اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يرى مرتضى مرديها أن السببية في الحياة اليومية ليست هاجسًا فلسفيًا، بل رغبة في جلب المنفعة، ويؤكد أن شبكة العلل المعقدة لا يمكن التحكم بها؛ تقرير عن محاضرته حول ضرورة تقبل دور الحظ والمصادفة.

يؤكد مرتضى ملكيان أن «آخر مرة ألقيت فيها محاضرة في إيران كانت قبل ١٠ سنوات. وفي هذه المدة، كان ردي عادةً سلبياً على دعوات من هذا القبيل». ويعزو السبب إلى أمر عَرَضي تماماً ويقول «لم يكن هناك سبب محدد، فقلت لنُجِب مرة واحدة إيجاباً من باب التغيير». مرتضى ملكيان الذي ألّف قبل سنوات كتاباً عن فضيلة عدم اليقين، يقول الآن أيضاً إنه ليس في الحياة اليومية فحسب، بل حتى في العلوم الدقيقة، لا مفر ولا مناص من الحظ والصدفة، والسبب واضح: لا يمكن إحصاء شبكة العلل المعقدة والمتشابكة وتمييزها والتحكم بها، وبالتالي فإن سبيل الخلاص هو أن نُقر إلى حد ما بدور هذا العامل المهم الذي لا يمكن إنكاره.
نعرف مرتضى ملكيان، الأستاذ السابق للفلسفة في جامعة العلامة الطباطبائي، من خلال مؤلفاته وترجماته العديدة، وقد اتجه في السنوات الأخيرة إلى ترجمات من تقليد الفلسفة التجريبية، وإن كانت شهرته الأوسع تعود إلى مقالاته وبحوثه التي يكتبها عن صلة الفلسفة بالحياة اليومية. ما يأتي لاحقاً هو تقرير عن محاضرته في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة طهران حول العلية والحياة اليومية، مع التأكيد على أننا اضطررنا في إعداده، بسبب ضيق المساحة، إلى صرف النظر عن عدد كبير من الأمثلة التي قُدمت أثناء النقاش والإبقاء على الهيكل الأساسي للبحث:
لعل موضوع العلية هو أهم موضوع يشغل ذهن الإنسان دائماً وفي كل مكان، طبعاً ليست العلية بالمعنى الذي قال به الفلاسفة أو العلماء. وهذا الانشغال الذهني ليس سببه أن لدينا في المقام الأول هماً فلسفياً أو علمياً، بل إن حضور العلية الدائم يعود بشكل رئيسي إلى رغبتنا. نحن لسنا في المقام الأول وبالذات كائنات عقلية وفلسفية، بل كائنات راغبة، ولأننا آمنا بالنظام العلي، فإننا نهتم بالعلية للحصول على مرغوباتنا وتجنب الأمور غير السارة، فنسعى في الأمور المرغوبة إلى تقوية العلة أو العلل، وفي الأمور غير السارة إلى البحث عن إضعاف العلة أو العلل. هذا هو السبب الرئيسي لامتزاج ذهننا بالعلية.
منذ بدايات الفكر البشري، سلك هذا الهم مساراً منحرفاً إلى حد ما، إذ سعى فلاسفة العصور القديمة إلى إيجاد سبيل من هذه القاعدة لتفسير وجود العالم. ولاحقاً، قام المتكلمون بتوسيع هذه المسألة وبسطها في اتجاه أهدافهم. وعلى هامش هذه المباحث، قدمت فرق كلامية كالأشاعرة، بحكم طبيعة آرائهم، تبييناً خاصاً للعلية لم يكن مقبولاً عقلاً، وكان متعارضاً مع المسؤولية الأخلاقية لدى الأفراد التي يؤكد عليها الدين. لاحقاً في العالم الحديث، قال الفيلسوف الإنجليزي ديفيد هيوم كلاماً عجيباً عن العلية كان جذاباً وغير قابل للرد وغير قابل للقبول وعديم الفائدة. لقد كان تجريبياً محضاً، وقال إننا لا نرى في العلاقات بين الأشياء شيئاً محسوساً اسمه العلية، وكان هذا الكلام صحيحاً، لكننا نعيش بالعلية، ويمكن اعتبار هذا الكلام كغيره من المفارقات. لكن النقطة المهمة هي عدم جدوى بحث هيوم، لأن الحياة بدون العلية مستحيلة، وهو تأمل فلسفي عديم الفائدة. لاحقاً، أيد كانط كلام هيوم، لكنه قال إن العلية مقولة من مقولات