اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يميّز مصطفى ملكيان بين الوجود المشترك والإنسانية والهوية الشخصية، متابعًا النقاش من منظور أخلاقي ونفسي بالاستناد إلى تعاليم عرفاء الإسلام؛ ساعيًا إلى تحديد ما ينبغي الحفاظ عليه كي لا يُمسَّ 'أنا أنا'.

بتحية وسلام إلى محضر جميع الأخوات والإخوة[1]
كما أشير، سيكون النقاش حول الهوية بمعناها الفردي ...
المجالات المعرفية التي ناقشت الهوية
قبل أن أدخل في نقاش الهوية، أود أن أشير إلى أن مسألة الهوية هي مسألة قابلة للطرح والبحث في مجالات المعرفة البشرية، وقد طُرحت وبُحثت فيها. أولاً في مجال الفلسفة، يمكن طرح مسألة الهوية في ثلاثة فروع فلسفية مهمة على الأقل: أحدها في فلسفة ما بعد الطبيعة (الميتافيزيقا)، والآخر في فلسفة الذهن، والثالث في فلسفة الأخلاق. لقد طُرحت مسألة الهوية في هذه الفروع الثلاثة من الفلسفة. وفي العلوم التجريبية الإنسانية، في علم النفس بتركيز أكبر، وفي علم الاجتماع وعلم السياسة أيضاً يمكن طرح مسألة الهوية. وفي المعارف التاريخية أيضاً طُرحت مسألة الهوية، وخصوصاً الهوية القومية-التاريخية. وفي العلوم العرفانية والشهودية طُرحت مسألة الهوية أيضاً. إذن نحن نتعامل مع موضوع يمكن النظر إليه من أبعاد ووجوه مختلفة والحديث عنه.
ما تصديت له في هذه الجلسة هو الهوية من منظور أخلاقي-نفسي مع التركيز على تعاليم العرفاء الإسلاميين. من مجموع ما تبقى من العرفاء الإسلاميين، يمكننا أن نستنبط وجهة نظر حول الهوية، وهذه الوجهة النظرية للعرفاء حول الهوية لها بعد أخلاقي-نفسي، وسأتخذ هذا البعد الأخلاقي-النفسي بالتحديد موضوعاً للحديث.
ثلاثة أسئلة يمكن طرحها حول كل إنسان
يمكن طرح ثلاثة أسئلة خاصة حول كل إنسان:
لماذا يُقال عن هذا الإنسان بالذات إنه "موجود"؟
أحد الأسئلة هو: لماذا يُقال عن هذا الإنسان بالذات إنه "موجود"؟ لماذا يُقال إن فلاناً "موجود"؟
لنفترض شخصاً معيناً نسميه حسن. إذا أشرنا إلى هذا الشخص المعين الذي اسمه حسن وقلنا إنه موجود، إنه كائن، فهنا يرد سؤال: بأي مسوغ أشرت إلى حسن واعتبرته موجوداً وقلت إنه موجود؟ عندما تسألونني هذا السؤال، ينبغي لي حتماً أن أشير في جوابي إلى صفة أو صفات تكون مشتركة بين جميع موجودات العالم، ويكون حسن هذا أيضاً واجداً لهذه الصفة أو الصفات. أي أنني أستطيع أن أشير إلى حسن وأقول إنه موجود، وهذه صفة أو صفات يشترك فيها حسن مع جميع موجودات عالم الوجود. هذه الصفة أو الصفات موجودة في كل موجودات عالم الوجود، ولكنها ليست في المعدومات، ولا توجد فيما هو معدوم. أما ما هي هذه الصفة أو الصفات، فهذا موضوع بحث في جزء من الفلسفة نعبر عنه بفلسفة ما بعد الطبيعة (الميتافيزيقا).
بالإضافة إلى ذلك، يمكن الإشارة إلى حسن والقول إن هذا "إنسان".
مسوغ حمل الإنسان على الأفراد
ومرة أخرى، إذا سألتموني: بأي مسوغ تشير إلى حسن وتقول إنه إنسان؟ فعليّ، بحسب القاعدة، أن أشير إلى صفة أو صفات تكون مشتركة بين جميع البشر، بمن فيهم حسن، ولا يمتلك أي موجود آخر غير الإنسان هذه الصفة أو الصفات. ولهذا السبب أستطيع أن أقول عن حسن إنه إنسان.
بطبيعة الحال، يشترك حسن مع جميع البشر الآخرين في صفة أو صفات، وهذه الصفة أو الصفات تختص بالبشر فقط ولا توجد في غير البشر. حتى لو وجدت واحدة من هذه الصفات في غير البشر، فهذا لا يشكل مسوغاً ولا يسمح لي بأن أقول عن حسن إنه إنسان. إن إنسانية حسن هي بسبب الصفة أو الصفات المشتركة بين جميع البشر.
ولكن مع ذلك، بالإضافة إلى أنه يمكن الإشارة إلى حسن والقول إنه موجود، وبالإضافة إلى أنه يمكن الإشارة إلى حسن والقول إنه إنسان، يمكن الإشارة إلى حسن و
الوجوه الفريدة المنحصرة بشخص ما (الهوية الشخصية)
يمكن قول أمر ثالث أيضاً، وهو أن هذا "حسن"
والفارق بين هذا الثالث والثاني والأول هو أن هذا الثالث هو الوجه الفريد «اليونيك» والوحيد والنظير واللامثيل لوجود حسن. حسن هنا لن يشاركه بعد الآن أي موجود آخر في عالم الوجود، لا في الماضي ولا في الحاضر ولا في المستقبل. حسن يشترك مع جميع موجودات عالم الوجود، ماضيها وحاضرها ومستقبلها، من حيث كونه موجودًا، ويشترك مع جميع البشر الآخرين، حاضرًا ومستقبلًا، من حيث كونه إنسانًا. ولكن ما هو الشيء الذي يختص به حسن، بحيث لا يشاركه فيه أي موجود آخر، لا في الماضي ولا في الحاضر ولا في المستقبل؟
"ما هو وجه حسن اللامثيل والوحيد؟" من هذه الناحية نعبّر عنه بـ"الهوية الشخصية"، "Personal Identity" التي تُعدّ من المسائل البالغة الأهمية في فلسفة الذهن. إذن، فمسألتنا اليوم تدور حول هذا العنصر الثالث، أي حول الهوية الشخصية. ما الذي يجعل كل إنسان فريدًا؟ لماذا أنا هو أنا؟ ولا يوجد أي موجود في العالم كان أنا، ولا هو أنا، ولا سيكون أنا؟ ولماذا أنت هو أنت فقط، ولا يوجد أي موجود في عالم الوجود كان أنت، ولا هو أنت، ولا سيكون أنت؟
لقد حظيت مسألة الهوية الشخصية بالاهتمام من وجهات نظر عديدة، لكنني سأشير إليها الآن من وجهة نظر خاصة، وهي أنه عندما تُبحث مسألة الهوية الشخصية من منظور "نفسي-أخلاقي"، يتحول السؤال حينئذ إلى السؤال التالي:
"ما هو الشيء الموجود فيّ الذي ينبغي أن أكون مشغول البال بحفظه وحراسته وصيانته؟" "ما هو الشيء الموجود فيّ الذي إذا ما تعرض للخدش، تتعرض معه أنايَ للخدش؟" "ما هو الشيء الموجود فيّ الذي يجب أن أحافظ عليه بأي ثمن، بحيث إذا لم أحافظ عليه، تضيع أنايَ، ولن أكون بعد ذلك أنا؟"
من الناحية النفسية والأخلاقية، تُردّ المسألة وتُحال إلى هذا. بالطبع، تُطرح مسألة الهوية من مناظير أخرى بصور أخرى، ولكن من الناحية النفسية والأخلاقية، المسألة هي هذه.
