اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يرى مصطفى ملكيان أن المعنوية رهنٌ بتضافر العقلانية ومقوّماتٍ من قبيل سؤال «ماذا ينبغي أن أفعل؟»، ويؤكد أن الحياة المعنوية لا تستقيم دون «حياة أصيلة»، متفحّصاً صلة هذا المفهوم بنظرية المعرفة.

في بداية الحديث أذكر نقطتين أو ثلاثاً تمهيدية، من حيث إنها ضرورية للدخول في البحث، دون أن أقيم عليها دليلاً؛ لأن الدليل على كل واحدة منها أطول وأكثر تفصيلاً بكثير من أن يسعه هذا الحديث... المقدمة الأولى: الجمع بين العقلانية والمعنوية: بحسب ظني، لو كان للحياة الطيبة (الحياة النقية) مصداق، لكان مصداقها حياةً جُمع فيها بين «العقلانية» و«المعنوية» وتم التوفيق بينهما. وعليه، ففي أي ظرف وحال وزمان ومكان كنا، نحن بحاجة إلى حياة تحضر فيها العقلانية والمعنوية معاً، فلا يُضحى بذرة من العقلانية في سبيل المعنوية، ولا بذرة من المعنوية في سبيل العقلانية.
المقدمة الثانية: مراتب مكونات المعنوية للمعنوية ثمانية مكونات، حين تجتمع جميعاً نعبر عن تلك الحياة بالحياة المعنوية. هذه المكونات أمور ذات مراتب، لكن حضورها جميعاً ضروري لتصبح الحياة معنوية، وإذا افتُقد أي منها فلا يمكن اعتبار الحياة حياة معنوية. وحيث إن هذه المكونات ذات مراتب، فمن الممكن أن تمتلكوها جميعاً في مرتبة ما، وأمتلكها أنا في مرتبة أخرى، وشخص ثالث في مرتبة ثالثة... وبتعبير آخر، أمر المكونات ليس دائرا بين الكل أو لا شيء، فإما أن نمتلكها أو لا؛ بل هي أمور ذات مراتب. إذا أُريد لحياة أن تكون معنوية، فيجب أن توجد جميع هذه المكونات، ولو بمراتب مختلفة، وعندئذ يكون البشر بطبيعة الحال معنويين، وبشراً أكثر معنوية، وبشراً أكثر وأكثر معنوية... المقدمة الثالثة: المكون الأول للمعنوية أول مكونات الحياة المعنوية وأهمها هو «ماذا ينبغي أن أفعل؟» أو «ماذا أفعل؟». يُقال في كتب الفلسفة والإلهيات إن المسائل الأساسية والجوهرية التي يواجهها البشر هي مثلاً: هل الله موجود أم لا؟ هل كنا في مكان ما قبل هذه الحياة الدنيا؟ هل سنذهب إلى مكان ما بعد هذه الحياة الدنيا؟ ما حقيقة الدنيا؟ هل عالم الوجود هادف أم لا؟ هل للحياة معنى أم لا؟ هل عالم الطبيعة متناهٍ أم لا؟ وأمثال ذلك. ومع أن قائمتها تختلف في الكتب المختلفة، إلا أن الجميع تقريباً يعدون هذه المسائل التي ذكرتها ضمن المسائل الأساسية. لكن الإنسان المعنوي هو من لا تكون أي من هذه الأمور بالنسبة له المسألة الرئيسية، بل مسألته الرئيسية هي «ماذا ينبغي أن أفعل؟» أو «ماذا أفعل؟»؛ وأهمية أي مسألة أخرى تتوقف على مدى إعانتها ومساعدتها له في حل مسألة «ماذا ينبغي أن أفعل؟». أي حينما تكون مسألتي هي «ماذا ينبغي أن أفعل؟»، فكثيراً ما لا أجد عند الإجابة عليها بداً من الإجابة على مسائل عديدة أخرى، وعلى هذا الأساس، إذا اكتسبت المسائل الأخرى أهمية، فذلك لأنها مقدمة لحل هذه المسألة، والإجابة عليها مقدمة للإجابة على هذه المسألة. وبتعبير ثالث، فإن أساسية أي مسألة أخرى أو عدم أساسيتها، وأهميتها أو عدم أهميتها، وجوهريتها أو عدم جوهريتها، تتناسب تماماً مع مقدار تأثير جواب تلك المسألة في جواب المسألة الرئيسية «ماذا ينبغي أن أفعل؟». لذا، إذا كان «هل الله موجود أم لا؟» مهماً، فإن أهميته تكون فقط بقدر تأثيره في مسألة «ماذا ينبغي أن أفعل؟»، ولو فرضنا المحال أن «هل الله موجود أم لا؟» ليس له أي تأثير في مسألتي الرئيسية، فإن الإجابة عليه ستكون بنفس القدر من عدم الأهمية الذي لمسألة «كم عدد قطع السكر في هذه السكرية؟». حتى هنا أردت أن أعرض نقطتين: ١) خلافاً لما قيل، ليست أي من تلك المسائل هي المسائل الأساسية للبشر؛ بل المسألة الأساسية للبشر المعنوي هي «ماذا ينبغي أن أفعل؟». ٢) المسائل التي وردت في الكتب كمسائل أساسية يمكن أن تكون مسائل جوهرية، لكن جوهريتها تكون بمقدار تأثير الإجابة عليها في الإجابة على المسألة الرئيسية، ومعنى ذلك أن أهمية هذه المسائل ناشئة عن أهمية المسألة الرئيسية «ماذا ينبغي أن أفعل؟». لذا ــ إن كان كلامي صحيحاً ــ فعلى كل واحد منكم، إذا أراد أن يعرف هل هو معنوي أم لا، أن ينظر كم يوليه من اهتمام في حياته لمسألة «ماذا ينبغي أن أفعل؟» هذه.
