اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يرى مصطفى ملكيان أن الروحانية هي لُبّ الدين وجوهره الذي ينبغي بلوغه بتجاوز القشور، ذلك أن لفظَي الدين والعرفان مثقلان بحمولات سلبية. وهو يصف الروحانية بأنها الدين وقد اكتمل عقله، دينٌ يرعى العقلانية النظرية والعملية معًا.

في رمضان من عام 1379 هـ.ش، قدّم مصطفى ملكيان في معهد «نگاه معاصر» (الذي أُغلق لاحقًا وللأسف بعد فترة بسبب بعض المشكلات) وعلى مدار ثماني جلسات، درسًا حواريًا بعنوان «المعنوية في نهج البلاغة». هذه الجلسات التي عُقدت بحضور عدد قليل من الأشخاص، حوت مطالب رصينة وجذابة وشائقة للغاية.
.
من وجهة نظر، يمكن استخدام تعبير «الدين» بدلًا من «المعنوية»، لكن ولأنه على مر التاريخ، نشأت تدريجيًا حول كل تعريف قُدّم للدين سلسلة من التداعيات والأعباء القيمية السلبية، فمن الأفضل عدم استخدام تعبير الدين، فما هو مصداق للمعنوية قد يكون مصداقًا للدين أيضًا، لذا فلنستخدم تعبير المعنوية بدلًا من كليهما، كي لا يثير تلك الأعباء العاطفية السلبية في أذهان ونفوس المخاطبين. الدين ليس عين المعنوية، والمعنوية ليست عين الدين؛ المعنوية هي لبّ الدين وجوهره. تتحقق المعنوية عندما يستطيع الشخص تجاوز قشور الدين والوصول إلى كُنه الدين، أي أن ينفذ في الصدفة ويبلغ هذا الجوهر. بطبيعة الحال، ما نعبّر عنه بالصدفة أو القشر ليس أمرًا نرغب اليوم في كسره اعتباطًا، فهذه الصدفة جاءت منذ البداية لتكون حاوية لهذا الجوهر وحافظة له. عندما نكسر هذه الصدفة، نكون في الواقع قد بلغنا الغرض الأصلي، لأن الغرض كان أن نجد ذلك الجوهر؛ وإن كان شخص ظاهري النظرة قد يظن أننا أهنّا هذه الصدفة بكسرنا إياها. أو مثلًا، أي صندوق يُصنع منذ البداية لكي يُفتح، وإلا فإنه يفقد فلسفة وجوده. إذا أردتم ألا تفتحوا هذا الصندوق ظاهريًا، وأن تكرموه بناءً على تصور طفولي، فأنتم في الواقع قد نسيتم فلسفة وجود هذا الصندوق أصلًا. وظيفة الصندوق أساسًا هي حفظ محتوى واحتجابه عليه، وحين تكون وظيفته هذه، فلا مناص من أن تمزقوا الصندوق يومًا ما بطريقة ما لتصلوا إلى داخله. أي أنه من السذاجة والطفولية بمكان أن يظن أحد أنه لا ينبغي خدش هذا الصندوق أبدًا، أو تمزيق جزء منه أو سحقه أو قطعه. لأنه لا يعلم أن كون الصندوق صندوقًا إنما هو بهذه الوظيفة، ولأن وظيفته هذه، فلا بد أن يُكسر يومًا لنصل إلى محتواه، فالكارتون كان مأمورًا حتى الآن بأن يحفظ لنا ذلك المحتوى.
في الحقيقة، يمكن القول إن المعنوية هي لبّ الدين وجوهره، وبهذا الاعتبار ينبغي أن نمتلك القوة والإرادة والجرأة والشجاعة لنتمكن من كسر هذا القشر والوصول إلى ذلك اللبّ. وبهذا الترتيب، فإن تلك العينية التي قلناها بالاعتبار السابق لم تعد صحيحة، فهناك نوع من الهدف والوسيلة في الأمر؛ شيء هو وسيلة يُسمى الدين، وشيء هو هدف يُسمى المعنوية. على المرء دائمًا، للوصول إلى الهدف، أن يترك الوسائل خلفه وتحت قدميه، أن يتخذها سُلّمًا، وهذا الاتخاذ سُلّمًا هو عين مراعاة الوظيفة. إذا قلت إنه إهانة أن أطأ على السلم، فمعنى ذلك أني لا أعرف لأي شيء صُنع السلم، فكون السلم سُلّمًا يستلزم أن نطأ عليه، وبالطبع فإن السلم من حيث إنه يوصلنا إلى السطح له نفس القدر من الأهمية، لكن في الوقت نفسه، لا ينبغي الخلط بين السلم والسطح. علينا أن نصل إلى السطح، لا أن نُفتتن بالسلم نفسه ونتأمله ونؤلف الكتب في محاسنه ونلقي المحاضرات، دون أن ننتبه إلى أنه لولا وجود سطح ولولا أنه كان مقررًا أن يصل أحد إلى السطح، لفقد السلم فلسفة وجوده أصلًا.
وبتعبير ثالث حول سبب عدولنا عن لفظ الدين؟ يجب القول إن الدين أصلًا يعارض المعنوية، وذلك حين ينسى المرء كون الدين وسيلة وقشرًا وصدفة، ويُفتتن بالدين نفسه، حينها يجب القول إن هذا الدين، باعتبار ما، يعارض المعنوية ويتعارض معها. وبالطبع، هنا أيضًا ليست المشكلة من الدين نفسه، بل الإثم والخطأ من التصور الذي نحمله نحن.
المعنوية والعرفان
النقطة الثانية: الآن وقد عدلنا عن لفظ الدين، أليس من الأفضل أن نستعمل لفظ «العرفان» بدلاً من المعنوية؟ يبدو أن تعبير «العرفان» ليس تعبيراً جيداً أيضاً لوجهين. أولاً (الوجه الأول): ما كنا نقوله عن الدين يصدق على العرفان أيضاً، أي أن العرفان أيضاً يحمل عبر التاريخ شحنة عاطفية سلبية بدرجات متفاوتة. في لغتنا نفسها، حين يُقال العرفان، قد يتبادر إلى الذهن: تعلّق أعمى بسلسلة من الأمور الصوفية، ولأن التعلقات العمياء لها لوازم ونتائج سلبية أخرى، عدا عن كونها عمياء، فإنها تولد شحنات عاطفية سلبية في الأذهان. ثانياً (الوجه الثاني): العرفان نفسه يمكن أن يكون له قشر ولبّ، فإذا استعملنا تعبير العرفان، فإن المراد من المعنوية هو لبّ العرفان. فريتهوف شوان في كتابه الشهير «التصوف، قشر ولبّ»: لديه تعبير لافت، يقول إنه كان من المفترض أن يكون التصوف هو البعد الباطني للإسلام، لكن التصوف نفسه عاد فصار له قشر ولبّ. أي أنه ينبغي أن نقول عن التصوف أيضاً: ما هو قشر التصوف؟ وما هو لبّه؟ هذا الكلام يصدق على التصوف أي العرفان الإسلامي وسائر العرفانات، فهي أيضاً لها قشر ولبّ، وانشغالنا هو أن نصل إلى لبّ الدين، لذلك من الجيد أن يُستعمل لفظ المعنوية نفسه.
