اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
ليس كل أمر أو نهي أخلاقياً؛ فالأوامر تنبع من ستة مصادر كالقانون والعرف. يبحث مصطفى ملكيان في ضرورة العيش الأخلاقي ويقسم الواجبات الأخلاقية إلى تحقيق الذات والإحسان إلى الآخرين.

محاضرات
لماذا ينبغي أن نحيا حياة أخلاقية؟[1]
مصطفى ملكيان - فانكوفر، كندا
صيف 1398
ثمة جملة من المسائل النظرية في عالمنا، وجملة من المشكلات العملية، قد تضافرت ودفعت ببعض المفكرين إلى وجهة النظر القائلة بأنه لا ضرورة البتة للحياة الأخلاقية، بل ما الضرورة أصلاً في أن يحيا البشر حياة أخلاقية؟
ورغم أن هذا النقاش قابل للطرح على المستوى الأكاديمي، إلا أنه قد يُطرح ويظهر لي ولكم في الحياة العادية، خصوصاً حين ترتفع كلفة الحياة الأخلاقية، فيصل البعض إلى وجهة النظر القائلة: عندما ترتفع كلفة الحياة الأخلاقية وتفرض عليّ تكاليف، فلماذا ينبغي لي أصلاً أن أحيا حياة أخلاقية؟ أي إلزام عليّ بأن أحيا حياة أخلاقية؟ ألا يمكننا، دون أن نلحق ضرراً بأنفسنا أو بالآخرين، أن نغسل أيدينا من الأخلاقية؟ ولماذا لا نترك الأخلاقية وشأنها أصلاً؟
من هذا المنطلق، اقترح عليّ الأصدقاء أن أجري حواراً حول لماذا ينبغي أن نحيا حياة أخلاقية.
ينبغي عليّ في البداية أن أطرح مقدمات لأصل إلى صلب النقاش الذي سيُرجأ على الأرجح إلى الجلسات الثانية والثالثة والرابعة. لكن عليّ أن أذكر هذه النقاط كمقدمة بين يدي الأصدقاء.
النقطة الأولى: لا ينبغي أن نتوهم أن كل "ينبغي" و"لا ينبغي" في حياتنا هو ينبغي ولا ينبغي أخلاقي. نحن نواجه الكثير من الينابيغ واللاينابيغ ونلتزم بها ونتعهد بها، لكن لا ينبغي أن نتوهم أنها أخلاقية. لتوضيح ذلك، ينبغي أن أبدأ من هنا: إن كل فعل إرادي يصدر عني، بشرط أن يكون إرادياً، أي أن لإرادتي تأثيراً فيه، فلا بد قبل الإقدام على هذا الفعل الإرادي -ولو بجزء من مليار من الثانية قبله- أن تكون قد انعقدت في ضميري وذهني "ينبغي"، حتى إذا ما تحققت هذه "الينبغي"، أتناول الورقة مثلاً، وحينها أمد يدي وأتناول الورقة. من المستحيل أن يصدر عنكم فعل إرادي دون أن تكون قد انعقدت قبله "ينبغي" في ذهنكم وضميركم. والسؤال الآن: من أين أتت هذه "الينبغي"؟
الجواب: أعتقد أن هذه الينابيغ تنشأ من 6 منابع، وهو ما يتطلب نقاشاً مفصلاً سأتجاوزه، لكن رأيي الشخصي أنها تنشأ من 6 منابع. ولأنها تنشأ من 6 منابع، فإننا نعبّر عنها بالمصادر المعيارية، أي المصادر التي تعيّن لي كإنسان معايير ونُرماً وقواعد، وتقول لي افعل هذا ولا تفعل ذاك. وهذه المصادر الستة هي:
أولاً- القانون: حين أسير في أقصى الجانب الأيمن أثناء القيادة، تكون قد انعقدت في ذهني وضميري "ينبغي"، وهذه "الينبغي" عقدها لي قانون بلدي، كما أنني لو كنت في بلد آخر لربما سرت في أقصى الجانب الأيسر، وكانت هذه "الينبغي" قد انعقدت في ذهني بموجب قانون ذلك البلد. القانون، أو بتعبير أدق، الحقوق، يعيّن عليّ ينابيغ ولاينابيغ.
ثانياً- الآداب والرسوم والعرف والعادات: القانون لم يقل لنا أن نذهب إلى أحضان الطبيعة في الثالث عشر من فروردين، أو أن نجلس على مائدة السين السبع، لكن آدابنا وعاداتنا كإيرانيين هي التي عيّنت لي هذه "الينبغي".
ثالثاً- المناسك والشعائر الدينية: لا القانون ولا الآداب والرسوم، لم يقل لي أي منهما أن أصلي، ولأني مسلم فأنا أصلي، ولو كنت مسيحياً لأدّيت طقس العشاء الرباني.
رابعًا- علم الجمال: لنفترض أن ملابسي نظيفة تمامًا وجسدي نظيف تمامًا، وأنت لا تنزعج من رائحة ملابسي أو جسدي الكريهة. ومع ذلك، لماذا أكوي ملابسي؟ لماذا أمشط شعري؟ هذه الوجوبات والممنوعات يحددها علم الجمال. إذا كنا متفائلين تجاه العالم، فإن الحس الجمالي يقول لي: اجعل العالم أكثر جمالًا، وإذا كنا متشائمين، فينبغي أن نسعى وفقًا لعلم الجمال إلى التقليل من مساوئ العالم.
خامسًا- المصلحة: إذا كنت قد قررت أن تصبح طبيبًا في الطب، فبما أن هذا هو هدفك، تتعين على وسائل بلوغ هذا الهدف الحتمية وجوبات وممنوعات، فمثلًا يجب أن تقرأ الفسيولوجيا والتشريح وعلم الأعصاب و...
في حياة الإنسان، مقابل كل هدف يختاره، تظهر على جميع الوسائل الحتمية لبلوغ ذلك الهدف وجوبات وممنوعات، وإذا عدلت عن ذلك القرار، تُحذف جميع الوجوبات، وإذا اتخذت قرارًا آخر، تنبثق وجوبات وممنوعات أخرى، وهذا يعود إلى أن العالم تربطه علاقة سببية، ولكل وسيلة حتمية لبلوغ هدف معين وجوباتها وممنوعاتها.
سادسًا- الأخلاق: عندما أقول الصدق، ينعقد في داخلي وجوب يقول: يجب أن تقول الصدق، وأن تتواضع، و...
لذلك، وطبقًا لما قيل، فإن النقطة الأولى التي ينبغي أن أشير إليها تمهيدًا هي أنه لا ينبغي لنا أن نتصور أن كل وجوب ومنع هو أخلاقي، بل يجب أن ننتبه إلى أن هناك 6 مصادر تُصدر الوجوبات والممنوعات. وهناك بحث آخر يحتاج إلى نقاشات مفصلة سأتجاوزها، وهو: إذا تعارضت هذه الوجوبات والممنوعات مع بعضها، فأيها نرجح؟
هذا بحث طويل أشرت إليه في مواضع أخرى، وله نقاشات معقدة، ورأيي الشخصي بالطبع هو أن الأخلاق أولًا، ثم القانون، ثالثًا المصلحة، رابعًا العادات والتقاليد، خامسًا علم الجمال، وسادسًا الدين.
وهنا، من بين مصادر المعيارية، الأخلاق وحدها هي محور نقاشي.
النقطة الثانية هي أنه منذ القدم، سواء في العالم الشرقي (الصين والهند واليابان) أو في الغرب الثقافي (اليونان وروما ومصر)، عندما كان يُطرح النقاش حول الأخلاق، كان المفكرون في علم الأخلاق أو فلسفة الأخلاق يعتقدون أن للأخلاق قسمين متميزين تمامًا عن بعضهما: قسم من الأخلاق يتعلق بعلاقتي بنفسي، وقسم آخر يتعلق بعلاقتي بالآخرين (البشر والحيوانات والنباتات وحتى الجمادات). هاتان الوظيفتان اللتان أملكهما تجاه نفسي وتجاه الآخرين متميزتان تمامًا عن بعضهما. وقد سُميت هاتان الوظيفتان عبر التاريخ بتعبيرات مختلفة. اليوم، في كتب فلسفة الأخلاق وعلم النفس الأخلاقي، يقولون إن الأخلاق التي يكون فيها الإنسان على صلة بنفسه هي أخلاق تحقيق الذات، والأخلاق التي تكون على صلة بالكائنات الأخرى هي أخلاق الإحسان. تحقيق الذات يختلف اختلافًا شاسعًا عن الإحسان. وقد استُخدم تحقيق الذات بصيغ أخرى مثل السعادة حيث يسعى الإنسان للوصول إلى السعادة وأن تكون له حياة سعيدة، والرفاه well-being حيث يسعى الإنسان لأن تكون له حياة رفيعة، وحتى تحقيق الذات.
الواجب الأخلاقي الذي أملكه تجاه نفسي هو أن تكون لي حياة محققة للذات، سعيدة، رفيعة، ومحققة، وتجاه الآخرين ليس علينا سوى واجب الإحسان. الإحسان على الأقل هو أن نفعل نحن البشر تجاه سائر الكائنات شيئًا يقلل من آلامهم ومعاناتهم (التقليل من ألم ومعاناة الآخر). سأقول لاحقًا إن لهذا الأمر عدة فروع وما معناه بالضبط.
والآن، المسألة هي أنه يبدو للوهلة الأولى أنه عندما يكون الإنسان في المرحلة الأولى من الأخلاق، فإنه يسعى إلى تحقيق الذات ويفعل كل شيء لنفسه فقط، ولكن عندما يدخل في الأخلاق الثانية (الإحسان)، يبدو أن كل ما أفعله، أفعله من أجل الآخرين. هذه الثانية تبدو مزعجة. ما الذي أدين به للآخرين حتى أقلل من آلامهم ومعاناتهم؟!!!
الأخلاق الأولى (تحقيق الذات) في العصر الحديث، أي منذ عصر ديكارت فصاعدًا، لم تكن موضع نقاش واهتمام كبيرين وغُفل عنها، لكن بعد نهاية الحرب العالمية الأولى وحتى الآن، صار يُلتفت إلى أخلاق تحقيق الذات. قبل العصر الحديث، كان القدماء يولون الأخلاق الأولى اهتمامًا أكبر.
القسم الأول (أخلاق تحقيق الذات) شديد التعقيد لأنه يستلزم أن يكون الإنسان قد حلّ لنفسه مسائل كثيرة، وهو أمر مفصل للغاية ولن أتطرق إليها، مثل مسألة أنه أولًا إذا أردت أن تكون محققًا لذاتك، فعليك أن تحدد ما إذا كنت ذا بُعد واحد أم بُعدين أم ثلاثة أبعاد أم أربعة أم... هل أنا جسدي فقط أم أن لي ما هو غير جسدي. إذا كنت ذا بُعد واحد واعتبرت نفسي جسدي فقط، فعليّ إذن أن أسعى بكل جهدي للعناية بجسدي، وهل لي، بالإضافة إلى جسدي، ذهن أيضًا؟ إذا كنت ذا بُعدين، فعليّ بالإضافة إلى الجسد، أن أعنى بذهني أيضًا. هل لي بُعد نفس؟ هل لي بُعد روح؟ و... المسألة التالية التي تُطرح هنا هي نمطنا النفسي. البشر الانطوائيون والبشر الانبساطيون لهم أنماط نفسية مختلفة. البشر الحسّاسون، والمفكرون، والحدسيون، والأشخاص الحسيون، والمُدرِكون، والحُكميون... كلهم مختلفون عن بعضهم البعض، وهذه الاختلافات هي ما يجعل الوصفة التي يصفها ذلك الفرد لنفسه تختلف عن الوصفة التي يصفها فرد آخر لنفسه.
النقطة الثالثة التي تتوقف عليها أخلاق التحقق هي مراحل نمو الإنسان واختلافاتها، فالإنسان في مرحلة الطفولة يختلف تحقق ذاته عنه في مرحلة المراهقة، وكذلك المراهقة تختلف عن فترة الشباب وهكذا.
