اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يرى مصطفى ملكيان أن المعلم الناجح هو من يتحلى طلابه بسبع خصال للإنسان المثالي؛ أولها أن تكون حياتهم أصيلة لا مستعارة. ويضرب المثل بسقراط قائلاً إن الحياة الأصيلة تعني وعي المرء بنقاط ضعفه ومواضع افتقاره إلى الدليل في مواقفه.

بسلامي وتحياتي إلى الأخوات والإخوة الأعزاء، ومع بالغ الأدب والاحترام إلى الأساتذة الكرام، ومع شعور بالغبطة لوجودي في حضرة من يشغلون منصب المعلم الرفيع في المجتمع.
أشعر بكامل الفخر لوجودي في حضرة المعلمين، في حضرة الأساتذة، ودون أي مجاملة أقول إن أعظم شرف إنساني شعرت به كان حين جلست في حضرة أستاذ أو معلم وانتفعت به، دون أي مبالغة أشعر بالفخر لوجودي في حضرتكم، وما سأقوله أعتبره درسًا أؤديه لمعلميّ، وآمل أن ينظروا إلى هذا الدرس بعين النقد والانتقاد، وإذا بدت لهم نقطة تخالف مقتضى العقل والاستدلال، فليتفضلوا بإخباري. ما طُلب مني، وما فهمته من هذه الدعوة، هو أن أتحدث عن "مهنة التعليم" ذاتها.
يعلمون بالتأكيد أفضل مني أن ثمة أبعادًا مختلفة يمكن الحديث فيها عن مهنة التعليم والتدريس، لكنني اليوم سأتناول نقطة واحدة فقط من هذه النقاط العديدة، وهي: من هو المعلم الناجح، إذا أردنا أن نعرفه من خلال تلاميذه؟ نُقل عن السيد المسيح (ع) في العهد الجديد قوله إن الشجرة تُعرف بجذرها وبثمرها، وأنا اليوم أعتزم أن أعرف شجرة المعلم بثمرها. لنرَ كيف يكون المعلم الجيد من حيث تلاميذه الذين هم ثمار هذه الشجرة، وبالتالي فأنا لا أناقش التعليم بذاته على الإطلاق، بل أتخذ فقط الأثر الذي يتركه التعليم في المتعلمين معيارًا لنجاح المعلمين أو عدم نجاحهم. في اعتقادي، المعلم الناجح هو معلم إذا نظرنا إلى ثمار تعليمه، أي إذا نظرنا إلى تلاميذه، وجدنا تلاميذ يمتلكون 7 خصال، وهذه الخصال السبع، في رأيي، معيار جيد لتمييز المعلمين الناجحين عن المعلمين الذين لم يحالفهم توفيق كبير في عملهم. هذه الخصال السبع، في اعتقادي، هي 7 خصال تمثل 7 سمات للإنسان المثالي، الإنسان المتعالي. قبل أن أتطرق إلى هذه الخصال السبع، أود أن أشير إلى أن كثيرًا مما سأقوله اليوم قد يبدو لكثير من الأعزاء كلامًا لا صلة له بالموضوع، بمعنى أن يُقال إنه في ظل الأوضاع التي يعيشها تعليمنا العام وتعليمنا العالي في بلدنا، فإن هذا الكلام لا صلة له بالموضوع إطلاقًا.
في الوضع الذي نواجهه من حيث المعلمون، فإن الحديث بهذه الطريقة هو نوع من الهروب من الواقع، ونوع من عدم رؤية الواقع، ونوع من المثالية غير الواقعية، ماذا يفعل العدو في صف الورد والريحان؟ عندما يذهب المرء إلى ساحة المعركة لا يحمل باقة ورد وريحان، ميداننا الآن هو ميدان أخطر بكثير من هذا، لديكم نقاط انقطع حبل صلتها بالواقع حقًا، أنا مدرك تمامًا لهذه النقطة، فعندما لا يكون معلمونا، لا من حيث مكانتهم الاجتماعية ولا من حيث المعاملة الحقوقية التي نعاملهم بها، قد تبوأوا المرتبة التي ينبغي أن يكونوا فيها، بل جلسوا في مرتبة أدنى بكثير مما يستحقون، فإن هذا الكلام يبدو شاعريًا وربما يبدو خياليًا، لكن مع ذلك لدي عذران من هذا الباب، ومسوغان ومبرران لهذا النوع من الحديث.
أحدهما أنه حسنًا، قد يكون هناك معلم أو معلمون يقولون إننا رغم هذه الظروف والأحوال نريد أن نكون معلمين نموذجيين، فعلى الأقل ينبغي أن يعلم هؤلاء كيف يمكن تصور نموذجيتهم من هذه الناحية، صحيح أن أكثرنا لا يستطيع أن يكون معلمين نموذجيين بسبب تلك المشكلات ذاتها، ولكن حسنًا، على أية حال قد يرغب البعض في أن يكونوا معلمين نموذجيين، هذه هي النقطة الأولى. والنقطة الثانية هي أننا، حتى في هذا الوضع الاجتماعي الراهن، وحتى في هذا الوضع الاقتصادي الراهن، نرى معلمين نموذجيين، وبالتالي فمجرد أن الوضع الاقتصادي هكذا والوضع الاجتماعي هكذا، لا يسوغ لنا أن نتخلى عن أفكارنا، ففي النهاية المعلمون النموذجيون يتقاضون رواتبهم في نفس البلد الذي يتقاضى فيه المعلمون غير النموذجيين رواتبهم، ومع ذلك يعيشون حياة نموذجية، ولهذا يبدو لي أنه لا بأس من أن نقدم صورة للمعلم النموذجي من حيث السمات التي تتجلى في تلاميذه.
أولى الخصال التي ينبغي لنا أن ننمّيها في تلاميذنا هي أن تكون لتلاميذنا حياة أصيلة لا حياة مستعارة، وهذه في نظري أهمّ سمة للإنسان المثالي؛ فالبشر المثاليّون يعيشون حيوات أصيلة وينفرون من أي ضرب من الحياة المستعارة. ولكي أوضّح تصوّري عن الحياة الأصيلة، سأضرب بضعة أمثلة، يقترب كلّ واحد منها بكم خطوة من هذا المعنى. كان سقراط، الفيلسوف الإغريقي الشهير، يقول عن أكبر مشكلة أثاروها عليه ثم أرغموه بعدها على تجرّع السم: أتدرون لماذا سقوني السمّ وأرادوا لي أن أموت مسموماً؟ لأنني ذبابة الخيل في المجتمع، فما أقوم به هو ما تفعله ذبابات الخيل؛ فحين يكون الحصان واقفاً في راحة، إذا حطّت عليه ذبابة خيل، فإن حطّت على موضع جرح فيه، يفاجئك الحصان بردّ فعل، أي أنّ ذبابة الخيل حين تحطّ على حصان تدلّه على مواضع جراحه، وعلى المواضع التي ليست على ما ينبغي، والتي لا تتمتّع بالسلامة المطلوبة. ومن هذا المنطلق، تعرف الخيول، بعدد ذبابات الخيل التي تحطّ عليها وتغادرها، مواضع الجراح في أجسادها. كان سقراط يقول: وأنا كذلك، أحطّ على المجتمع مثل ذبابة الخيل فأُري المجتمع: هنا تفعل فعلاً بلا دليل، وهنا تفعل فعلاً لو طالبتك بدليله لما كان عندك ما تقوله. حسناً، حين يُريك أحدهم أنّك تفعل فعلاً بلا دليل، وتتّخذ موقفاً بلا دليل، وتعيش حياة لا تملك أنت نفسك أيّ دليل على صلاحها، فهذا يزعجك بطبيعة الحال، وحين يزعجونك مع أنّهم في الحقيقة قد أسدوا إليك خدمة، فإنّك تغضب منهم.