قد تسألون: حسناً، بررتم اللفظ بهذا الشكل ووجب استعمال لفظ المعنوية، ولكن ما هو المراد حقاً من المعنوية نفسها؟ ما الشيء الذي تسمونه معنوية؟ قد يقول قائل إننا نسمي لبّ الدين معنوية؛ لكن هذا مبهم. ولو أردنا الخوض في هذا لابتعدنا عن نهج البلاغة. لكنني شخصياً تخطر ببالي تعابير عدة عن المعنوية أراها تعابير جيدة. هذه التعابير، رغم أنها مختلفة جداً من حيث المفهوم، إلا أن مصداقها واحد. أي أن ظاهر هذه المفاهيم بعيد جداً عن بعضه ومتباين جداً، لكن بالتأمل ترون أن مصداقها واحد. ومن المشهود أن ما هو مصداق لهذا المفهوم، هو مصداق لذاك المفهوم الآخر والمفهوم الثالث أيضاً. وهنا أيضاً لا أريد أن أسهب في كل التعابير. أحد المفاهيم التي تبدو تعبيراً جيداً عن المعنوية هو «الدين المؤَنْسَن عقلانياً»، أي الدين الذي يصون فيه المرء العقلانية قدر وسعه؛ وكذلك الدين العقلاني التوجه والدينوي التوجه.
هنا حين نقول العقلانية أو العقل، أولاً ليس المراد بالعقل هو العقل النظري والعقلانية النظرية فحسب، بل المقصود هو «العقلانية النظرية» و«العقلانية السلوكية» معاً. نقول أحياناً مثلاً قبول «القضية أ هي ب» هو قبول عقلاني، هذه هي العقلانية النظرية. وحين نقول إن سلوكه كان عقلانياً، فهذه العقلانية هي العقلانية السلوكية. هنا لم يعد الكلام عن صدق قضية أو كذبها، أو مطابقتها أو عدم مطابقتها، ولم يعد الكلام عن امتلاك دليل على قضية أو عدمه، بل يدور النقاش حول أنه في الظروف والأحوال التي كان فيها الفرد المعني، قام بسلوك يمكن القول إنه كان أفضل سلوك أو سلوكاً متناسباً ولائقاً؛ هذه هي العقلانية السلوكية أو العملية. ثانياً، في قسم العقلانية النظرية أيضاً ليس المراد ذلك العقل الذي يقابل سائر الإدراكات، لأننا نقول أحياناً إن لدينا إدراكات عقلية، وحسية، ومشاهداتية، وتجريبية، وتاريخية، وشهودية، ونجعلها في مقابل الإدراك العقلي. فمثلاً نقول إن فروع الفلسفة المختلفة، أو المنطق أو الرياضيات تتعامل مع الإدراكات العقلية، لكننا في العلوم التاريخية نتعامل مع الإدراكات التاريخية، وفي العلوم الطبيعية التجريبية والإنسانية نتعامل مع الإدراكات الحسية والمشاهداتية والتجريبية، وفي العلوم العرفانية والشهودية نتعامل مع الإدراكات الشهودية والعرفانية، ليس هذا هو المراد. الهدف من العقلانية النظرية هنا هو معنى يشمل أنواع العقلانية الأربعة، أي كل ما توصل إليه الإنسان – فرداً كان أو نوعاً إنسانياً – بسلوك طرق خاصة. طبعاً هذه الإدراكات يشوبها الخطأ في داخلها، كما أن فيها الصواب أيضاً، لكن خطؤها وصوابها على أية حال قابلان للاكتشاف والانكشاف بمنهجية وطريقة موضوعية وعلمية. الآن إذا كان لدينا تصور عن الدين يصون هذه العقلانية ولا يهملها أو يزدريها، حينئذ يمكن القول إننا من أهل المعنوية. المعنوية بهذا المعنى (أي طراز من التلقي للدين يكون مساعداً وموافقاً للعقلانية أيضاً)، ليست متعارضة أو متناقضة مع العقلانية.
تعريف آخر للروحانية هو أنها تعني إدراك "نعاس" الإنسان و"سيره أثناء النوم"؛ هذا المفهوم يختلف كثيراً عن ذاك، لكن مصداقهما واحد. البشر العاديون، حتى لو كانوا متدينين بالمعنى المتعارف عليه للتدين، لا يشعرون بأنهم ناعسون، بأنهم نيام، وكذلك لا يشعرون بأنهم يسيرون أثناء النوم ويتحركون وهم نيام، أي أن الإنسان العادي، متديناً كان أم غير متدين، لا يشعر بأن غالب أو كل ما يفعله، لا يدري في الواقع لماذا يفعله. أي أنه لا يدري ماذا يفعل ولا يدري ما هي نتائج وآثار ما يفعله، تماماً مثل الأشخاص الذين يمشون أثناء نومهم فيقومون بألف فعل لها آثار ونتائج على أنفسهم وعلى سائر البشر والعالم من حولهم. لكنهم لا ينتبهون إلى ما يفعلون، ولا ينتبهون إلى لماذا يفعلون، ولا ينتبهون إلى ما هي آثار ونتائج هذه الأفعال التي يقومون بها على أنفسهم وعلى البشر الآخرين وعلى العالم؟ إنهم يسيرون أثناء النوم؛ الإنسان الذي يمكن أن يُقال عنه إنه روحاني هو الذي انتبه إلى أنه يسير أثناء نومه، انتبه إلى أنه نائم، إلى أنه ناعس، وبمجرد أن ينتبه الإنسان إلى أنه ناعس ويسير وهو نائم، فإنه حينئذ لا يعود يسير وهو نائم، في الحياة العادية، بماذا يمكن قياس عمق النوم والكون في النوم (المقصود هو النوم العادي)؟ بمقدار الاعتقاد بأنني لست في نوم. كلما ازداد اعتقادي بأنني لست في نوم، ازددت غرقاً في النوم. في النوم العادي، عندما تكون في عمق النوم، (النوم الذي يسميه علماء النفس بالنوم الكامل أو النوم التام) لا تعتقد للحظة أنك نائم. أنت على يقين تام بأنك نائم، لكن هذا دليل على أنك في نوم تام. إذا خرجت قليلاً من هذا النوم التام، ومِلتَ نحو اليقظة، إلى منطقة برزخية بين النوم واليقظة، فإنك للحظات تظن أنك تتعامل مع الواقع، وللحظات تظن أنك تتعامل مع الخيالات والأوهام وأنك نائم. متى تكون مستيقظاً؟ عندما تشعر تماماً أنك كنت في نوم، حينئذ يُقال لك إنك قد استيقظت. ما دام المرء غارقاً في النوم تماماً لا يمكن القول إنه مستيقظ، شدة النوم وضعفه وعمقه وضحالته ينبغي أن تُقاس بشدة وصلابة الاعتقاد باليقظة، فكلما ازداد اعتقادي بأنني مستيقظ، كنت أشد نوماً، وكلما ضعف اعتقادي بيقظتي، صرت بالصدفة أكثر يقظة. هذا صحيح في النوم واليقظة العاديين. وهذه النقطة صحيحة أيضاً في النوم واليقظة غير العاديين أو الروحيين. الأشخاص الذين يظنون أنهم منذ بداية حياتهم وحتى الآن، ومن الآن فصاعداً حتى يرحلوا عن الدنيا، مستيقظون ويعرفون ماذا يفعلون ولماذا يفعلونه ويعرفون آثار ونتائج أفعالهم، هم بسبب هذا الاعتقاد في الواقع نيام وراقدون. لكن بمجرد أن يلتفت الإنسان إلى أن كثيراً مما يفعله، لا يدري هو نفسه لماذا يفعله ولا يدري أساساً أنه يفعل شيئاً، وبتعبير مولانا:
نحن نضرب بالعصي على عَمَى/ فلا جرم نحطم القناديلَ
عندما يفهم المرء أنه يضرب بالعصا على عَمَى، وفي هذا الضرب بالعصا قد تصيب العصا جَرَّةً أو زجاجةً أو دُرَّةً أو جوهرةً فتنكسر، وخلاصة القول، عندما يفهم أنه يضرب بالعصا على عَمَى ولا يدري ماذا يفعل، يمكن أن يُقال عن هذا إنه قد صار روحانياً، وبقدر ما تشتد هذه المعرفة، يصير الشخص روحانياً. الآن، هل اليقظة الكاملة، التي تعني أنني أفهم جيداً أنني في نوم، ممكنة في هذه الحياة الدنيا أم لا؟ مثلاً، رُوي حديث عن النبي (ص) أن "الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا"، أي أن الناس نيام وعندما يموتون يستيقظون، وطبقاً لتفسير يمكن القول إن اليقظة الكاملة غير ممكنة إلا بالموت، ولكن طبقاً لتفسير آخر يمكن القول: لا، فكلمة "الناس" قيلت أي عموم الناس وليس جميع الناس وكلهم، هؤلاء هنا نيام، وبطبيعة الحال إذا كان حديثنا عن هؤلاء أيضاً، فهؤلاء أيضاً نيام حتى موتهم، لكن هناك بعضاً ليسوا من النيام أصلاً؛ في هذه الحياة الدنيا هم أيقاظ ومتنبهون. على أية حال، يمكن توظيف هذا أيضاً في تعريف الروحانية.
ويمكن أن نذكر تعبيراً ثالثاً (طبعاً لم يتم إيضاح كل هذه التعابير بعد، أريد الآن فقط أن أقول إن هذه في نظري تعابير لائقة وجديرة لتعريف الروحانية. قد ترد عليها إشكالات عند بسطها، وهذا غير مستبعد. لكني أحس بأنها تعريفات جيدة للروحانية، وكما قلنا فإن مصداقها واحد). وهو أن يكون المرء روحانياً حين يسأل عن كل ما يواجهه: "ما صلتي بهذا؟" وسأقول لاحقاً إن الفرد الروحاني سيضيّق دائرة "ما صلتي بهذا؟" هذه. إن كان ذا صلة بي، انشغلت به، وإن كان لا صلة له بي، تركته. نضرب مثلاً جيداً من بوذا، تمثيله الخالد في الحياة الدينية هو قوله: افترض أنك تسير مع صديقك في طريق، فجأة يصيب سهم صدر صديقك فيسقط. هنا يمكن أن يكون لك تعاملان مع هذه الظاهرة: الأول أنك ما إن ترى السهم أصابه وسقط، حتى تقول: أيها الناس أسرعوا وانظروا من الذي رمى هذا السهم؟ من أي ارتفاع رُمي؟ من أي زاوية رُمي؟ ماذا كان يقصد من رميه؟ هل كان رميه عمداً أم خطأً؟ ما مادة هذا السهم؟ هل يُنتج سهم مماثل له أم لا؟ هل استُعملت هذه السهام من قبل أم لا؟ هل يُقتل بهذا السهم غير البشر فقط أم يُقتل به البشر أيضاً؟ وقس على هذا... هذا أسلوب تعامل، وأسلوب التعامل الآخر هو أنك ما إن ترى صديقك أصابه السهم وسقط أرضاً، حتى ترفعه وتقول: أيها الناس هبّوا كي نوصله بأسرع ما يمكن إلى طبيب لينزع هذا السهم ويضع على موضعه مرهماً ويقوم بعلاج وتضميد وما شابه ذلك... أي الأسلوبين في التلقي يبدو في نظر الفهم العرفي (common sense) لدينا أسلوباً أكثر عقلانية؟ هنا في الواقع العقلانية السلوكية والعملية هي محل البحث. إذا تبنى شخص أسلوب التلقي الأول، فإننا نشك في صدقه وصداقته وشفقته وحنانه تجاه هذا الشخص المصاب بالسهم، ونقول: يبدو أنه يريد أن يماطل بالوقت حتى يموت هذا، وإلا فليس هذا أوان هذه الأحاديث.
كان بوذا يقول إني أرى كثيراً ممن يتشدقون بالدين والفلسفة وما شابه ذلك، يقومون بالعمل الأول، لا العمل الثاني. لأنهم يقولون لنا: أيها الناس تعالوا نريد أن نثبت هل العالم متناهٍ، أم غير متناهٍ؟ جئنا لنثبت من أين أتينا وإلى أين سنذهب، لماذا جيء بنا؟ متى سيُذهب بنا؟ العلية قائمة هنا. النظام هو نظام الجوهر والعرض. أريد أن أبحث في الثبات والتغير والفعل والسكون، وفي الحركة وما شابه ذلك. أما أنا بوذا فقد جئت لأقول إننا نعاني في هذه الدنيا، فافعلوا شيئاً يخفف هذه المعاناة، أو يزيلها إن كانت قابلة للإزالة. لننشغل بإزالة الآلام أو على الأقل تقليلها؛ ما شأني في الواقع إن كان العالم متناهياً أم غير متناهٍ؟ ما صلتي بهذا؟ طبعاً هناك مطلب، وهو أنك إذا أوصلت هذا المريض إلى الطبيب كي ينزع السهم ويضمده ويعالجه بأسرع ما يمكن، حينها قد يقول الطبيب: لكي أعرف أي مرهم أضع هنا، يجب أن أعرف مادة السهم. إذن ابحثوا عن مادة السهم بالقدر الذي يقتضيه الضرورة، يجب أن أعرف من أي مسافة أُطلق هذا السهم؟ حسناً... نقوم بهذا البحث أيضاً، لكن "الضرورة تقدر بقدرها". الأمر الضروري يُشتغل به بقدر ضرورته. معناه أنه إذا توقف حل إحدى تلك المسائل يوماً على معرفة لماذا نعاني نحن البشر، فهناك بالطبع نشتغل بتلك المسائل بمقدار ما يتوقف عليها. لكن يجب الانتباه دوماً إلى ألا تحل شبه المسائل محل المسائل. كون رامي السهم رجلاً أو امرأة، لا تأثير له هنا على الظاهر، وإذا تم البحث في كون رامي السهم رجلاً أو امرأة، فنحن في الواقع نتعامل مع شبه مسألة لا مع مسألة.