الفاهمة، أي أن ذهن الإنسان حين يواجه الواقع العجيني يفهمه في قالب المقولات. لكن بالنسبة للتجريبيين المحض، كان كلام كانط انحرافاً عن هيوم، فهم يسمون علية هيوم مصطلحاً ميتافيزيقياً (metaphysical) يفتقر إلى أي معنى، ويرون أننا لسنا بحاجة، لتفسير العالم، إلى التمسك بأمر لا يقع تحت أيدينا، وقالوا إننا نرى في العالم مجموعة من الأنظمة المتكررة وهذا يكفي. لاحقاً، طبعاً، مع ظهور العلوم الإنسانية الحديثة، نشأت مشكلة أكبر هي: بأي تركيب بين العلية في العالم الطبيعي والعلية الناشئة عن قرار الإنسان وإرادته ينبغي أن نقول في شأن البشر؟ ولا يزال هذا الجدل مستمراً حتى الآن. يعتقد البعض في عالم البيولوجيا وعلم النفس التطوري تقريباً أنه لا فرق في التحليل النهائي بين الكائن الحي وغير الحي، ولا فرق بينهما وبين الإنسان. وفي المقابل، لا يقبلون هذه الفكرة ويؤكدون على الفارق الجوهري بين الإنسان بوصفه صاحب إرادة وسائر الموجودات بوصفها محكوماً عليها بالإيجاب العلي.
بصرف النظر عن هذه المباحث، فإن العلية شغلت ذهن الإنسان لسبب آخر. هذا السبب هو أن البشر يميلون إلى أن تكون الصورة المثالية التي يقدمونها عن أنفسهم أكثر أبهة مما هي عليه في الواقع. فعلى سبيل المثال، الإنسان الذي تتلخص حياته كلها في إشباع الرغبات والملذات المحسوسة والملموسة، يصعب عليه أن يتقبل أن الحياة كلها تتلخص في هذا الأمر. والأمر نفسه ينطبق على العلية، أي أن ارتباطنا بالعلية ناتج عن أن لدينا هاجس فهم العالم، وقد منحنا الوعي مكانة بالغة الأهمية لا يستحقها. إن الهاجس الأهم لدى البشر ليس الوعي بهذا المستوى المعقد، بل إننا حتى عندما نسعى إلى الوعي، فإنما نضع نصب أعيننا أنواع الوعي التي تؤدي إلى كسب منفعة ما. الإنسان كائن فضولي بالطبع، لكن هذا لا علاقة له بالحياة اليومية. فنحن في الحياة اليومية نبحث عن علل بسيطة تقود إلى الأمر المرغوب أو تمنع الأمر غير السار.
لكن ما هي المشكلة الأساسية للعلية في الحياة اليومية؟ تبدو هذه المشكلة بديهية، لكنها لم تُطرح قط بوصفها إشكالية (problematic)، والسبب في ذلك هو أننا لا نواجه في العالم اليومي علة واحدة محددة، بل إن ثمة شبكة من العلل تعمل في كل مسألة، بعض عناصرها لا نعرفه، وحتى تلك التي نعرفها لا نستطيع أحيانًا تقدير شكل ومقدار تدخلها العلي، أما المرحلة الثالثة وهي الأكثر تعقيدًا، فهي أن هذه العناصر الموجودة في شبكة العلل، والتي تمارس تأثيرًا عليًا على عنصر مفترض، تتفاعل هي نفسها فيما بينها، ونتيجة لهذا التفاعل المتبادل يصعب التنبؤ بالنتيجة. بالطبع، ليس الأمر هكذا دائمًا، وإلا لكانت الحياة الدنيا أكثر صعوبة، من حيث فهمها ومن حيث العيش فيها.
أفضل مثال على ذلك هو علم الطب. كثير من الناس يقولون إنهم لا يثقون بالأطباء، وهذا ليس مجرد حكم مناهض للعلم أو نزعة شعبوية، بل يرجع إلى شواهد عديدة عبّر فيها أطباء مختلفون عن علل مختلفة لمرض واحد. من المؤكد أنه عندما يمرض شخص ما، فإن لذلك علة، لكن لماذا يوجد هذا الغموض والشك في معرفة هذه العلة، حتى إن الطبيب يأخذ أحيانًا تعهدًا من المريض؟ ما طبيعة عدم كون العلة القطعية للمرض معلومة؟ هذا يعود إلى أنه في مثل هذه الحالات، لا توجد علة واحدة عادة، بل شبكة من العلل، وهذه الشبكة ليست معروفة بالكامل ولا خاضعة للسيطرة، فضلًا عن أن هذه الشبكة نفسها لا يمكن الإحاطة بها بشكل كامل.