وبتعبير آخر، "أين هو الموضع الذي يجب أن تشعروا فيه بالخطر؟" "أين هو الموضع الذي يجب أن تشعروا فيه بأنه قد تم التعدي عليكم؟ تم التجاوز عليكم؟ تم سحقكم؟"
وهنا يجب أن ننتبه إلى هذه النقطة، وهي أننا ذات أنفسنا، في الواقع إنسانيتنا، نفسانيتنا... لا بمعناها السلبي - أي بماذا نعرّف هويتنا؟
عندما نريد أن نقترب من تعابير عرفائنا عن الهوية، ينبغي أن نتناول مقدمة ثانية.
المقولات في فلسفة ما بعد الطبيعة
في فلسفة ما بعد الطبيعة، قيل إننا إذا أردنا أن ندّعي الوجود لأي شيء، فيجب أن يكون واحدًا من المقولات التي سأذكرها:
إما أن يكون، بتعبير الفلاسفة، "جوهرًا"، مثل قطة، أو عندليب.
وإذا لم يكن جوهرًا، فيجب أن يكون "خاصة" من خواص هذا الجوهر: مثل حمرة هذه الزهرة.
(هذه الزهرة نفسها جوهر، ولكن حمرة هذه الزهرة خاصة (Property) من خواص هذا الجوهر)
أو الأمر الثالث الذي يجب أن يكونه، إذا لم يكن أيًا من هذين، هو "النسبة".
مثل نسبة الأستاذية والتلمذة القائمة بين شخص وشخص آخر، أو البعد والقرب القائم بيني وبينكم. أنا الآن قريب مكانيًا وفيزيائيًا من بضعة من الحاضرين في الجلسة، وبعيد بالنسبة للبقية. هذه نسبة وليست خاصة، لأنني إذا لم آخذكم بعين الاعتبار، فلن أكون بعيدًا أو قريبًا بالنسبة لأحد.
الفرق بين النسبة والخاصة هو أن الخاصة حاضرة الوجود في نفس ذلك الموجود، أما النسبة فتكون عندما نقارن ذلك الموجود بموجود آخر. بيتي، إذا لم آخذ بيتًا آخر بعين الاعتبار، لا يكون بعيدًا أو قريبًا من أي بيت. وعندما نأخذ بيتًا آخر بعين الاعتبار، حينئذ نقول إن بيتي بعيد أو قريب من ذلك البيت. النسبة تُتصور دائمًا في علاقة موجود بموجود آخر.
القسم الرابع من الأشياء التي يمكن ادعاء الوجود لها هو "المجموعات".
المجموعات أيضًا موجودة. فمثلًا يمكننا أن نقول مجموعة الكيميائيين الإيرانيين. هذه موجودة حقًا. أو مجموعة الأطفال دون سن الثالثة. مجموعة الأطفال دون سن الثالثة الذين لم تظهر أسنانهم بعد. المجموعات نحن أيضًا موجودة حقًا ويمكن تصور نحو من الوجود لها.
أمر آخر يمكن تصوره (موجود)، هو "وضع الأمور".
أنتم إذا وضعتم "أنَّ" في بداية جملة تصبح وضع أمور. إذا قلت: "حسن مريض." فهذه جملة خبرية. لكن إذا قلت: "أنَّ حسنًا مريض ..." فهذا يصبح وضع أمور. "أنَّ حسنًا مريض" هو أحد أوضاع الكون. بالطبع إحدى الطرق لكي نصل إلى وضع الأمور هي أن نضع "أنَّ" في بداية الجمل الخبرية. الطريقة الثانية هي أن نحول المحمول في الجملة الخبرية من حالة كونه صفة إلى اسم ثم نجعل ذلك الاسم مضافًا ونجعل الموضوع مضافًا إليه لذلك الاسم. مثال: نفس حسن مريض. حسن هو الموضوع ومريض صفة. هذه المريض التي هي صفة نحولها إلى اسم فتصبح المرض. ثم نجعل هذا الاسم مضافًا ونجعل حسنًا الذي هو الموضوع مضافًا إليه. فيصبح: "مرض حسن". "مرض حسن" هو وضع أمور. أحد أمور الكون هو مرض حسن. أو أن حسنًا مريض.
لكن هناك فئة أخرى من الموجودات غير الأقسام التي ذكرناها موجودة نعبر عنها بـ"العمليات".
العمليات أيضًا موجودة وغير الأنواع السابقة يمكن للعمليات أيضًا ادعاء الوجود لها. على سبيل المثال نقول: عملية الحرب بين دولتين. عملية انصباب الماء من النهر إلى البحر. عملية تلطّف خلق فلان. العملية تعني أمورًا تتحقق على امتداد الزمان. لا يمكن تحققها في لحظة واحدة. يجب أن تتحقق في ظرف زماني قصير أو طويل الأمد. العمليات هي جزء عظيم من موجودات الكون. أحد العيوب التي تؤخذ على نظام المقولات الأرسطي هو أن العمليات لم يكن لها مكان في نظام المقولات الأرسطي. أي أن أرسطو في مقالاته لا يذكر اسم العمليات.
مقولة الهوية الشخصية للإنسان كمقولة مابعدطبيعية
ذكرت هذه المقدمة لكي أعود إلى أصل حديثي وهو أن هويتي بماذا؟ والتي إذا ما تعرضت للخطر يجب عليَّ حقًا أن أضطرب وأقلق.