كلّ من يُظهر لنا نقاط ضعفنا هو في الواقع على هذه الشاكلة: يؤذينا بدايةً لكنّه يصبّ في مصلحتنا في نهاية المطاف. فأين تكمن نقاط ضعفنا من منظور سقراط؟ كان سقراط يقول: نقاط ضعفنا تكمن حيث نؤدي فعلاً، أو نقول قولاً، أو نتّخذ موقفاً، فإذا سُئلنا: لماذا؟ قلنا: هكذا قيل لنا، وهكذا بلغنا، وهكذا أُمِرنا. هنا مكمن ضعفنا. كان يقول: أنا أُريكم نقاط الضعف هذه، أُريكم أنّكم في معظم الأوقات لا دليل عندكم على مسالماتكم، ولا دليل عندكم على حروبكم، أنتم بلا دليل في عاداتكم وتقاليدكم، وبلا دليل في أخلاقكم، وبلا دليل في خصامكم، وبلا دليل في صلحكم. إن سألتكم: لماذا اخترتم هذه الصفة؟ فأنتم بلا دليل. وإن سألتكم: لماذا اخترتم تلك المهنة؟ فأنتم بلا دليل. في الواقع، ليس أيّ موقف من المواقف التي اتّخذتموها طوال حياتكم موقفاً تملكون أنتم أنفسكم دليلاً عليه، بل هي مواقف وصلتكم جميعاً من الآخرين. وفي نظر سقراط، أكبر عيب في حياتنا هو أنّ آراءنا موروثة، وأنا، سقراط، أُريكم هذه الآراء الموروثة، أُريكم كونها موروثة، فأنت لا تملك دليلاً على فعلك هذا، بل قاله الآخرون، ورثته عن الآباء والأمّهات والآخرين، وما من إرث أخزى من الإرث في الرأي، وما من ميراث أشدّ عاراً من الميراث في الرأي. نحن إن ورثنا أيّ شيء فلا بأس، أمّا إن كنّا قد ورثنا الرأي فينا.
فالفارق الجوهري بين الإنسان والحيوان هو أنّ الحيوان يرث كلّ شيء بحكم الغريزة، حتّى آراءه، أمّا الإنسان فينبغي ألّا يرث رأيه. ارثوا أيّ إرث شئتم، ولكن لا ترثوا رأيكم، بل اختاروا كلّ رأي بأنفسكم حين ترون دليله قويّاً، سواءٌ أقال به من قبلكم قائلون أم لم يقولوا. كان سقراط يقول: أنا هذا، ولأنّي هذا تغضبون منّي، لأنّي هذا أُريكم الجراح، وأُريكم مواضع ضعفكم. في الواقع، الحياة الأصيلة من منظور سقراط هي حياة يعلم فيها المرء أوّلاً لماذا اختار هذه الحياة، هذه هي الحياة الأصيلة. وبعد سقراط، تنبّه أناس كثيرون إلى هذه النقطة، ولست أريد الآن أن أعرض عليكم تاريخها.
من تجليات هذه الفكرة السقراطية ما نجده في مثنوي مولانا، ففي المثنوي، كما تعلمون، عانى مولانا الجوع زمناً ولم يجد سبيلاً للحصول على طعام، فدخل مدينةً وسمع أن خانقاه الصوفية تقع في موضع كذا من مشهد، وكانت خانقاه الصوفية قديماً ملاذاً لمن يريدون أن يأكلوا شيئاً دون أن يدفعوا مالاً، ويجدوا مأوى ومكاناً للمبيت وما شابه ذلك، فدخل تلك الخانقاه عسى أن ينال شيئاً. واتفق أن الصوفية لم يصلهم شيء منذ مدة وكانوا هم أنفسهم جياعاً، فلما ترك حماره عند الباب ودخل، أدرك سكان الخانقاه أن حماراً قد صار في أيديهم، فقالوا للبواب (أو السائس): بِعْ ذلك الحمار وهيئ لنا به طعاماً لنأكل الليلة شيئاً، ثم بدأوا يرددون: ذهب الحمار وذهب الحمار وذهب الحمار، وهم في غمرة من الفرح والطرب والابتهاج يرددون: ذهب الحمار. وخُيّل إلى السائس أن هذا الفعل باطل، أن يأخذوا ما هو ملك لغيرهم ويبيعوه.
فجاء لينظر ويسأله (صاحب الحمار): يا سيدي، أتأذن لنا أن نبيع حمارك ونتعشى الليلة؟ فرآه أكثر الجميع فرحاً وأشدهم طرباً وتصفيقاً ورقصاً، يردد: ذهب الحمار وذهب الحمار وذهب الحمار، فقال في نفسه: من يقول 'ذهب الحمار' بهذا الفرح والطرب، لا بد أنه راضٍ بذلك، بل ليس راضياً فحسب، بل لا بد أنه راغب، فباع الحمار وهيأوا العشاء وأكلوا. وفي صباح اليوم التالي، لما أراد [صاحب الحمار] الرحيل، جاء ليأخذ حماره فقال: أين حماري؟ ورأى أنه لا أثر لحمار، فقال [السائس]: لكنك أنت بنفسك كنت تقول: ذهب الحمار وذهب الحمار! ما معنى هذا؟ أي أنك تعيش بنفسك حياةً من الفرح هي على الضد تماماً من مصلحتك، قال لك قوم: صفّق، فصفقتَ، وكان غيرك قد قال ذلك بينما تصفيقك كان عين بلواك، وهنا تأتي جملته الشهيرة: 'أهلكَ الخلقَ تقليدُهم... فلتكن مئة لعنة على هذا التقليد'. وهذا هو عين ما نعيشه في حياتنا، فبهذا التقليد نفقد هويتنا، لماذا؟ لأن من يقول لك: صفّق وارقص واطرب، إنما ينظر إلى منفعته هو، وقد يرقص المرء عمره كله على حساب ضرره هو، وبرأي مولانا فإننا نرقص طوال عمرنا على حساب ضررنا، ولكن من قال لنا أن نرقص؟ برأي مولانا هم الذين يستفيدون من هذا الرقص.
الحياة الأصيلة هي الحياة التي أملك فيها دليلاً على كل المواقف التي أتخذها، ونظر مولانا في الواقع هو أن الحياة الأصيلة هي حياة لا أقلّد فيها، وسأشرح لاحقاً ما معنى أني لا أقلّد، فلا يذهب ذهنكم فوراً إلى التقليد الفقهي وما شابه، سأوضح ذلك لاحقاً. لنعد إلى المسار التاريخي ونتقدم قليلاً، نصل إلى بعض المفكرين ذوي النزعة الفلسفية مثل هايدغر في ألمانيا الذين نظروا في الحياة الأصيلة وقدموا آراءً، لكني لا أريد أن أستغرق وقتكم في هذا الباب بالتفصيل، بل أعود لأتحدث بطريقة أكثر نفسية قليلاً. كارل روجرز، عالم النفس الشهير، من رواد الموجة الثالثة في علم النفس بأمريكا، وهو من علماء النفس البارزين في عصرنا، أجرى بحثاً نفسياً حول موضوع أننا نعيش حياةً مستعارة، وقد قضى 43 عاماً من عمره باحثاً في هذا الموضوع.
