «أنت رجل تتمنى شيئاً غير مُدرك». لاحظ أنه لم يقل: يا بني أنت تتمنى شيئاً لا تصل إليه. لأنه في هذه الحالة قد يعني أنه ربما يستطيع غيرك الوصول إليه لكن أنت لا تصل إليه. الحضرة يريد أن يقول: أنت تتمنى شيئاً غير مُدرك. أي لا أحد يصل إليه.يقول في موضع آخر: «اعلم يقيناً أنك لن تصل إلى آمالك أبداً.» ويقول أيضاً: «أحذركم أن تتكلوا على آمالكم. الناس يعانون في الحقيقة من الحرمان والحكم، ولا ينالون آمالهم.» وهذه ملاحظة في غاية الأهمية. لا يمكن إنكار أننا نسعى وراء أمور لا يمكن تحقيقها. أريد أن أذكر بعض هذه الأمور: ١) الأمر الأول هو أنك لن تصل أبداً إلى أمل البراءة، لا تنشئ في روحك أملاً في العصمة. الذين يطمحون إلى براءة الذنب والعصمة لا ينالونها فقط، بل يجعلون أنفسهم يغرقون كلياً في الخطيئة. آليتها هكذا: يتمنى الإنسان ألا يذنب مجدداً؛ أي أن يتوقف عن الخطيئة ابتداء من غد. لكن هذا مستحيل لأن الإنسان الذي ظل خاطئاً لفترة طويلة لا يستطيع أن يتوقف عن الخطيئة بسرعة؛ لذا يواجه الفشل في غده ذاك. يقرر مجدداً أن يتوقف عن الخطيئة في يوم آخر، ويواجه الفشل مرة أخرى، وهكذا يقرر أن يتوقف ابتداء من الشهر القادم أو السنة القادمة، ويزيد الفترات الزمنية، لكنه يخفق في كل هذه الحالات لأنه يريد شيئاً لا يمكن نيله. عندئذ بعد مدة من الفشل، يفقد القدرة على اتخاذ قرار بترك الخطيئة. تدريجياً لا يصدر عنه هذا القرار. وفي النتيجة يستسلم للخطيئة. يمكن اتخاذ طريق آخر. بدلاً من أن أقول إنني أريد أن أصبح بلا خطيئة، يمكنني أن أضع هدفاً آخر – وهو أنني أريد أن أذنب كل يوم أقل من اليوم السابق. هذا القرار قابل للتحقق والتنفيذ. سأضرب مثالاً: إذا قال شخص قرر الإقلاع عن التدخين إنه يريد ابتداء من غد أن يترك التدخين تماماً، فإن مثل هذا الشخص سيبقى مدخناً طوال حياته. لكنه يستطيع أن يقلل من عدد السجائر التي يدخنها كل يوم. إذاً الأمل الأول هو أمل العصمة، وهذا الأمل قاتل للإنسان. الإمام علي(ع) عندما يصور لنا حياته، حتى لا نطمح إلى أن نعيش مثله، يقول: بالتأكيد لا تستطيعون أنتم البشر أن تعيشوا حياة مثل حياتي، ولا تطمحوا إليها. بل يمكنكم فقط أن تكونوا في طريقي، وأن تسعوا في سبيل الصلاح والخير. ٢) الأمل الآخر هو أمل أن تكونوا محبوبين. لا تطمحوا إلى حياة يكون فيها الجميع تجاهكم محبين وتعاطفين. هذا لا يمكن تحقيقه. قال الإمام علي(ع) لأبنائه في ليلة وفاته: رضا الناس لا يُدرك. لذا لا تسعوا وراء هذا الأمل. هذا الأمل يجرنا إلى عدة ذنوب عظيمة: الذنب الأول هو أن الإنسان يصبح طالباً للألوهية. ما يجب على جميع الناس أن يطلبوه هو الله، وجميعهم يجب أن يكونوا في حركة نحو الله. الآن إذا أردت أن أعيش بطريقة توجه جميع الأنظار نحوي، فقد جعلت نفسي إلهاً. أي أنني طلبت لنفسي ما هو من اختصاص الله. بتعبير آخر، يُقال للإله: أنت مقصد كل سالك، لكنني أريد أن أكون مقصد كل سالك. ورد في الحديث: «الكبرياء ردائي». الكبرياء رداء يختص بي. يجب على الجميع أن يتواضعوا أمامي ويتعلقوا بي. بتعبير آخر يجب أن نكون نحن البشر بالنسبة لبعضنا مثل لوحة على جانب الطريق. كل لوحة تقول انظر إلي، لكن من خلال هذه النظرة تعرف على حالة الطريق وتابع سيرك. بتعبير آخر «انظروا معي لكن لا تنظروا إلي». من يحدق في اللوحة ذاتها قد دمّر نفسه بيديه. يجب أن نكون بالنسبة لبعضنا مثل اللوحات. أي أن ننظر إلى بعضنا. بالطبع إذا نظر إلي شخص ما فلا أدعوه إلى نفسي، بل أظهر له من خلالي الطريق إلى الله. يجب ألا أدعو شخصاً ما إلى نفسي وأقول: يجب أن تتبعوني، بل يجب أن أقول للناس: لا تنظروا إلي، بل انظروا معي. أو اعثروا على طريقكم بالنظر فيّ. لذا يجب أن أكون لوحة تظهر الله، وهذا يعني أنه لا يجب أبداً أن تكون هناك نظرة استقلالية إليّ وألا تتوقعوا أن تصبحوا مسحورين بي. الذين يطلبون الحب يبدو أنهم يريدون من جميع الناس أن يكون لديهم نظرة استقلالية إليهم؛ أي النظرة التي يجب أن تكون إلى الله. قد تقولون: ليس خطئي أن ينظروا إلي نظرة استقلالية. يجب ألا ينظر إلي الآخرون بهذه الطريقة. لكن هذا غير صحيح في الواقع، أي أنه لا ينبع من خطأ المريدين بل ينبع من خطأ المرادين.أي أن طريقتهم في التعامل مع الآخرين بحيث يلقون إليهم أن يكون لديهم رأي مستقل عنهم. عندما يتوفى إبراهيم ابن النبي(ص) تحدث كسوة في ذلك اليوم ويقول الناس إن هذه الكسوة بسبب وفاة ابن النبي. أي أن الطبيعة نوعاً ما أبدت تعاطفاً وشعوراً بالألم مع النبي. فيغضب النبي من هذا التلقي من الناس، فيذهب إلى المسجد ويقول: «يا أيها الناس لا تظنوا أبداً أن الكسوة بسبب وفاة ابني». وهذا أمر مهم جداً. بالنظر إلى الأوضاع والأحوال الثقافية والاجتماعية في ذلك الوقت التي كانت تملك استعداداً لتقبل مثل هذه الأمور، فإن النبي يتعامل بهذه الطريقة. وهذا معناه أنني لا أدعوكم إلى نفسي وليس أريد أن تصبحوا مغرومين بي. فقط وفقط أريد أن تصلوا إلى الله. استخدام هذه الطريقة يعني التخلي عن طلب الحب والإعجاب. وبالتالي، فإن الخطأ الأول في طلب الحب والإعجاب هو أنهم يريدون نوعاً من طلب الربوبية، وطلب الحب والإعجاب في النهاية أي طلب الربوبية.
[۱] انظر: نهج البلاغة، الرسالة 31. يبدو أنه لم يحدث حذف في هذه الرسالة، فقد ذكرها السيد الرضي كاملة.
[۲] سورة 80، الآية 34
.
.
.
.
.
.
.
.
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.