هذا هو العنصر الأول من الروحانية، وهو بالطبع ليس موضوع نقاشي اليوم، وسأنتقل إلى المقدمة التالية التي هي موضوع حديثي اليوم. المقدمة الرابعة: العنصر الثاني من الروحانية العنصر الثاني من الروحانية هو أن يعيش الإنسان «حياة أصيلة»؛ أي أننا – فقط وحسب – نكون روحانيين بقدر ما نحيا حياة أصيلة، ونبتعد عن الروحانية بقدر ما نفتقر إلى الحياة الأصيلة. إذن، العنصر الثاني من الروحانية هو أصالة حياة الشخص، والتي يُعبَّر عنها في غير هذه الحال بـ«الحياة المُستعارة». والآن أريد أن أدخل في صلب هذا البحث: ما هي «الحياة الأصيلة»؟ قد يخطر ببالكم لماذا اخترت هذا العنصر من بين العناصر الثمانية للروحانية موضوعاً للبحث. أقول في الجواب: لأن نظرية المعرفة – بوصفها أحد فروع الفلسفة – ترتبط ارتباطاً وثيقاً ومحكماً بهذا العنصر من الروحانية، وموضوع بحثنا هو «العلاقة بين الحياة الأصيلة ونظرية المعرفة»، ونتيجة لذلك سأناقش هذا الموضوع فقط ولن أتطرق إلى العناصر الأخرى؛ ولكن بغض النظر عن هذه النقطة، فإن توجيه الانتباه إلى «الحياة الأصيلة» في غاية الأهمية برأيي، ولو قلتُ إن أول ما ينبغي أن نعلّمه للآخرين هو أن يعيشوا حياة أصيلة، لما كنتُ مبالغاً على الإطلاق.
حول «الحياة الأصيلة» وسؤال «ما هي الحياة الأصيلة؟» ناقش وتباحث أفراد مختلفون على مر التاريخ، منهم: ۱) مؤسسو الأديان والمذاهب الذين عادة ما كانت لديهم نقاشات ــ ولو بشكل متفرق ومشتت ــ في هذا الباب. ۲) العرفاء ــ في جميع الثقافات والأديان والمذاهب ــ الذين غالباً ما أولوه اهتماماً بالغاً لكي يعيشوا هم أنفسهم حياة أصيلة وليدعوا الآخرين إليها. ۳) عدد كبير من الفلاسفة الذين يُعبّر عنهم اليوم بالفلاسفة الوجوديين. أمثال كيركغور الدنماركي، ودوستويفسكي الروسي، ونيتشه وهايدغر الألمانيين، وغابرييل مارسيل وسيمون فاي الفرنسيين، الذين تشكل الحياة الأصيلة أحد المحاور الرئيسية في نقاشهم. ٤) علماء النفس في الموجة الثالثة لعلم النفس، أي علماء النفس الإنسانيين. حتى الآن، وعلى مدى تاريخ نشوء علم النفس، ظهرت ثلاث موجات رئيسية: أ) علم النفس التحليلي الذي مؤسسه، بمعنى ما، هو فرويد. ب) علم النفس السلوكي الذي مؤسساه هما واطسون وسكينر. ج) علم النفس الإنساني الذين هم عادة فلاسفة أيضاً، وهم: أبراهام ماسلو، وكارل روجرز، وإريك فروم، والسيدة كارين هورناي ــ جميعهم في أمريكا ــ ويونغ ــ السويسري ذو الأصل الأمريكي. ليس المجال الآن متاحاً لأعرض عليكم كلمات جميع هؤلاء الأفراد ــ الذين يبلغ عددهم حوالي ۲۹ شخصية ــ ولكني سأذكر بضعة أمثلة منهم. وذكر هذه الأمثلة هو لأن جانباً خاصاً من الحياة الأصيلة قد حظي باهتمام أكبر في رؤية كل واحد منهم، وأنتم شيئاً فشيئاً، من خلال مجموعة الأمثلة ووضع النماذج التي قدمها هؤلاء العلماء جنباً إلى جنب، تقتربون ذهنياً من ماهية الحياة الأصيلة. ولكي لا أكون قد مارست حكماً قيمياً، سأذكر الأمثلة حسب الترتيب التاريخي حتى لا يُظن أني بالضرورة أولي الأول أهمية أكبر. المثال الأول، من الناحية التاريخية، هو سقراط. سقراط ــ الفيلسوف الجليل والبارز جداً في اليونان القديمة ــ كان يقول إن فلسفتي كلها تقوم على شعارين: الشعار الأول هو «اعرف نفسك» والشعار الثاني هو «الحياة غير المفحوصة لا تستحق أن تُعاش». سأتناول هنا الشعار الثاني فقط لنرى ماذا يعني هذا الشعار؟ كان سقراط يقول: إذا دققنا في أحوالنا نجد أننا منذ بداية حياتنا، وحين نأتي إلى الدنيا، نتلقى شيئاً فشيئاً من المحيطين بنا ــ من أفراد العائلة وصولاً إلى المعلمين والمربين والناس الذين نتعامل معهم في بيئة الحياة ــ سلسلة من المعتقدات والآراء، ثم ننظم حياتنا لاحقاً على أساس هذه الآراء والمعتقدات التلقينية والمُلقّنة. وبهذا الشكل، فإن جميع القرارات ــ الحروب، والسلام، والصداقات، والعداوات، والصمت، والكلام و... ــ تقوم بالكامل على المعتقدات التي تلقيناها من الآخرين، ونحن لم نذهب قط إلى فحص واختبار هذه المعتقدات لنرى هل هي حقاً صحيحة أم خاطئة، صادقة أم كاذبة، حق أم باطل. في الواقع، لقد أسسنا حياتنا كلها على معتقدات لم يُوضع أي منها في بوتقة اختبارنا الشخصي. والنقطة الأهم هي أنه كلما انتقلنا