النقطة الرابعة هنا هي أن تحقيق الذات مرتبط بإيماج الحياة. ماذا يعني هذا؟ كل شخص، سواء انتبه أم لم ينتبه، لديه إيماج عن الحياة، أي لديه استعارة خاصة به عن الحياة. الإيماجات تقارب الأربعين نوعًا. مثلًا، قد يكون إيماج شخص ما عن الحياة هو إيماج السوق، فيقول: ينبغي أن أتصرف بطريقة لا أتكبد فيها خسارة وأحقق ربحًا، وقد أشير إلى هذا في القرآن، مثلًا الفرد الذي يبيع نفسه لله، والفرد الذي يبيع ماله لله و... وقد يكون لدى فرد آخر إيماج المسرحية والمسرح، ويعتقد أن في هذه الحياة دُورًا مُنح لكل فرد، حيث يلعب كل شخص دوره ثم يخرج من المسرح. مجموعة أخرى، مثل الأفلاطونيين وبعض عرفائنا، لديهم إيماج الطائر في القفص، حيث الإنسان أسير قفص الجسد، ومجموعة لديها إيماج مولانا، أي إيماج الفرد المحبوس في السجن، حيث هذه الدنيا سجن ويجب إيجاد منفذ للتحرر من هذا العالم والسجن. مجموعة لديها إيماج الأرجوحة، حيث لكي أرتفع أنا، يجب أن تنخفض أنت والعكس (إيماج المنافسة) و..... تحقيق الذات مرتبط بأشياء كثيرة جدًا. وكأن كل إنسان هو صخرة، أو قد وُضعت تحت تصرفه صخرة وقيل له: انحت تمثالك، وهذه النظرية تُسمى نظرية النحت. كل واحد منا وُلد بمنزلة صخرة عظيمة، ووُضع في أيدينا إزميل، ونحن كمادة خام، لاستخراج صورة معينة، فإن نوع الصخرة وكيفية ضربات إزميلنا حاسمان للغاية.
الآن يجب أن أؤكد على هذه النقطة، وهي أنه بخصوص لماذا ينبغي أن أعيش حياة أخلاقية، فإن الأخلاق الثانية، أي أخلاق الإيثار، هي ما يُنظر فيه. إذا تنبهتم، ترون أن الإنسان لديه حب ذات، والأخلاق الثانية تتنافى مع حب الذات. من الأفضل هنا أن أشير إلى حب الذات. حب الذات self-love معناه أن كل موجود، أكثر وقبل كل شيء، يحب نفسه، ويحب بقية العالم بمقدار قربه منه، ويحبهم أقل بمقدار بعدهم عنه. وبقول أورمان، الإنسان بالنسبة لنفسه هو كل شيء، وبالنسبة للعالم، لا شيء. وجودي وعدم وجودي لا يحدثان أي فرق للعالم، لكن بالنسبة لنفسي، أنا كل شيء. حب الذات موجود في كل الموجودات ولا استثناء له. كان سبينوزا يثبت أن حب الذات لا يختص بالإنسان أصلًا، بل جميع موجودات الكون لديها حب ذات. من صميم حب الذات، ينبثق صون الذات. الإنسان عندما يحب نفسه، يصير حافظًا لنفسه أيضًا، وحب الذات هو علة حفظ الذات. من مبحث حفظ الذات، ينبثق أمران: أ- جلب المنفعة و ب- دفع الضرر.
بنيةُ أذهاننا ونفوسنا نحن البشر تجعلنا نسعى إلى حفظ الذات، ولهذا السبب نجتذب المنافع إلينا وندفع الأضرار عنا ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً. حبُّ الذات هذا يقتضي مني أن أفكر في مصلحتي الخاصة، أما القسم الثاني من الأخلاق، أي أخلاق الإيثار، فيقتضي مني أن أفكر في الآخرين، وهذان الأمران متعارضان. وتتفاقم هذه الإشكالية حين ترتفع التكاليف الأخلاقية. فلو وُجد مجتمعٌ تكون مؤسساته الاجتماعية على نحوٍ يجعل تكاليف العيش الأخلاقي منخفضة، لكان بوسع المرء أن يعيش حياةً أخلاقيةً بقدرٍ أكبر من الارتياح وأن يخفف من آلام الآخرين ومعاناتهم، أما إذا كانت الأنظمة الجامعية والترتيبات الاجتماعية على نحوٍ يجعلك، إن أردت أن تعيش دون أن تلحق الأذى بالآخرين، تتحمل أنت قدراً كبيراً من الألم والمعاناة، حينئذٍ يُطرح السؤال: أنا لديَّ حبُّ ذات، فما الذي يُلزمني بالتفكير في الآخرين؟
ألا يلحق العيشُ الأخلاقي بالإنسان خسارة؟ هذا السؤال يحتاج إلى إجابة مفصلة جداً، لكن ينبغي أن أقول بإيجاز إن العيش الأخلاقي يلحق بالإنسان 7 خسائر على الأقل، فبقدر ما يعيش حياةً أخلاقيةً، بقدر ما تلحقه الخسارة. ففي الحياة الاجتماعية، يسعى الإنسان وراء 7 أمور، إن أردتُ أن أذكرها بالترتيب -ولبحث سبب ذكري لها بهذا الترتيب مجالٌ آخر سأعبر عنه مروراً- فهي:
الثروة – الشهرة – القوة – الاحترام – الجاه – المحبوبية – العلم الأكاديمي.
تُسمَّى هذه بالمطالب الاجتماعية الفردية، لأن هذه المطالب لا يمكن نيلها إلا في الحياة الاجتماعية، ومن هذه الجهة هي اجتماعية، ولأن هذه المطالب تتحقق للفرد في سياق الحياة الاجتماعية، تُسمَّى فردية. نحن إن كنا في الحياة الاجتماعية من أهل النجاح success، وهذا حال عامة الناس باستثناء النوادر، فإننا نسعى وراء هذه السبعة جميعاً، وإن كان بعضهم قد يسعى وراء واحد أو أكثر منها. نحن البشر في هذه السبعة، نقارن أنفسنا بالآخرين، كما نرى أنفسنا في سباق معهم. والآن، بقدر ما نعيش حياةً أخلاقيةً، نُلحق الضرر بهذه السبعة جميعاً. إن عشتُ حياةً أخلاقيةً، فسأكسب n توماناً، أما إن دستُ على الأخلاق فسأكسب عشرة أضعاف n توماناً. إذن، العيش الأخلاقي سيلحق بي خسائر، فكلما راعيتَ الضوابط الأخلاقية أكثر، حصلتَ على ثروة أقل، والأمر نفسه ينطبق على الشهرة والقوة والجاه وما إلى ذلك.
إذا لم تصبني شظايا شخصٍ أخلاقي عبر التاريخ، فستكون محبوبيته عندي أكبر، تماماً كما نقول عن أنوشيروان وكورش كم كانا طيبين وعادلين. نحن نقول هذا بيسر بالغ لأن المسافة الزمنية بيننا وبينهم كبيرة. أما لو كنتَ تعيش في زمن شخصٍ أخلاقي وتحتك به، حينئذٍ كان يمكن أن يُفهم هل هو محبوب لديك أم لا. ولأننا نعيش بعيداً عنهم ولا تشملنا صرامتهم، ولسنا في قبضة سلطتهم ولا في قبضة المسؤولية التي يشعرون بها، نقول بكل سهولة كم كانوا أناساً رائعين، وكأننا نتمنى لو كنا نعيش في زمانهم، في حين أننا ربما لم نكن لنستطيع العيش معهم حتى ليوم واحد وليلة.
أذكر لكم مثالاً: سمعتم أن فلاناً كان شديد البساطة في العيش وكان يعيش حياةً بسيطة، فتقولون في أنفسكم كم وُجد من أناس طيبين، وتقولون لزوجتكم إنكم تريدون أن تعيشوا حياةً بسيطةً تماماً (ضحك الحضور). البساطة في العيش جميلة لأولئك الذين ننظر إليهم من بعيد. الإنسان الذي يعيش حياةً أخلاقيةً يفقد محبوبيته، لأن كل من يعيش حياةً أخلاقيةً يقترب من حدود العدالة، ثم يقترب من حدود الشفقة، ثم يقترب من حدود الحب، ولكلٍّ من هذه الثلاثة لوازم تجعل الآخرين يتفرقون من حوله. نحن بالعيش الأخلاقي نُلحق الضرر بتلك الأمور السبعة.
والآن سؤال: لكي أعيش حياة أخلاقية، ولكي أعيش بطريقة أخفف بها من آلام الآخرين ومعاناتهم، ينبغي لي أن أبتعد عن هذه الثروات السبع. لكن من ناحية أخرى، لدي حب الذات، ومن ثم ينبغي أن أسعى وراء منفعتي الخاصة (أي جلب النفع لنفسي ودفع الضرر عنها). والسؤال الآن هو: لماذا ينبغي أن أعيش حياة أخلاقية؟ أنا لا أجني من الحياة الأخلاقية سوى التكاليف، وهذا الأمر، وهو أن الإنسان العاقل لا يقدم أبداً على فعل يجلب عليه التكاليف، يوصلنا إلى النقطة التالية.
النقطة التالية هي أن الحياة الأخلاقية هي نوع من الفعل، ومن ثم ينبغي أن تكون وفقاً للعقلانية العملية، ولا ينبغي أن تُداس القواعد الأخلاقية بالأقدام. منذ زمن أرسطو في الغرب وكونفوشيوس في الشرق، كان ثمة أصل مسلّم به هو أن أهم ما يميز البشر عن سائر الموجودات هو العقل. كان البعض يقولون إنه وجه التمايز الوحيد. إذن، كلما أردنا أن نعيش حياة أكثر أخلاقية، ينبغي أن نعيش حياة أكثر عقلانية، وكأن الإنسانية سُلّم ودرجاته هي العقلانية، وكلما ارتقيت درجات العقلانية، ارتقيت في الإنسانية، والعكس بالعكس.
كان الفلاسفة يعتقدون أن للعقل وجهين: العقل النظري والعقل العملي. لسنا معنيين الآن بالعقلانية النظرية، وعلينا أن نرى ماذا تطلب منا العقلانية العملية. في مقام النظر، إذا أردنا أن نكون أخلاقيين، فإن خلاصة القول شيء واحد: "لا تقبل قولاً بلا دليل". أما في العقلانية العملية، وهي موضوع بحثنا، فخلاصة القول شيئان: "أولاً- لا تقدم على فعل تكون تكلفته أكثر من فائدته" و "ثانياً- إذا تنبهت في أثناء فعل أن ما تقوم به تكلفته أعلى من فائدته، فينبغي أن تتركه جانباً وأن توقفه". وهناك نقطة هنا سأطرحها في الجلسة الثالثة، وهي أن "الفائدة التي ينبغي أن تكون أعلى من التكلفة، أو على الأقل تتساوى التكلفة والفائدة"، ما هي قائمة الفوائد أصلاً؟ وما هي قائمة التكاليف؟ ما الأشياء التي ينبغي اعتبارها تكلفة في الحياة؟ وما الأشياء التي تُعتبر فائدة؟ أريد أن أقوم بحساب، وينبغي أن تكون لدي قائمة بها. دعوني أضرب مثالاً بسيطاً: هل الشهرة من فوائد حياتنا أم من تكاليفها؟ قد يقول معظم الناس إن الشهرة هي أعظم فائدة في الحياة، لكن أغلبية أخرى تقول إن الشهرة هي أكبر تكلفة. الفوائد والتكاليف قائمة دقيقة للغاية، ولا يمكن فهمها بسهولة. في المسائل المالية يسهل فهمها لأنها تُقاس بالمال.
لكن العقلانية العملية تقول إن الفائدة ينبغي أن تكون أعلى من التكلفة. تكاليفها معلومة، ينبغي أن ندفع التكلفة من حيث الثروة، ومن حيث ماء الوجه، والمحبوبية، والشهرة، والعلم الأكاديمي.
والآن، ما فائدتها؟ إذا كانت فائدتها أقل من تكلفتها، يحدث تعارض من حيث العقلانية العملية، وهنا يقف الناس على مفترق طرق. أولئك الذين يريدون أن يتصرفوا بعقلانية ينبغي ألا يتصرفوا بأخلاقية، والعكس بالعكس. حسناً، ما الفائدة التي ينبغي أن ترجح على التكاليف؟ ما المنفعة التي أجنيها من كوني أخلاقياً؟ هناك جواب قديم هنا ليس له أنصار كثيرون اليوم، لكن له قائلون.