المثال التالي يتعلق بعلم الاقتصاد، الذي يدّعي بين سائر العلوم الإنسانية إلى حد ما أنه قابل للمقارنة بالعلوم الدقيقة. وبناءً على ذلك، ينبغي ألا تعاني تفسيراته من آفة عدم قابلية التنبؤ والعجز عن شرح المشكلات الاقتصادية، لكن الواقع شيء آخر، أي أن الاقتصاديين لا يزالون عاجزين عن تقديم تفسير قطعي لا يقبل الشك للمعضلات الاقتصادية، مثل ارتفاع أسعار النفط أو انخفاضها، أو الأزمة الاقتصادية لعام ٢٠٠٨، وإن كانوا يقدمون تفسيرات. وكون الاقتصاد يتمتع بمصداقية أكبر قليلًا من سائر العلوم الإنسانية، فذلك لأنه يركز على نقطة تهم البشر أكثر من غيرها، وسيأتي شرح هذه النقطة لاحقًا.
في علم النفس الاجتماعي أيضًا، يمكن تقديم أمثلة عديدة من هذا القبيل، فلا يمكن مثلًا الجزم بأن أبناء الأسر المجرمة سيلقون مصير والديهم. لكن هذا لا يعني رفض أي نسبة بين الأضرار الاجتماعية ومناشئها، لأننا في العلوم الاجتماعية نتعامل مع الاحتمالات، فيُقال مثلًا إن احتمال أن يلقى ابن من أسرة تعاني ضررًا اجتماعيًا مصيرًا مشابهًا لمصير والديه هو احتمال أكبر. من هذه الناحية، فإن تواضع العلوم الاجتماعية مقبول في حده الطبيعي. لكن سبب هذه المشكلة في العلوم الاجتماعية هو نفسه أيضًا، أي أن الشبكة العلية، من جانب الفاعل ومن جانب القابل، شديدة التعقيد والتعدد، لدرجة أن النتيجة ترتبط إلى حد كبير بالحظ والاحتمال، ويصبح التنبؤ والتفسير أمرًا عسيرًا.
في السياسة أيضًا الأمر كذلك، فعلى سبيل المثال كثيرًا ما سمعنا أن درجات من التقدم الاقتصادي وتعميم التعليم هي المقدمة الضرورية لديمقراطية مستقرة. هذا الادعاء له استدلال عقلاني وآخر تجريبي، بينما نرى استثناءات صارخة مثل الهند حيث نشهد ديمقراطية مستقرة مع أسوأ الأوضاع الاقتصادية والتعليمية. بالطبع تلك النظرية تفسر أغلب الحالات وهذا القدر من الصدق يكفي لتوفير مصداقية العلم، لكن النقاش يدور حول العلية. أمثلة من هذا القبيل كثيرة في العلوم الاجتماعية. أي أنه لا يمكن تقديم علة محددة لظاهرة ما أو أن العلل تنعكس أحيانًا. بالطبع الأمر ليس كذلك في حالات كثيرة وينبغي أن نتفاءل بذلك، لأنه حتى تصور عالم لا يكون فيه أي نوع من الإدراك الأدنى للعلل والمعلولات ممكنًا أمر صعب، ولا أدري إن كان تحقيقه ممكنًا أم لا.
لكن على أية حال، فإن عجزنا في حالات كثيرة عن فهم وإيجاد وضبط العلل والمعلولات هو مشكلة بالغة الأهمية. بالطبع إذا طغت علة ما بشكل جدي بين سائر العلل، فإن المشكلة تنحل إلى حد ما، وهذا بالطبع لا يعني نفي الشبكة العلية المذكورة، بل إن هذه العلة تطغى عليها بشكل يجعل تلك العلل تفقد أهميتها تقريبًا ويصبح تنبؤنا صحيحًا إلى حد كبير. بالطبع في هذه الحالات أيضًا إذا تتبعنا هذه العلة الطاغية بشكل علمي ودققنا فيها، سنشهد مشكلة الشبكة العلية والعلل المعقدة ذاتها.