عندما نريد أن ننظر إلى هذه الهوية نرى أن البشر صنفان. أشخاص يعتبرون هويتهم جوهرًا وهو القسم الأول من الموجودات التي ذكرتها، وأشخاص يعتبرون هويتهم عملية وهو القسم الأخير من الموجودات التي ذكرتها. هنا نعبر عن الهوية بالساكنة والمتحركة.
مقولة الإنسان؛ جوهر أم عملية؟!
الأشخاص الذين يعتبرون أنفسهم جوهرًا أي موجودًا متحققًا، متشكلًا وبلا تحول. هؤلاء في الواقع يقولون بالهوية الساكنة والستاتيكية والأشخاص الذين يعتبرون أنفسهم عملية وسيرورة في الواقع يقولون لأنفسهم بهوية متحركة. أي هوية ديناميكية.
ديناميكية الهوية؛ رسالة العرفاء
الآن، ادعائي هو أن رسالة العرفان هي أن تعتبروا هويتكم دائمًا هوية متحركة لا هوية ساكنة. العرفاء كانت إحدى أكبر دعواتهم أنه ما دام البشر يعتبرون أنفسهم جوهرًا أي موجودًا ثابتًا، مستقرًا وراسخًا، فهم على خطأ. وليس فقط على خطأ من الناحية المعرفية بل من الناحية النفسية والأخلاقية أيضًا يقعون في أخطاء أخرى نتيجة لذلك الخطأ المعرفي.
العرفاء كانوا يقولون اعتبروا هويتكم هوية متحركة أي انظروا إلى أنفسكم كعملية وإذا اعتبرتموها عملية فبالإضافة إلى أنكم تكونون قد توصلتم إلى معرفة صحيحة بأنفسكم أي لا مشكلة معرفية لديكم، فإنكم لن تكونوا عرضة لسلسلة من المشكلات النفسية والأخلاقية أيضًا.
معنى اعتبار الهوية الشخصية عملية
ما معنى أن أعتبر نفسي عملية؟ معناه أنني لا أربط نفسي بأي شيء مما أملكه، ولا بأي شيء مما فعلته، ولا بأي شيء مما أرغب فيه. ألا أظن أن إحدى "رغباتي" أو أحد "ممتلكاتي" أو أحد "أفعالي" هي ذاتي، فأجعل مصيري مرتبطاً بها. إذا حدث هذا الارتباط، فحينئذٍ أكون قد اعتبرت نفسي ذات هوية ثابتة. دعوني أضرب مثلاً: لنفترض أنني طرحت قبل عشرين عاماً نظريةً في مجال معرفي ما، وكنت مبتكر هذه النظرية. هذه النظرية التي أبدعتها قبل عشرين عاماً، وفرت لي بطبيعة الحال أصدقاء وتلاميذ، وجلبت لي شهرةً وسلسلة من المكاسب الاجتماعية.
لقد أجريت مقابلات حول نظريتي، وكتبت مقالات، وألقيت محاضرات تمحورت حولها. إذا قمتم بعد عشرين عاماً - وقد حصلت على كل شيء بفضل تلك النظرية - بمهاجمة نظريتي وقلتم إن بإمكانكم إثبات أن نظرية فلان فيها إشكال معرفي واحد أو اثنان أو أكثر... هنا، إذا كنت أعتبر نفسي ذات هوية ثابتة، فإني أكون قد ربطت مصيري بتلك النظرية، وسأعتبر هجومكم عليها هجوماً عليّ شخصياً، لأنني أظن أن هذه النظرية كانت أحد "ممتلكاتي"، وعندما يهاجمها أحد، فكأنما هاجمني أنا. هنا أبدأ بالدفاع عن نفسي، وأتحمس، وربما أغضب، وأقوم بسلسلة من النشاطات لصد الهجوم الموجه إليّ، لأنني أشعر أن الهجوم على نظريتي هو هجوم على ذاتي.
لأريكم كم هو كبير الفرق، دعوني أضرب مثلاً: لو أن هذا الهجوم الذي وجهتموه لنظريتي، وجهتموه لملابسي، فقلتم: يا له من لباس قبيح وسيء ومهلهل، ويا له من قماش رديء وخامة سيئة. بطبيعة الحال، كنت سأشعر تقريباً أنكم لم تهاجموني، فأنظر فوراً إلى ملابسي، وإذا رأيت أن الحق معكم، أبدل ملابسي وأرتدي غيرها. هنا لا أسعى للدفاع، ولا أتحمس. لماذا؟ لأنني لا أساوي نفسي ببدلتي وبنطالي، لا أساوي نفسي بملابسي. أي أنني أعتقد أنني شخص، وملابسي شيء آخر غيري. لذا، فالهجوم على ملابسي ليس هجوماً عليّ، بل هو هجوم على شيء آخر خارج عني. لكن لماذا لم أتعامل مع نظريتي بهذا الشكل، وتحمسّت لها؟ ولم أقل: كما أنني لو وجدت عيباً في بدلتي، فإنني إذا دققت في نظريتي ووجدت أن هذه العيوب والنواقص موجودة فعلاً، أخلع هذه النظرية مثل ملابسي وأرميها بعيداً، وأقول: من الآن فصاعداً، وعلى الرغم من أن كل شهرتي ومحبوبيتي ومكانتي الاجتماعية وتلاميذي وربما دخلي كان بفضل هذه النظرية، إلا أنني سأرميها كما أرمي الثوب المعيوب. لكنني لا أفعل ذلك مع نظريتي.
معنى هذا أنني اعتبرت نظريتي جزءاً ثابتاً وجامداً من هويتي، واعتبرت الهجوم عليها هجوماً عليّ. يقول العرفاء: ما يفعله فلان بنظريته، لا ينبغي لكم أن تفعلوه بنظرياتكم، ولا بأي شيء آخر من ممتلكاتكم. فأفعالكم وممتلكاتكم هي غيركم. لذلك، اعتبروا أنفسكم عملية، هذه العملية كل فعل قامت به كان فعلاً ماضياً لها، وبإمكانها الآن أن تقوم بفعل آخر. وكل ما امتلكته في الماضي كان ممتلكات ماضية، وبإمكانها الآن أن تمتلك شيئاً آخر. وكل رغبة كانت لها كانت رغبة ماضية، وبإمكانها الآن أن تغير رغبتها. لا ينبغي أن يقول: إذا غيرت رغبتي فقد ضاعت هويتي.
إذا غيرت ما أملك، ضاعت هويتي. أو إذا غيرت ما أفعل، ضاعت هويتي.