كان القدماء يقولون إننا نعتقد بأمرين: أ- بوجود الله. ب- بالحياة بعد الموت. لأن هناك إلهاً، بعلمه وقدرته وخيريته المطلقة، مشرف على الحياة، ومن ناحية أخرى، هناك حياة بعد الموت. أنا أدفع التكاليف من هذه الجهات السبع، لكني في العالم الآخر أذهب إلى الجنة وأبتعد عن جهنم، والجنة مشتملة على فوائد لا نهائية. الحياة الأخروية مدتها لا نهائية، أما الحياة الدنيوية فمدتها 70 أو 80 عاماً. في الحياة الدنيوية ندفع تكاليف القدرة والثروة والشهرة والمحبوبية وماء الوجه و... لكننا ننال الجنة بخيرها وفائدتها اللامتناهية، ونبتعد عن جهنم التي لا تُقارن آلام هذا الدنيا بها أصلاً.
دعوني أنقل حكاية: ذهب أحد أصحاب الإمام علي إلى معاوية، فسأله معاوية: من أزهد شخص رأيته في عمرك؟
فقال: أنت. فتعجب معاوية لأن الإمام علي كان معروفاً في ذلك الزمان بالزهد. فسأل معاوية: لماذا قلت أنا؟ لماذا لم تذكر علي بن أبي طالب؟
فقال ذلك الرجل: عليٌّ أحرصُ شخصٍ رأيته في حياتي، فازداد تعجّب معاوية. فقال الرجل: أنت يا معاوية زاهدٌ جدًّا لأنك تركتَ اللامتناهي وتشبّثتَ بهذه الحياة التي تدوم سبعين عامًا واقتنعتَ بها. أما عليٌّ فقد ترك هذه السبعين عامًا وسعى وراء اللامتناهي، فمن الواضح إذن أنه شديد الحرص.
كان هذا هو عينُ دليلِ القدماء على عيش الحياة الأخلاقية، إذ إنهم يُنعَّمون في حياة الجنة بصورة لا متناهية. كان هذا الاستدلال يقنع الجميع قبل الحداثة، باستثناء أفراد نادرين وحالات استثنائية. لكنه لم يعد مقنعًا بالقدر نفسه منذ القرن السابع عشر فصاعدًا. كان القدماء يسلّمون بكلا الأمرين: وجود الله ووجود الحياة بعد الموت. أما في العصر الحديث، فكثيرون يسلّمون بهما معًا، وكثيرون يسلّمون بأحدهما، وبعضهم يرفض كليهما. ثمة جماعة لا تقبل بوجود الله لكنها تقبل بالحياة بعد الدنيا، والعكس بالعكس. هل يمكن أن نبيّن، عبر الاستدلال، أن الأخلاقيين لا يزالون هم الرابحين؟ وأن أولئك الذين لا يعيشون حياة أخلاقية هم الخاسرون؟ دون أن نفترض وجود إله أو وجود حياة بعد الموت؟
هل يمكن صرف النظر عن هاتين المقدمتين والقول إن عيش الحياة الأخلاقية لا يزال مجديًا؟ هل يمكنني أن أبيّن استدلالًا أن ذوي المبادئ الأخلاقية لا يزالون هم الرابحين، وأن الذين لا يعيشون حياة أخلاقية لا يزالون هم الخاسرين، دون أن نفترض وجود إله ودون أن نفترض عدم وجود حياة بعد الموت؟
أريد في هذه الجلسات أن أبيّن أنه نعم، توجد أربع نظريات كبرى، إذا استطعتَ قبول إحداها استدلالًا أو حدسًا، فإن كونك أخلاقيًا يكتسب عندئذٍ مسوّغًا عقليًا. اسمحوا لي بتوضيح حول الحدس الذي أذكره هنا: إنه ليس ذاك الذي يقوله العرفاء، بل هو الحدس العقلي، الفلسفي، الديكارتي. حين تجلس إلى محاضرة أحد المتحدثين وتستمع إلى كلامه طوال ساعة أو ساعتين، تسمع آلاف الجمل، ومن بين هذا الكمّ من الجمل، أنت على يقين من أنك فهمت بعض الجمل، وعلى يقين أيضًا من أنك لم تفهم مجموعة أخرى، وفي بعضها تشك إن كنت قد فهمتها. ومن بين الجمل التي أنت على يقين من أنك فهمتها، أنت على يقين من أنك تقبل بعضها، وعلى يقين كذلك من أنك لا تقبل بعضها الآخر. لكن أحيانًا، بين ثنايا كلام متحدث، تسمع جملة فتُصفّق فورًا على فخذك وتقول: آهٍ قلتها، آهٍ قلتها. يسمي علماء النفس هذا التوجه بـ "تجربة آها" (AHA Experience)، أي تجربة لحظة التنبّه. أي أن كيانك كله يصرخ بأن هذه الجملة صادقة. يسمي الفلاسفة هذه التجربة النفسية بالحدس. وكما يقول الشباب، جملة تصيب الهدف تمامًا وتضرب في صميم كيانك. إزاء الجمل الحدسية، لا تذهب إلى المتحدث لتطالبه بدليل أو تبحث عن مستنداته، لأن الدليل يُطلب في الأمور التي يعتريها الشك. الجمل الحدسية مهمة جدًا في الحياة، لكنها للأسف مهمَلة. لقد ألقيت مؤخرًا محاضرة بعنوان "الموج إلى الجدول" تحدثت فيها عن أهمية هذه الجمل الحدسية في الحياة. تختلف هذه القضايا الحدسية من شخص لآخر، بحيث لو أعطوا خمسين نسخة من كتاب واحد لنا جميعًا وطلبوا منا أن نضع خطًا تحت الجمل الحدسية، لرأيتم الاختلاف كبيرًا. وهناك موقف آخر لا تستشعر فيه صدق قضية حدسيًا، فيتعين عليك قبولها استدلالًا.
سأذكر أربعة حلول ذكرها فلاسفة العصر الحديث في هذا الشأن، وهي أن عيش الحياة الأخلاقية لا يزال مجديًا حتى بدون التسليم بوجود الله ووجود الحياة بعد الموت، وسأذكرها مع تفريعاتها ونسخها المختلفة.
قلنا في الجلسة السابقة إنه إذا كان لعيش الحياة الأخلاقية أن يكون عقلانيًا أيضًا، وأن تُراعى العقلانية في الوقت نفسه حين نعيش حياة أخلاقية، وألا يقع انفصال بين الاثنين، فلا مناص من ألا تكون تكلفة عيش الحياة الأخلاقية أعلى من فائدتها. ولو كانت تكلفتها أعلى من فائدتها، فحينئذٍ إن عشنا حياة أخلاقية نكون قد ابتعدنا عن العقلانية، لأن جوهر العقلانية العملية ولبّها هو ألا تُقدم على فعل تكلفته أعلى من فائدته. إذا كان الأمر كذلك، فينبغي إذن ألا تصير تكلفة عيش الحياة الأخلاقية أعلى من فائدتها.
والسؤال الآن هو: ما هي فوائد العيش الأخلاقي؟ نعلم جميعًا أن العيش الأخلاقي ينطوي على تكاليف إلى حد ما، ولكن هل تترتب على هذا العيش الأخلاقي فائدة بحيث يمتزج العقلاني والأخلاقي معًا؟ في الجلسة السابقة قررنا ألا نستند ونتوسل بالقول إن «هناك حياة بعد الموت، وهناك إله أيضًا» ولا نريد أن نقول «لنعتبر حُسن العيش الأخلاقي في مقابل أننا سننال في الحياة الأخروية وبعد الموت ثوابًا لا نهائيًا». والآن نريد أن نرى إن كنا، بصرف النظر عن هذه الافتراضات المسبقة، نستطيع أن نسلك طريقًا يحدد أن فائدة العيش الأخلاقي تفوق تكلفته. بعبارة أخرى، أن يكون من العقلاني أن نحيا حياة أخلاقية.
حسنًا، قلنا إن ثمّة أربعة حلول طُرحت لهذا السؤال، لكل منها افتراضاته المسبقة، وليس من الضرورة أن يقبل الفرد الطرق الأربعة كلها. يكفي أن يقبل واحدًا منها. لكل طريق من هذه الطرق الأربعة نسخ مختلفة، ولذلك فهي في الظاهر أربعة طرق، لكن بالتدقيق يتضح أنها أكثر من ذلك. من هذه اللحظة، وكل نقاش أخوضه حتى أعلن انتهاء الحل الأول، فإن كل ما أقوله يختص بالطريق الأول، غير أني أعدد النسخ المختلفة للطريق الأول وأفصلها وأعرض رواياته المتنوعة. فلينظر الأصدقاء الآن إن كانت تحظى بقبولهم أم لا.
الطريق الأول: إننا بالعيش الأخلاقي، وفي هذه الحياة الجسدية ذاتها، نجني منافع اجتماعية فردية (أي منافع تتحقق عبر الحياة الاجتماعية وتعود منفعتها عليّ وحدي) وهذه المنافع سبعة: السعادة، والشهرة، والقوة، والاحترام، والجاه، والمحبوبية، والعلم الأكاديمي. كل هذه تتحقق في الحياة الاجتماعية وتختص بالشخص نفسه، سواء نال واحدًا منها أو أكثر.
تقول جماعة إننا نبلغ، عبر العيش الأخلاقي، واحدًا أو اثنين أو ثلاثة... من هذه السبعة. مثال: إذا لم أطفف في الكيل في تجارتي، ولم أبالغ في الأسعار، ولم أحتكر، ولم أختلس، ولم أسرق، ولم أرتشِ، ولم أغش، ولم أحتل... إلخ، هل تقرون بأني إن تصرفت هكذا، فسأكتسب محبوبية لدى زبائني؟ وأحصل على احترام؟ ويتحقق لي جاه؟ حسنًا، كل هذه أثمرت ربحًا اجتماعيًا فرديًا. فلنعتبر هذه فائدة العيش الأخلاقي، ولا سبيل لتحصيلها سوى العيش الأخلاقي.
يبدو أن هذا الحل غير مقبول، ويمكن توجيه نقدين إليه:
أ- النقد الأول: صحيح أن ذلك الشخص، في مثالك، حصل على جاه واحترام، ولكن هل دخله وثروته بقدر دخل وثروة من لا يتصرف بأخلاق؟ من لا يتصرف بأخلاق تكون ثروته أضعاف ثروة هذا الشخص بمئة مرة. فإن كنتُ ممن يضعون «الثروة» في منزلة أعلى من الاحترام والجاه والمحبوبية، فأنا إذن لم أربح شيئًا. أنا لا أحصل، مقابل من لا يتصرف بأخلاق، على قوة سياسية أكبر؛ ففي سلم السياسة، كلما دست على الأخلاق أكثر، حصلت على قوة أعلى وأكبر. حسنًا، أنا خاسر ولست رابحًا. في هذا الحل الذي طرحتموه، بيّنتم وأشرتم إلى ما يحصل عليه الشخص الذي يتصرف بأخلاق، لكنكم لم تشيروا إلى ما يخسره. فإن كان هناك أناس لا تساوي لديهم تلك الأمور التي تُنال عبر العيش الأخلاقي قيمة الأشياء التي يخسرونها، فعلينا حينئذ أن نقول إنهم تكبدوا خسارة في المحصلة لا ربحًا.