قلنا حتى الآن إنه وإن كان قول الفلاسفة "الواحد لا يصدر منه إلا الواحد" ربما كان كلامًا صحيحًا، إلا أنه لا يفيد كثيرًا، خصوصًا عندما نكون بصدد تعريف الواحد. نحن نواجه في الحياة ظواهر معقدة (complex) ولا شك في أن هذه الظواهر تتكون من عوامل متعددة، وهذه العوامل سواء في مقام الفاعلية (العلة) أو في مقام القابلية (المعلول) عندما تتركب مع بعضها تشكل شبكة معقدة ومتشابكة. وإلى جانب الوجه الكمي ينبغي أن نأخذ الكيفية (الكيف) بعين الاعتبار، فضلًا عن أن التفاعلات (interactions) لهذه العوامل مع بعضها ينبغي أن تؤخذ في الحسبان أيضًا، ونتيجة لذلك وكأن البشر كائنات مستأصلة. هنا قد يصل الإنسان إلى نتائج غريبة ويعلن أنه لا يمكن أبدًا القول إن شيئًا ما هو علة لشيء آخر! فعلى سبيل المثال، التنبؤ بسلوك إنسان في الحالة العادية صعب جدًا. بالطبع إذا كان ذلك الإنسان في حالة خاصة، كأن يكون جائعًا جدًا أو عطشانًا جدًا، يصبح التنبؤ بسلوكه أسهل ويمكن التخمين أنه سيبحث عن طعام أو ماء لسد الجوع والعطش.
في عالم المستقبل، من المحتمل أن يتجنب الناس هذه الأحاديات الشخصية وسيصبح البشر أكثر عقلانية. هذا الأمر يجعل التنبؤ بالسلوكيات أصعب وأسهل في آنٍ معًا. من حيث إن البشر، على الأقل في الأفعال (وليس ردود الأفعال)، يتصرفون وفقًا للقواعد أكثر حتى في التعقيدات، يصبح الأمر أسهل، لكن من حيث إن الإنسان المعقد لديه رغبات وميول أكثر، يصبح الأمر أصعب. فعلى سبيل المثال، في مجتمع بدائي يكون البشر في الغالب في بحث عن الحاجات الأولية ومن هذه الناحية يكون سلوكهم قابلاً للتنبؤ أكثر من بشر اليوم.
أُشير إلى تغلّب علّة واحدة على سائر العلل. وهذا الأمر يدفعنا إلى إصدار أحكام والثبات عليها. أي أنّه على الرغم من أنّ النظرة المتفحّصة قد تكشف عن علل مختلفة تسهم في ظهور ظاهرة ما، إلّا أنّ حياتنا اليومية تجري بحيث لا تشكّل هذه الدقائق همّاً يُذكر، ولهذا يمضي العلم في طريقه إلى حدّ كبير. بعبارة أخرى، ما نعرفه عن الدقّة في العلوم ليس دقيقاً إلى حدّ بعيد. طبعاً، ينبغي التمييز بين التكنولوجيا والعلم. فهما يرتبطان ببعضهما بطريقة تختلف عمّا هو شائع، أي أنّ الأمر ليس كما يُتصوّر من أنّ النظرية العلمية تُكتشف أو تُطرح أولاً ثمّ تتقدّم التكنولوجيا بناءً عليها؛ فقد صُنعت عوامل تكنولوجية كثيرة دون معرفة بالمبادئ العلمية، أو حتّى بناءً على الصدفة، أو نتيجة الاستمرار والتجربة والخطأ الذي غالباً ما ينتهي بالفشل. لذا، فإنّ التكنولوجيا تحظى بدعم العلم بشكل عام، ولكن ليس بالصورة العامّية المتصوّرة، بل يمكن حتّى بنظرية خاطئة أن تُصنع تكنولوجيا مفيدة. على أيّ حال، ومع الأخذ بعين الاعتبار تمييز العلم عن التكنولوجيا، ينبغي القول إنّ العلم الدقيق هو دقيق إلى حدّ ما فحسب، وجزء من ادّعاء دقّة العلم هو دعائي. بالنسبة لمن يعمل في الفيزياء والكيمياء، فإنّ هذه العلوم ليست دقيقة جدّاً، والثقوب السوداء مثال جيّد على هذه النقطة. بدراسة الموقع الرئيسي للتقدّمات العلمية، أي المقالات العلمية للعلماء والأطروحات الجامعية المعتبرة، نكتشف أنّ النظريات العلمية، خلافاً للتصوّر، ليست دقيقة جدّاً، ويرتبط جزء من هذا الموضوع بالشبكات العلّية التي يمكن تخمين تأثيراتها المباشرة قليلاً أو إلى حدّ ما.