لا ينبغي أن نخلط بين "أشباه المسائل" و"المسألة". ولكي لا نخلط بينهما، ينبغي أن نسأل عن كل ما نواجهه: ما صلته بي؟ فإن وجدت له صلة بي، فهو مسألة (problems)، وإن لم تكن له صلة بي، فهو في الحقيقة مسألة زائفة أو كاذبة أو وهمية. ثمة تمثيل مشابه عند بوذا، حيث كان يقول: كم هي المسائل التي ليست أشباه مسائل؟ هناك أربع مسائل ليست أشباه مسائل: ما هي المعاناة؟ ما هو منشأ المعاناة؟ ما هو الشيء الذي يزيل المعاناة؟ وما الذي ينبغي فعله لإزالة المعاناة؟ هذه هي المسائل، وما عداها فأشباه مسائل. وبتعبير آخر، إن رؤوسنا تُخدع بتلك المسائل المزعومة (أشباه المسائل)، (ثمة ما يشبه هذا عند مولانا، وأنا على يقين من أنه في هذا التمثيل متأثر ببوذا).
يقول مولانا: كان شخص قد أطال عنقه على جدول ماء ليشرب، فمر به آخر، فرأى عنقاً عجيباً ممدوداً ومتناسباً للصفع، فوسوس له الشيطان أن يصفعه صفعة. فلما صفعه، أمسك به هذا المسكين بالآهات والنواح والجزع والفزع قائلاً: لماذا تظلمني؟ وأي ظلم فعلته بك؟ سأشكوك إلى المحكمة. فقال له الذي صفعه: كل ما تقوله في حقي صحيح، لم يكن من حقي أن أظلمك، وسآتي إلى المحكمة وأقر بكل شيء، ولكن قبل أن نذهب إلى المحكمة، لدي سؤال: هذا الصوت الذي ارتفع، أتراه صدر من عنقك أم من يدي؟ ما علة هذا الصوت؟ ابحث عن علة الصوت الذي ارتفع، أمن عنقك كان أم من يدي؟ فأجابه: من طريقة سؤالك فهمت أنك عديم الوجع، فصاحب الوجع لا يطرح هذا السؤال أبداً.
يستفيد مولانا من هذا التمثيل للفلاسفة، فيقول إن الفلاسفة عديمو الوجع، هم الذين يتحدثون عن الجوهر والعرض، والحركة والسكون، والثبات والتغير، والعلة والمعلول، والقوة والفعل، والتناهي واللاتناهي، وأمثال هذه الأقاويل. أما الإنسان الذي به وجع فيقول: يا سيدي، ماذا أفعل؟ بهذا الوقت القليل الذي أملكه أريد أن أخلص. أريد ألا أخسر في سوق هذا العالم. ماذا أفعل كي لا أكون في جملة الخاسرين؟ دعوا تلك الأمور لعديمي الوجع، وعديمو الوجع بالطبع يقومون بعملهم ولا أهمية لذلك، ولكن على كل حال، إن كان قد نشأ فيك وجع، فلا ينبغي أن تذهب وراء ذلك.
الإنسان المعنوي هو من يواجه كل شيء فيسأل: هل لهذا صلة بي أم لا؟ ولكن ينبغي أن نقول مع قيد، وهو أن مسألة الصلة بي أو عدمها ينبغي أن تُسأل أيضاً: هل له صلة بـ"ماذا ينبغي أن أفعل؟" هل له صلة بما ينبغي لي فعله؟ لأن هناك أشياء كثيرة لا صلة لها بـ"ما ينبغي لي فعله". علينا أن ننظر ما هي صلته بـ"ما ينبغي لي فعله".
وهنا ينبغي أن نستفيد من نقطة. منذ القدم في عالم الفلسفة والحكمة، كانوا يقولون إن للبشر سلسلة من الأسئلة الأساسية العظيمة المهولة. وعندما نسأل ما هي هذه الأسئلة، يقولون إنها: من أنا؟ أو ما أنا؟ من أين جئنا؟ (أي قبل الدنيا)، وإلى أين سنذهب؟ (أي بعد الدنيا)، ما هو موطننا هذا؟ أمتناهٍ هو أم لامتناهٍ؟ هل من عوالم أخرى غير عالم الطبيعة أم لا؟ وإن كان ثمة عالم آخر، فما صلة ونسبة عالم الطبيعة هذا الذي يحيط بنا بذلك العالم أو العوالم؟ هل للكون هدف أم لا؟ هذه تسمى الأسئلة الأساسية. برأي شخص كبوذا، وفي الغرب أول من قال هذا صراحة هو دوستويفسكي (المفكر والروائي الروسي) الذي كان يقول: إن هذه المسائل الأساسية كلها أيضاً أشباه مسائل، وليست أي منها المسألة الأساسية. المسألة الأساسية هي: ما العمل؟ أو بتعبير أدق: ماذا ينبغي أن أفعل؟ والآن، إن كان حل "ما العمل؟" أو "ماذا ينبغي أن أفعل؟" يتوقف على جواب بعض تلك المسائل الأخرى، أي أن أعرف جواب بعض تلك الأسئلة ثم أتمكن من الإجابة على السؤال الأساسي؛ فبقدر ما يتوقف عليه، أتناول الأسئلة الأخرى أيضاً. لكن المسألة الأساسية، بتعبير دوستويفسكي وبوذا في الشرق، هي: ما العمل؟ أو ماذا ينبغي أن أفعل؟ وكل مسألة لا صلة ولا نسبة لها بهذا، فهي شبه مسألة. إلا إن كان لها أثر في ما ينبغي أن أفعله، وفي كيف أعيش (أحيا) هذه السبعين أو الثمانين عاماً.