ب- النقد الثاني: ما دام العيش الأخلاقي هو السائد، ففيما يتعلق بالأمثلة التي ضربتموها يصح القول إن كلفته الوحيدة كانت عدم تحصيل ثروة إضافية، بينما تُنال المحبوبية والشهرة والجاه والاحترام، وهذه لا تكون إلا في حياة هادئة خالية من المتاعب. لكن العيش الأخلاقي لا يقتصر على هذه التكاليف اليسيرة، فإذا أردنا أن نحيا حياة أخلاقية، فعلينا أحياناً أن نقف في وجه السلطة السياسية، وحينها لا نخسر الثروة أو السلطة فحسب، بل قد نخسر أرواحنا أيضاً، ونُزج في السجون، ونتعرض للتعذيب، ونعاني من الأذى النفسي والجسدي. لقد ضربتم مثالاً سطحياً، لكن في أحيان كثيرة ينبغي التصدي للظالمين، وإذا أراد المرء، من أجل العيش الأخلاقي، أن يدافع عن حقوق المظلومين، فإن تكاليف العيش الأخلاقي ترتفع عندئذٍ إلى درجة لا يمكن معها القول ببساطة إنه نال الاحترام بدلاً منها. لا سيما وأن ظاهرتين نشأتا في العالم الحديث والمعاصر جعلتا تكاليف العيش الأخلاقي أعلى بكثير، وهما: 1- نشوء الحكومات التوتاليتارية التي تخنق جميع جوانب حياة المواطنين، مثل حكومة هتلر وستالين وبول بوت وصدام... إلخ. لو كان لديك ذرة من نزعة أخلاقية، فعليك التصدي لهذه الحكومات، وفي ذلك خطر فقدان الحياة، وتتعرض حرية الإنسان وأمنه للخطر. 2- الرأسمالية: تفرض ظاهرة الرأسمالية قسوة عجيبة من قِبَل الرأسماليين على البشر. لا شك أن للرأسمالية منافع، لكنها تلحق بالبشر أضراراً وخسائر، ونحن لا نتحدث الآن عن الرأسمالية التي لا هوادة فيها البتة، فالرأسمالي لا يفكر إلا في رأسماله وممتلكاته لزيادة رأسماله والحصول على المزيد منه، وكلما كبر هؤلاء ازدادت قسوتهم. فإذا أردت أن أقف في وجه الرأسمالية وأدافع عن حقوق المظلومين، تترتب عليّ تكاليف مجدداً، كالتكاليف التي كنت سأتحملها لو وقفت في وجه الحكومات التوتاليتارية. هاتان الظاهرتان تُخضعان من يريد الالتزام بالأخلاق لتكاليف مروعة. لا شك أنكم اطلعتم على كتب وتقارير ومقالات كثيرة... إلخ، حول التكاليف التي تكبدها البشر الملتزمون بالأخلاق، كالذي شهدتموه في الاتحاد السوفييتي وأمريكا. نعم، لو كانت الحياة هادئة جداً، لأمكن القول حينئذٍ إن العيش الأخلاقي لا يفرض تكاليف خاصة. برأيي أن هذا الحل لا يمكن الدفاع عنه. نعم، إذا أراد المرء أن يعيش حياة أخلاقية فاترة ويبقى في الحدود العادية فحسب، فإن تكاليفها الأخلاقية منخفضة، وهذا لا يمكن منعه، أما في الحياة الأخلاقية بمعناها الحقيقي، فهذا غير مقبول. في أمور أخرى يمكن الامتثال بفتور، مثلاً في القانون أو في العادات والتقاليد يمكن الامتثال بفتور، وفي علم الجمال يمكن الامتثال بفتور لعلم الجمال، أما في العيش الأخلاقي بالمعنى الحقيقي للكلمة فلا يمكن، لأنه كلما ازداد ألم البشر ومعاناتهم، ارتفع الشعور بالمسؤولية أيضاً.
هذا الطريق الأول له نسخة ثانية طرحها برتراند راسل، الفيلسوف الشهير في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وكان يقررها على هذا النحو:
كان يقول إن العيش الأخلاقي، من منظور آخر، يعود بمنفعة اجتماعية فردية. وكان يضرب مثلاً: لنفترض أن لدي حصاناً في الإسطبل، ولجاري حصان أيضاً. أنا إنسان أريد أن أدوس الأخلاق، ولذا أسرق حصان جاري فأصبح صاحب حصانين. لا شك أنني استفدت من لا أخلاقيتي هذه لأنني صرت صاحب حصانين، لكنني، وأنا أدوس الأخلاق، لا ينبغي أن أرى فقط حتى طرف أنفي، بل عليّ أن أرى ما هو أبعد، وحينها أخلص إلى أنه إذا كان لكل شخص أن يسرق حصان جاره، أي أنا أسرق حصان جاري، وهو يسرق حصان جار آخر، وذلك الآخر يسرق حصان جاره، ففي هذه الحال، في المآل وفي نهاية المطاف، إلى إسطبل من ستؤول جميع الأحصنة؟ الجواب: إلى إسطبل الشخص الأقوى من الجميع. حسناً، هذا الأمر هو نتيجة شيوع السرقة، حيث سيصبح الشخص الأكثر قسوة والأشد بأساً مالكاً لجميع الأحصنة، وبما أنه لا توجد معادلة أثبتت أنك أنت الأشد تنمراً، فإن معنى هذا أنك في المآل ستفقد حتى هذا الحصان الواحد الذي كنت تملكه، أي في الوضع النهائي. إذن، فإن عقلي يحكم عليّ إما أن أقتنع بهذا الحصان الواحد ولا أسرق حصان جاري، وإما إن أردت أن أسرق، فعليّ أن آخذ في الاعتبار أنه لن تمضي بضعة أيام حتى يظهر متنمر ويصبح مالكاً لجميع الأحصنة، بما فيها حصاني أنا. إذن، الأفضل أن أعيش أخلاقياً وأحتفظ بهذا الحصان نفسه. افتراضات راسل المسبقة في هذا النقاش هي: أولاً، إذا ذهبت أنت وسرقت حصان جارك، فقد روّجت لفكرة أن بإمكان أي شخص سرقة حصان جاره. وافتراضه المسبق الثاني هو أنك لا تستطيع أبداً أن تثبت أنك أنت بنفسك أقوى عضو في المجتمع، وستفقد في نهاية الأمر هذا الحصان الواحد أيضاً، وبالعيش اللاأخلاقي يضيع رأس مال الأفراد. وثالثاً، إن البشر غير الأخلاقيين هم كذلك لأن نظرتهم قصيرة المدى، ولو كانت لديهم نظرة طويلة المدى، لرأوا أنهم على المدى الطويل سيُحرمون حتى مما يملكونه.
كان راسل يقول إنه ينبغي لنا في جميع شؤون المجتمع أن نعزز العقلانية، لأن تعزيز العقلانية يجعل البشر بعيدي نظر، ومن هذا الطريق يتعزز العيش الأخلاقي. في منظور راسل، العيش الأخلاقي هو في المآل لصالحنا. (العقلانية تعني العيش الأخلاقي مع الالتفات إلى بُعد النظر). قد أحقق أنا، من خلال الكذب، منفعة على مدى يوم، أو يومين، أو أسبوع، أو شهر، لكن لا فائدة لي منه في المآل. يمكن خداع جميع البشر على المدى القصير، لكن لا يمكن خداعهم على المدى الطويل، والكذب، على المدى الطويل، يبدأ بإلحاق الضرر.
نقد: هذه النسخة أيضاً غير قابلة للدفاع. إذا دست أنا الأخلاق، ودستها في الخفاء، فكيف يكون الأمر؟ بحيث لا تنكشف أبداً، فحينها لن أفقد شيئاً حتى النهاية والعاقبة. كنتم تتصورون أنه سيعلم الآخرون يوماً ما، ويتعلمون مني، ويبدأون مثلاً بسرقة الأحصنة، لكن ماذا لو كانت القضية على الصورة التي قلتُها؟ في قصة ورواية "عمال البحر" لفيكتور هوغو، ترى أن هناك أشخاصاً يعيشون حياة لا أخلاقية حتى نهاية أعمارهم، لكن لا أحد يلاحظ ذلك، ومظهر حياتهم أخلاقي تماماً.
نقد آخر: إذا أردت أنا أن أبدأ بالعيش اللاأخلاقي، صحيح أنه لا توجد معادلة أثبتت أنني سأكون الأقوى، لكن من الناحية الأخرى، لم يثبت إطلاقاً أنني لن أكون الأقوى. قلتم إنكم لستم على يقين من أنكم الأقوى، لكنني أقول إننا لسنا على يقين أيضاً من أننا لسنا الأقوى. كلا الاحتمالين قائمان. قد أبدأ بالسرقة، ويثبت في النهاية أنني أقسى سارق للأحصنة وأقهرهم.
نقد ثالث: هذا المدى الطويل الذي تتحدثون عنه، إلى أي مدة زمنية تنظرون؟ كم سنة سأعيش أنا؟ ما هي حدود هذا المدى الطويل الذي تقولونه؟ لأنكم لم تحددوا الحدود، ضاعت المحاسبة، ولا يحل المشكلة.
الصيغة الثالثة من الحل الأول: كانت الروايتان الأولى والثانية تقولان إنك إذا عشت حياة أخلاقية فستحصل على المنافع الاجتماعية الفردية. لكنهما كانتا مخطئتين، ونحن نقول إننا بالعيش الأخلاقي سنحصل على منافع اجتماعية جمعية تتحقق في المجتمع ويعم خيرها الجميع. وهذه المنافع خمسة هي: النظام، والأمن، والرفاه، والعدالة، والحرية. إذا عشنا حياة أخلاقية، تتحقق هذه المنافع الاجتماعية الجمعية وينتفع الجميع. إذن نحن نعيش حياة أخلاقية كي نصل إلى مجتمع بهذه الخصائص وينتفع جميع المواطنين. وإذا تخلينا عن العيش الأخلاقي نكون قد أوجدنا عائقًا في طريق الوصول إلى مثل هذا المجتمع ونتضرر جميعًا.
نقد: إذا أردت أنا كفرد أن أعيش حياة أخلاقية، فلن يحصل المجتمع على تلك المنافع، بل إنها تتحقق عندما تعمل الأغلبية الساحقة بالأخلاقيات، وإلا فإن زهرة واحدة لا تصنع ربيعًا. وجهة النظر التي قلتها مقبولة، لكن بشرط أن يعيش جميع أفراد المجتمع، أو على الأقل أغلبيتهم، حياة أخلاقية. ولكن ما هو الضمان أنه إذا عشت أنا حياة أخلاقية، ستعيش الأغلبية أيضًا حياة أخلاقية؟ إذا عشت أنا حياة أخلاقية ولم يشاركني الآخرون، فسأكون قد تكبدت ضررًا فادحًا. علاوة على ذلك، ووفقًا لشهادة التاريخ، لم يوجد قط مجتمع –بحسب ما أظهره التاريخ والدراسات الأنثروبولوجية– كان جميع أفراده أو أغلبيتهم ملتزمين بالأخلاق. ينبغي أن تذكر شروطًا توضح الشرط اللازم لانتفاعي والشرط الكافي له.
جاء بعضهم وحاولوا ترميم هذه الصيغة الثالثة، فقالوا إن الفرد الإنساني، بقدر ما يعيش حياة أخلاقية، يروّج التعطش للعيش الأخلاقي لدى الآخرين أيضًا. تقول هذه المجموعة إننا ندفع بالأخلاق قُدمًا من خلال النماذج الأخلاقية (الأمثلة). وبعبارة أخرى، إن العيش الأخلاقي مُعدٍ، وعليه إذا عشت حياة أخلاقية، فلست وحدك من يعيش حياة أخلاقية، بل بقدر نفوذك في المجتمع، ترفع من مستوى الالتزام الأخلاقي وتروّجه بالقدر نفسه.
يبدو لي أن أصل هذا الكلام صحيح، وهو أن العيش الأخلاقي مُعدٍ (لاحظ أن المقصود هنا هو العمل الأخلاقي لا الوعظ للآخرين. مثل ذلك الإلهي المسيحي الذي كان يقول إننا قد أسأنا فهم كلام يسوع، ولذلك نعظ، بينما كان يسوع يقول: كونوا أنتم العظة. كونوا أنتم القدوة، وكونوا قدوة من خلال العمل، أي كونوا نصيحة وإرشادًا مجسدًا) لكن أصل الاستدلال لا يزيل اعتراضنا، لأنه صحيح أن العيش الأخلاقي مُعدٍ، لكن سراية العدوى ليست إلى الحد الذي يوصل المجتمع إلى العدالة والحرية والرفاه والأمن والنظام.