الأمر كذلك في الحياة اليومية. أي أنّ هناك حالات كثيرة في الحياة اليومية تدفعنا إلى استنتاج مفاده وكأنّ شيئاً ما ليس علّة لشيء آخر. طبعاً، بقبول هذا الحكم تصبح الحياة أصعب. وهنا يبرز عنصر يبدو خرافياً. عنصر ليس مرغوباً لنا ونميل إلى أن يكون العالم في قبضة سلطتنا. هذا العنصر هو الصدفة. لا ينبغي النظر إلى الصدفة بمعناها الكلاسيكي أي الحظّ أو البخت أو القدر، وإن بدت مشابهة لها. فمثلاً، من غير الممكن أن يكون شخص ما سيئ الحظّ طيلة حياته أو بطبعه. الصدفة هي حساب الاحتمالات، وحساب الاحتمالات لا يرتبط ارتباطاً ذاتياً بفرد أو شيء أو ظاهرة. الصدفة في بحثنا تعني الاحتمالات، بعبارة أخرى، الصدفة تعني أنّه في الشبكات العلّية حيث تتدخّل عشرات العوامل ولا نعرف بعضها، وبالتالي لا علم لنا بنوع ومدى عملها، فإنّ النتيجة لا تكون قابلة للبرمجة والتنبّؤ. مثالها البسيط بطاقة اليانصيب، أو ولادة طفل شديد الغباء من أبوين أذكياء، أو غنى الناس أو بقاؤهم فقراء.
طبعاً، نحن عموماً لا نستسيغ تعبير الصدفة، لكن لا مفرّ من التعايش معها، وهذا برأيي يساعد على راحتنا النفسية. بعض الاتجاهات السياسية تحديداً ترى في هذا الكلام ضرراً، لأنّها تعتقد أنّ هذا القول يثبّط الإنسان عن السعي والحركة. لكن الإنسان الذي يسعى ولا يصل إلى نتيجة في بعض الحالات، لا يجد بديلاً عن ذلك. التعايش مع عنصر الصدفة في تحليل المسائل يمنح الإنسان راحة، طبعاً، كأيّ شيء آخر في العالم، يمكن أن يُساء استخدامه، أي يمكن أن يصبح أداة للتهرّب من العمل وعدم تحمّل المسؤولية وعدم الاعتراف بالأخطاء. لكن كون هذا العنصر قابلاً لسوء الاستخدام لا ينبغي أن يمنعنا من استخدامه. الشبكات العلّية تفلت من قبضة العلم وسلطتنا، ولهذا لا نستطيع تقوية العلل التي نرغب فيها، ولا السيطرة على العلل التي تسبّب لنا انزعاجاً. طبعاً، نستطيع ذلك في بعض هذه العلل ونفعله، ولهذا السبب حوّلنا العالم إلى مكان صالح للعيش قليلاً أو كثيراً بناءً على قواعد، لكنّني متأكّد أنّ قسماً معتدّاً به هو من القسم الذي ليس في حوزتنا ومعرفتنا. لذا، بدون أن نقسّم حسن الحظّ أو سوءه إلى صفتين أو خصلتين تولدان معنا، ينبغي أن نشعر بأنّنا في عالم تلعب فيه الصدفة دوراً مهمّاً، طبعاً بدرجات تركيز متفاوتة. كون بصمة إصبع كلّ فرد تختلف عن الآخرين يعود إلى الشبكة المتشابكة للعلل الدخيلة وتفاعلاتها شبه اللانهائية.
بالطبع نحن عادةً ما نتقبل دور الصدفة في الجمال أو حتى الذكاء، لكننا نادراً ما نتقبل دورها في القوة أو الرشاقة البدنية أو الثروة. ونحن محقون إلى حد كبير، لأن هذه الظواهر تختلف عن بعضها البعض، ويمكن للأشخاص ذوي السمات المختلفة أن يكتسبوا قوة أو رشاقة بدنية أو ثروة مختلفة، لكن مقدار الاكتساب يرتبط بالإمكانات وتلك الشبكة السببية، ولهذا السبب لا يمكن تجاهل دور الصدفة في هذا المجال أيضاً. التعايش مع عنصر الصدفة يجب بالطبع أن يجنبنا بعض الآفات. من الممكن أن ينسب بعض الأفراد كسلهم أو عدم اكتراثهم أو نزواتهم إلى الصدفة، وهذا غير مقبول على الإطلاق. لكن العكس يحدث كثيراً أيضاً، أي مثلاً قد يكون إنسان شديد الأخلاق، لكنه يتعرض للخيانة. التفكير في الصدفة في هذه الحالات يؤدي إلى الطمأنينة النفسية وتقبل الظروف. كذلك، مثل جميع مسائل العالم، لا توجد أداة لإيجاد النقطة المثلى (optimal) الذهبية لاستخدام الصدفة، ويجب أن نزن ونتدرب على مقدار المسؤولية التي نتحملها عن أفعالنا، وإلى أي مدى نعتبر الأحداث والحوادث مؤثرة. في هذا المجال يجب أن تتم ممارسة لعبة توازن، والتي قد لا ننجح فيها دائماً في إيجاد الحل.