السير والسلوك - رسالة العرفان - أي رؤية الذات كعملية
لهذا السبب، فإن رسالة العرفان كلها هي "السير والسلوك". السلوك يعني أن تروا أنفسكم كعملية. تشترك جميع العرفانات في عنصر بالغ الأهمية، وهو أنها تختار للإنسان اسماً من مقولة العملية، لا اسماً من مقولة الجوهر.
يُوصف الإنسان بصفات السالك، والراحل، والمسافر، مما يدل على عملية وسيرورة، ومعنى ذلك أنك إن كانت لديك رغبة الآن، فلا تظن أنك إن فقدت هذه الرغبة فقد فنيت. فكل صفة تظن أنها أنت، فهذا خطأ:
أنت بأي صورة جئت تقف.
أي تصور تتصوره عن مقتنياتك وتقول هذا ملكي إذن أنا موجود. أو هذا فعلي إذن أنا موجود. أو هذه رغبتي إذن أنا موجود.
سيرورة رؤية الذات مقتضى السلامة والواقعية لدى الإنسان
أنت جعلت نفسك ثابتًا ومتوقفًا، لكن الإنسان الذي هو إنسان من منظور العرفاء هو إنسان واقعي من الناحية المعرفية، وسليم من الناحية النفسية والأخلاقية - هذه الأمور مهمة، وهي ثلاثة. أن نكون واقعيين من الناحية المعرفية، وأن نكون جميعًا أسوياء من الناحية الأخلاقية والنفسية، مقتضى ذلك هو ما ذكرته - مقتضى ذلك أن تروا أنفسكم سيرورة، والسيرورة لا تفنى هويتها إلا حين تثبت. إن أردتم القضاء على الشلال، ما عليكم إلا أن توقفوا حركته. إن أردتم القضاء على موجة، ما عليكم إلا أن توقفوا حركتها. لو دققتم، إن أردت القضاء على هذا الكوب، فعلي أن أحدث حركة في الكوب ليفنى. إن لم أحدث حركة، يبق هذا الكوب على كونه كوبًا، لكن حين أحدث حركة، أي حين أضغط عليه، يفنى هذا الكوب. الجواهر هكذا، تفنى بالحركة، أما السيرورات فتفنى بالسكون. أي أن شلالًا أو نافورة يتفجر منها الماء، إن أوقفتم حركتها تفنى. الشلال لكي تفنيه، عليك أن توقف حركته. السيرورات تفنى بإحداث السكون، أما الجواهر فتفنى بإحداث الحركة.
أراد منا العرفاء ألا نكون هكذا، أن نعد أنفسنا حركة، وحيثما وقفنا نعلم أن ذلك ليس نحن. هذا مهم جدًا. أنت بأي صورة جئت تقف. بأي صورة وقفت قائلًا أنا هذا وذاك... فلست أنت ذاك. لم تعد أنت ذاك. أنت لست ذلك الموجود الثابت، أنت موجود سيال. السيولة هي وجودك. التحريك هو وجودك لا التوقف.
لكي يتحقق هذا الأمر، قدم لنا عرفاؤنا توصيات. كانوا يقولون: لكي تفهموا أنكم سيرورة لا جوهر، ولكي لا تسلبكم هذه السيرورة وجودكم، ينبغي أن تلتفتوا إلى أمور إذا التفتّم إليها، حُفظت سيروريتكم. كل هذه الأمور تشترك في وجه واحد، وهو أنها تريد ألا تدع سكونًا يظهر فينا. تريد أن تبقى ديناميكيتنا ثابتة كالماء المتدفق من الشلال. ما كان يقوله إقبال اللاهوري: أنا موجود إن كنت أمضي، وإن لم أمض فلست بموجود، كان يعبر تمامًا عن رؤية العرفاء، إذ يقول إنني موجة، إن لم أمض فلست بموجود. الموجة لا تكون موجودة إلا ما دامت تمضي. على عكس حجر على شاطئ هذا البحر، فهو حجر ما لم يمض. بمجرد أن تطاله الحركة، يتعرض كونه حجرًا للخدش قليلًا أو كثيرًا. كان العرفاء يقدمون توصيات، لا يتسع وقتي لعرضها كلها عليكم، لكنني شخصيًا وبعد تدقيق أشعر أن ثلاثًا من هذه التوصيات هي من أهمها. غير أن هذه الثلاث فيما أرى بينها نوع من التقدم والتأخر المنطقي بالنسبة لبعضها البعض. أي يمكننا القول إن التوصية الأولى هي أم التوصية الثانية. والتوصية الثانية هي أم التوصية الثالثة.
ثلاث توصيات مهمة للعرفاء
1) فصل الذات عن المعتقدات
أول توصية كان يقدمها العرفاء هي أن تفصلوا معتقداتكم عن ذواتكم
لا تربطوا ذواتكم بالمعتقدات التي تحملونها. هذه المعتقدات تجعلكم جامدين وتقودكم إلى السكون. دعوني أقدم شرحًا لكيف أن معتقدي إن صار قدري والتصق بي، يجعلني جامدًا.
ضرب مثال من فن الترجمة
يعرف المطّلعون على فن الترجمة أن فيه مصطلحًا يُدعى سحر المعنى الأول. وهذا السحر للمعنى الأول قابل للانطباق تمامًا على ما أنا بصدد بيانه الآن. يُقال إن كل إنسان، حين يتعلم لغة غير لغته الأم، يصادف أول مرة كلمة في تلك اللغة فيصطدم بمعنى واحد من معانيها. لنفترض مثلاً أن لغتك الأم ليست الإنجليزية، فعندما تبدأ بتعلم الإنجليزية تتعلم أول مرة كلمة well بمعنى جيد، لأن أول جملة يعلّمونها في الإنجليزية هي: I am very well، فيقولون لك إن well في الإنجليزية تعني جيدًا. هذا هو أول معنى تتعلمه لكلمة well، ولكن لا توجد تقريبًا أي كلمة في أي لغة لها معنى واحد فقط. صحيح أن اللغات تختلف في هذا الشأن، لكن مع ذلك فالأمر تقريبًا على هذا النحو: كل كلمة في كل لغة لها أكثر من معنى. حين أواجه كلمة لها أكثر من معنى، لها معنيان أو ثلاثة أو n من المعاني، لكنني حين واجهت هذه الكلمة أول مرة تعلمت أحد معانيها، يقول المشتغلون بفن الترجمة إن لدينا استعدادًا لأن نبقى مسحورين بهذا المعنى الأول حتى النهاية. أي أن هذا الاستعداد يبقى فينا حتى النهاية، فكلما صادفنا well في الإنجليزية نفترض أنها بذلك المعنى نفسه (جيد) ولا ندري أن لها معنى آخر.