الصيغة الرابعة: كانت الروايتان الأولى والثانية تقولان إن العيش الأخلاقي يوصلنا إلى المنافع الاجتماعية الفردية، والرواية الثالثة كانت تقول إنه يوصلنا إلى المنافع الاجتماعية الجمعية. أما هذه الصيغة فتقول إن العيش الأخلاقي يوصلنا إلى منافع فردية (مطالب سيكولوجية)، وهذه المطالب هي: التوازن النفسي، والانسجام النفسي، والطمأنينة، والسعادة، والتصالح مع الذات. وبالطبع لا يوجد اتفاق على عدد هذه المطالب، لكن الجميع متفقون على هذه الخمسة. تقول هذه الصيغة إن الذين يتركون الالتزام بالأخلاق يُحرمون من هذه المطالب الخمسة. وإذا تنبهتم، فإننا كنا نريد المطالب السابقة، وفي النهاية كنا نريدها لأجل بلوغ هذه المطالب نفسها، فمثلاً أنا أريد أن تكون لدي ملايين الدولارات في حسابي المصرفي لأن هذا القدر من الثروة يمنحني الطمأنينة النفسية والسعادة و... حسنًا، كل المطالب السابقة التي كنا نريدها، كنا نريدها جميعًا لأجل هذه المطالب.
نقد: أصل هذه الفكرة، وهي أن أهم المنافع التي يجنيها البشر هي هذه، لا شك فيه، ولكن هل العيش الأخلاقي يوفرها حقًا؟ هنا ينبغي أن أطرح نقاشًا تحت عنوان الرضا من الدرجة الأولى والرضا من الدرجة الثانية. افترض أنك إنسان أخلاقي تمامًا وقد سمعت أن زلزالًا وقع في مكان ما، أو حدث فيضان، أو مجاعة وبلاء، وأن الأطفال والنساء والرجال يُقتلون. ومن ناحية أخرى، افترض أن شخصًا آخر غير ملتزم بالأخلاق إطلاقًا يسمع هذه الأمور ذاتها، فأيهما ينام الليل مرتاحًا أكثر؟ يبدو أن الشخص غير الملتزم بالأخلاق ينام مرتاحًا أكثر. فكلما كان الإنسان أكثر أخلاقية، ازداد معاناته، لأن العيش الأخلاقي يعني أن يكون همُّك هو تخفيف ألم الآخرين ومعاناتهم. إذن، يبدو أن العيش الأخلاقي يسلبني الطمأنينة، ولهذا لا يأتيني النوم، ولو كان ذلك الشخص غير الأخلاقي قلقًا أيضًا، لما نام. من لا يعيش أخلاقيًا، لا يحمل إلا همَّ نفسه، وفي أقصى الأحوال همَّ من يحبهم كثيرًا كالزوجة والأبناء وبعض الرفاق. أما الإنسان الأخلاقي فيحمل همَّ جميع البشر. يبدو أن من هو أخلاقي يكون بعيدًا عن المطالب، لكن نقاشًا يطرأ يغير المشهد. سأضرب مثالًا: افترض أنك أب أو أم، وطفلك مريض بشدة ويعاني ألمًا ومعاناة شديدين. يمكنك أن تفعل أحد أمرين: إما أن تسهر الليل حتى الصباح بلا نوم إلى جانب سرير طفلك، وإما أن تذهب وتنام وتستيقظ صباحًا. إذا بقيت مستيقظًا طوال الليل، فستكون متعبًا صباحًا وستشعر بإحساس غير مريح في أنحاء جسدك. ربما يقول لك أحدهم: اذهب ونم، لمَ تعذب نفسك؟ هذا الطفل يتألم ويمر بفترة المرض، فلمَ تعاني أنت؟ قد يكون جوابك: إن أمامي خيارين، لكل منهما فائدة وبالطبع تكلفة:
إذا جلست عند سرير طفلي، فتكلفته هي هذا التعب والآلام، لكن فائدته أن ضميري يكون أكثر راحة
إذا ذهبت ونمت الليل، فلن أعاني شيئًا من هذه المعاناة، لكن ضميري سيكون غير مرتاح. لقد اخترت الأول ليكون ضميري مرتاحًا، وأريد أن يكون باطني مطمئنًا، ولذلك تقبلت تكلفته. لقد رأيت أن فائدته أكبر من تكلفته فاخترته.
معنى هذا أن الإنسان في الحالة العادية لا يرضى بألم الجسد، لكن عندما يمرض طفله، وفي هذه الحالة، يرضى بألم جسده ومعاناته ويتحمل الأرق، يُسمى هذا الرضا بالرضا من الدرجة الثانية. دعوني أقول بلغة أبسط: لا إنسان في الأحوال العادية يستلذ ألم الجسد ومعاناته، والقلق، والأرق، والحزن وأمثالها، ولا يملك تجاه أي منها رضا من الدرجة الأولى، لكن أحيانًا يظهر في الحياة شيء أهم، فذلك الشيء الذي لم نكن نمنحه رضا من الدرجة الأولى، نكون قد رضينا به ونرضى به من أجل الوصول إلى شيء أسمى وأرفع، وهذا ما نسميه الرضا من الدرجة الثانية. لا أب ولا أم يرضى في الأحوال العادية بالأرق والتعب الناتج عنه، لكنهما يرضيان به عند مرض طفلهما.
وعلى هذا الأساس، إذا تخليت عن أشياء أخرى من أجل أشياء معينة (أي أنك لا تستلذها لكنك خضعت لها)، فأنت لا تملك تجاهها رضا من الدرجة الأولى. أنا لا أستلذ أن أُهان، أو أن أُشتم، أو أن يُسخر مني... إلخ، ولست راضيًا أبدًا أن أراها أو أتعرض لها (أي لا أملك تجاهها رضا من الدرجة الأولى)، لكن أحيانًا يحدث في حياتي شيء ما، أرضى من أجل الحفاظ عليه أن أكون موضع سخرية، وأن أُشتم، وأن أُهان (الرضا من الدرجة الثانية).
إذا كانت هناك أشياء أستلذها في الحالة العادية، نسميها الرضا من الدرجة الأولى، وإذا كانت هناك أشياء لا أستلذها في الحالة العادية، ما لم توجد أشياء أخرى، لكني مع ظهور تلك الأشياء الأخرى أرضى بها، فهذه تُسمى الرضا من الدرجة الثانية.
فلنعد الآن إلى ذلك المثال: ما دمت شخصاً أخلاقياً وقد سمعت بحدوث زلزال أو فيضان أو ما شابه... فإنك لا يغمض لك جفن طوال الليل وتتكبد عناءً جراء ذلك، بينما الشخص الآخر غير الأخلاقي ينام الليل قرير العين. فإن قال لك قائل: كن مثل ذلك الشخص، تجيبه: أنا لا أحظى برضا من الدرجة الأولى إزاء أرقي، لكن إن كان أرقي ناجماً عن الأخلاقيات فإني أرضى به، أي إنه رضا من الدرجة الثانية. والآن، سأستفيد من هذا النقاش وأعود إلى وجهة النظر القائلة إن أولئك الذين يعيشون حياة أخلاقية يبلغون التوازن النفسي، ويبلغون السكينة والبهجة والانسجام النفسي والتصالح مع الذات. هؤلاء لا يبلغون هذه الأمور بالرضا من الدرجة الأولى، بل يبلغونها بالرضا من الدرجة الثانية. إنهم يسهرون الليل، لكنهم لا يودون أن يكونوا أشخاصاً قساة القلوب. لو انتبهنا إلى هذا التمييز بين الرضا من الدرجة الأولى والثانية، لاستطعنا حينئذ أن نقول إن هذه الصيغة صيغة قابلة للدفاع عنها. أعني أن البشر الذين يعيشون حياة أخلاقية تنتابهم هواجس وأحزان، لكنهم في الآن ذاته يمنحونها رضا من الدرجة الثانية ويستمتعون بالعيش الأخلاقي أشد استمتاع. للبشر الأخلاقيين مستويان: مستوى ظاهري سطحي يعيشون فيه الهواجس والقلق، لكنهم في مستوى أعمق فرحون مطمئنون. إنهم يفرحون بهذه الأحزان ويستلذون بهواجس المستوى الأول. إذن، ينبغي أن يكون الأخلاقيون على أهبة لأن يفرحوا بالأحزان وأن ينعموا بالسكينة من جراء القلق. فإن استطاعوا بلوغ هذه المراتب، يكونون قد حققوا أعظم ربح، لأننا نحن البشر العاديين لا نراعي الأخلاق فلا نبلغ هذه المراتب.
والآن يرد سؤال: ألا يصح عكس هذه القضية؟ ألا نبلغ هذه الأمور إن لم نعش حياة أخلاقية؟ هل سنُحرم حتماً من هذه الأمور الخمسة؟ لقد تحدثنا حتى الآن وكأن السبيل الوحيد لبلوغ تلك المطالب الخمسة هو العيش الأخلاقي فحسب، لكن ألا يوصلنا العيش اللاأخلاقي إليها؟ لو كان السبيل الوحيد لبلوغ هذه المطالب الخمسة هو الالتزام بالأخلاق فحسب، لكان كلامكم صحيحاً، لكن غير الأخلاقيين يبلغون هذه الخمسة أيضاً، فيبدو أن الأخلاقي وغير الأخلاقي سيان. لا يقول النقاد إن الالتزام بالأخلاق لا يوصلنا إلى هذه الخمسة، بل هم يقرون بذلك، لكنهم يقولون لعل عدم الالتزام بالأخلاق يوصلنا إليها أيضاً. فلماذا نلتزم بالأخلاق في هذه الحال؟
سأجيب عن هذا الإشكال في الجلسة القادمة. في رأيي أن هذه الصيغة قابلة للدفاع عنها تماماً. بطبيعة الحال، سنصل إلى صيغ وحلول الرأيين الثاني والثالث أيضاً، ونحن الآن بصدد صيغ الرأي الأول.
لقد وصلنا إلى الصيغة الرابعة من الرأي الأول: تقول هذه الصيغة إن سعادة الآخرين هي في الأساس شرط لسعادتك أنت. لا يمكنك أن تكون سعيداً بدون سعادة الآخرين. حين ترى الآخرين سعداء، تصبح أنت أيضاً سعيداً، وحين تُسعد الآخرين، تكون في الحقيقة قد أسعدت نفسك. ليلاحظ الأصدقاء أن الظواهر الاجتماعية قابلة للتقسيم إلى ثلاثة أقسام: بعضها بحيث يمكن أن تكون ملكاً لك وحدك ويُحرم منها بقية الأفراد المرتبطين بك، فمثلاً يمكن أن تكون أنت ذا شهرة ولا يكون أي من أفراد أسرتك أو أصدقائك أو زملائك ذا شهرة، والثروة كذلك. القسم الثاني هو ما لا يمكنك أن تحظى به إلا إذا حظي به الآخرون أيضاً، أي إن المسألة هي إما الكل أو لا أحد، مثل الحرية والعدالة. لا يمكن أن يوجد وباء معدٍ في مجتمع وتبقى أنت بمأمن منه. القسم الثالث هو ما يقع في دائرة الشك حول كونه من القسم الأول أم من القسم الثاني، مثل السعادة. هل يمكنك أن تكون سعيداً في جمع كل أفراده تعساء؟ هل السعادة من القسم الأول أم من القسم الثاني؟
هذه الصيغة هي من بين وجهات النظر التي ترى أنك لا تستطيع أن تنعم بالسعادة ما لم ينعم بها الآخرون أيضًا. لا يمكنك أن تكون سعيدًا في مجتمع يعاني من الألم والفقر والجهل... إلخ. تقول هذه الصيغة: ينبغي أن تحيا حياة أخلاقية لأنك بهذه الطريقة تستطيع أن تكون سببًا في سعادة الآخرين وتصبح كذلك. بقدر ما تتعامل مع الآخرين بأخلاق، تكون قد رفعت من فتيل سعادة الآخرين بالقدر نفسه، وبهذا المقدار تنعم أنت أيضًا بالسعادة. لهذه الصيغة افتراضان مسبقان: أ) السعادة من الأمور التي لا يمكن امتلاكها بمفردك، و ب) إذا أردت، بقدر ما في وسعك، أن ترفع من سعادة الآخرين، فعليك أن تتصرف بالقدر نفسه من الأخلاق، وعبر التصرف الأخلاقي ترتفع سعادة الآخرين.