برأيي، الإنسان الروحي هو من يواجه أي أمر فيسأل: هل له صلة بكيف أعيش؟ أم لا صلة له؟ إن لم تكن له صلة، يتركه وشأنه، لا يهمه نفيه ولا إثباته، لا قبوله ولا رده، لا نقضه ولا إبرامه، أما إن وجد صلة بكيف ينبغي لي أن أعيش، حينئذٍ يشتغل به. لذا فإن البشر الروحيين هم أولئك الذين يتسمون في الاشتغال بأمور العالم بالشح والبخل والاقتصاد الشديد؛ يتركون أكثر أمور العالم والناس وشأنها، يقولون: ليس لدينا وقت ولا طاقة ولا استعداد لأمور الدنيا – من منظور الإنسان الروحي – هذا ليس عملاً عقلانياً، وليس عملاً حكيماً، إنه عمل عبثي. والآن، إذا كان الإنسان الروحي بهذه الصورة التي عرّفناها، فمعنى ذلك أن هذا الإنسان حين يرجع إلى الكتب المقدسة الدينية والمذهبية أيضاً (سواء رجع إلى نصوص دينه ومذهبه أو إلى سائر الأديان والمذاهب) يريد أن يستخرج حتى من الجمل الخبرية المحضة جملًا إنشائية محضة. إن "الله موجود" وهي جملة خبرية تماماً، أو "هناك حياة بعد الموت" وهي أيضاً جملة خبرية؛ إذا كان هاجسه هو ما صلتها بـ "ماذا ينبغي أن أفعل"، حينئذٍ يقول: ما الذي يتحصل لي من "الله موجود" لأجل "ماذا ينبغي أن أفعل"؟ ما الفرق الذي يحدثه وجود الله أو عدم وجوده، على ما ينبغي لي أن أفعله وما ينبغي لي ألا أفعله؟ هناك حياة بعد الموت؛ ما تأثير هذا على ما ينبغي لي أن أفعله؟ إنه يسعى دوماً لأن يستخرج الإنشاءات حتى من صميم الخبريات الصريحة والمحضة. أوامر ونواهٍ، أو بتعبير أفضل توصيات؛ يريد أن يستخرج من صلب كل وصف توصية. فبالتوصيات نصل إلى ما "ينبغي لي أن أفعله".
والآن، بالنظر إلى هذا، حين أقول "الروحانية في نهج البلاغة"، أعني أنني أريد أن أرى ماذا قال علي بن أبي طالب بشأن "ما ينبغي فعله"، لكن معناه ليس أننا نبحث في نهج البلاغة عن الجمل الإنشائية فقط، بل إننا نذهب إلى الجمل الخبرية أيضاً. بل نذهب إلى الجمل الخبرية أولاً، حتى نستخرج من صميم هذه الجمل الخبرية جملاً إنشائية أيضاً. هنا يمكن القول إننا نبحث عن الروحانية في نهج البلاغة. طبعاً، قبل أن ندخل في البحث، ينبغي ذكر نقطة، وهي: إن رجوع الإنسان الروحي إلى النصوص المقدسة الدينية والمذهبية الخاصة به أو النصوص المقدسة الدينية والمذهبية لسائر الأديان يختلف اختلافات مهمة جداً عن رجوع الإنسان غير الروحي، وأحد هذه الاختلافات هو أن الإنسان الروحي يبحث في الجمل الخبرية عن الإنشاءات والنتائج الإنشائية، بينما الإنسان المتدين غير الروحي ليس كذلك. لكن على أية حال، يسعى الإنسان الروحي إلى استنتاج سلسلة من الإنشاءات من الخبريات. معنى هذا أنه بالنسبة للإنسان الروحي، من المضحك أصلاً – كما يحفظ الأطفال مثلاً أن الماء مركب من الأكسجين والهيدروجين، أو كيف تُحسب المساحة الجانبية للمكعب، أو كيف ينشأ الـ DNA؛ أو أن الله موجود، والحياة بعد الموت موجودة أيضاً، أو من كان أب نبينا ومن كانت أمه، وقس على هذا... – إنهم لا يعتبرون الدين محفوظات إطلاقاً، لا القضايا الكبيرة جداً جداً منه مثل "الله موجود" و"الحياة بعد الموت موجودة" و"النبوة قائمة" وكذا، ولا القضايا الأبسط بكثير. الإنسان الروحي، حين يسأل عن أية قضية، إنما يبحث عن جدواها له، ولذا يُعتبر الإنسان الروحي – بالنسبة للمتدينين العاديين – غير عادي جداً، لأنه حين يُقال له: كم كان عدد شهداء أُحد؟ يقول: ما صلة هذا بنا؟ أو حين يُقال له: عُرج بالنبي إلى المعراج، يقول: ما صلته بي؟ إن استطعت أن تستخرج من صلب كون النبي قد عُرج به إلى المعراج شيئاً يتعلق بـ "ما ينبغي لي أن أفعله"، فقله، وإلا فلا تقصص عليّ القصص. تعامل الإنسان الروحي مع الدين وما يرد في النصوص المقدسة الدينية والمذهبية هو تعامل براغماتي جداً. إنه يفكر كما يقول الغربيون Realpolitik (واقعياً)، أي يفكر في الواقع، الواقع، الواقع. كل ما لا يتصل بهذا، فهو عنده، قليلاً أو كثيراً، أشبه بالأسطورة والقصة، هذا مع افتراض أنها قصص غير نافعة. بعض القصص نافع جداً لمقام العمل، أما هذه فقصص غير نافعة. طبعاً، مثل هذا الإنسان، كما يقول مولانا، ليس قارئ حكايات، وليس كاتب حكايات أيضاً. إنه يريد أن يجد نقد حالنا فحسب في كل شيء. في كل قصة وحديث وآية، أريد أن أجد نقد حالي أنا فقط، هل يجد صلة بي وبـ "ما ينبغي لي أن أفعله" أم لا؟
والآن ننوي أن ندخل بهذه الرؤية إلى متن نهج البلاغة ونرى إن دققنا النظر، ما الذي يمكن استخلاصه من نهج البلاغة من أجل "ما ينبغي فعله" أنا. ربما ما يرد في نهج البلاغة، شأنه شأن أي كتاب ديني آخر، يتعلق بما وراء الطبيعة والميتافيزيقا. حول كيف يكون الكون وعلى أي وضع هو؟ يُعبَّر عنه في قوالب مختلفة. قوالب قضوية، وجملية، وأحياناً باستخدام فنون بلاغية مختلفة، فيُستخدم المجاز والاستعارة والكناية والرمز والتمثيل والتشبيه وسائر الفنون البلاغية (ولسنا بصدد تنوعاتها حالياً). سلسلة من مباحثه هي أيضاً ما وراء طبيعية وميتافيزيقية. توجد في نهج البلاغة سلسلة من المسائل هي أنثروبولوجيا نهج البلاغة، وتتحدث عن الإنسان وفرد نوع الإنسان، ماضيه وحاضره ومستقبله وساحات وجوده المختلفة. وهناك سلسلة من المباحث هي مباحث أخلاقية، في علم الوظائف، تقول ما ينبغي فعله وما لا ينبغي فعله، وكيف ينبغي أن يكون وكيف لا ينبغي أن يكون، وأمثال ذلك...