النقطة الأخيرة هي أنه في مقدار تدخل الصدفة في حوادث العالم، هناك اصطفاف حاد (harsh) بين المؤيدين والمعارضين للدور. بالطبع، في عالم الإعلام والتنوير، فإن تجاهل دور الصدفة هو أكثر جاذبية وشعبية. البشر كذلك من الناحية الفردية والنفسية، أي أنهم عندما يقعون في مشكلة يبحثون عن مذنب، لأن البشر بطبعهم ليس لديهم الاستعداد لتقبل أن عنصر الصدفة كان مؤثراً في وقوع هذه المشكلة. بالطبع، قطعاً هناك شقاوات في العالم لها مذنبون متعمدون أو غير متعمدين ولا شك في ذلك، لكن مقدارها هو محل النقاش. هذا التصور الذي تحب بعض التيارات الاجتماعية والسياسية الترويج له وتريد اعتبار كل شقاء مفتعلاً (عادةً الحكومة)، ليس صحيحاً. في رأيي، هنا أيضاً، كما في حالة الصدفة، يجب أن نتعايش مع هذه المسألة، وهي أن هذه الخاصية الغريزية والطبيعة البدائية القائلة بأن كل مشكلة تصيب الإنسان هي نتيجة كائن شرير يجب أن أحاربه، ليست من خصائص الإنسان المتحضر. الإنسان المتحضر يفهم أن جزءاً يسيراً من شقاوات العالم هو نتاج الحكومات، وأن الشرور في ساحة الحياة واسعة جداً. جزء أكبر من شقاواتنا ناتج عن التفاعل المتبادل لعلاقات البشر مع بعضهم البعض. بل وأبعد من ذلك، فإن جزءاً كبيراً من شقاوات الإنسان ناتج عن عدم التناسب بين كائن حساس رقيق مدرك مثل الإنسان والعالم المادي.
لذلك، نحن لأننا ننفر من حقيقة اسمها دور الصدفة والمصادفة في السببية وفي أحداث هذا العالم، خصوصاً الأحداث اليومية، نميل إلى تفسيرها تحديداً في قالب أحداث سببية، في حين يجب أن نقبل أن بنية العالم تجعلنا، إلى جانب السعي اللامتناهي لتحسين الوضع، نقبل أيضاً دور الصدفة والمصادفة ونعترف بأهميتها في نشوء الفروقات. إذن، مشكلة السببية التي لم يتم تناولها في عالم الفكر والفلسفة والعلم لم تكن المسائل التي تناولها الفلاسفة والميتافيزيقيون وعلماء العلم. المشكلة التي تؤثر على حياتنا هي مسألة الشبكة السببية وعجزنا عن فهمها والتغلب عليها والتحكم بها والتدخل من خلالها في حياتنا؛ حياة متنها الأساسي هو الطلب وهوامشها هي تفسير العالم والفضول السببي. في هذا المسار، هناك أمران ضروريان: الأول أن نعترف بحصة الصدفة في حدود الاعتدال (الذي لا يتحقق بسهولة)، والثاني أن نترك تلك الخاصية النضالية السياسية التي نحب فيها أن ننسب كل شقاء إلى تيارات السلطة أو أشخاص ما ثم نتصارع معهم، وفي هذا الصراع، بينما لا نجني شيئاً، نتسبب في القسوة والمرارة. هذا التصور بأن كل شيء يجب أن يكون عادلاً في هذا العالم باطل. بالطبع، يمكن لتلك التصورات الفولكلورية أن تقلل، مثل كريات الدم البيضاء للروح، من الدور السلبي لليأس، لكننا نحتاج إلى فولكلورات تزيد من طمأنينتنا. لذلك، إلى حد ما، هذه الفولكلورات التي تخفف ضغوط العالم غير المتناسب مع توقعات الإنسان ورغباته مقبولة، لكن لا ينبغي أن نعطيها قيمة كبيرة.
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.