من المعتقدات غير المهمة نحو المعتقدات المهمة، يزداد هذا اللااختبار. مثلاً، إذا قال لي أحدهم إن هذا النوع من الكؤوس أو الأحذية أكثر متانة، فقد أختبره ثم أقبله. لكن بخصوص «هل الله موجود أم لا؟» قد أقبل بوجود الله دون اختبار! رغم أن أهمية الاعتقاد الثاني في الحياة هي بالتأكيد أكبر بكثير من الأول. وكأننا قد تعاهدنا مع أنفسنا على أن نقبل الاعتقاد بلا دليل كلما كان أكثر أهمية. كان سقراط يقول: هذا النوع من الحياة الذي قبلنا فيه آراء دون أن نكون قد وضعناها على محك شخصي أو اختبرناها هو حياة غير مفحوصة ولا تستحق أن تُعاش. الحياة التي تستحق أن تُعاش هي التي نكون قد مارسنا فيها التدقيق بأنفسنا إزاء المعتقدات المؤثرة في قراراتنا العملية، وفي هذه الحياة إذا رأينا رأياً صحيحاً نتخذه أساساً للقرار حتى لو قال كل العالم إنه خاطئ، والعكس صحيح. كان يقول: إن المهمة التي اعتبرتها على عاتقي هي أن أذهب إلى كل رأي مألوف وأبين أنه غير مُختبر؛ ولهذا أنا ذبابة خيل وسأقف على ظهر كل واحد منكم، وهو أمر مزعج بالطبع لأنه يلسع آراءكم ويُفهم أفراد المجتمع أنهم عديمو العقل. إذا قال لك أحدهم «أنت عديم العقل» فسيزعجك ذلك. ليس عدم العقل سوى أن نقبل كلاماً بلا دليل ونتخذه أساساً للقرار الجمعي. إذن، بنظر سقراط، الحياة غير المفحوصة هي حياة مستعارة[۱] وليست أصيلة[۲]؛ لأني فيها استعرت آرائي من الآخرين. النموذج الثاني، من الملا الرومي، مولانا، الذي يوصينا في المثنوي مراراً بأن نحيا حياة أصيلة. يقول في الدفتر الثاني من المثنوي: دخل صوفي مدينةً، ولأنه كان غريباً فيها سأل عن خانقاه الصوفية كي يتمكن من المكوث بضعة أيام في تلك المدينة، ويكون له مسند وطعام... إلخ. وأخيراً وجد خانقاه الصوفية، وسلّم حماره إلى البواب ليبقى هناك يوماً أو يومين. وصادف أن أهل الخانقاه كان قد تأخر وصول أرزاقهم منذ مدة، وكانوا بطبيعة الحال جائعين جداً. فلما رأى جماعة منهم هذا الحمار قالوا: من الجيد أن نبيعه ونشتري بثمنه طعاماً فننجو من الجوع. فقالوا للبواب: خذ الحمار وبعه في السوق وهيئ لنا طعاماً. ثم جاؤوا وشرعوا في الرقص والسماع ورفعوا أصواتهم قائلين: «ذهب الحمار وذهب الحمار وذهب الحمار». وهذا الصوفي الوافد حديثاً، لكي يمتثل ــ بتعبير اليوم ــ للرأي العام، بدأ يصفق ويرقص ويقول: «ذهب الحمار وذهب الحمار وذهب الحمار». فقال لهم البواب الذي كُلّف ببيع الحمار: هذا الحمار أمانة عندي، كيف أبيعه؟ هذا العمل مخالف للأخلاق. قالوا: تعال واسأله بنفسه. دخل البواب المجلس فرأى ذلك الشخص يصرخ ــ بتعبير مولانا ــ بنشاط أكثر من الجميع «ذهب الحمار وذهب الحمار وذهب الحمار»، وهو أشدهم فرحاً وسروراً. قال البواب في نفسه: حسناً، إذن لابد أنه موافق، بل راضٍ، بل ربما راغب؛ فباع الحمار دون أن ينبس ببنت شفة، وهيؤوا طعاماً وأكلوا. وبعد أن تفرق الصوفية، ذهب هذا المسافر ليستلم حماره. فقال البواب: لا حمار هناك. فقال: إذن أين حماري؟ قال: بعناه وأكلنا طعاماً. قال: وهل يجوز أن تبيعوا حماري؟! قال: أجل، لا يجوز فحسب، بل قد حصل. قال: ولكن أين إذني؟! قال البواب: جئت فرأيتك تمنح فوق الإذن، وترقص وتتواجد بهذا «ذهب الحمار وذهب الحمار وذهب الحمار». قال: لم أكن أفهم ما أقول! رأيت الجميع مسرورين بهذا الكلام، فأعجبني أنا أيضاً ورددته. مرمرا تقليدشان بر باد داد أي دو صد لعنت بر اين تقليد باد لذا، يحتمل أن يخطو المرء في ضرر نفسه سعياً للتلون بلون الجماعة. وفي التلون بلون الجماعة سمتان: الأولى أن الشخص لا يفهم معنى الاعتقاد، أو القضية، أو الجملة، ولا يدري أصلاً ما معنى «ذهب الحمار». لا يفهم أن «ذهب الحمار» تعني أن حمارك قد ذهب ليُباع، لكنه مع ذلك يرددها. والثانية أنه لو كان يفهم معنى الجملة لما وافق عليها. والآن، حين يقول جملةً، فهل يقول عقيدته هو أم عقيدة الآخرين؟ في هذا النموذج رأينا أنه في الواقع يعبر عن عقيدة الآخرين. إذن فعقيدته عارية؛ وبالطبع فقراره، وبالتالي حياته، عارية. والسبب في أن تعبير vicarious يُستخدم هنا بمعنى عارية هو أن كل ما لا ينبع من داخل الإنسان ويأتيه من الخارج فهو عارية. في هذه الحال، يكون الإنسان تماماً كشاشة سينما، جهاز السينماتوغراف والعرض الضوئي فيها مضاء دائماً، ولهذا فإن كل نور ولون يُرى على هذه الشاشة ليس نور الشاشة نفسها ولونها. ولا يُعرف لون شاشة السينما نفسها إلا حين يُطفأ الجهاز. نحن في حياتنا هكذا. أنا، كلما أنظر إليكم، أرى أفكار الآخرين لا أفكاركم أنتم. أنتم كشاشة السينما تعكسون كل نور ــ دون أن تبدوا قبولاً أو رفضاً ــ دون أن تقولوا أريد هذا اللون ولا أريد ذاك النور. ارفعوا ذاك اللون الذي سلطتموه، واسلطوا ذاك اللون الذي لم تسلطوه. ثم يبدأ مولانا بالتوصية قائلاً: «لا تقلد وتحقق فقط». أنا، كلما أرى هذه الجملة لمولانا، أتذكر حديثاً للإمام علي (ع) يقول فيه: «لا سنة أفضل من التحقيق». التحقيق يعني أن تدرك بنفسك حقيقة الأمر. التحقيق بهذا المعنى يقف بالضبط في مقابل التقليد والحياة العارية، ومعناه أننا نتقبل من الآخرين اعتقادات غير مفهومة وغير مقبولة. النموذج الثالث، هو هايدغر، الفيلسوف الوجودي الألماني الشهير. وهو في كتابه المعروف، الوجود والزمان، الذي هو رائعته، يطرح بحثاً حول وضع حياة الأكثرية الساحقة منا نحن البشر، ويريد من خلال رسم هذا الوضع أن يبين أن معظمنا نحيا حياة عارية. يقول هايدغر: ليتأمل كل واحد منكم في حياته وليرَ إن كانت هذه الخصال الثلاث التي أذكرها موجودة في حياته أم لا. فإن كانت موجودة، فليعترف لنفسه بصدق أنه يحيا حياة عارية، لا حياة أصيلة. ثم يقول: كلنا معشر البشر لدينا هذه الخصال الثلاث بدرجة أو بأخرى: الخصلة الأولى: إننا مبتلون بالثرثرة والهذيان.[٣] ما نوع الكلام الذي تمثله الثرثرة؟ إنه كلام يكون فيه فعل الكلام نفسه هو المهم لا مضمون الكلام. ماذا يعنون بقولهم إننا نثرثر في السهرات؟ أي أنه لا يهم البتة ما نقول، المهم أننا نقول شيئاً. بتعبير آخر، لقد أصبح فعل الكلام ذاته موضوعياً في حين ينبغي أن يكون طريقياً وأن يُنقل عبر الكلام شيء ما. في الواقع، إننا في حياتنا باستمرار نأخذ جملاً وقضايا ومعتقدات من فئة وننقلها إلى فئة أخرى (نقل معلومات غير مختبرة من الآخرين إليّ ومني إلى الآخرين).[٤] وبهذا يكون الهذيان قد شكّل كل حياتي وحياتكم. في الحقيقة، لقد سمعنا أشياء من الآباء والأمهات والمربين والرأي العام والإذاعة والتلفزيون والصحافة ووسائل الإعلام الجماهيري؛ ثم ننقلها كما سمعناها إلى آخر، دون أن نفحص قبل هذا النقل ونتحقق إن كانت هذه المطالب صحيحة أم خاطئة. وكأننا مجرد جهاز نستقبل من جهة أشياء تعطوني إياها ونرسل من جهة أخرى تلك الأشياء ذاتها إلى آخر، وأنا لا أحيا إلا في حالة الاستقبال والإرسال هذه. ويواصل قائلاً: في الواقع، إننا نشعر بلذة خاصة في الأخذ والإرسال معاً، وهذه اللذة بالذات هي ما جعل حياتنا كلها تعاني من هذه الحالة. (تأملوا الآن إن كنتم لستم على هذا النحو؟) لقد تعلمتم أشياء منذ الطفولة وحتى الآن من الآباء والأمهات والمعلمين والمربين و... واليوم وغداً حين تصيرون معلمين وآباء وأمهات و... ستنقلون تلك الأشياء ذاتها إلى أبنائكم ومتعلميكم ومتربيكم. هل اتضح في هذا الأثناء أي ما أخذتموه كان حقاً وأيه كان باطلاً أم لا، بل أخذتم فقط واستمتعتم بلذة ثم تعطونه للآخرين دون تأمل وتدقيق وستحظون بلذة أخرى. الخصلة الثانية: ننتقل من مرحلة الهذيان والثرثرة إلى مرحلة التطفل والفضول والتدخل. الفضول يعني أنه بمجرد أن أسمع شيئاً ويدخل ذهني ــ ولأنه لم يكن مقرراً أن أمتحنه ــ أقول فوراً: ماذا لديكم أيضاً؟ أي أنه رغم أنني لم أتلق المطلب الأول بعد ولم يدخل في هضمي وفهمي، أبحث مجدداً عن شيء جديد. ومن هذا المنطلق فإننا جميعاً نقول بلسان الحال والمقال: «ما الجديد؟» وليس هناك من يقول لنا: ماذا فعلتم بالقديم حتى تبحثوا عن الجديد؛ ألم يكن للقديم أي أثر عندكم حتى تطالبوا بالجديد مرة أخرى؟ إذن فالتطفل يعني عشق الجديد. مثلاً، أنتم ألفتم كتاباً وأنا بقراءته أنقل معتقداتكم إلى نفسي، ولا أدقق البتة إن كان صحيحاً أم لا، لكني حالما ألقاكم أقول: سيدي، ألم تنشروا مؤخراً كتاباً جديداً؟ ليس هناك من يقول: حسناً، الكتب السابقة التي قرأتها، أيها كان حقاً وأيها كان باطلاً؟! إذن فحب الاستجادة هو خصلة البشر الذين يعيشون حياة مستعارة؛ وبهذه الخصلة بالذات ننزلق من هذا المفكر إلى ذاك المفكر، ومن هذه المدرسة إلى تلك المدرسة؛ ولا نتوقف البتة لنتأمل إن كانت هذه المدرسة التي قبلناها حتى الآن صحيحة أم خاطئة. ومن هذا المنطلق أيضاً، إذا سألتموني: «هل الله موجود أم لا؟» أقول بكل فخر واعتزاز إن هناك تسعة أقوال في هذا الباب؛ أي أنني لا أعلم إن كان الله موجوداً أم لا، لكنني سمعت تسعة أقوال في هذا الشأن. في حين أن النقاش لم يكن حول عدد الأقوال الموجودة، بل أنتم أردتم أن تعرفوا إن كان هناك إله في الواقع أم لا. أتعرفون لماذا أجيب هكذا؟ لأنني بدلاً من أن أحسم حساب القول مع نفسي شخصياً حين أسمع أحد الأقوال ــ إن كان صحيحاً أم خاطئاً في نهاية المطاف ــ قلت فوراً: لا شأن لنا الآن إن كان صحيحاً أم خاطئاً، كان هذا قولاً على أية حال، ما هو القول الثاني؟ وهكذا مضيت قدماً حتى القول التاسع دون أي تدقيق أو تأمل فيها. الخصلة الثالثة: هي الحيرة[٥] والتخبط، أي لا أعلم في أي عالم أعيش. مثلاً لا أعلم إن كان العالم هادفاً أم بلا هدف؛ لا أعلم إن كنت أعيش في العالم مع إله أم بلا إله؛ لا أعلم إن كانت الحرب أفضل أم السلام؛ لكنني في الوقت نفسه أعلم أن هناك أقوالاً كثيرة حول كل من هذه الأسئلة وأستطيع أن أشرحها كلها لكم. في الواقع، إننا نترنح فكرياً. لماذا؟ لأننا لم نقرر بأنفسنا بشأن أي شيء وكنا مجرد وسيلة لنقل النظريات. بتعبير آخر، المعتقدات تصلنا هكذا وتنتقل منا إلى الآخرين، ولأن لدينا شهوة للسمع والقول، فقد غرقنا في التخبط جراء ممارسة هذه الشهوة؛ أي أنه ليس لدينا أي رأي شخصي قابل للدفاع عنه. مثال آخر: أقول لشخص ما: يا فلان! أريد أن أبحث في موضوع كذا. فيقول: تعال لنذهب إلى الإنترنت. نذهب ونرى أن هناك ٨٠٠ كتاب، و٩٠٠٠ مقالة، وآلافاً مؤلفة من الملفات. فيقول: تفضل، ويفتخر بأنه أطلعني على هذه الأمور. في حين أنني وسط هذا الكوم المتراكم من الكتب والرسائل والمقالات لم أكن أريد أن أرى ما كُتب حول ما إذا كانت "أ هي ب أم لا؟"، بل كنت أريد أن أعرف "هل أ هي ب أم لا؟". في الواقع، بدلاً من أن يكون حديثنا عن الواقعيات، صار حديثنا عن الأقوال التي قيلت حول الواقعيات، ولم ننتقل البتة من هذه الأقوال إلى الواقع نفسه. هذا التخبط الفكري الذي يعبر عنه هايدغر بالدوار، والتيه، والحيرة؛ يصيب الإنسان عندما يتعامل، بدلاً من أن يتعامل بنفسه مع الواقعيات، فقط مع معتقدات الآخرين حول الواقع. والآن، إذا دققتم النظر، ترون أن هذه المراحل الثلاث موجودة في جميع ساحات الحياة، حتى في الحياة اليومية. مثلاً، إذا قلت لكم: لأي داعٍ يجب أن نأكل بالملعقة والشوكة؟ تقولون: حسناً، هكذا قالوا ينبغي أن تأكلوا! إذا سألت: لأي داعٍ يجب أن يذهب الفتيان لخطبة الفتيات؟ تقولون: حسناً، هكذا قالوا! لماذا ينبغي للمرء أن يشارك في مجلس عزاء، أو لماذا ينبغي أصلاً الذهاب لتقديم واجب العزاء؟ حسناً، ينبغي الذهاب! الناس يفرحهم الاحتفال والبهجة، هل تفرحكم أنتم أيضاً؟ لا تفرحني، لكن بما أنه قبيح عند الناس أن أقول إن الاحتفال لا يفرحني، أعيش وكأنني أستمتع بالاحتفال والبهجة! إذن، أنتم أنفسكم لا تعرفون لماذا ينبغي أن تفعلوا كذا، لأنه ليس ثمة شيء واضح بالنسبة لكم، ولا تزالون تعيشون في تلك العمليات الثلاث، وبطبيعة الحال يمكن بسهولة جركم من هنا إلى هناك؛ ولأنكم قبلتم حتى الآن ما قيل لكم دون دليل، فبطبيعة الحال، غداً عندما يقولون شيئاً آخر، ستقبلونه أيضاً دون دليل، ولو كان مخالفاً لما سبقه. النموذج الرابع، هو من أحد علماء نفس الموجة الثالثة في علم النفس، كارل روجرز الأمريكي، الذي ربما يمكن القول إنه بعد أبراهام ماسلو، لم يظهر شخص أعلى شأناً منه في علم النفس الإنساني. يميز روجرز، في باب اتخاذ مواقفنا وأحكامنا القيمية في الحياة، ثلاث مراحل بعضها عن بعض، المرحلة الأولى والثانية موجودتان عند جميع البشر، وقليلون هم الأفراد الذين يبلغون المرحلة الثالثة. يقول: حين يولد الطفل، يكون قبوله ورفضه وتقبله ونبذه قائماً على أساس الحاجة الواقعية لعضويته. مثلاً، يأكل طعاماً ما لأنه ينفع عضوية بدنه، وإن امتنع عن طعام آخر فبسبب الضرر الذي يلحقه بعضويته. طبعاً، ليس بمعنى أنه هو نفسه يعرف دليله، بل في هذه الأعمار الأولى، العضوية هي التي تملي