نحن دائمًا مسحورون بالمعنى الأول. لذلك، إن كنت من أهل الترجمة، ترى أنك كلما كنت تترجم وتصادف أي كلمة، فإن أول معنى صادفته في أول لقاء لك بهذه الكلمة يتبادر إلى ذهنك، وكثير من عيوب المترجمين تكمن في هذا: أنهم يظنون أن لهذه الكلمة معنى واحدًا فقط. صحيح أنني زمنيًا صادفتُ هذا المعنى أولاً، لكن ينبغي أن أعلم أن هناك معنى ثانيًا وثالثًا ورابعًا... إلخ. ومعناها الآخر ليس معنى يختلط فيه بالمعنى الأول.
well تعني بئرًا أيضًا، والبئر لا يلتبس بجيد. لكن الفرق في المعنى الثاني للفظ الواحد ليس دائمًا بهذا القدر من الوضوح. لنفترض أننا في الإنجليزية نتعلم الكلمات دائمًا بمعناها الأول ونأخذها على هذا النحو، غافلين عن أن لهذه الكلمات معاني أخرى كثيرة، وما دمت مسحورًا بالمعنى الأول فيمكن القول تقريبًا إنك لا تتعلم تلك اللغة. هذا ما يسمونه سحر المعنى الأول.
هذا الشخص الذي يقال عنه في الترجمة إنه مسحور بالمعنى الأول، موجود أيضًا في سيكولوجيا الاعتقاد. الإنسان مسحور باعتقاده الأول تجاه العالم. إزاء كل ظاهرة، أول اعتقاد أُعطيته، تبقى مسحورًا به دائمًا وكأنك لا تريد أن تتخلى عن هذا الاعتقاد وتصل بخصوص هذه الظاهرة إلى اعتقاد ثانٍ أو ثالث أو اعتقاد نوني. والمصادفة أننا نتعلم الاعتقاد الأول في سنين لا نملك فيها قوة التمييز، ولا نملك قوة الاستدلال، ولا نملك قوة التفكير الذاتي. هذه الاعتقادات هي اعتقادات تُلقَّن لنا عن كل ظاهرة من الظواهر في زمن نكون فيه مقلّدين تمامًا. نحن نقلّد تقليدًا كاملاً. علاوة على التقليد، نحن نكتسب الاعتقادات الأولى تجاه عالم الوجود في زمن لا نكون فيه فقط مقلّدين، بل قابلين للتقليد أيضًا، وقابلين للتلقين أيضًا، وكل هذا يؤدي إلى أن تكون لدينا اعتقادات عن كل ظاهرة هي أولى اعتقاداتنا. ولكن، كما أن سحر المعنى الأول في الترجمة يلازمنا حتى النهاية، فكثيرًا ما يلازمنا حتى النهاية أول اعتقاد نكتسبه عن أي ظاهرة.
غافلين عن أنه كما كان لتلك الكلمة أكثر من معنى، وإن لم تتعلم أنت إلا معنى واحدًا منها، فكذلك يوجد بخصوص هذه الظاهرة أكثر من اعتقاد. وأنت تريد أن تظل مرتبطًا باعتقادك الأول. حين يريد المرء أن يرسخ في اعتقاده الأول، حينئذٍ
كيفية التقيّد بالاعتقادات
معنى ذلك أنه يريد هوية ساكنة، أي أن (أ) يريد أن يعتبر (س) رأيًا له، غافلاً عن أنه يمكن القول إن اعتقادي الأول تجاه الظاهرة (س) هو (ب). أو اعتقاد ثالث
تحت عنوان x برویم ببینم نمی رسم به باور دیگری که xاست اما راجع به باور الف است وxج است. کسانی که می خواهند هویت پویا داشته باشند باید همیشه بداند در عین حالی که فعلاً ب است رسیدنند همین گونه است. xب باشد وبعد هم که به x الف نباشد وxولی باید بروند ببینند که نکند جیم باشد و این یعنی دیدن فرایند خود. هر وقت انسانی با یک باور x ب نباشد وxمی گویم بروم ببینم نکند عقد اخوت بست. این دیگر هویت خودش را تبدیل به جوهر کرده است.
در باب این موضوع اگر بخواهم بسط کلام بدهم از کل بحث دور می مانم والا اینکه چگونه باورها ما رو در قید و بند قرار می دهند، ساز و کارهای مختلفی دارد یعنی ما می توانیم از طریق سازوکارهای مختلفی در قیدوبند باورهای خودمان واقع بشویم. این جاست که عرفای ما دائماً به ما می گویند که تو به این باور خودت نایست. آخرین پاراگراف فصولی الحکم محی الدین عربی( فصول الحکم ابن عربی به نظر خود ابن عربی تمام آن چیزی را که یک عمر می خواست بگوید و در 600 کتاب گفت در یک کتاب و در فصول الحکم آورده است.) وبعد در آخرین پاراگرافش می گوید نهایت چیزی که در کتابم می خواستم بگویم این است که شما بدانید که همیشه در باب هر امری معتَقَد دارید معتقد خودتان را در مورد آن امرو خود آن امر خلط نکنید باور شما راجع به یک چیز خود آن چیز نیست بنابراین همیشه بدانید که ممکن است باورتان راجع به یک چیز ناسالم ونادرست وعوضی به معنای این که عوضی گرفته اید باور خودتان را با خود آن چیز باشد بروید به سراغ این نکند باور مطابق با واقعتری از آن چیز وجود دارد.
بنابراین من ابن عربی به شما می گویم عقیده ی شما عقلیه شما نشود. عقلیه یعنی گره. عقیده های شما عقیده ها وگره هایی نشود که شما را این جا ببند. این چیزی است که من می خواهم به شما گویم. بعد راجع به خدا هم می گوید: حتی عقیده ای که راجع به خدا هم دارید بدانید که این خدا نیست. عقیده شما است در مورد خدا. وعقیده های دیگری هم در مورد خدا می تواند باشد. از این وابستگی ما به باورهایمان یک نکته دومی هم پدید می آید وآن هم در بند گذشته قرار گرفتن است. این مورد هم ناشی از نکته ی اول است.
2)در بند گذشته خود نباشید
نکته دوم این است که عرفا به ما می گفتند که شما "در بند گذشته خودتان نباشید."
هر چه در گذشته خواستهاید. هر چه در گذشته کرده اید. هرچه در گذشته داشته اید که این داشته ها هم خودشان مقوله های متفاوتی دارند و این داشته ها منظور فقط داشته های مادی نیست ، مناسباتی که داشته اید، ارتباطاتی که داشته اید، این ها در خطر این است که شمارا ایستانند و نگذارند پویایی خودتان را حفظ کنید وهمیشه بخواهید در گذشته خودتان باقی بمانید از این لحاظ هم بود که قدما به دیگران توصیه می کردند که نه فقط به دیگران نگویید که گذشته ما چه گذشته ای بوده است بلکه سعی کنید گذشته خودتان را از باور خودتان دور بکنید. من مثال ساده ای برای شما بزنم.