نتائج أبحاثه نُشرت في 4 مجلدات، وأنا أعرض عليكم حالياً خلاصة المجلد الرابع من هذا الكتاب. يقول روجرز إن الإنسان حين يولد، وبحكم الغريزة – سواء قلتُم إنها يد الطبيعة أو أمر الله، قولوا ما شئتم – بحكم الغريزة، فإن كل ما إذا أكله أو استهلكه يعود بالنفع على جسده، تمتد يده إليه ويأكله، وكل ما إذا أكله يعود بالضرر على جسده، لا يأكله. وهذا أمر غريزي تماماً، لكنه على نحوٍ إذا كانت مادة ما مفيدة لجسده من حيث الكم والكيف، فإنه يأكل هذه المادة، وإذا كان شيء ما مضراً لجسده، فإنه لا يأكله بنفسه. أي أن الأطفال، من الناحية الغريزية، يتصرفون لمصلحتهم الخاصة، وإن كانوا لا يملكون استدلالاً، لكنهم يتصرفون لمصلحتهم. ومن هذا المنطلق أيضاً نراهم مثلاً يريدون حليب الأم، وبشكل غريزي، دون أن يفهموا ما هي مكونات حليب الأم، لكن هذا الحليب مفيد لهذا الجسد، فيريدونه ويأكلونه. أما بعض المأكولات الأخرى، حتى لو كان شكلها مثل الحليب، فهم بطبيعة الحال لا يستطيعون أكلها، لأنها بحكم الغريزة تضر بأجسادهم. هكذا حتى فترة من الزمن، يعيش الإنسان في الواقع ويتعامل ويأخذ شيئاً ويدع شيئاً آخر بما يعود عليه بالنفع، لكن شيئاً فشيئاً، ابتداءً من عمر السنتين، تدخل ظاهرة إلى الحياة، وهذه الظاهرة هي التي تستمر للأسف عند البعض حتى نهاية أعمارهم، وهي أنه من عمر السنتين فما بعد، يبدأ الطفل شيئاً فشيئاً يشعر بأن هناك أشياء هي بحكم الغريزة جيدة لجسده، لكنه إذا أكلها تنزعج أمه. أي، لنفترض مثلاً أن هناك مادة غذائية مفيدة تماماً، إذا أراد أكلها، وفي اللحظة التي يمد فيها يده، ينظر فيرى أن أمه أو أباه قد عبسا.
ثم شيئاً فشيئاً تظهر في ذهن الطفل عملية حسابية، وهي: إذا أردت أن أتصرف لمصلحة جسدي، فعليّ أن آكل هذا الطعام، ولكن إذا أردت أن يحبني أبي أو تحبني أمي، فعليّ ألا آكل هذا الطعام. وهكذا يجد الطفل نفسه، من عمر السنتين فما بعد، على مفترق طرق: هل أتصرف لمصلحتي، أم أحافظ على محبوبيتي لدى أبي وأمي؟ لكن الرغبة في أن يصبح محبوباً، الرغبة في أن يحبه أبوه، وأن تحبه أمه، وأن يحبه إخوته وأخواته الأكبر سناً، هذه الرغبة في أن يكون محبوباً عميقة ومتجذرة في الإنسان لدرجة أن الطفل على مفترق الطرق هذا، يختار عادةً ما يضر بجسده، لكنه في المقابل يحافظ على محبوبيته لدى أمه وأبيه. في الواقع، وكأن الأطفال، بحسب روجرز، يقولون بلسان الحال: يا أبي! يا أمي! هذا مضر لي، لكنك تحبه، وإذا أكلته ستحبني، لذا سآكله. وهذا نافع لجسدي، لكنك تكرهه، وإذا أكلته لن تحبني. ولأنني أحب أن أصبح محبوباً لديك، فإني آكل ما يضر جسدي لكنه يسعدك، ولا آكل ما ينفع جسدي لكنه لا يسعدك، بل يجعلك في حال سيئة. في الواقع، على مفترق الطرق بين المنفعة والمحبوبية، يختار الأطفال المحبوبية.
يستمر هذا النهج فينا جميعاً نحن البشر، فنرى لاحقاً في الحياة أن هناك أشياء كثيرة لو كنا وحدنا، لأحببناها، ولكن إذا أردنا الحفاظ على محبوبيتنا لدى أبينا، أمنا، أختنا، أخينا، زوجتنا، أبنائنا، رؤسائنا، فعلينا أن نذهب إلى الجانب الآخر. وحب المحبوبية، وحب أن نكون محبوبين، شديد جداً في الإنسان لدرجة أن الإنسان يأتي شيئاً فشيئاً ليكبت رغباته الحقيقية والأصيلة من أجل أن يكون محبوباً. أي أن الإنسان، من عمر السنتين فما بعد، يبدأ رويداً رويداً بممارسة الرقابة على نفسه. لو لم يكن هناك أحد، لأراد هذا الطعام، لكنه الآن، بما أن الآخرين لن يحبوه إذا أكل هذا الطعام، فإنه يأكل طعاماً آخر. هذه الرقابة الذاتية تبدأ من عمر السنتين، والآن نحن جميعاً، أنا وأنتم، على هذه الحال. من منا يستطيع أن يقول إن كينونتي هنا، في وسط هذا الجمع، لا تختلف أبداً عن كينونتي حين لا يكون هنا أحد؟ من منكم يستطيع أن يقول إن لباسي، في العزاء، وفي العرس، وفي الخصام، وفي الصلح، وفي اتخاذ المواقف السياسية، كل شيء عندي هو على ما يقتضيه فهمي الخاص؟ وإذا تدبرتم الأمر، لرأيتم أننا جميعاً، قليلاً أو كثيراً، لكي لا نفقد محبوبيتنا لدى الآخرين، نأتي هنا فنتخلى عن رغبة من رغباتنا، وهناك عن منفعة أخرى، وهناك عن منفعة أخرى، وهناك عن منفعة أخرى.
بتعبير آخر، وبتعبير استعاره روجرز من العارف الألماني الشهير مايستر إيكهارت، يقول الإنسان: إلهي! روحي العارية غير المبتورة لا يحبها الآخرون، إن لم أبتر روحي، ولم أقطعها أوصالاً، وقدمتها للآخرين عارية غير مبتورة، فإنهم لا يحبونها. لكي يحبوني إما أن أبترها وأقطعها أوصالاً، فأترك كل يوم قطعة منها، أو إن لم أبترها لا أدع هذه الروح تصير عارية، بل أخفيها. كلنا في الحياة هكذا، لو رجع كل واحد منكم إلى نفسه لرأى أحياناً في حياته أنه يقول في سره: لو كنت أنا وحدي لاشتريت هذا البيت، لكن زوجتي تقول ذاك البيت. لو كنت أنا وحدي لاخترت هذا العمل، لكن زوجي يحب ذاك العمل. لو كنت أنا وحدي لقرأت هذا الكتاب، لكن أطفالي يحبون ذاك. لو كنت أنا وحدي لفعلت هذا الأمر، لكن رئيسي لا يحبه.