1- المباحث الوجودية أو الكونية
2- الأنثروبولوجية
3- علم الوظائف والأخلاق
لكن اهتمامنا هو أن نستخرج من صلب المبحثين الأول والثاني المبحث الثالث أيضاً. وإلا فأنا أعتقد أنه إذا لم يُستخرج من قضية "الله موجود"، التي تُعد من أهم القضايا الفلسفية، شيءٌ يتعلق بالوظيفة، فإن "الله موجود"، لا تختلف البتة عن "ثلاث نملات تتحرك على هذا الجدار"، أي كم هي مهمة بالنسبة لك معرفة أن ثلاث نملات تمشي؟ لا فائدة لك منها البتة، ولا ضرر في عدم معرفتها. إذا كان "الله موجود" أيضاً لا يُستخلص منه شيء في مقام الوظيفة وفي كيف ينبغي أن أعيش، فأي صلة له بحياتي؟ مثلاً، لا فرق بين أن نعرف أو لا نعرف كم عدد أوراق الشجر خلف هذا الجدار. "الله موجود" أو "الحياة بعد الموت موجودة"، هي بنفس القدر من اللامبالاة، ما لم ينتج من صلب هذه الأقوال شيءٌ مثل: هكذا ينبغي أن نحيا، وهكذا لا ينبغي أن نحيا، هذا القول ينبغي أن يُقال، وذاك القول لا ينبغي أن يُقال، وقس على هذا...
نبدأ أولاً ببعض القضايا (الميتافيزيقية) في نهج البلاغة، انتبهوا إلى أنه من بين القضايا – وكما هو الحال في القضايا الأنثروبولوجية وعلم الوظائف، لا يمكننا إحصاؤها كلها – كلها أيضاً يصير هذا الكتاب كله (كتاب نهج البلاغة). في الواقع، ينبغي التطرق إلى القضايا التي تُعد، من جهة ما، أهم بالنسبة لنا، وبتعبير آخر نعبر عن هذه الكبريات. عندما تُعبر هذه الكبريات، فربما يمكن استخلاص الصغريات أيضاً من صلب هذه الكبريات، بسلسلة من الاستنتاجات المنطقية. ربما يمكن القول إن أكبر قضية ميتافيزيقية وردت في نهج البلاغة، هي عن الله، وبتعبير أفضل هي القضايا التي حول الله. قبل أن نشرح هذه القضايا، سنشرح أولاً أن الله، على الأقل في الأديان الغربية أي في اليهودية والمسيحية والإسلام، وبالأخص في الدينين الغربيين أي اليهودية والإسلام، وبمعنى أخص من ذلك الأخص الذي كنت أقصده، في الإسلام الله هو متعلق عبوديتنا، أي أن الله معبود والإنسان عابد لله، ينبغي للإنسان أن تكون له عبودية تجاه الله. يجب أن نكون عابدين ويجب أن يكون الله معبوداً. بالتعبير الفارسي "پرستش"، يجب أن نكون عابدين له وهو معبودنا. الآن، قبل أن نتطرق إلى ما هو ذلك الموجود الذي يجب أن تكون لنا تجاهه عبودية، لنتطرق إلى ما هي العبادة؟ في الأديان الإبراهيمية، وكما يُفهم من لفظ عبد وعابد ومعبود وعبادة وعبودية...، "العبودية هي، سلب الحرية بحرية".
المولى يعني الصاحب والسيد، والعبد يعني في الواقع الأسياد. هذه العبادة المطلوبة منا في هذه الأديان هي في الحقيقة نوع من الرق ونوع من العبودية. حسناً، ما هي حقيقة العبودية والرق؟ إنها فقدان الحرية. نقول عن شخص إنه عبد لآخر، حين يتنازل عن حريته أمام ذلك الشخص، حين يتخلى عن حريته. إذا جعلت نفسي مسلوب الإرادة أمامك، فقد صرت عبداً لك، وبمقدار ما أفعل ذلك تجاهك، أكون عبداً لك، أقل فأقل، وأكثر فأكثر. في الحقيقة، العبودية هي سلب الحرية عن طواعية. كلما سلبتُ حريتي عن طواعية أمام أحد، فقد جعلت نفسي عبداً له. والآن، في الأديان الغربية – لا نريد الخوض في الأديان الشرقية حالياً، وعندما ندخل في الأديان الغربية أيضاً، حينها يجب أن نتعامل مع لب الدين بقشرة لنصل إلى لب اللباب -؛ ولأننا نتحدث عن نهج البلاغة، فإننا نتعامل فقط مع الأديان الإبراهيمية وخاصة الإسلام. هنا يجب عليّ أن أسلب حريتي عن طواعية أمام حرية الآخرين. والآن، ذلك الآخر الذي يجب أن أسلب حريتي عن طواعية أمامه، هو الله. يجب أن أرى كيف هو ذلك الإله في تلقي الإسلام ونهج البلاغة؟ ذلك الموجود الذي أحرم نفسي من حريتي عن طواعية أمامه. كيف هو ذلك الموجود الذي يجب أن يؤثر في "ما ينبغي أن أفعل". إن البحث في ذلك الموجود الذي يجب أن أكون عابداً له وهو معبودي، يؤدي إلى كشف كيفيات ذلك الموجود الذي يؤثر في "ما ينبغي أن أفعل". والآن لنرَ ما هي صفات الله المؤكدة في نهج البلاغة.
الصفة الأولى: الصفة الأولى لله، هي وحدانية الله، أي أن الله واحد. إذا كان الله واحداً، وكان ذلك الإله الواحد يجب أن يكون معبودنا، فمعنى ذلك أنه يجب أن نُسلب الحرية أمام موجود واحد فقط، يجب أن تُسلب حريتنا. لا شأن لنا الآن بمدى اختلاف آثار ونتائج هذا الفعل، إذا كان على الإنسان أن يُسلب الحرية أمام موجود واحد، مقارنة بمن يُسلب الحرية أمام أكثر من موجود؟ لأن ذلك يجب أن نبحثه في القسم الأنثروبولوجي من نهج البلاغة. في الوقت الحالي نقول إن ذلك الإله الذي يجب أن يكون معبودنا، ليس أكثر من واحد. لذلك نحن فقط أمام موجود واحد نجعل أنفسنا مسلوبي الإرادة. هذا في الواقع "ينبغي"، أي أنه يرتبط بكيف ينبغي أن نحيا وكيف ينبغي أن نفعل.