شما فرض کنید که یک استادی را ده سال یا بیست سال با او سرو کار داشته اید. به جهت این ارتباطات دیرینهای که با ایشان داشته اید کاملاً از ایشان شناخت دارید بنابراین می توانید به رفیقتان یا دانشجوی دیگری که در کلاس شما است بگویید که اگر از این استاد و نمره می خواهید راهش این است یا اگر می خواهی عصبانیاش کنی این حرف را بزن. اگر می خواهی دلش را به دست بیاوری راهش اینه.
لماذا تستطيعون أن تسيطروا على هؤلاء المعلمين بحيث يمكنكم إغضابهم متى شئتم؟ تعرفون كيف تفعلون ذلك، أو إذا أردتم كسب ودهم تعرفون كيف تفعلون ذلك؟ لأن معرفتكم به كبيرة. كلما ازدادت معرفتنا بالآخرين، ازدادت سيطرة الآخرين علينا. لكن افترضوا أن مدرسًا ترونه لأول مرة في حياتكم يدخل الفصل الآن. كيف يمكنكم إغضابه؟ كيف يمكن كسب وده، ألا يجهل المرء ذلك؟ كيف يمكن إرهاقه، ألا يجهل المرء ذلك؟ كيف يمكن حمله على ترك الدرس، ألا يجهل المرء ذلك؟ كلما قلت معرفتنا بالآخرين، قلت سيطرة الآخرين علينا، وكلما منحتم الناس معرفة أكبر بماضيكم، ازدادت سيطرة الآخرين عليكم. يفهمون أكثر أين تكمن نقاط ضعفكم وقوتكم. أين تقع عتبة استثارتكم من الناحية العاطفية؟ من ناحية المعتقدات، ما هي المعتقدات التي لا تستطيعون العدول عنها؟ لكن المثير للاهتمام هو أن المسألة من وجهة نظر العرفاء ليست فقط أن أحاول ألا تعرفوا ماضيَّ كي لا تقبضوا عليَّ، بل يجب أن أحاول ألا يقبض ماضيَّ عليَّ أنا أيضًا، وهذه هي النقطة التي أريد طرحها: كلما وقع المرء في قبضة الماضي أكثر، صار أكثر ثباتًا وجمودًا. أن يقول فلان: أنا منذ عشر سنوات أقول إن (ألف) هو (باء)، فكيف أقول إن (ألف) ليس (باء)؟ معنى هذا أن قولي طوال تلك السنوات العشر إن (ألف) هو (باء) قد قبض على حاضري ومستقبلي أيضًا. لم يعد يسمح لي الآن أن أقول إن (ألف) ليس (باء). أحد كبار العرفاء المسيحيين، وهو ألماني أيضًا، يُدعى ياكوب بوهمه، له عبارة أظنها بيت القصيد في العرفان العالمي. يقول:
الفارق بين الجنة والنار هو أن (في الواقع، عندما يقول الجنة والنار، يعني أهل السعادة وأهل الشقاوة) أهل الجنة هم الذين يريدون أن يكونوا على حق، وأهل النار هم الذين يريدون أن يكونوا قد كانوا على حق. بمعنى، افترضوا أنني دخلت في حوار معكم في هذه الجلسة، فإذا كان كل سعيي في الحوار والنقاش والنزاع الفكري الذي أخوضه معكم هو أن أفعل شيئًا يجعلني في هذا اللقاء أصل إلى الحق، أن يقع الحق في يدي، ففي هذه الحالة أكون، من الناحية الأخلاقية والنفسية، إنسانًا سليمًا، وبتعبير ياكوب بوهمه، من أهل الجنة. أما إذا قلت لنفسي: افعل شيئًا يحفظ ما قلته بالأمس من أن (ألف) هو (باء)، لا تدعهم ينتزعون من قبضتك ذلك القول بأن (ألف) هو (باء) بالأمس، أي أن أحافظ على كوني على حق في الماضي. إذا قلت لكم: في هذا النقاش الذي أدخل فيه معكم، كل ما قلته في الماضي، حتى لو قلته قبل لحظة، لا يقيدني أو يكبلني البتة، أريد أن أكون على حق الآن. معنى هذا أنني لو هدمتم كل معتقداتي الماضية فإني أقبل. أما إذا قلت: لا، أريد ألا يضيع مني كون القول الذي قلته بالأمس، أو العام الماضي، أو كتبته في كتاب ما، على حق، وحينها يكون كل جدالي ونقاشي حول كوني على حق في الماضي، لا حول كوني على حق في حاضري. ومعنى هذا أن القول الذي قلته في الماضي واعتقدته قد قبض على حاضري في يده، ويقول لي: لا تتقدم أكثر من هنا. يجب ألا تكون لديَّ أي حركة من هنا، ويجب أن أبقى على حالي. أولئك الذين هم، على حد تعبير بوهمه، من أهل الجنة، يريدون أن يكونوا دائمًا على حق، لا أن يكونوا قد كانوا على حق، ولذلك لا يسمحون لماضيهم بأن يستخدمهم. أما نحن البشر العاديين، فإذا تدبرتم الأمر، ترون أننا منذ اليوم الأول الذي نبدأ فيه الحياة، يختزل اليومُ الأولُ من حياتنا ملياراتِ الطرق التي يمكن أن نسلكها في اليوم الثاني إلى النصف، وفي اليوم الثاني يختزل ملايين الطرق التي يمكن أن نسلكها في اليوم الثالث إلى النصف، وهكذا بالتدريج حتى نصل إلى سن كسني، ثلاثين أو خمسة وثلاثين عامًا، فنرى أن كل يوم لا يترك لنا سوى طريق واحد لليوم التالي. لماذا؟ لأن تراكم ما فعلناه وما كان لدينا وما أردناه في الماضي قد ضيّق باستمرار محيط إمكاناتنا.