أتعلمون ماذا يعني هذا في الواقع؟ يعني أن روحكم العارية غير المقطعة أوصالاً لا يحبها الآخرون، ولأنكم تريدون أن تظلوا محبوبين لدى الآخرين، تبدأون بتقطيع روحكم أوصالاً. من أجل ابتسامة زوجتي أبتر قطعة من روحي، ومن أجل صداقة صديقي أبتر قطعة أخرى، ولكي لا يشمئز أطفالي أبتر قطعة أخرى، فأنا دائماً أقص، أمزق نفسي إرباً، هكذا أدمر ذاتي الأصيلة. لماذا؟ لكي تحبوني أنتم. لماذا؟ لأن الإنسان لا يريد أن يفقد محبة الآخرين، ولكن محبة الآخرين مشروطة، مشروطة بأن تفكروا مثلهم، وتتخذوا مواقف مثلهم، وتتصرفوا مثلهم، وتصمتوا مثلهم، وتتحدثوا مثلهم. حينها تدخلون في هذه المعادلة فتكسبون محبة الآخرين فعلاً، لكن أتدرون ما النتيجة؟ النتيجة هي أنكم إن نجحتم كثيراً تكسبون محبة الآخرين، ولكنكم تمقتون أنفسكم، تمقتونها وتقولون: ما هذه الحياة التي أحياها! لم أفعل شيئاً يقتضيه اعتقادي، ولم أفعل شيئاً يقتضيه ذوقي وسليقتي، ولم أفعل شيئاً يقتضيه فهمي. أفهم شيئاً وأتصرف على نحو آخر كي لا يشمئز فلان، أستحسن شيئاً في مكان وأختار شيئاً آخر كي لا يشمئز بهمان، وحياتي كلها قد بيعت لزوجتي وأطفالي وزملائي وأصدقائي وتلاميذي ورؤسائي. حياة كلما رجعت فيها إلى نفسي شممت رائحة عفنها، ولكن من أجل الحفاظ على محبة الآخرين...
لهذا كان العارف الألماني الشهير السيد ياكوب بويمه يقول: «إلهي، يختطفونني مني. إلهي، كل من يصل إلي ينتزع قطعة من كياني. أريد أن أسلك هذا الطريق لكنكم تقطبون جباهكم، فأسلك ذاك الطريق. حسناً، حين أسلك ذاك الطريق لا تقطبون جباهكم، لكني أمقت نفسي. ففي النهاية كان مقتضى فهمي هذا.» «إلهي، يختطفونني مني.» إلهي، أنت الذي تحبني كما أنا، عارياً غير مبتور، لكن الآخرين يقولون: إما أن تمزق نفسك إرباً، تقص، تبتر هذه القطعة وتلك القطعة، وإما إن لم تبترها فعليك أن تخفيها. إن عرفنا حقيقتك انقطع حبل التواصل بيننا. لقد قلت مراراً: إن المجتمع بيننا يعمل تماماً عمل ذاك الغول الشهير في الأدب الغربي. في الأدب الغربي ثمة قصة عن غول شهير اسمه بروكروستيس، يقال إن عمله أنه يجوب الصحاري وله سرير يضعه دوماً في وسط الصحراء، وكل من يجده في الصحراء يأتي به ويمدده على هذا السرير، فإن كان أقصر من السرير أمسك برأسه وقدميه ومططه حتى يصير بطول السرير، وإن كان أطول بتر من رأسه وقدميه حتى يصير بطول السرير. اليوم أنا وأنتم هكذا تماماً، كلنا على مقاس السرير الذي هيأه لنا المجتمع. المجتمع يقول هذا فنقول هذا، الموضة تقول موضة فالموضة، هذا ذوق فذوق، ذاك سليقة فسليقة.
لطالما سمعت الكثيرين يقولون عن أبسط الأمور، عن طعامنا البسيط، يقول: فلان، كنت أحب ذلك الطعام، لكن أتعلم، لم يكن الوضع على المائدة مريحًا. هذا يعني أن حضور الآخرين يجعلني أُشوِّه نفسي. هذه ليست حياة أصيلة، هذه حياة مستعارة. لماذا هي مستعارة؟ لأنك لا تعيش وفقًا لمقتضى فهمك أنت، بل تعيش كما أراد منك الآخرون، وكما أوحوا إليك، لكي تحافظ على شعبيتك. كان روجرز يقول إن معظمنا، معشر البشر، يبقى على هذه الحال حتى نهاية العمر، لكن ثمة أناس نادرون يستفيقون في لحظة ما، ويدخلون المرحلة الثالثة قائلين: يا سادة، هكذا نحن، من أحبنا فليحبنا، ومن لم يحبنا فلا يحبنا. لماذا أشوِّه نفسي لكي تحبني أنت؟ أنا هكذا، من أحبني أحبني، ومن لم يحبني لم يحبني. من الآن فصاعدًا سأعيش كما يقتضيه فهمي وإدراكي أنا. لأننا لو دققنا في حياتنا لوجدنا أن حياتنا كلها قد أُنفقت في سبيل هذا وذاك. لماذا على الإنسان أن يعيش بطريقة تُسعد الآخرين على حساب تعاسة نفسه؟ ليست هذه هي الحياة الأصيلة. الحياة الأصيلة هي أن أجعل فهمي مدار كل قراراتي، كل ما يمليه علي فهمي أعمل بمقتضاه، من أعجبه الأمر فليُعجب، ومن لم يعجبه، فعلي بن أبي طالب في نهج البلاغة له جملة أراها جملة نفسية بالغة العمق، يقول: «رِضَا النَّاسِ غَايَةٌ لَا تُدْرَكُ». رضا جميع الناس هدف لم يبلغه أحد قط. لا يمكنك أن تكسب قلوب جميع الناس. لكنني سأقوّي الشبهة وأقول: لنفترض أنني أستطيع أن أعيش بطريقة تُعجب جميع البشر، فلماذا عليّ أن أعيش بطريقة تُعجب جميع البشر؟ لماذا؟ ينبغي أن أعمل بمقتضى فهمي أنا، هذه هي الحياة الأصيلة. ولننتبه أيضًا إلى مقدار ما نمارسه من رقابة ذاتية على أنفسنا لكيلا نُغضب هذا وذاك، بينما نُغضب أنفسنا في الوقت ذاته.
سأضرب مثالًا آخر من علم النفس. قبل بضع سنوات، قام عالما نفس أمريكيان شهيران بتكرار هذه التجربة في حالات عديدة جدًا تقارب السبعمائة مرة، وكانت النتيجة واحدة في كل مرة. انظر، يُجرون تجربة: يتركون شخصًا بمفرده في غرفة، وهو منهمك في المطالعة أو أي عمل آخر، ثم شيئًا فشيئًا يُطلقون دخانًا من تحت باب الغرفة. هذا الشخص الجالس هنا، بمجرد أن يرى هذا الدخان، يشعر إما أن حريقًا قد شبّ في مكان ما، أو أن ثمة تماسًا كهربائيًا، وعلى أية حال ثمة خطر يتهدده. ينهض بأقصى سرعة ويتجه نحو الباب ليُخبر السكان خارج المبنى بما حدث. هل هناك حريق؟ ماذا حدث؟ هنا يكون بمفرده، وعندما يُدرك الخطر يتحرك. لكن نتيجة التجربة كانت أنه إذا جعلنا عدد الأفراد ثلاثة مثلًا، ووُضع ثلاثة أشخاص في غرفة وأُطلق الدخان، ينظر الأول ويرى الدخان يدخل، ثم يقول في نفسه: لو كان هناك شيء خطير لكان ذانك الاثنان قد أظهرا حركة ما، إذًا يتضح أنه لا خطر. غافلًا عن أن ذينك الاثنين، كل منهما بدوره، إلى من ينظر؟ ينظر إلى ذينك الاثنين الآخرين ويقول: لو كان هناك شيء خطير، أو لو كان فيه خطر علينا لخنقنا، أو لسبب لنا مشكلة، لكانا حتمًا قد تحركا. هذا ينظر إلى ذاك، وذاك ينظر إلى ذينك الاثنين الآخرين، والآخر ينظر إلى ذينك الاثنين الآخرين، ولا يُقدم أي منهم على أي إجراء.