عليه وتدله على الطريق. إذن، إذا بكى عند الجوع، فبسبب الضرر الذي يلحقه به الجوع ويريد دفعه، ومن هذه الناحية لا يعاني الطفل من قلة الأكل أو الإفراط فيه، ويأكل بقدر حاجته فقط. وبهذا الترتيب، تقول له عضوية الطفل، بصورة غريزية، افعل هذا العمل لأنه في صالح عضويتي، ولا تفعل ذاك العمل لأنه يضر عضويتي. هذا التيار طبيعي تماماً، وجميع الاختيارات قائمة على أساس الحاجات الواقعية للعضوية. لكن، شيئاً فشيئاً، ابتداءً من عمر السنتين والنصف فما فوق، تظهر لدى الطفل حاجة أخرى، هي الحاجة إلى أن يصبح محبوباً؛ أي تظهر لدى الطفل هذه الحاجة: أن أكون على نحو يجعل أمي وأبي وأخواتي وإخوتي، وخلاصة، المحيطين بي، يحبونني. بمجرد أن تنبت هذه الحاجة، يجد الطفل نفسه أمام مفترق طريقين: من جهة، تقول له عضوية بدنه: كُل هذا لأنه في صالحي، ومن جهة أخرى، إذا أكل، تنزعج أمه مثلاً؛ أي أن رضا الأم يكون على حساب إلحاق الضرر بالعضوية، ونفع العضوية يكون على حساب إغضاب الأم. والآن، ألا يمكن الحصول على نفع العضوية ورضا الأم معاً، والجمع بين المحبوبية وتحقق الحاجات الواقعية؟ الجواب هو: لا. لماذا؟ لأن الطفل يدرك، عاجلاً أم آجلاً، أن الآخرين لا يحبون روحه غير المبتورة والعارية، ومن هذه الناحية يقع الطفل بين خيارين: إن أكلت الطعام، ورغم مساعدتي للبدن، تغضب أمي، وإن لم آكل، أحظى برضا أمي وأصبح محبوباً لديها، لكني أضررت بنفسي. وبما أن الإنسان يقدم المحبوبية على حاجاته الواقعية، يبدأ شيئاً فشيئاً بممارسة الرقابة الذاتية، ويقول مثلاً بلسان حاله: "أيها الماء، أنت جيد لجسدي، لكن إن مددت يدي، يقطب أبي جبينه، وتغضب أمي، وتخاصمني أختي و... إذن، لا أشربك".تمام خودسانسوریها برای این است كه محبوب واقع شویم؛ چرا كه میخواهیم دل همه را به دست آوریم و طبعاً به ازای هر یك دلی كه میخواهم به دست آورم باید تكهای از روح خود را بِكَنم. چرا؟ چون تجربه نشان داده كه دیگران روح تكه تكه نشده مرا دوست ندارند. لذا من هیچ وقت روح مثله نشده عریان خود را در معرض دید شما نمیگذارم. مثلاً، مرا به یك فیلم سینمایی دعوت میكنید، بعد میپرسید: فیلم چطور بود؟ من با وجود آنكه خیلی از فیلم بدم آمده، چون اگر بگویم فیلم مزخرفی بود دوستی خود را با شما از دست خواهم داد میگویم: بسیار جالب بود! دل و نیاز درونیام میگوید: بگو از این فیلم خوشم نیامد و بسیار مزخرف بود، اما محبوبیتطلبیام میگوید: توجه داشته باش كه اگر این را گفتی دوستی شما متزلزل یا نابود میشود و به همین دلیل از فیلم تعریف كاذب میكنم. بنابراین فاز اول فاز ارزش داوری «خود» طفل در مورد خودش است، اما فاز دوم فاز ارزش داوری از نگاه «دیگران» است. در فاز دوم برای محبوب واقع شدن ــ از طریق مثلهكردن یا پنهان ساختن خود[۶] ــ خود را سانسور میكنم. به نظر راجرز اغلب ما آدمیان تا آخر عمر در همین نیاز میمانیم و برای خوشایند دیگران خود را مثله میكنیم. در مناجات معروف عارف آلمانی آمده: «خدایا مرا از من میربایند.» چون این رفیق میگوید: این نكتهات بد است. میگویم: خوب اگر تو میگویی بد است آن كار را میكنم. رفیق دیگر میگوید: آن نكته هم بد است، آن را هم نمیكنم و همینطور باور و حس و عاطفه و تمام چیزهای مرا از من میربایند. این است كه باورها، احساسات و عواطف من همان باورها و احساسات و عواطفی است كه شما میخواهید وقسعلیهذا. بنابراین، ما همیشه طفل درونمان را تنها در درون زندگی نگه میداریم و هیچوقت از او مشاوره نمیخواهیم بلكه از دیگران مشاوره میخواهیم. در واقع همیشه زبان حال ما به یكدیگر این است كه میگوییم: فلانی! تو كه خوبی،یعنی آنطوری هستی كه من تو را میخواهم، من چطورم؟ در حالی كه زبان قال ما در احوالپرسیها عكس این است. به تعبیر دیگر در احوالپرسی من حال خود را از شما میپرسم و شما حال خود را از من و همه ما برای خوشایند دیگران خود را بزك میكنیم، در حالی كه طفل درون هر كداممان میگوید: این كار را نكن. مثال دیگری عرض كنم: اگر شما برای بنده غذایی را سرو كنید، من هیچ وقت نمیگویم كه آن غذا را دوست ندارم و با اینكه طفل درونم میگوید: تو كه این غذا را دوست نداری و اگر در خانه خودت بودی، غذا را با بشقابش از پنجره به بیرون پرتاب میكردی! میگویم: درست است، اما اگر این كار را بكنم محبوبیتم از دست میرود. اغلب ما آدمیان در این مرحله دوم، یعنی ارزش داوری دیگران كه منجر به مثله شدن روح خودمان میشود، میمانیم. اما راجرزمیگفت: كسانی هستند كه در این مرحله از خود میپرسند من چه كسی را فدا میكنم؟