نقد:
وجهة النظر هذه القائلة بأن سعادتك مرتبطة بسعادة الآخرين، يبدو أنها تتوقف على البشر أنفسهم وليست قاعدة كلية، لأن هناك أشخاصًا لا تؤثر فيهم تعاسة الآخرين. والآن، من الناحية الإحصائية، أي الطرفين أكثر عددًا؟ يبدو أن غالبية البشر يتعسّون من تعاسة الآخرين، لكن هناك أقلية لا تحركهم ساكنًا أحوال الآخرين.
يعتقد أرسطو أن جميع البشر يتمتعون بخاصيتين تفصلانهم عن صف الحيوانات، أي أن الإنسان كائن عقلاني-اجتماعي (أي أن الاجتماعية جزء من طبيعة البشر، ولأن الأمر كذلك، فهو يتعسّ من تعاسة الآخرين: كتاب السياسة والأخلاق إلى نيقوماخوس). لكن أبحاث علماء النفس المحدثين تنقض كلام أرسطو.
افتراضهم المسبق الثاني هو أنه "لرفع فتيل سعادة الآخرين، ينبغي أن نحيا حياة أخلاقية".
هل هذا الافتراض المسبق صحيح أم لا؟ يبدو أنه صحيح، ولكن بوصفه شرطًا لازمًا لا شرطًا كافيًا. بمعنى أنني إذا تعاملت معك فعلاً بأخلاق، فإن هذا التعامل الأخلاقي يزيد من سعادتك، لكن سعادة حياتك لا تتوقف فقط على تعاملي الأخلاقي هذا، بل تتوقف على عوامل أخرى أيضًا.
ما هو شرطه الكافي؟ سأذكره في النقاش التالي.
هذه الروايات والصيغ كانت جميعها متعلقة بالحل الأول، وهو أن الإنسان العادي يستفيد من عيشه حياة أخلاقية. والآن نصل إلى الحل الثاني وصيغه الخاصة، الذي لا علاقة له بالإنسان العادي أصلاً. منذ القدم، قال الفلاسفة والعرفاء وبعض مؤسسي الأديان إن لكل إنسان ذاتًا حقيقية self، "الذات" أي "أنت كما أنت حقًا"، ولكن لكل إنسان تصورًا عن ذاته الحقيقية لا ينطبق على ذاته الحقيقية، ويُطلق على هذا التصور ego، وهنا يُطلق على هذه الـ ego لفظ "الأنا". أحيانًا نتصور أن صفة معينة فينا، بينما هي ليست في ذاتنا الحقيقية أصلاً، وأحيانًا نتصور أن صفة معينة ليست فينا، بينما هي موجودة في ذاتنا الحقيقية.
بعبارة أخرى، قال البعض إن لكل إنسان هوية/identity واقعية objective هي ذاته self، ولكن هذا الإنسان نفسه له هوية ذاتية subjective هي الأنا ego. مثال: قد أكون في الواقع شخصًا متكبرًا، لكني أظن أني شخص متواضع، فالآن الأنا ego متواضعة، لكن الذات self متكبرة. قد أتصور أني عالم ego، لكني في الواقع لست كذلك self.
أغلبنا نحن البشر نعيش أعمارنا بالأنا ego. وبواسطة هذه الأنا أصادقك وأقاطعك وأعادي وأقاطع... إلخ. هؤلاء الذين قاموا بهذا الفصل، ما دليلهم على كلامهم؟
قدموا عدة أدلة قال عنها الفلاسفة والعرفاء... إلخ إنني لو أردت الخوض فيها لطال النقاش، وسأصرف النظر عنها، لكني سأتناول واحدًا منها:
كل شخص يحب نفسه "self-love"، وهذا بالذات ما يجعل الإنسان يحافظ على ذاته (صيانة الذات)، ومن صيانة الذات هذه يولد وليدان هما: جلب النفع ودفع الضرر. إذا كان الأمر كذلك، فلماذا نحن تعساء؟ أنت (أي الإنسان في أي مرتبة كان) جلبت لنفسك كل نفع استطعت جلبه، فلماذا لا تشعر بالطمأنينة؟ لماذا تصاب بالاكتئاب؟ لماذا أنت حزين؟ لماذا لست سعيدًا؟
دعوني أضرب مثلاً من مولانا: يقول مولانا في المثنوي إن رجلاً ذهب واشتغل في السوق ثلاثين عاماً، فجمع ثروة طائلة، واشترى بها أرضاً شاسعة جداً، ثم ذهب وعمل ثلاثين عاماً أخرى، فجمع ثروة طائلة أخرى، وبنى بها قصراً فخماً عظيماً. وعندما أراد الانتقال إلى ذلك القصر، قال له رجال الشرطة: إن أرضك كانت في الجهة الأخرى، وقد أخذت الأرض بالخطأ، وبنيت القصر على أرض رجل آخر، وبقيت أرضك بوراً. لقد وضع هذا الرجل نصب عينيه أرضاً ظنها أرضه، وأنفق كل ما يملك من ثروة على تلك الأرض، لكنه عمّر أرض رجل آخر. يستخدم مولانا هذه القصة ويقول: أنا وأنتم كذلك، لدينا أرض تُدعى البدن، وأرض تُدعى الروح. نظن أن بدننا هو أرضنا، فننفق كل ما نملك على هذا البدن، وعندما يحين أجل الموت يقال لنا: إن أرضكم كانت تلك الأخرى، أي روحكم. لقد عمّرنا البدن وأهملنا الروح[2] ومن هذا المنطلق يقول:
في أرض الآخرين لا تبنِ داراً اعمل عملك، لا تعمل عمل الغريب
إذن، يستطيع الإنسان أن يشرع في التعمير لكنه يعمّر أرض غيره. نحن الذين سعينا، حفاظاً على الذات، لجلب النفع ودفع الضرر، لماذا نحن حزينون الآن؟ لأننا جلبنا المنافع للأنا (ego) ودفعنا الضرر عن الأنا (ego)، لكن الذات (self) بقيت مهجورة. يخيّل للإنسان في أحيان كثيرة أنه يعتني بالذات (self)، لكن الواقع أنه تم الاعتناء بالأنا (ego). لو صوّرنا حياة فرد، لقلنا: هذا الفرد لم يكن طوال عمره إلا مهتماً بنفسه فحسب، لكنه في الواقع غير راضٍ عن نفسه لأنه أخطأ بين نفسه وشيء آخر. كل إنسان يحب رجلاً يعتقد أنه أبوه، سواء كان ذلك الرجل أباه الحقيقي أم لا. لقد جُبلنا على حب أبينا، لكننا لم نُجبل على تمييز أبينا الحقيقي في تلك الفترة التي نكون فيها صغاراً جداً، فإن حالفنا الحظ، كان الرجل الذي نعتقده أبانا هو أبونا الحقيقي فعلاً.
قلنا إن الإنسان لديه حب الذات، أي أنه يحب نفسه، لكن هل تعلمون ماذا ينبغي أن نقول في الواقع؟ ينبغي أن نقول: "كل إنسان يحب ذلك الشيء الذي يظنه نفسه، سواء كانت تلك النفس هي نفسه الحقيقية أم لم تكن نفسه الحقيقية".
يقول الحل الثاني: كنا في الحل الأول بكل نسخه نتعامل مع الأنا (ego)، أما الآن فنحن نضع الأنا (ego) جانباً ونقول إن العيش الأخلاقي يعود بالنفع على الذات (self) لا على الأنا (ego). كنت تقول سابقاً: إن عشت حياة أخلاقية فستقل ثروتي، وتقل شهرتي، وتتضرر محبوبيتي واحترامي... إلخ، لكن انتبه إلى أن الثروة والشهرة والاحترام والجاه والمحبوبية والعلم الأكاديمي كلها من صميم الأنا (ego) لا الذات (self). كان القدماء يقولون: كل هذه الأشياء التي تملكونها لا ترافقكم إلا إلى شفير القبر، أي أنها جميعاً تتعلق بالأنا (ego).
ولهذا الحل الثاني أيضاً نسخ:
النسخة الأولى من الحل الثاني: عدم العيش الأخلاقي يضر بالذات (self)، لأنني عندما أريد أن أقوم بعمل غير أخلاقي، كأن أظلمك مثلاً أو أهدر حقاً من حقوقك... إلخ، ينبغي أولاً أن يتولد في داخلي تجاهك غضب وحقد وكراهية، حتى تدفعني هذه المشاعر إلى ظلمك، أي أنني قبل أن أصفعك، يجب أن أصفع نفسي أولاً. إن أردت أن أسرق مالك، ينبغي أولاً أن يتولد في داخلي شيء اسمه الحرص، حتى أمد يدي بالاعتداء على مالك. إن أردت أن أعيق أمرك وأطردك من الدائرة، ينبغي أولاً أن أُولّد في داخلي حسداً، ثم أقوم على إثر ذلك الحسد بالإعاقة والطرد من الدائرة. معنى هذا أنني كلما أردت أن أعيش حياة غير أخلاقية، ينبغي أولاً أن أوجه لنفسي ضربة أو عدة ضربات. عدم العيش الأخلاقي يعني توجيه ضربات داخلية متتالية للنفس. من المسلّم أنني أوجه لنفسي ضربات، دعوني أروي قصة:
كان رجل يكنّ كراهية شديدة لجاره، فقال لعبده: اقطع رأسي فوق سطح جاري وألقه في فناء جاره حتى يأتي رجال الأمن ويُعدموا جاري. من المسلّم به أنك ستُقتل في هذه الأثناء، لكن ليس من المسلّم به أن جارك سيُقتل حتماً؛ فلعل الأدلة لم تقنع القاضي، أو لعل جارك دفع رشوة وأُطلق سراحه، وغير ذلك من الاحتمالات.
نحن حين لا نعيش حياة أخلاقية، نوجه أولاً بضع ضربات أخلاقية لأنفسنا، على أمل أن نوجه بضع ضربات للآخر. عندما نظلم فرداً ما، تفرح الأنا (ego) لدينا، لكن الذات (self) تغدو تعيسة.
يبدو أن هذه الرواية قابلة للدفاع عنها تماماً، لأنني حين أتصرف بطريقة غير أخلاقية، أكون قد دمرت نفسي قبل ذلك قطعاً، ولهذا السبب أُقدم على الفعل غير الأخلاقي. تُنسب هذه الرواية إلى بوذا.
أما الرواية الثانية من الحل الثاني فتقول إن الفرق بين الأنا (ego) والذات (self) هو أن الأنا صُنعت بحيث لا تروي إلا مصالحها الخاصة، بينما صُنعت الذات بحيث تهتم بمصالحها الخاصة وتهتم بمصالح الآخرين في آنٍ معاً. لقد صُنع الإنسان بحيث لا يجني أحياناً أية منفعة من عمل معين، فأنت مثلاً تمر من مكان ما فترى عصفوراً يكاد يتجمد من البرد، فتأخذه إلى المنزل وتعتني به، وبعد بضعة أيام يتماثل للشفاء ثم تطلق سراحه. فأي منفعة تجنيها؟ وأي منفعة جنيتها؟
كان ويليام جيمس في جدال مع أحد فلاسفة عصره، حيث كان ذلك الفيلسوف يقول إنه من المحال أن يقوم الإنسان بعمل ما لم يجنِ من ورائه منفعة، بشكل مباشر أو غير مباشر. كان جيمس يقول: لقد صُنعنا نحن البشر بحيث نسعد حين تصيبنا نحن البهجة، ونسعد أيضاً حين تصيب البهجة كائناً آخر غريباً عنا. فإذا رأيت، في يوم مثلج تراكم فيه متر من الثلج على الأرض، رجلاً عجوزاً أو امرأة عجوزاً لا يستطيع عبور الشارع، فذهبت وساعدته على العبور، فأنت هنا لم تجنِ منفعة، لكنك شعرت بلذة. أما إذا رآك أحد أصدقائك أو معارفك وأنت تقدم المساعدة، فإن مقدار اللذة الذي شعرت به سابقاً لن تشعر به الآن.