لماذا لا يقدمون على الفعل؟ يقولون: لا بد أن عقل ذينك الاثنين أكبر من عقلي. أنا أقول: لا بد أن عقلهما أكبر من عقلي، غافلًا عن أن ذينك الاثنين الآخرين اللذين لا يتحركان يعتقدان أن عقلينا أكبر من عقله، والثالث أيضًا لا بد أنه ظن أن عقل ذينك الآخرين أكبر من عقله. في الواقع، نحن هنا صرنا تابعين لعقل مَن؟ إذا دققتم في الأمثلة السابقة، في المراحل السابقة، كان المرء تابعًا لأفكار الآخرين، لكن في هذا المثال، المرء تابع لأفكار مَن أصلًا؟ لا أحد، لا يوجد أي فكر هنا. نحن هكذا في حياتنا، كل حياتنا إذا دققتم، حينما يقولون: افترضوا مثلًا أن نبني العمارة بهذه الطريقة، ثم أقول: لماذا؟ يقولون: لأنه متداول، إنه متعارف عليه، ثم نقول: حتمًا عقلهم أكبر من عقلنا. في الواقع، كل البشر يبحثون عن عقل لا وجود له، عقل غير موجود، لأنكم نظرتم إليّ وأنا نظرت إليكم، كل واحد منا نظر إلى المجموعة الأخرى، حياتنا ليست حياة أصيلة.
الحياة الأصيلة هي أن يفكر الإنسان دائمًا: أنا في فراغ، لو كنت في فراغ فبماذا كنت سأفكر؟ وأعيش بمقتضى ذلك. لو كنت في فراغ، كيف كانت ستكون مشاعري وعواطفي؟ وأعمل بمقتضاها. لو كنت في فراغ، كيف كنت سأشعر باحتياجاتي؟ وأتجه نحو تلك الاحتياجات والرغبات. لا تظنوا أنني حين أقول هذا أعني أن عليكم ظلم الآخرين، أو ألا تفكروا في مصالح الآخرين، كلا. الحديث يدور حول أنك يجب أن تفهم بنفسك ما هو في مصلحة الآخرين ثم تقدم عليه، لا أن تكون مصلحة الآخرين قد أُملِيت عليك من الآخرين أيضًا. نحن في الواقع، بهذا المعنى، حياتنا جميعًا غير أصيلة، حياة مستعارة. مثال بسيط جدًا أود طرحه: الحياة الأصيلة هي أنني إذا غنّيت، وسألتم: لماذا يغني فلان؟ فأجيب: لأنني أستمتع بالغناء. هذه حياة أصيلة. لكن إذا سألتم: لماذا يغني؟ فأجيب: أغني لأن الآخرين يقولون إن صوتك جميل. هنا أساس غنائي ليس رأيي أنا، بل رأي مَن؟ رأي الآخرين. الشخص الذي يغني لأن الآخرين يقولون إن صوته جميل، حياته ليست أصيلة. وإذا دققتم، نحن المعلمين لا نربّي طلابًا أصيلين.
لا نربّي طلابًا لا يهمهم الرأي العام، أشخاصًا يقولون: أنا أعمل بفهمي أنا، من أعجبه فليُعجَب، ومن لم يعجبه فلا يعجبه، وأؤدي واجبي تجاه الآخرين. إذا شعر الآخرون بارتياح تجاه هذا الواجب الذي أؤديه تجاههم فليشعروا، وإن لم يشعروا فلا يشعروا. هذا ما يسمى بالحياة الأصيلة. الحياة الأصيلة، بعبارة واحدة، هي الحياة القائمة على فهمك وتشخيصك أنت ولا شيء غير ذلك. أن تعيش بناءً على ما تشخصه أنت. أعجبهم أم لم يعجبهم، لا شأن لنا بهم. هل يستطيع الإنسان أن يجعل أعز موجود غير راضٍ عنه لكي يرضي موجودات أخرى عنه؟ أعز موجود، بتعبير علي بن أبي طالب، هو أنا. يجب أن أعمل بتشخيصي أنا. الآن دققوا. لو سألت هذه السيدة: لماذا ترتدين الشادور؟ تقول: حسنًا، يقولون يجب ارتداء الشادور. ما رأيك أنت؟ أقول: لماذا ترتدين الشادور الأسود؟ تقول: يجب ارتداء الشادور الأسود. "يقولون"، أي أنا نفسي ليس لدي دليل، الآخرون قالوا هكذا. لماذا يجب أن يكون المعلم هكذا؟ قيل لنا. لماذا يجب ألا يكون المعلم هكذا؟ قيل لنا. لماذا يجب أن يكون البيت هكذا؟ قيل لنا. لماذا يجب أن يكون العزاء هكذا والعرس هكذا؟ مجموعة من الأشخاص نحن مقلدون لهم بالمعنى الدقيق للكلمة، ونتيجة التقليد هي أنك كلما تقدمت بك الحياة نحو نهايتها، تزداد اكتئابًا، لأنك تشعر أنك لم تعش بمقتضى صرافة طبعك. في كل مرة، من أجل ابتسامة ترتسم على شفة، أو استهزاء لا يرتسم على شفة شخص آخر، تقص قطعة من نفسك. قصصت نفسك لكي لا يستهزئ بي هذا، قصصت نفسي لكي يبتسم لي ذاك. أين أنا؟ الآن لم تعد لدي ابتسامة. لأنني أكره نفسي. في الواقع، كنت أريد أن أحصل على رضاكم، لم أحصل على رضاكم، لكن رضاي عن نفسي ضاع بالتأكيد. هذه الحياة هي حياة مستعارة، حياة انتبه إليها العارفون في جميع الأديان والمذاهب، كلهم انتبهوا إلى هذا. ما كان يقوله العرفاء: لا تتبعوا العرف والعادة إلى هذا الحد.
"بخلاف العادة فاطلب المراما فإني قد جمعت الشمل من ذاك الشعر المشوش"
أي أننا جميعًا ضحايا أذواق الآخرين وأمزجتهم، لقد أهدرنا حياتنا جميعًا من أجل أن ينال إعجاب فلان أو أن يسخط فلان. اليوم الذي تقول فيه: أنا أستمد حكمي من ضميري الأخلاقي فحسب، وأطلب الرأي من عقلي فحسب، أي اليوم الذي تقول فيه: أنا أعمل بفتواي أنا، هذه هي الحياة الأصيلة. طبعًا، لا تذهب أذهانكم، مرة أخرى، بكلمة فتوى إلى الفتوى الفقهية، فنقاشي ليس حول تلك المباحث. لكننا لسنا كذلك، فإذا دققتم لوجدتم أننا، نحن المعلمين، على العكس من ذلك، نربي تلاميذ مدجّنين، ونسمي ذلك التنشئة الاجتماعية، نقول: نريد أن نربي أطفالًا يستطيعون العيش في المجتمع. ما معنى طفل يستطيع العيش في المجتمع؟ يعني طفلًا إذا قيل له ذات يوم: يجب أن تكون البدلة بهذا الشكل، يقول: حتمًا يجب أن تكون بهذا الشكل، وإذا قيل له: يجب أن تكون بشكل آخر، يقول: حتمًا يجب أن تكون بشكل آخر، باسم أنه ينبغي لهؤلاء أن يعيشوا في المجتمع. هذه ليست حياة أصيلة، ونحن للأسف نربي متعلّمينا ومتربّينا على هذا النحو. النقطة الثانية التي أود طرحها بعد الحياة الأصيلة — كنت أتمنى لو أنني تحدثت عن هذا الموضوع بتفصيل أكبر بكثير، لكني لا أستطيع.