نحن الذين جئنا إلى الدنيا في اليوم الأول ومعنا محيط من الإمكانات ــ بتعبير ابن عربي ــ صرنا نرى الآن أن غدنا مثل بعد غدنا، وبعد غدنا مثل اليوم الذي يليه. لماذا؟ لأننا في كل يوم نضيّق جزءاً من إمكاناتنا اللاحقة، وكل ذلك راجع إلى أننا لا نريد أن نخسر ماضينا، وحين لا يريد المرء أن يخسر ماضيه يقع في الثبات والجمود، وتضيع منه صيرورته، لكن العرفاء لم يكونوا يسمحون بحدوث هذه الحال. كان العرفاء يقولون عن الاعتقاد الذي كانوا يحملونه بالأمس: هذا اعتقادي بالأمس. تعالَ اليوم لنرى ما الذي يمكن أن يُقال، والاعتقاد الذي أحلمه الآن قد أغيّره غداً. وهذا لا يقتصر على ناحية اعتقاداتي فحسب، بل يشمل ناحية كل الاعتقادات والممتلكات والأفعال. أحد ممتلكاتنا هو اعتقاداتنا.
لدينا ممتلكات أخرى أيضاً، علاوة على أنه إلى جانب الممتلكات، لدينا أفعال أخرى، وإلى جانب الممتلكات والأفعال، لدينا رغبات أخرى.
3) لا تكن رهين أحكام الآخرين عليك
أما النقطة الثالثة التي كان يوصي بها العرفاء فهي أن هناك أمراً ثالثاً يوقعك في فقدان الصيرورة، وهو أن تكون رهين أحكام الآخرين بشأنك.
إذا كنت حريصاً على ألاّ يتغير حكمكم عليَّ، وإذا كنت لا أريد أن يزول حكمكم بشأني، فهذا معناه أن زمام كينونتي صار بيدكم. إن كنتم قد رأيتموني بالأمس أرتدي لباساً ما، فأنتم تتوقعون، بل تنتظرون وتأملون أن أرتديه غداً أيضاً، وإذا أردت أن أحقق أملكم هذا، فهذا يعني أن عليَّ أن أرتديه غداً كما أرتديه اليوم. لأنني لا أريد أن يصبح حكمكم عليَّ سلبياً.
كل الذين يعيشون في أحكام الآخرين يزدادون يوماً بعد يوم جموداً وثباتاً. لماذا؟ لأن ما رآه الآخرون مني في الماضي:
1- قد خلق في أذهانهم افتراضات مسبقة عني.
2- وخلق انتظارات وتوقعات بشأني.
3- وخلق أوصافاً عني، أريد أنا ألاّ تزول هذه الأوصاف التي وصفوني بها، والافتراضات المسبقة والانتظارات والتوقعات التي كانت لديهم تجاهي، بل أن تبقى على حالها. لأنني أريد ألاّ يتغير رأي الآخرين فيَّ، فإذا تغير الوصف الذي كان الآخرون يحملونه عني، أو تغير انتظارهم وتوقعهم، فسيصبح حكمهم عليَّ سلبياً حينئذ.
لكي لا تتغير الافتراضات المسبقة والانتظارات والتوقعات والأوصاف التي يحملها الآخرون عني، وحتى لا يصبح حكمهم عليَّ سلبياً، فإني في الواقع أتصرف مثل الماضي، وكأني بلسان الحال أقول لكل إنسان: كيف تريدونني أن أكون؟ قولوا لأكون. وهذا معناه أنني أريد أن أبقى على ذلك الثبات نفسه. كلما أراد شخص ألاّ يصبح رأي الآخرين فيه سلبياً، فعليه أن يرضى بالثبات ــ وبتعبير آخر قيل، أعرضه عليكم ــ كما يقول علم النفس الاجتماعي، هناك في الواقع خمس ذوات متصورة لنا، ونحن دائماً، بدل أن نعيش في ذاتنا الأولى والثانية، نريد أن نعيش في ذاتنا الثالثة أو الرابعة أو الخامسة.
ذوات الإنسان الخمس
لديَّ خمس ذوات:
الأولى: "الذات كما أنا عليها حقاً"، في الواقع. ويمكن القول بمعنى من المعاني إن الله وحده هو الذي يحيط بهذه الذات خبراً.
ولديَّ ذات ثانية، وهي "الذات كما أتصورها أنا". ما التصورات التي أحملها عن نفسي؟ هذه هي ذاتي الثانية. ما الخصائص التي أنسبها لنفسي وما الخصائص التي لا أنسبها؟ ما العلاقات التي أثبتها وما العلاقات التي لا أثبتها؟ هذه جملةً تشكل ذاتي الثانية. الذات كما أظن أني عليها.
وهناك ذات ثالثة، هي "الذات كما تظنونها أنتم". ما التصورات التي تحملونها عني؟ هذه هي ذاتي الثالثة. التصورات التي تحملونها عني.
ذاتي الرابعة، هي "الذات كما أتصور أنكم تتصورونني".
وهناك «أنا» خامسة أيضًا، وهي «الأنا كما تتصورون أنني أتصورها عن نفسي».
هذه هي الأناوات الخمس التي تنعكس في بعضها البعض. نحن دائمًا في حياتنا، وعلى عكس ما يقوله العرفاء تمامًا، نعيش في الأنا الثالثة والرابعة والخامسة. أي أنني دائمًا أقول لنفسي: ما هو التصور الذي يحمله الآخرون عني؟ أو ما هو تصور الآخرين لتصوري عن نفسي؟ وما هو تصوري لتصور الآخرين عن نفسي؟
العرفاء يوصون بالحياة في الأنا الخامسة
أعيش دائمًا في أنايَ الثالثة والرابعة والخامسة. كان العرفاء يقولون إنه ينبغي لنا أن نعيش فقط في أنانا الأولى والثانية: الحياة في الأنا الأولى والثانية بمعنى أن نعيش في الأنا الأولى والثانية لكي نقرب الأنا الثانية يومًا بعد يوم من الأنا الأولى، أي أن يقترب التصور الذي أحلمه عن نفسي من الأنا الحقيقية، لكي يتطابق أكثر فأكثر مع الأنا. أما نحن فنعيش في الأنا الثالثة والرابعة والخامسة. الشخص الذي يعيش في الأنا الثالثة والرابعة والخامسة يعيش في تصورات الآخرين عنه، وفي تصوره هو لتصورات الآخرين عنه. معنى هذا أننا نريد دائمًا أن يبقى نظر الآخرين إلينا محفوظًا وقائمًا. لكن العرفاء كانوا يقولون: لا ينبغي لكم أن تفعلوا هذا. كان العرفاء يدعون دائمًا إلى حياة أصيلة، حياة مطابقة لفهمي وتشخيصي أنا. إن أعجبكم فتعالوا، وإن لم يعجبكم فلا تأتوا.