كان ذلك الفيلسوف يقول: ليس الأمر كذلك على الإطلاق، فهناك منفعة، بشكل مباشر أو غير مباشر، قد عادت على ذلك الفرد. في أحد الأيام، كان ويليام جيمس يستقل عربة تجرها الخيول وكان المطر ينهمر بغزارة، وعندما وصل إلى جسر، رأى عند مجرى ماء كان قد فاض بسبب الأمطار الغزيرة، خنزيراً صغيراً غارقاً في الوحل على ضفة النهر وفي حالة سيئة للغاية. ذهب جيمس وساعد ذلك الخنزير الصغير ثم عاد. قال في نفسه إن هذه الحادثة بالذات مثال جيد، وقص القصة على ذلك الفيلسوف وقال: لم أحصل على أية منفعة من تلك الحادثة، ومع ذلك قدمت المساعدة. أي نفع جنيت؟
فقال ذلك الفيلسوف: لو كنت تركته ومضيت في طريقك، لظل وخز الضمير يلاحقك ما دامت ذاكرتك تعينك، ولكي تخلص نفسك من مرارة نفسك، ذهبت وساعدته.
يبدو أن ذلك الفيلسوف قد كسب الجولة، لكن جيمس كان يقول: ولماذا شعرت بوخز الضمير حين كنت أمر من هناك؟ لأنني صُنعت على نحو يجعل معاناة الآخرين تتسبب في معاناتي. لقد صُنع الإنسان بحيث لا تقتصر معاناته على معاناته هو فحسب، بل إن معاناة الآخرين تتسبب في معاناته أيضاً. الإنسان، بالإضافة إلى كونه أنانياً، هو أيضاً إيثاري، يفرح لبهجته هو ويفرح لبهجة الآخرين. إن الذات (self) تشمل، بالإضافة إلى الأنانية، الإيثار أيضاً.
هذه الرواية قابلة للدفاع عنها تماماً، لكن ثمة أمر واحد، وهو أن الإنسان يستطيع أن يعيش بطريقة تتضاءل فيها لديه مشاعر حب الآخرين هذه.
كان أفلاطون يطلب منا أن نحضر ورقة وندون عليها بسرعة، دون تفكير، كل ما هو مرغوب فيه في حياتنا. والمقصود بالمرغوب فيه ما يتصف بخصلتين: الأولى - الأشياء التي نحب أن نحظى بها، والثانية - الأشياء التي لا نحظى بها.
لنفترض أننا أعددنا قائمة تضم 500 بند، كان أفلاطون يقول: فكروا فيها الآن، وأعيدوا النظر في هذه البنود الـ500، أي تأملوا وتمهلوا وانظروا أيّاً من هذه الأشياء تريدونها لذاتها، وأيّاً منها تريدونها لأنها توصلّكم إلى شيء آخر. فالمال مثلاً نريده كي يوصّلنا إلى شراء منزل، أو سيارة، أو أدوات حياة رفيعة، وكذلك كي نتمكن، إذا مرضنا، من الذهاب إلى مستشفى يضم أطباء على درجة عالية من البراعة، أو إلى مراكز تجميل القوام، أو لشراء أدوات الزينة... إلخ. نريد المال للوصول إلى تلك الأشياء. أي أن مجموعة من البنود تصبح درجات تُرقيك إلى شيء آخر.
بهذه الطريقة، تتقلص تلك القائمة إلى 100 بند مثلاً. فالمال مثلاً يساعدنا، عبر الوصول إلى تلك البنود، على بلوغ المحبوبية. يقول أفلاطون هنا: احذفوا البنود السابقة، واستمروا في هذا العمل على الدوام. وبهذه الطريقة يتضاءل عدد البنود أكثر فأكثر.
كان أفلاطون يقول: كل من يقوم بهذا العمل بصدق، يصل في نهاية المطاف إلى 3 أمور:
أ) الحقيقة: الإنسان يكره أن يُخدع. الإنسان يستاء من أن يقع فريسة للأوهام والأباطيل. (عالم النظر)
ب) الجمال: الإنسان يستمتع بالجمال، ولا يريد من هذا الاستمتاع أن يوصله إلى مكان آخر. (عالم المشاعر والعواطف والانفعالات)
ج) الخير (عالم العمل)
روح الإنسان تحب هذه الثلاثة.
سؤال: هل نحن حقاً هكذا؟ أعني هل نحن نحب العيش الأخلاقي في ذاته؟ تصوروا نمطين من الحياة: في الأول يمكنكم أن تدوسوا جميع القواعد الأخلاقية وتديروا ظهوركم للخير، وفي الثاني تراعون جميع القواعد الأخلاقية وتتوجهون نحو الخير.
إذا قيل لكم: إن اخترتم النمط الأول فستحصلون على أشياء وفوائد عظيمة جداً، وإن عشتم وفق النمط الثاني فستحصلون على تلك الخيرات نفسها بالضبط. أيهما تختارون؟ في جوابكم تقولون: إذا كان ما سأصل إليه هو الشيء نفسه بالضبط، فالأفضل أن أراعي القواعد الأخلاقية. يقول أفلاطون: إن الإنسان يستلذ العيش الأخلاقي في ذاته، لكن لماذا يدوسه أحياناً؟ لأنه إن صدق، تضار الشهرة والمحبوبية والجاه... إلخ. أنا أحب أن أكون أخلاقياً، لكني أحب هذه الأشياء أيضاً، بل وأفضّلها. فإذا رأيت هذين النمطين من الحياة يؤديان إلى النتيجة نفسها بالضبط، فإني بلا شك ولا ريب أختار العيش الأخلاقي. لقد خُلقنا بحيث نعشق الخير، لكن تلك الأشياء مهمة للأنا (ego)، أعني الشهرة، والقدرة، والمحبوبية، والجاه، والعلم الأكاديمي، والاحترام. من أجل هذه ندوس الأخلاق، أما إذا أولينا الذات (self) أهمية فلن نولي أهمية إلا لتلك الثلاثة: أي الحقيقة (علوم الرياضيات، والمنطق، والفلسفة، والعلوم التجريبية، والتاريخ، والعرفان، ويضيف البعض العلوم الدينية والمذهبية)، والجمال (مصاحبة الطبيعة والولوج إلى عالم الفن)، والخير.
إن أقبلنا على الذات (self) فسنجد أننا ننعم بقدر أكبر من السكينة، وأقل من التوتر والاكتئاب، وأوفر من البهجة. إذن، أنا أعيش أخلاقياً بفضل الالتفات إلى الذات (self)، والذات (self) تستفيد من العيش الأخلاقي، أما الأنا (ego) فلا تستفيد.
في الجلسة القادمة سأتناول الجواب والحل الثالث والرابع، اللذين يقولان على التوالي إن البشر "مشتركون في المصير" وإن البشر "مشتركون في الطبيعة".
وصلنا إلى الجواب والحل الثالث:
أول محاسن هذا الجواب أنه يقول: أنا لا شأن لي بالأنا (ego) ولا بالذات (self)، فسواء كنت من أهل الأنا (ego) أو من أهل الذات (self)، فأنت تستفيد من العيش الأخلاقي، وأنا لا أميز بين هذين. يقول هذا الحل: إننا معشر البشر، على أية حال، "مشتركون في المصير"، والعيش الأخلاقي يجعل الحياة أفضل لنا جميعاً.
لنفترض أننا جميعًا ركاب سفينة واحدة وليس هناك أي سفينة أخرى، فإذا غرقت، نهلك جميعًا، وإذا واجهت هذه السفينة مشكلة، فعلى جميع البشر أن يسعوا لحل الخلل، لأن الأمر كذلك، فإننا جميعًا نسعى بقلب واحد ولسان واحد لحل المشكلة لأن مصيرنا جميعًا مشترك، ولهذا السبب يسعى كل فرد لحل المشكلة، ويعلم كل شخص أن حل المشكلة في صالحه، وفي الوقت نفسه فإن مصلحته ممتزجة بمصلحة الجميع. أتعرفون من لا يتعاطف؟ الشخص الذي لديه قارب منفصل لنفسه، فهذا الفرد قد لا يتعاطف، أما البقية فهم ذوو مصير مشترك –في الربح والخسارة معًا- في الواقع البشر جميعًا داخل سفينة واحدة وليس هناك قارب احتياطي. هذه النظرية هي نظرية سوسيولوجية، بينما كانت النظريات السابقة كلها سيكولوجية.
تسأل هذه النظرية: إذا أردنا أن يكون المجتمع مرغوبًا من كل جهة، فماذا نفعل؟ يجيب هذا المنظور بأنه لا حاجة للدخول في التفاصيل، كالمؤسسة القانونية والاقتصادية وغيرها... يقول هذا المنظور إن المجتمع السليم له 4 خصائص ويقبلها حدسكم العقلي أيضًا:
الخاصية الأولى: أن يعطي المجتمع لكل فرد كل ما "يحتاج" إليه. لاحظوا أني أقول يحتاج، لا يرغب.
الخاصية الثانية: أن يضع المواطن كل ما يستطيعه في خدمة المجتمع. ألا يبخل على المجتمع بكل ما في وسعه. لهذه الخاصية مجموعتان فرعيتان:
2-1: أولاً، أن يتولى العمل الذي يقدر على أدائه، أي أن تكون لديه المعرفة والقدرة على ذلك العمل.
2-2: بعد أن أتولى العمل الذي أستطيع أداءه جيدًا، أن أؤديه كما ينبغي أن يؤدى، لا لأجل مصالحي الفردية أو مصالح جماعتي وحزبي. أي يجب أن أؤدي ذلك العمل بشكل مبدئي ووفقًا لأصول العمل نفسه، ولا ينبغي أن أؤديه بشكل يصب في مصلحتي الفردية وأخرج به عن أصوله.
الخاصية الثالثة: إذا كانت للفرد استحقاقات تتجاوز احتياجاته، فيجب على المجتمع أن يعطي الفرد هذه الاستحقاقات أيضًا، أي أن ذلك الفرد قد نال احتياجاته التي كانت لديه وأعطاه إياها المجتمع، لكن لهذا الفرد استحقاقات أخرى يجب على المجتمع أن يعطيه إياها أيضًا. لأن المجتمع الجيد هو المجتمع الذي يهيئ الأرضية لنمو الفرد وازدهاره. إذا أعطوك احتياجاتك فقط، فلن يحين دور الازدهار، أما إذا أعطى هذا المجتمع نفسه لكل فرد احتياجاته، ولكن هذا الفرد يقوم أيضًا بأعمال حسنة وجيدة تجعله مستحقًا لأشياء أكثر، فإن المجتمع الجيد يدفع له هذا الحق الزائد والمضاف على الحاجة أيضًا.
الخاصية الرابعة: أن يتمكن كل شخص في هذا المجتمع من الاحتفاظ بكل ما حصل عليه عن طريق الخاصية الأولى والخاصية الثالثة حتى النهاية، وألا يستطيع أحد اغتصابها منه أو مصادرتها.
يقول هذا الحل إن كل ما تقولون إنه يجب القيام به في مؤسسات مختلفة، هو فقط هذه الأربعة. المجتمع المثالي تمامًا هو المجتمع الذي يمتلك هذه الخصائص الأربعة. ارجعوا إلى حدسكم ترون أنه يؤيدها. هذه الأربعة توجب المصير المشترك للبشر.
نقد: هذه النظرية تكون نافعة حينما أتصرف أنا أخلاقيًا، وتتصرف أنت أيضًا أخلاقيًا، ... ويراعي الجميع الأخلاق. هذا المجتمع لا ينشأ بسلوك شخص واحد فقط أخلاقيًا، ولا ينشأ هذا المجتمع بعيش 2، 3، 4 أشخاص... أخلاقيًا، بل يجب أن يعيش الجميع أخلاقيًا.
برأيي أن هذا المنظور عميق جدًا من الناحية النظرية، لكن حصول مثل هذا المجتمع مرهون بالعيش الأخلاقي لجميع أفراد المجتمع. يجب ضم أمرين إلى هذا المنظور لتُحل إشكالياته. أولاً، يجب أن تعلم هذه النظرية أن أهم مؤسسة يجب أن تتغير في المجتمع هي المؤسسة الثقافية. يجب أن تتغير الثقافة الأخلاقية للجميع. إذن، يجب على هذه النظرية أن تكرس كل جهدها لتنمية الثقافة لدى الأفراد منذ سن الطفولة.
ثانيًا، ينبغي ألا يعارض جهود الآخرين لإصلاح المجتمع، وأن يسعى لإظهار أن أي جهد تراه قابل للاختزال إلى جهودنا الأربعة. فمثلًا، من يعمل في مجال الاقتصاد يندرج في النهاية ضمن هذه الفئات الأربع، أي أنه عمل اجتماعي ثقافي.