النقطة الأخرى التي ينبغي لنا أن ننميها في تلاميذنا هي أن يكون تلاميذنا غير نرجسيين، ألا تكون لديهم نرجسية، بمعنى أن يتربى تحت أيدينا بشر لا يعتقدون أن كل شيء إن كان لهم فهو جيد، وإن كان لغيرهم فهو سيء. النرجسية في علم النفس تعني الشخص الذي يعتقد أن الأشياء تنقسم إلى قسمين: ما هو لي، وما هو ليس لي. ما هو لي، لأنه لي، جيد، وما هو ليس لي، لأنه ليس لي، سيء. هذه هي النرجسية. إن قلت: مدينتي، لأنها مدينتي، هي أفضل مدينة، وبلدي، لأنه بلدي، هو أفضل بلد، وديني، لأنه ديني، هو أفضل دين، ونظام بلدي السياسي، لأنه نظام بلدي السياسي، هو الأفضل، وولدي، لأنه ولدي، هو أفضل ابن أو ابنة، وزوجتي، لأنها زوجتي، هي أفضل امرأة أو رجل، فهذه في الواقع نرجسية. وليست قليلة هذه النرجسيات التي لدينا، وليست قليلة هذه النرجسية التي نعاني منها، فكل شيء يرتبط بنا، بسبب ارتباطه بنا، نعتبره جيدًا، وكل شيء لا يرتبط بنا، لهذا السبب بالذات، نعتبره سيئًا. هذه النرجسية علاجها أن نقول للآخرين: إن العالم لا ينقسم على أساس "أنت" و"ما ليس أنت"، بحيث يكون ما يتعلق بك جيدًا، وما يتعلق بما ليس أنت، أي بغيرك، سيئًا. معيار الخير والشر في العالم ليس أنا، ولا أنتم كذلك، ولذلك قد يكون شخص ما ابني، لكنه ليس أذكى إنسان في العالم. لقد ضحكت مرارًا على هذه النقطة، حين يجتمع الأقارب في السهرات ويقولون باستمرار: طفلنا ذكي جدًا، لكن من المؤسف أنه لا يذاكر، المشكلة فيه هو.
في حين ينبغي أن يكون هذا عيبًا بالنسبة للأب والأم، ينبغي أن يكون نقصًا لهما أن يقولا: طفلنا ذكي لكنه لا يبذل جهدًا. الأب الناجح هو الذي يقول: طفلي، رغم أنه لم يكن ذكيًا، إلا أنني ربيته بحيث يبذل الجهد، لا أن يقول: طبعًا، ذكاؤه ممتاز جدًا، لكنه لا يبذل جهدًا. هذه هي نرجسيتنا، هذه هي عُجبنا بأنفسنا، وهذا أيضًا ليس بقليل فينا، ولا أريد أن أسهب في شرح آثاره ونتائجه. النقطة الثالثة هي أننا ينبغي أن نربي متعلّمين ومتربّين لا يتحلون بالأحكام المسبقة. هذه الأحكام المسبقة هي التي تجعل حياتنا الاجتماعية بهذه الصعوبة. الحكم المسبق هو أن تحكم قبل أن تحتك بذلك الموجود الذي تريد أن تحكم عليه. لقد سمعتم مرارًا أنهم يقولون: اليهود هم كذا، والخراسانيون هم كذا، والأتراك هم كذا. وكم من مرة لم نرَ في حياتنا يهوديًا واحدًا حتى، ومع ذلك نقول: اليهود هم كذا. كل ما تقولونه عن اليهود هو أحكام مسبقة، لماذا؟
التحيّز المسبق يعني أن أحكم على شخص لم أره بعد. هذا التحيّز، سواء كان إيجابياً أم سلبياً، وبالطبع غالباً ما تكون تحيّزاتنا سلبية، لكن حتى لو كان لدينا تحيّز إيجابي، فإنه يظل مدمراً لحياتنا. لا ينبغي لنا أن نحكم على أي شخص حتى نلتقي به، ولا ينبغي لنا أن نحكم على أي مذهب حتى نتعامل معه. كنت بالأمس في جلسة، فقال أحدهم: إن أعظم كتاب سماوي في العالم هو القرآن. فقلت له: أنا مسلم أيضاً، وأحمل نفس الاعتقاد الذي تقوله، وأعتقد أن أعظم كتاب سماوي في العالم هو القرآن. لكن هل قرأت كتاباً سماوياً آخر غير القرآن؟ قال: لا. فقلت: إذن من أين تقول إن أعظم كتاب سماوي في العالم هو القرآن؟ بأي دليل؟ يمكنك أن تسألني: أيهما أثقل، هذا أم ذاك الشيء الآخر؟ فأقول: حسناً، أين ذاك الشيء الآخر؟ فتقول: لا عليك، أين ذاك الشيء الآخر؟ أيهما أثقل، هذا أم ذاك؟ فأقول: يجب أن يكون كلاهما أمام ناظريّ حتى أقول أيهما أثقل.
من لم يقرأ في عمره كتاباً سماوياً آخر، فهذا تحيّز مسبق أن يقول هذا الكلام. ومع أنني مسلم وأحمل هذا الاعتقاد نفسه، لكن النقاش يدور حول أن هذا الاعتقاد، حتى لو كان اعتقادك أنت أيضاً، ينبغي أن يجري على لسانك فقط بعد أن تكون قد اطلعت على كل كتاب سماوي آخر. ديني هو كذا، ومذهبي هو كذا. كثيراً ما سمعتهم يقولون: في إيران، والحمد لله، البركة كثيرة جداً. قلت لصديق آخر كان يقول: ذهبت إلى أوروبا، وكان الناس يصادفونني ويقولون: في بلدنا، والحمد لله، البركة وفيرة. ثم أدركت أن هذا ليس حكراً علينا فقط، بل كلنا، لأننا نخدع أنفسنا، نقول: في بلدنا كذا وكذا. كلا يا سيدي، بلدكم ليس شيئاً لمجرد أنه بلدكم. لا تتحيزوا، لا بتحيّز إيجابي ولا بتحيّز سلبي. كل ما هو، في نظري، وجه مدمر في مجتمعنا ناشئ عن تحيّزاتنا المسبقة. شخص لم نره، نتحيز ضده. لم نتعامل معه، نحكم عليه. لم نقرأ كتابه، نصدر حكماً عليه. أحد مفكرينا تعرض للتوبيخ من أحد رجال الدين، وقد هاجمه رجل الدين هذا بشدة. ذهبت بنفسي إلى رجل الدين هذا وقلت له: يا سيدي، هل قرأت كتبه؟ فقال: هل أضع عمري وأصرفه على كتبه؟ لم يقرأ أياً من الكتب، لكنه كان يقول إن هذه الكتب مدمرة. هذه كلها تحيّزات مسبقة. علينا أن نربي تلاميذ لا يتحيزون مطلقاً، لا يحكمون على أي شيء حتى يتعاملوا معه، لا بحكم إيجابي ولا بحكم سلبي، وأي شيء لا يعرفونه يقولون عنه: لا نعرفه، لا ندري إن كان خيراً أم شراً.