الخاصية الثانية: هذا الموجود الذي ليس إلا واحدًا، له خاصية ثانية وهي أنه غير محسوس بالحواس. لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار. لقد جرى التأكيد في نهج البلاغة على هذا الأمر، أي على كونه غير محسوس، تأكيدًا كثيرًا؛ فهو غير محسوس أيضًا. أولاً إذا لم يكن ذلك الموجود إلا واحدًا، وثانيًا إذا كان غير محسوس أيضًا، فليس ينبغي أن تُسلب إرادتكم أمام أيٍّ من هذه الأشياء التي ترونها، لأنها محسوسة وقد تقرر أن ذلك الموجود غير محسوس. أي أنني لا ينبغي أن أُسلب إرادتي أمام أي إنسان، لأن الإنسان محسوس والإله المعبود غير محسوس، وهذا بذاته يدل على أن هذا ليس إلهًا. نحن لا نعلم الآن ما هو الإله ولكننا سنقول لاحقًا إن حُسن الإله كامن في أننا لا نعلم ما هو فحسب، بل إننا لن نعلم ما هو حتى في المستقبل. إن كل ما للإله من حُسن في 'ما ينبغي أن نفعله' هو حُسن سلبي، وسنتحدث عن هذا لاحقًا. كنا نقول حتى الآن إنه غير محسوس، وسنرى لاحقًا أن الإمام عليًا (ع) يؤكد تأكيدًا بليغًا على أنه غير مدرَك أصلًا وليس قابلًا للإدراك الحسي، وفي الواقع إن حُسنه كامن في أن نعلم أن المحسوسات ليست هي الإله، وهذا له أثر في حياتنا. حسنًا... الآن إذا كانت المحسوسات ليست هي الإله، فما هي هذه المحسوسات؟ لا شك أن أهم المحسوسات التي يجب أن نكون جادين في نفي ألوهيتها هم البشر. وبالطبع كل المحسوسات هكذا، لكن لماذا ينبغي أن نكون في أشد الجدية هنا؟ لأن نفي الحرية أمام موجود له علم وإرادة وأمر ونهي، هو أكثر معنى بكثير من نفي الحرية أمام موجود لا علم له ولا إرادة ولا أمر ولا نهي أصلًا. بعبارة أخرى، قد تقول إذا كان الإله غير محسوس، أي لا ينبغي أن يُتخذ صنم خشبي أو ذهبي أو فضي أو نحاسي أو حجري إلهًا، وهذا صحيح، لكن اتخاذه إلهًا لا يقع كثيرًا في الحياة، لأن الإنسان يسلب حريته أمام موجود له علم وإرادة وأمر ونهي، حينئذ يقول المرء: إزاء ما أمر به ونهى عنه، سلبتُ كل رغبة وكراهة من نفسي وعطلت كل ميل ونفور في داخلي. لذا فالصنم الخشبي ليس خطيرًا جدًا أن تعتبره إلهًا، لأنه لا يأمر ولا ينهى، حتى إذا سلبت إرادتك أمامه يؤدي بك إلى مآزق، إنما الأصنام المهمة هي التي تأمر وتنهى أيضًا، أي الموجودات التي لها علم وإرادة وبالطبع يمكن أن يكون لها أمر ونهي. إذن فالبشر هم أول ما يمكن أن نتخذهم آلهة. لكن من الأشياء الأخرى المحسوسة هي 'الأنا' نفسها. فأنا نفسي لست إلهًا، وبالتالي لا أستطيع أن أكون تابعًا لأمري ونهيي، أي لا أستطيع أن أكون مسلوب الإرادة أمام نفسي. يقول القرآن: أفرأيت من اتخذ إلهه هواه، ذاك الذي اتخذ هواه إلهًا، مع ذاك الذي قال فيهم: اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا، أي اتخذوا بشرًا آخرين أربابًا، وهنا في الواقع أكون قد اتخذت نفسي إلهًا. مع أنني أعلم أنني محسوس، فبطبيعة الحال، عندما لا أكون في عالمي الإنساني إلهًا، ولا البشر الآخرون آلهة، فمعنى ذلك أنه لا ينبغي أن أتخلى عن حريتي إزاء هذه الأمور، (حسنًا... بالأولوية لا أعتبر الحيوانات والنباتات والكائنات آلهة أصلًا). والآن هل تنحصر المحسوسات حقًا في المحسوسات التي تأمر وتنهى بنفسها، مثل البشر الآخرين؟ بالطبع ليس الأمر هكذا، أي قد يتخذ أحدهم الثروة إلهًا، أو ربما يتخذ القوة الاجتماعية والجاه والرئاسة والشهرة إلهًا، وهذه أيضًا سلسلة من الأمور ولا يمكن اتخاذها آلهة. وبالطبع يختلف اتخاذ ذلك النمط من الموجودات إلهًا عن اتخاذ هذا النمط من الموجودات إلهًا. فذلك النمط من الموجودات، مثل إنسان أعتبره إلهًا فأكون تابعًا ومطيعًا لأمره ونهيه، يختلف عن حين أعتبر الثروة إلهًا، فالثروة والقوة والحيثية الاجتماعية والشهرة لا تستطيع بنفسها أن تأمر الإنسان وتنهاه، إذن كيف يمكن أن يجد اتخاذها إلهًا معناه هنا؟ يجد معناه بأن أتعلق بها، ولأنني أتعلق بها أتخلى عن حريتي للحصول عليها. هكذا يجد معناه، وإلا فليس من معنى محصل أن يقول قائل إن العملة الورقية أو النقدية صارت إلهًا لأحدهم، لأن النقود لا أمر ولا نهي لها. عندما أجد نوعًا من تعلق الخاطر بهذه الأشياء، حينئذ أسعى للحصول عليها بأي ثمن. هذا 'بأي ثمن' هو عينه ما يجعل الإنسان هنا يتخذ الدنانير والدراهم إلهًا.