رأيي شخصيًا هو أن البشرية ستتجه رويدًا رويدًا نحو هذه النظرية. هذه النظرية لا تملك قوة ولا سطوة في الوقت الحاضر، لكنها ستكتسب قوة في المستقبل. برأيي، من الواجب أن يذهب كل فرد إلى العمل الذي يستطيع القيام به فحسب، ومن الواجب أن يُجلس المجتمع الفرد المتخصص في عمله التخصصي. إن مهمة المدراء أساسًا هي أن يوظفوا الفرد حين يرونه متخصصًا في حرفة معينة. ومن ناحية أخرى، على كل فرد إن رأى أنه غير مؤهل لعمل معين، أن يتنحى بنفسه، فمثلًا، شخص حاصل على دكتوراه أو ما بعد الدكتوراه في تخصص معين لكنه عاجز عن التدريس، عليه أن يتنحى بنفسه، وإذا كان شخص ما يمتلك حقًا القدرة على التدريس، فعليه أن يُدرّس كما ينبغي أن يُدرّس، لا بالطريقة التي تُراعى فيها منفعته الشخصية. والأمر كذلك في كل حالة: العامل، والمزارع، والخدمات، والصناعة، والتجارة، والسياسة...
انظر إلى فساد الأنظمة السياسية أصلًا، لنفترض أنني ناقد لنظام ما. أتعرف ما يمكن أن يكون أكبر انتقاداتي؟ إنه أن يتولى العمل في هذا المجتمع والبلد أشخاص عاجزون عنه، أو أن يتولوا عملًا يستطيعون القيام به، لكنهم يؤدونه بطريقة تضمن مصالحهم الشخصية ومصالح جماعتهم وحزبهم. أليس الفساد السياسي سوى هذا؟
دعني أذكر نقطة: في المجتمع السليم، ينبغي أن يتوفر عاملان آخران ليسا تحت سيطرة البشر، وهما: أولًا، الثروة والموارد الطبيعية كالنفط، والفضة، والذهب، والجبل، والغابة، والنهر، والبحيرة... هذه النظرية لا تتناول هذه الأمور. ثانيًا، الحوادث التي تقع، كالزلازل والسيول... يمكن عبر أعمال معينة تقليل خسائرها، لكن وقوعها ليس تحت سيطرتهم.
النظرية الرابعة: تتجاوز هذه النظرية فكرة المصير المشترك لتقول إن البشر متحدون في الطبيعة. حين يُقال "متحدون في المصير"، فالمقصود أنك أنت، وأنا أنا، أي أن ثمة انفصالًا وتمايزًا. أما هذه النظرية الرابعة فتقول إننا جميعًا كائن واحد، ولسنا هنا بصدد الأنا أو الذات. تصور كومة قمح فيها، لنقل، مليار حبة قمح، بنيتها ووظيفتها متماثلتان تمامًا. لهذه الكومة في مجملها وظيفة واحدة، كخاصية الإشباع مثلًا. أي خاصية في الكومة موجودة في كل حبة قمح، أي الحبة الأولى + الحبة الثانية + الحبة الثالثة... نمط وظيفة الأجزاء هو عينه نمط وظيفة الكل، أي أن الكل مساوٍ للأجزاء.
تصور جهاز راديو له أجزاء مختلفة. في المثال السابق، كانت بنية الأجزاء ووظيفتها متطابقة، وكانت الأجزاء عين الكل. أما هنا، فكل جزء يختلف عن الآخر من حيث البنية والوظيفة، أحدها من الزجاج، والآخر من البلاستيك، والنحاس، والألمنيوم... أحدها مكعب والآخر أسطوانة... عندما تكون هذه الأجزاء مبعثرة على الطاولة ومنفصلة عن بعضها، تكون لها بنيتها المنفصلة ووظيفتها الخاصة بها، لكن هل يمكنك الاستماع إلى الراديو؟ كلا. يجب أن تترتب هذه الأجزاء إلى جانب بعضها بطريقة معينة، فيكتسب الراديو بذلك وظيفة أخرى، أي أن وظيفة الراديو شيء آخر، وينجم عنه عمل لا ينجم عن الأجزاء المختلفة حين تكون منفصلة عن بعضها. إذا فقد جزء ما وظيفته، تبقى بنية الأجزاء الأخرى ووظيفتها قائمة وسليمة، لكن لأننا كنا نستطيع الاستماع إلى الأخبار عبر المجموع، لم نعد نستطيع الآن. هنا، الكل أكبر من مجموع الأجزاء، لكن هذا الكل يحتاج إلى جميع الأجزاء ليتمكن من أداء عمله. يُطلق على هذا النوع من الكلّيات اسم الآلية.
لننظر في حالة ثالثة أيضًا، قارن جسم الإنسان بالراديو، يبدو أن جسم الإنسان ككل يؤدي عملًا أسمى من أجزائه. وظيفة الجسم ليست وظيفة أي من أعضائه بمفردها. وظيفة جميع الأجزاء ككل حتى لو اجتمعت معًا ليست وظيفة الجسم. من هذه الناحية، الجسم والراديو متشابهان. الكل يمتلك شيئًا إضافيًا على الأجزاء. لكن إذا تعطل جزء في الراديو، فإن صوته ينقطع، لكن بقية الأجزاء لم تفقد بنيتها ووظيفتها ولا تزال سليمة. أما في الجسم، فإذا أصابك ألم في ضرسك مثلًا، فإن جميع أعضاء جسدك تتأثر. إذا أصاب عضو خلل، يصبح الجسم كله مختلفًا.
لدينا هنا كل، بالإضافة إلى أنه يمتلك قدرة أسمى من أجزائه، وبالإضافة إلى أنه يحتاج إلى جميع أجزائه ليعمل بشكل سليم، إلا أنه إذا أصاب عضو خلل، فإن بقية الأعضاء لا تبقى غافلة عنه، بل تتأثر به ويصيبها الاعتلال أيضًا. هذه الكليات تسمى عضوية (organic).
والسؤال الآن هو: هل العالم كله مثل الحالة الأولى أم الثانية؟ تقول هذه الرؤية إن العالم بأسره كائن عضوي (organism) واحد. هذه النظرية طرحها العرفاء منذ القدم، لكنهم لم يستطيعوا إثباتها في التخصصات الأكاديمية. كانت تُطرح بين العرفاء وتبقى على حالها، ولكن منذ أوائل القرن العشرين فصاعدًا، ظهرت توجهات جادة نحو هذه المقاربة وقالوا إن العالم كائن عضوي، إذا أحدثنا تأثيرات على العالم، فإن العالم كله يتأثر، وإذا كانت هذه النقطة صادقة، فمعناها أن كل واحد منا هو خلية من هذا الجسد. لهذه الموجودات صفتان: الأولى أن تحول أي جزء يؤدي بلا شك إلى تحول سائر الأجزاء. الثانية: إذا أراد الجزء أن يتحسن وضعه، فيجب أن يتحسن وضع الكل. لا يمكن للكل أن يبقى سليمًا بشكل مستقل بينما أجزاؤه غير سليمة. صلاح الأجزاء وفسادها مرتبط بالكل والعكس صحيح. تقول هذه النظرية: بما أن الأمر على هذا النحو، فإذا كان حال هذا الموجود، أي العالم، جيدًا، فحالنا جيد أيضًا، وإذا كان سيئًا، فكلنا سيئون.
تقول هذه الرؤية إن العيش الأخلاقي يحسّن حالنا ويحسّن حال هذا الكل أيضًا. إذا كان حال الكل جيدًا، فحال الأجزاء (أي نحن) جيد والعكس صحيح. لهذه النظرية أنصار بارزون مثل جوردانو برونو الذي أحرقوه بسبب هذه الرؤية، وشوبنهاور، وجوزايا رويس (الفيلسوف الأمريكي الشهير في أواخر القرن التاسع عشر)، وإروين شرودنغر (عالم الفيزياء الشهير في القرن العشرين)، وفرد هويل (عالم من الطراز الأول في الفيزياء والأحياء والفيزياء الحيوية)، وفريمان دايسون، وآلان باتس وغيرهم.
نقد: في رأيي أن هذه النظرية غير قابلة للدفاع عنها لسببين:
لم أفهم بعد كيف يمكن لإنسان أن يصعد إلى سطح الوجود وينظر من هناك ويقول إن هناك كلًا موجودًا. هؤلاء يتحدثون وكأنهم ذهبوا إلى سطح الوجود وينظرون من هناك. النظريات التي تتحدث عن العالم بأسره، من أين يمكنها أن تصل إلى هذا الكلام؟ على الإنسان أن يحيط بشيء حتى يتحدث عنه. نحن الذين نعيش الآن في أوائل القرن الحادي والعشرين، كيف يمكننا أن نتحدث عن تاريخ البشرية كله؟ افترض أن قافلة تعبر، وصعد شخص إلى قمة جبل ووقف ينظر إلى هذه القافلة. هذا الشخص يمكنه أن يتحدث عن القافلة كلها، أي أن منظوره (perspective) يمكنه أن يقول كلامًا عن القافلة كلها، وهو كلام كلي بالطبع، لا يمكنه أن يقول كلامًا جزئيًا. يمكن لهذا الشخص أن يقول: القافلة انعطفت ثلاث مرات، الغبار في بداية القافلة أكثر من نهايتها، إلخ... لكن الشخص الموجود داخل القافلة لا يمكنه رؤية هذا المنظر ولا قول هذا الكلام. هذه الرؤية نوع من البرجوازية الفكرية.
يقول العرفاء إن العقل المحدود للبشر عاجز عن الإدراك، لكننا توصلنا إلى هذا في التجارب العرفانية. أما نحن البشر العاديون الذين لا نملك تجارب عرفانية، فلا نستطيع بلوغ هذه المعرفة.
نحن البشر العاديون، إما أن نقول مطلبًا عن طريق الإدراك الحسي، أو عن طريق الاستبطان (introspection)، أو عن طريق الذاكرة (memory)، أو عن طريق الحدس أي الشهود العقلي (intuition)، أو عن طريق شهادة الآخرين (testimony)، أو عن طريق الاستدلال، والاستدلال أيضًا ثلاثة أنواع: الاستدلال القياسي، والاستقرائي، والاستنتاج من أفضل تفسير. مصادر معرفتنا هي هذه، فكيف يمكن بهذه المصادر الستة للمعرفة أن نصل إلى معرفة العالم كله ونتحدث عنه؟
لنفترض أن الكون كله كائن عضوي، ونحن خلاياه. ولنفترض أنه إذا كان حال هذا الكل جيدًا، فسيكون حال كل واحد منا جيدًا أيضًا، وفي هذه الحالة فإننا بالعيش الأخلاقي نحاول أن نجعل حال الكل جيدًا. من أين تدّعون أن تحسّن حال هذا الكل مرهون بالعيش الأخلاقي؟
ما الدليل الذي لديكم على أن حال الكون كله يصبح جيدًا عندما نعيش نحن حياة أخلاقية؟ إذا كنتم تقصرون الدعوى على العالم الإنساني، فإننا نقبل كلامكم، ولكن عندما تتحدثون عن مجمل الوجود، يبدو أن كلامكم غير مدعوم بالدليل وغير مبرر.
.
.
[1] . منشور في قناة التلغرام الخاصة بمصطفى ملكيان على العنوان (https://t.me/mostafamalekian)
[2] . يذكّر هذا البحث كاتبَ هذه الكلمات بمحاضرة المادية الأخلاقية لمصطفى ملكيان.
.
.
.
.
.
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٥ تعليق
بسیار عالی بود
استاد ملکیان بی نظیر است و خواهد بود.ایشان تجسم اخلاق است وگفتارهایش کاملا تاثیر گذار
با سلام بسیار مطالب مفیدی بود. از اقای ملکیان بسیار ممنونم.
بسیار عالی ومفید بود
سلام و کامیابی بیش بسیار لذت بردم. همواره برآن آرزو بودم که کسی پیدا شود و مباحث شیرین فلسفی را به زبان ساده بازگوید. و شادم که اکنون شاهد بروز این رویداد هستم. امید که بیش از این ساده گویی و به زبان روز سخن راندن بیشی گیرد. معماری هستم ۷۰ ساله و پیرانهسر شیفته فهم هستی، همین.