وهذه هي السمة الثالثة
السمة التالية هي أننا يجب أن نربّي تلاميذ وطلابًا لا يكونون من أهل الجمود والتحجّر. ما معنى الجمود والتحجّر؟ الجمود والتحجّر يعني أن يقول الشخص: لقد أغلقتُ أذنيّ بعد الآن. في اللغة العربية، «تصميم» يعني تصيير النفس صمّاء. «أصمّ» في العربية تعني أطرش. «تصميم» يعني جعل النفس صمّاء. الإنسان عندما يُصمّم على فعل شيء، فهو في الواقع يُصِمّ نفسه، أي يقول: بعد هذا، مهما يكن ما يريد أي شخص أن يقوله، سأفعل هذا الفعل. هذا ما يُسمّى إصمام النفس. البشر من أهل الجمود والتحجّر هم بشر يُصِمّون أنفسهم في وقت ما، يقولون: لقد اتخذنا موقفنا، وسواء أكان الآخرون موافقين أم مخالفين، فقد وجدنا طريقنا. لا ينبغي لأي إنسان حتى آخر عمره أن يقول: لقد وجدنا طريقنا. ينبغي لكل إنسان حتى آخر عمره أن يقول: حتى الآن، يبدو لي أن أفضل طريق هو هذا، ولا أعلم عن الغد. فإن رأيتُ غدًا أن هذا الطريق هو أفضل طريق، واصلتُ فيه، وإن رأيتُ طريقًا آخر أفضل، تركته دون تردد. التصميم هو إصمام النفس عن كلام الآخرين، وهذا من فعل أهل الجمود والتحجّر. الجمود والتحجّر يعني أن أضع اعتقادًا معينًا في إطار بحيث يصبح محصنًا من أي كلام مخالف. يجب أن نربّي أطفالًا ليسوا من أهل الجمود والتحجّر، أطفالًا منفتحين، يقولون: حتى اليوم، رأيي هو هذا، ولكن إن أُقيم دليل على خلافه وكان هذا الدليل قويًا، فإني منذ الغد أترك هذا الطريق. لقد قلتُ مرارًا: ينبغي أن يكون موقفنا من معتقداتنا كموقف شخص: تصوّر أن لديك صديقًا عزيزًا لم تره منذ عشرين عامًا وأنت شديد التعلّق به. بمجرد أن تراه من على بُعد 20 مترًا، ترمي بنفسك في أحضانه. لكن افترض أنك في اللحظة التي تعانقه فيها بشدة، تُخبَر أن هناك قنبلة في حضن صديقك هذا ستنفجر الآن. ماذا تفعل هنا؟ بنفس الشدة والعنف اللذين رميتَ بهما نفسك، ترتدّ بنفس الشدة والعنف.
لا تقول: إنني وقد رميتُ بنفسي في أحضانه بكل هذا الشوق والحماس، فمن القبيح أن أرتدّ! ليس في ذلك قبح. آنذاك رميتُ بنفسي، والآن أرتمي إلى الخلف بنفس الشدة كي لا يصيبني أذى عندما تنفجر هذه القنبلة. ينبغي أن نكون هكذا مع المعتقدات. إذا رأينا اعتقادًا أنه حق، نعتنقه بشدة ما دام حقًا، ونكون على استعداد للتضحية بكل شيء للدفاع عن هذا الاعتقاد الحق. لكن بمجرد أن ندرك أن الاعتقاد الذي كنتُ أشعر حتى اليوم أنه حق هو باطل، أتخلّى عنه بأسرع ما يمكن. لا أقل: إنني حتى الأمس كنتُ معتنقًا هذا الاعتقاد، لقد دافعتُ عن هذا الاعتقاد عشرين عامًا، لقد اكتسبتُ وجاهة من هذا الاعتقاد عشرين عامًا. هذه المباحث غير مطروحة. إن كنتَ ترى اعتقادًا حقًا فالزمه، وبمجرد أن يصبح باطلًا، ضعه جانبًا، حتى لو كنتَ قد قضيتَ عشرين عامًا في الترويج لهذا الاعتقاد. أهل الجمود والتحجّر ليسوا هكذا. أهل الجمود والتحجّر، عاجلًا أم آجلًا، يُصمّمون على كل اعتقاد، أي يُصِمّون أنفسهم. الحق هو ما نقوله نحن، ولا شيء سواه. وحتى بعد مئة عام، مهما قرأتم في آذاننا، فلن نترك طريقتنا هذه. لا ينبغي لنا أن نربّي تلاميذ بهذه الصورة. تلاميذ منفتحون تمامًا على كل كلام حق، أي كلام حق يقوله أي شخص. أي كلام حق، من الشرق أو من الغرب، جديدًا كان أم قديمًا. الفكر لا مكان له ولا زمان. ولأن الفكر لا مكان له، فمسألة كونه شرقيًا أو غربيًا غير مطروحة في الأفكار. ولأنه لا زمان له، فمسألة كونه جديدًا أو قديمًا غير مطروحة أيضًا. إذا كان فكر ما صحيحًا، أي مطابقًا للواقع، نقبله، سواء أكان شرقيًا أم غربيًا، جديدًا أم قديمًا. وإذا كان فكر ما خاطئًا، لا نقبله، سواء أكان شرقيًا أم غربيًا، قديمًا أم جديدًا. الفكر لا يعرف مكانًا ولا زمانًا، المهم في الفكر فقط وفقط مطابقته للواقع وعدم مطابقته له. ولذلك، أنا منفتح دائمًا، أنا كإنسان (لا أتحدث عن شخصي، بل عن الإنسان المثالي) منفتح على أي اعتقاد يأتي جديدًا ويدخل ذهني وضميري. أناس من هذا القبيل يجب أن نربّي.
سمة أخرى ينبغي لنا أن ننمّيها هي أن ننمّي روح التسامح في تلامذتنا. علينا أن نربّي تلامذةً متسامحين، أن يكونوا أهل تسامح، أي أن يستطيعوا العيش مع من يخالفونهم عيشةً سلميةً إنسانية. لا ينبغي أن أقول إنني لا أستطيع العيش الإنساني إلا مع المسلمين، بل ينبغي أن أستطيع العيش الإنساني مع أي إنسان: إن كان مسلماً عشت معه بإنسانية، وإن كان غير مسلم عشت معه بإنسانية، شيعياً كان أم سنياً، متديّناً أم غير متديّن. ينبغي أن أستطيع مواصلة العيش الإنساني مع أي كان. التسامح لا يعني أن يتراجع المرء عن مواقفه العقائدية، بل يعني أن ممارستي للعدالة، وإحساني، ومحبّتي، هذه الثلاثة لا قيد لها ولا شرط. إنني أمارس العدالة تجاه جميع بني البشر على وجه الأرض، وأُحسن إلى جميع أولئك البشر، وأُحبّ جميعهم. لا ينبغي لكون أحدهم من مذهب كذا أو من مسلك كذا أن يمنعني من أن أطبّق العدالة تجاهه، وأن نطبّق الإحسان تجاهه، وأن أطبّق المحبة تجاهه. هذه الروح تُسمّى روح التسامح. كل الذين يشترطون محبتهم، فيقولون: أُحبّك إن سجّلت في ذلك التخصّص، أُحبّك يا أبي وأمي إن تزوّجت من فلان، أُحبّك إن لم تشترِ ذلك البيت، أُحبّك إن لم تتوظّف في تلك الوزارة، أي يجعلون المحبة مشروطة بشرط، هؤلاء لا تسامح عندهم. التسامح هو عدالة بلا حدود، وإحسان بلا حدود، ومحبة بلا حدود، ألا يكون لأي منها قيد أو شرط. أناساً كهؤلاء ينبغي لنا أن نستطيع تربيتهم.