بهذا المعنى يُقال مثلاً إن فلاناً اتخذ الدنيا إلهاً له، فعندما تُذكر الدنيا يُقصد بها الماديات التي هي بمنزلة الجمادات، ولكن لأننا نتعلق بها قلبياً نكون على استعداد للتنازل عن أي حرية من أجل امتلاكها، فنصبح في الأصل عبيداً لها. وكأن الأوراق النقدية والنقود المعدنية تأمرني، وبتعبير آخر عندما يتعلق قلب شخص بكائن ما ولو كان نقوداً معدنية أو ورقية، فإنه يفقد حريته تجاه محبوبه، فالمُتعلِّق يكون دائماً في حالة عبودية تجاه متعلَّقه، أي نوع من سلب الحرية. وسلب الحرية هذا ذو مراتب. لكن بعد ذلك يُقال إن هذا الإله الذي لدينا ليس محسوساً، ويُقال إن الإله الذي لدينا ليس مُدرَكاً أيضاً، بل هو فوق الإدراك. حسناً... إذا كان فوق الإدراك، فمعنى ذلك أن أي شيء يكون متعلَّقاً للإدراك ينبغي ألا يُعتبر إلهاً لي، ومن أهم هذه الأمور تصوراتنا عن الله. فتصوراتنا عن الله ينبغي ألا تُعتبر إلهاً أيضاً، لأن أي تلقي عن الله، كونه تصوراً عن الله، ليس هو الله، لأن الله فوق الإدراك. وأي تصور أملكه عن الله، بما أنه وقع متعلَّقاً لإدراكي، فليس هو الله[1]. أي ليس فقط في الحياة الجمعية، بل حتى لو كان لدي تلقي عن الله، فينبغي ألا أكون مفتوناً ومتعلقاً بهذا التلقي وكأنني أعبد هذا التلقي. وهنا يكون كلام محيي الدين بن عربي في الصفحة الأخيرة، الفقرة الأخيرة من الفصوص، مشهوراً جداً: أن أي تصور تملكونه عن الله فليس هو الله، ولذلك ينبغي ألا تتعلقوا بذلك التصور. فالله لا يقع في ظرف الإدراك. وهذا نظير كلام منقول عن الإمام محمد الباقر (ع): كل ما ميَّزتموه بأوهامكم في أدق معانيه فهو مصنوع لكم مردود إليكم. أي تصور تملكونه عن الله فهو من صنعكم ومصنوعكم. الله صانعي وصانعكم، لكن هذا التصور الذي أملكه عن الله مصنوع. بلغة أبسط، أي ينبغي ألا نكون مفتونين بأفكارنا نحن أيضاً، حتى لو كان متعلَّق هذه الأفكار هو الله. فالافتتان بأفكارنا يعني عبادة الذات، وعلينا أن نعبد الله لا أنفسنا.
الله وحده يعلم كيف ينبغي للإنسان أن يعيش. لم يأتِ الله في الدين ليقوم بتفسير حقائق، كما هو الحال في الفلسفة، ولم يأتِ في الدين لكي نقوم، استنادًا إلى التصور الذي نحملُه عنه، بإصدار أحكامٍ بالنفي والإثبات والرد والإبرام. لقد جاء الله في الفكر الديني ليوضِّح كيف تكون مجموعةُ أساليب الحياة الخاطئة؛ ومن هذه الناحية كنتُ أقول إن له جانبًا سلبيًّا. جاء الله ليقول مَن هم الذين يعيشون بطريقة خاطئة، وبهذا المعنى فإن الله، في رأيي، هو entity brening في الدين. إنه ليس كائنًا، بل هو directive، أي أنه دليلٌ ومرشد. لا أريد أن أقول إن الله غير موجود، بل أتحدث عن وظيفة الله. هناك مَن يعتقدون بوجودٍ مشخصٍ لله، وآخرون بوجودٍ غير مشخص؛ والذين يعتقدون بالوجود المشخص، يعتقدون أحيانًا بوجودٍ مشخصٍ شخصيٍ وأَنثروبومورفي، وأحيانًا بوجودٍ مشخصٍ غير أَنثروبومورفي. إذن، سواء كان الله غير مشخص، أو مشخصًا أَنثروبومورفيًّا، أو مشخصًا غير أَنثروبومورفي، فإن وظيفته في الدين، في الأحوال الثلاثة، هي وظيفةُ لافتةٍ إرشادية (directive). أي أنه يقول، مثلًا، هذا هو الطريق إلى مشهد، وبقيةُ الطرق ليست هي الطريق إلى مشهد. عندما يُنصَب سهمٌ ويُقال إنه يتجه نحو مشهد، فإن فنَّ هذا السهم وفقط هو أن نعرف مَن هم الذين يخطئون ولن يصلوا إلى مشهد. له حالةُ لافتةٍ وسهمٍ إرشادي، وإن لم يكن الأمر كذلك، فسيسأل الإنسانُ الروحي: وما علاقتي بهذا؟ إذا قلتم إن الله ليست له أيُّ وظيفةٍ إرشاديةٍ كلافتة، فبقدر ما يفتقر إلى هذه الوظيفة الإرشادية، ما علاقتي به؟ إن وجود الله في العالم لا يختلف عندي عن وجود تلك النملة التي ذكرتُها. لذلك، ينبغي أن يكون الله بالنسبة لي directive. أي أن يكون علامةَ طريق. كما قال ذلك الشاعر:
في الواقع، نحن بالله الذي يتحدث عنه الدين، نعرف أيَّ أنماط العيش يعتبرها الدين خاطئة، هذا كل ما في الأمر.
وهنا يبرز سؤال: إذا كان الله لا يمكن تصوُّره، ألا يعني ذلك أنه لا يمكن التواصل معه؟ هذا صحيح. مثلًا، افترض أنك شرطي، وتقول لرئيس المخفر: أنت ترسلني للبحث عن قاتل، ولا بد أن تكون لديَّ صورة عنه. فيوافق الرئيس قائلًا إنك على حق، ويُريك صورة. فإذا قال الشرطي عندما يرى الصورة: إذا كان القاتل هو هذا فخذوها، إلى أين ترسلونني إذن؟ حينها سيقولون: لا شك أننا كنا بحاجة إلى هذه الصورة، ولكن بشرط أن تكون على علم بأنها مجرد صورة، فإن لم تكن تعلم أنها صورة فلستَ شرطيًّا أصلًا، بل مجنون. إذن، ينبغي أن أُريك صورة، ولكن بشرط ألا تعتبرها كائنًا مستقلًا، بل أن تراها كائنًا آليًّا، وأن تعتبرها أداةً لا غاية. أي يجب أن تعلم أن هذه الصورة تشير إلى كائن لا نعرف أين هو الآن في طهران، وسنرسل مأمورًا للتو ليجده. هذا هو ما قصدناه بالفرق بين الإيمان والاعتقاد. أن تنتبه إلى أنهم أَروْكَ علاماتٍ وإمارات، لكن لا تظن أن صاحب العلامة هو هذه. لذلك، إذا كنتُ الآن أتضرع وأدعو وأناجي الله (الإله الشخصي والأَنثروبومورفي في دين الإسلام) وأتصور كائنًا، فلا إشكال في ذلك، لكن ينبغي ألا تتصور أن هذا الكائن هو المحكي عنه، بل اعلم أنه حاكٍ. مثل الأم التي تؤطِّر صورة ابنها المفقود، وكلما تذكرته نظرت إليها وبكت؛ لا إشكال في ذلك. لكن هذه الأم لا تقول أبدًا إن هذا هو ابني، فلو كان هذا هو ابنها لما كان هناك داعٍ لبكائها أصلًا، فابنها حاضرٌ معها، وكلما أرادت ضمَّته وقبَّلته.
نقطة: الإنسان في الواقع يعيش بالتصورات، ولا يمكنه أن يخلوَ منها، شريطة أن يعلم أن التصور هو تصورُ الشيء، لا الشيءُ نفسه. لذلك، الأفكار التي لدينا عن الله يجب ألا نعتبرها الله، وأن نتعلق بها، وألا نكون مستعدين للتخلي عنها بأي ثمن.
.
.
.
.
.
.
.
.
الدين
الدين
الدين
الدين
الدين
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.