التعلق بالآخرين علة التقليد والتبعية للغير
كان العرفاء يدعوننا إلى هذا، وكانوا يخطّئون بكل أشكاله التعلق بالآخرين، أي فكرة أن تصور الآخرين عني يجب أن يبقى محفوظًا. وكانوا يعلمون أننا حين نعيش وفق تصور الآخرين عنا، فإننا عندئذ نقع في تقليد الآخرين والتلون بلون الجماعة. وما سبب هذا التقليد للآخرين أو للجماعة؟ سببه أنني لا أريد أن أنفصل عن الآخرين.
لا تستوحشوا في طريق الهدى لقلة أهله
لعلي بن أبي طالب في نهج البلاغة جملة يقول فيها: «لا تستوحشوا في طريق الهدى لقلة أهله». حين تسيرون في طريق الهداية، لا تستولي عليكم الوحشة لأنكم ترون قلة من الناس في هذا الطريق. الوحشة في اللغة العربية لا تطلق على كل خوف، فاللغة العربية تفرق لغويًا بين أنواع الخوف المختلفة. الوحشة نوع خاص من الخوف، وهو الخوف الناتج عن الشعور بالوحدة. إذا شعرت في البيت بالوحدة واستولى عليك الخوف، فهذا الخوف يسمى وحشة. وهذه الوحشة تختلف عن خوف آخر اسمه الخوف، وعن خوف آخر اسمه الخشية.
الوحشة هي الخوف الناتج عن الشعور بالوحدة. يقول علي بن أبي طالب: لا تستوحشوا في طريق الهدى لقلة أهله. حين ترون أنه لا أحد يسير في الطريق الذي تسلكونه، لا تستولي عليكم الوحشة، لا يأخذكم الخوف الناتج عن الوحدة. لأنه يعلم أننا نريد دائمًا أن نكون على لون الجماعة، ونشعر بالوحشة لأننا نسير في طريق لا يسير فيه الآخرون، ولأننا نعاكس التيار، بالتعبير العصري. ورغبتنا في أن نكون مثل الآخرين هي التي تجعلنا جميعًا، نحن البشر، نأخذ لون ورائحة بعضنا البعض. وهذا هو أعظم ما كان العرفاء يحذرون منه.
لقد قلت مرارًا هذا المثال، وهو مثال معبر بالطبع، وإن لم يكن مثالاً ضربه العرفاء: لو اشتريت خمسة أنواع من الفاكهة، فحين تحملها إلى البيت تكون لكل منها رائحتها الخاصة فقط، وتوحي إليك بإحساسها الخاص فقط. لكنك حين تضعها في الثلاجة ثم تخرجها بعد عشرة أيام، ترى أن كل واحدة منها صارت حصيلة لجميع الروائح، أي أن البرتقالة تعطي رائحة البرتقال بالإضافة إلى رائحة البطيخ والتفاح. وهكذا تكون كل واحدة منها قد فقدت رائحتها الخاصة إلى حد كبير، لأنها أخذت روائح الآخرين. هذا هو الـ uniformity من الناحية النفسية فينا نحن البشر أيضًا. uniformity إذن صار الجميع متحدي الرائحة. هذه هي النمطية. أي أن التلون بلون الجماعة هو لكي أنسى جزءًا عظيمًا من وجودي لأصبح على لونك، وعلى رائحتك، ولكي أعطي نفس لونك ورائحتك.
كان العارفون يقولون: لا ينبغي لنا أن نفعل هذا أصلاً، كان العارفون يقولون: ليسلك كل واحد منكم طريقه بنفسه. إن قولهم «الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق» معناه أنه لا ينبغي لك بالضرورة أن تضع قدمك موضع أقدام الآخرين، فلك طريقك الخاص نحو الله، ولغيرك طريقه الخاص نحو الله. فليسلك كل منكم في طريقه، وهذا يعني أن أبقى حقاً على ديناميكيتي الخاصة. ينبغي لي دائماً أن أعتقد بأنني أنا من يمضي، ولا ينبغي لأي شيء آخر ولا لمعتقدات الآخرين تجاهي أن تضعني في قالبها.
هذه الوصايا الثلاث هي أم وصايا العرفاء
إذا أردت أن أسوق شواهد على هذه الأمور، فكما قلت في مستهل حديثي، هذه الوصايا الثلاث هي أهم وصايا العرفاء:
لا تكن أسيراً لمعتقداتك.
لا تكن أسيراً لماضيك.
لا تكن أسيراً لأحكام الآخرين عليك.
ما يقوله العرفاء أكثر من هذه الثلاث، لكن أمها حقاً هي هذه الثلاث. بالترتيب الذي ذكرته. فالأولى تلد الثانية، والثانية تلد الثالثة. أي أن بينها نوعاً من الترتيب المنطقي. وهذا يمنحنا هوية سيالة، ويمكن القول إن اكتساب الهوية السيالة، وإن كان بحثاً أخلاقياً نفسياً، إلا أنه يترك آثاره في عوالم أخرى من حياة البشر. وبتعبير آخر، يمكن القول إن أكبر النكبات والأدبار التي تحدث في عالم السياسة، وتحدث أيضاً في عالم العلاقات الاجتماعية، تعود إلى هذا السبب أيضاً. ناشئة من أن كل إنسان يرى نفسه كائناً ثابتاً، ويقول إن هذا الكائن لا ينبغي أن تُمَسَّ تركيبته، وينبغي أن يبقى على ما كان عليه سابقاً. إذا أردنا أن ننقل شواهد هذه الوصايا من العرفان الإسلامي، يبدو لي أن البحث سيطول جداً ولا تسعفني ذاكرتي. لكن الاستشمام والاستنتاج الذي أستخلصه من مجمل رسالة عرفائنا ومجمل رسالة عرفاء العالم هو هذه الرسائل الثلاث. وبالطبع فإن شواهدها حاضرة في ذهني إلى حد كبير، لكن القسم الأعظم منها غائب عن ذاكرتي.
آمل إن كان هذا المحفل حول الهوية السيالة قد حظي بقبول الأصدقاء، أي أن يتقبلوا أولاً أن عرفاءنا قالوا بهذا، وثانياً أنهم أصابوا فيما قالوه، ألا ننسى الالتزام به في حياتنا الفردية والاجتماعية[2].
.
.
إلهي اجعل خاتمة الأمر هكذا / ترضى أنت ونفوز نحن بالفلاح
[1] . هذه المحاضرة ألقيت في الجلسة الأولى من سلسلة جلسات الهوية الإيرانية التي نظمها مركز أبحاث اللغة والأدب الفارسي في جامعة تربيت مدرس بطهران.
[2] .الأسئلة والأجوبة موجودة في نهاية الملف الصوتي.
.
.
.
.
.
.
علم النفس
الفلسفة
الفلسفة
الأدب
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال١ تعليق
سلام. فایل صوتی این سخنرانی رو نمیذارید؟