سمة أخرى ينبغي لنا أن ننمّيها هي ألا يكون لدى هؤلاء البشر تعصّب. التعصّب غير الجمود والتحجّر. وقد أوضحت الجمود والتحجّر، وهو أن أقرّر في وقت ما ألا أحيد عن هذا المسلك بعد الآن. التعصّب شيء آخر، التعصّب هو الولاء لشخص حتى لو تعرّض ذلك الشخص للتقلّب. ألا ترون أن بعضهم يقول: لا تتكلّم عن فلان، إنني صديق له منذ عشرين عاماً، مهما تقل فلن أتخلّى عن صداقتي. أي مهما تقلّب هذا الشخص فإنني في الواقع لا أكفّ عن الالتزام به والارتباط. كلما بقي الالتزام والارتباط بشخص ما ثابتاً رغم تقلّب ذلك الشخص نفسه، نكون أمام تعصّب. أولئك الذين يقولون - وقد سمعنا كثيراً: ألم تكن تدعم فلاناً في وقت ما، فلماذا لا تدعمه الآن؟ نقول: حسناً، ليس عندنا تعصّب، كنّا ندعمه ما دام يمتلك الصفة س، أما الآن وقد فقد الصفة س واكتسب الصفة ص، فإننا لم نعد ندعمه. ألم تكن أنت من قال في تلك المحاضرة يوماً إن السيد فلان على نحو كذا؟ أنا هو نفسه الذي قال إن السيد فلان على نحو كذا، لكنه الآن ليس كذلك. ليس عندي تعصّب، إنني في الواقع أجعل مقدار التزامي وارتباطي بالأشخاص تابعاً لتقلّباتهم، فإن رأيت يوماً أن ذلك الشخص ليس كما كنت أتصوّر، انسحبت. الالتزام الذي لا تُحدث تقلّبات الشخص الذي نلتزم به تغييراً فيه هو التعصّب.
نحن لسنا متعصبين، بل نحن تمامًا مثل ميزان الحرارة. لقد قلت مرارًا إن ميزان الحرارة إذا أظهر درجة الحرارة 20 درجة مئوية، ثم بعد ربع ساعة أظهر 21 درجة مئوية، فإنك لا تقول له: أيها السيد ميزان الحرارة! كنت تقول قبل ربع ساعة 20 درجة، والآن تظهر 21! إنه يقول: أنا لست مقيدًا بماضيَّ أبدًا، حينها كان الجو 20 درجة، ماذا كان عليَّ أن أظهر؟ كنت أظهر 20، والآن في هذا الربع ساعة ارتفعت درجة واحدة، فأظهر 21. لا ينبغي أن نقول: بما أنك كنت تقول 20 قبل ربع ساعة، فيجب أن تقول 20 لخمس ساعات أخرى، حينها كنت أظهر 20 درجة مئوية، والآن أظهر 21 درجة مئوية. كثيرون قالوا لي، وقد يكونوا قالوا لكم: ألست أنت الذي كنت تقول في وقت كذا كذا؟ أقول: بلى، أنا هو ذاته، لكنني لا أقوله الآن، لماذا؟ لأن تشخيصي حينها كان ذلك، والآن تشخيصي هو هذا. لا يمكنكم أن تقيدوني بالماضي وتقولوا: كلمة قلتها قبل 5 سنوات يجب أن تظل تقولها طيلة عمرك، كلا، هذا هو التعصب. أنا قبل 5 سنوات كنت أقول ذلك الكلام لأنني كنت أراه حقًا، لكنني الآن لا أقوله لأنني لا أراه حقًا. أما أولئك الذين يقولون: نحن عندما نصافح شخصًا نبقى معه، فهذا هو عين التعصب وعين حماقتهم. حينها عندما صافحتموه كان وقتًا ترون فيه فضائل فيه، وعندما لا ترون فيه فضائل، فهل تقولون: نحن قد تصافحنا؟! ماذا يعني قد تصافحنا؟ لدينا ملف صداقة مع فلان، ماذا يعني هذا؟! التعصب صفة موجودة فينا قليلاً أو كثيرًا، وهي غير مرغوبة.
آخر صفة أود أن أذكرها ثم أصرف النظر عنها، هي أننا يجب أن نربي أشخاصًا لا يقبلون أي نوع من الخرافة، لا الخرافات القومية، ولا الخرافات الناشئة عن الجغرافيا، ولا الخرافات الناشئة عن الدين والمذهب، ألا يقبلوا أي خرافة. نحن لا تنقصنا الخرافات القومية، كقولنا: أهل رشت كذا، والأتراك كذا، والفرس كذا، هذه خرافات قومية. كما قد نقول: المسلمون كذا، وغير المسلمين كذا، هذا يمتد من الخرافات القومية إلى الخرافات الموجودة في الدين والمذهب. نحن لسنا من عبدة الخرافات، ونسعى لتربية طلاب إذا ما عرض لهم أحد كلامًا يقولون له: هات دليلك. مجرد أنك قلته لا نقبله. إذا قبلتم كلام الآخرين لمجرد أنهم قالوه، فستنجرفون عاجلاً أم آجلاً إلى حدود الخرافة. مع الأسف لم أستطع أن أعرض بحثي بالصورة التي كنت أريد، لكن في نفس الوقت، بما أن هناك عدة أسئلة قد طُرحت ويجب أن أجيب عليها، سأنهي الحديث، وآمل إن شاء الله أن تتاح فرصة أخرى لأطرح عليكم هذه المباحث ذاتها.
الجواب: الحياة الأصيلة هي الحياة المطابقة للفهم، الفهم الذي أملكه الآن. إذا لم أكن متحجرًا، فحتى لو كان فهمي غدًا مختلفًا عن اليوم، فسأحيا وفقًا له.
أتعلمون ماذا يريد السؤال أن يقول؟ يريد أن يقول إنكم كنتم تقولون إننا قد نقع في النفاق إذا قلتُ إننا لا تعصب لدينا. انظروا، الحد الفاصل بين النفاق وما كنتُ أقصده هو أن جميع البشر قد تتغير عقائدهم على مدار حياتهم، وهذا لا شك فيه. قد أكون صاحب عقيدةٍ ما، ثم شيئاً فشيئاً، وبفعل المزيد من الدراسة والتفكر والمعاشرة مع أناسٍ أقوى مني، أصل إلى عقيدة أخرى. عدم التعصب، ونبذ الجمود والتحجر، وكل ما عرضته عليكم، يعني أنني إذا توصلت غداً إلى فكرٍ آخر، فسأعتقد بهذا الفكر، لكن هذا ليس نفاقاً. النفاق هو أن أعتقد الآن في ذهني وضميري شيئاً، ويجري على لساني وقلمي شيء آخر. النفاق هو أن أعتقد الآن، وأنا بين أيديكم، في ذهني وضميري أن (أ) هي (ب)، ولكن يجري على لساني وقلمي أن (أ) ليست (ب)، هذا هو النفاق. والنفاق بالطبع مذموم، إنه سيء ولا ينبغي التحلي به. أما التحول الفكري فهو حسن وينبغي التحلي به. الفرق بين التحول الفكري والنفاق هو أنك في النفاق تعتقد الآن، في سويداء قلبك، أن (أ) هي (ب)، ولكن من أجلكم أنتم يجري على لسانك وقلمك أن (أ) ليست (ب). وماذا يعني التحول الفكري؟ يعني أنني كنت قبل عشرين عاماً أقول إن (أ) هي (ب)، وكنت أقول إن (أ) هي (ب)، أما الآن، وبعد عشرين عاماً، فقد انتهيت إلى الرأي القائل إن (أ) ليست (ب)، وأنا الآن أقول إن (أ) ليست (ب). هذا هو التحول الفكري. التحول الفكري محمود جداً، أما النفاق الفكري والتزوير فهو مذموم جداً.
أود أن أذكر لكم أنني، لأنني أردت الإشارة إلى جميع المحاور السبعة، فقد اضطررت إلى عرض المطالب عرضاً مقتضباً غير وافٍ، فعذراً على ذلك.
إلهي، اجعل ختام الأمر
أن تكون أنت راضياً ونحن مفلحين
.
.
.
.
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
علم النفس
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.