در واقع، من دارم خودم را فدای دیگران میكنم و آیا هیچ عاقلی خود را فدای دیگران میكند؟ بدین ترتیب افرادی به مرحله سوم، یعنی ارزش داوری از نگاه خود میرسند و میگویند: ما این هستیم، هر كه دوستمان دارد، بدارد؛ و هر كه دوستمان ندارد، التماس دعا. چارلی چاپلین، هنرپیشه معروف، جمله بسیار حكیمانهای به دخترش میگوید ـ گرچه این جمله در مسائل اخلاقی ـ خانوادگی است، اما در همه جنبهها قابل اجراست. او میگوید: «دخترم بدن خودت را بر كسی عریان كن كه روح عریان تو را دوست بدارد». ما در واقع باید چنین خصلتی را بپذیریم و بگوییم روح عریان ما این است، هر كه میپسندد، بپسندد؛ و هر كه نمیپسندد، نپسندد. این میشود زندگی اصیل. زندگی اصیل، یعنی بر اساس اعتماد به چشم دیدن، نه كور كردن چشم خود و دیدن با چشم دیگران؛ یعنی دیدن زندگی را از پشت عینك خود، نه لگد مال كردن عینك خود و بر چشم زدن عینك دیگری یعنی زندگیام را بر اساس صرافت طبعهای شخصی خودم بسازم نه تعطیل كردن اقتضائات درون برای كسب رضایت دیگری. راجرزمیگفت: اگر كسانی به این مرحله سوم برسند، در واقع به طفل دوران كودكی بازگشتهاند، اما طفلی بسیار پخته؛ چرا كه در دوران كودكی، طفل بر اساس غریزه به حاجات واقعی خود عمل میكرد، اما در این مرحله سوم بر اساس عقل میفهمد كه حاجات واقعی او چیست. در حقیقت، آن نوعی تشخیص ناآگاهانه حاجات بود و اینجا تشخیص آگاهانه حاجت است. متأسفانه چون ما آدمیان به ندرت به این مرحله سوم میرسیم، به نظر راجرز تا آخر زندگی عاریتیمان را ادامه میدهیم. مثلاً اگر وقتی از كسی میپرسند چرا آواز میخوانی، بگوید: برای اینكه دلتنگیام كم میشود، یا چون از صدای خودم خوشم میآید، این زندگی اصیل است؛ اما اگر بگوید: چون میگویند خوش آوازی، این زندگی عاریتی است.نكته دیگر اینكه در واقع وضع دیگران همانند ماست؛ یعنی من از شما حرفشنوی دارم، شما از دیگران، آن دیگران هم از دیگران و … . خوب، در این مآل ما در نهایت از چه كسی حرفشنوی داریم و تابع چه كسی هستیم؟ (چون فرض این است كه دیگران هم به صرافت طبع خود عمل نمیكنند). اینجاست كه باید نمونه دیگری ذكر كنم. نمونهپنجم، یك فیلسوف و عارف و روانشناس اروپای شرقی به نام آقای جاروس است، كه فعلاًاستادی در كانادا و استاد فلسفه در دانشگاههای امریكاست. ایشان معتقد است كه زندگی عاریتی سخنشنوی از فرد نامرئی است، كسی كه او را نمیبینیم و اصلاً نمیتوان او را دید. آزمایشهای روانشناسی نشان داده است كه اگر شخصی تنها، در یك اتاق ساختمانی مشغول كار باشد و ببیند كه از زیر در دودی به درون اتاق میآید، به محض رؤیت دود، به طرف درمیرود تا علت آن را كشف كند یا از دیگر افراد ساختمان بپرسد. اما اگر سه نفر در یك اتاق باشند و همین دود را ببینند، خیلی كه زود دست به كار شوند ۶ دقیقه بعد از ورود دود است، و گاهی تا رؤیتشان از آنها گرفته نشود هیچ تكان نمیخورند. چرا؟ چون نفر اول میگوید: اگر این دود چیز خطرناكی بود، آن دو نفر واكنش نشان میدادند و چون آن دو نشستهاند لابد چیز خطرناكی نیست، غافل از اینكه آن دو نفر هم به دوتای دیگر نگاه میكنند و همین توجیه را میآورند. یعنی من به دلیل چیزی كه در آن دو میبینم تشخیص خودم را تعطیل میكنم. غافل از اینكه دوتای دیگر هم همین فكر را میكنند. خوب، در این فرآیند ما از چه كسی تبعیت میكنیم؟ من از شما دو تا، دومی از ما دو تا، و سومی هم از دو تای اول، پس در واقع داریم از «هیچ كس» تبعیت میكنیم! نمونهششم، ویلیام جیمز، فیلسوف و روانشناس معروف امریكایی است كه اصلی به نام «اصل برهان اجتماعی»[۷] دارد. اصل برهان اجتماعی، یعنی اعتقاد به اینكه هر چیزی كه دیگران میگویند، لابد برهانی پشت آن است؛ و چون من همه شما غیر از خودم را در نظر میگیرم و شما هم همه را، غیر از خودتان، در نظر میگیرید و دیگران هم به همین ترتیب، در واقع ما از هیچ كس تبعیت میكنیم. مثلاً همه ما كه اینجا نشستهایم میگوییم: خدا وجود دارد، اما اگر از تك تك ما بپرسند: چرا؟ میگوییم در محلّ خودش ثابت شده و در این پاسخ، افراد دیگر جامعه را پشتوانه سخن خود قرار میدهیم كه آنان هم به این باور معتقدند. طبعاً با این وصف اگر در محیطی بودیم كه همه میگفتند خدا وجود ندارد، ما هم میگفتیم خدا وجود ندارد! در حقیقت عقیده همه ما دُوری است، چون عقیده من به دیگری منتقل میشود، از دیگری هم به دیگری و … نهایتاً هم به خود من بازمیگردد. چنین زندگیای عاریتی است، یعنی زندگیای است كه من مسئول كارهای خودم نیستم. چون من شما را به این باورها، احساسات و عواطف و … وارد كردهام و شما مرا. وقتی اینطور باشد حاصل مجموع این زندگیها همرنگی با جماعت است؛ یعنی همرنگی با هیچ كس؛ یعنی در واقع من با جماعتی كه هیچ كسند همرنگی میكنم تا محبوب جماعتی كه همه منهای من هستند، بشوم. در نتیجه من پیش همه محبوب میشوم اما پیش خود مغبوضم! چرا؟ چون آن عامل درونی من هر بار مرا به چیزی امر میكند، اما من به خاطر جلب رضایت شما از اطاعت او سرباز میزنم. این حالت كه همه دوستمان میدارند، اما خودمان، خودمان را دوست نداریم «با خود در كشاكش بودن»[۸] نامیده میشود. همه زندگیهای عاریتی به این كشاكش درون كشیده میشود، چون دائماًبرخلاف تشخیصهای خود شخص عمل میشود. بدین ترتیب، شاخصههای اصلی زندگی عاریتی چنین هستند: تقلید میكنیم، تعبد میورزیم، بیدلیل سخن میگوییم، سخنان دیگران را بیدلیل میپذیریم و دیگران هم سخنان ما را بیدلیل میپذیرند و بر سر هیچ هیاهو میكنیم، با همه وفاداریم جز با خود، با همه صداقت داریم جز با خود، با همه یكرنگ هستیم جز با خود. در حالی كه شاخصههای اصلی زندگی اصیل عبارتند از: به خود وفادار بودن نه به هیچ كس دیگر، با خود صداقت داشتن نه با هیچ كس دیگر، با خود یكرنگ بودن نه با هیچ كس دیگر. زندگی اصیل یعنی زندگیای كه در آن انسان تنها به خودش وفادار است، و مساوی است با «در التزام خود حركت كردن» و «در معیت خود زیستن»، و بنابراین هرگاه وفاداری به خود فدای وفاداری به دیگر یا دیگرانی شود، زندگی من عاریتی خواهد بود. وفاداری به خود یعنی چه؟معنای واضحتر وفاداری به خود، فقط بر اساس فهم خود عمل كردن و فهم خود را مبنای تصمیمگیریهای عملی قرار دادن است. پس هر كس كه فقط بر اساس فهم خود در زندگیاش تصمیمگیری كند، فهم خود را تعطیل نكرده و زندگی اصیل دارد. چه وقت فهم خود را تعطیل میكنیم؟ آنگاه كه أساس حياتنا تصبح هذه الأمور: التقاليد غير المختبرة، والتعبد، وتقليد الأفكار العامة، والانسياق وراء الجماعة، وكسب المحبوبية بأي ثمن، وكسب رضا الناس... وهكذا. لذلك فإن الذين يعيشون حياة أصيلة هم في الواقع أولئك الذين لا يتخذون أي اعتقاد غير مختبر أساساً، ولا يقلدون، ولا يتعبدون، ولا ينساقون وراء الجماعة، ولا تؤثر فيهم الأفكار العامة، ولا يسعون إلى الحفاظ على محبوبيتهم بأي ثمن؛ بل يقولون: أنا أعمل على أساس ما أفهمه أنا. فإن حُفظت محبوبيتي بهذا «العمل على أساس فهمي»، فبها، وإن لم تُحفظ، فلا يهم ذلك أبداً. أي أنني في الواقع لا أريد أن أحظى بمكانة في قلوبكم بأي ثمن، بل أريد أن أحظى بمكانة في قلبي أنا؛ أريد ألا أمقت نفسي، لا ألا تمقتوني أنتم؛ لأن رضاي عن نفسي يتقدم على رضاكم عني، والحياة الأصيلة هي هذا في الواقع. أي حياة لا أتخلى فيها، من أجل أن أحظى بمكانة في قلوبكم أو من أجل أن أحصل على رضاكم، عن فهمي واستنباطي أنا للواقع. في النهاية، أذكر بعض الشواهد من القرآن الكريم يبدو أن رأي القرآن الكريم فيها يميل إلى الحياة الأصيلة. طبعاً لا أريد أن أقول إن رأي القرآن هو كذا، بل أريد أن أقول إن في القرآن أيضاً آيات وشواهد قريبة من وجهات النظر المذكورة، سواء كانت هناك آيات مخالفة أم لم تكن. هذه الآيات هي: ۱) آية في شأن اليهود والنصارى تقول: «اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ» [التوبة: ۳۱]؛ يقول: إن هؤلاء ــ أي النصارى واليهود ــ كانوا يعبدون علماء دينهم من دون الله أو بالإضافة إلى الله[۹]. يسأل شخص الإمام الباقر(ع) أو الإمام الصادق(ع): هل كان هؤلاء يطلبون من الناس حقاً أن «اعبدونا؟» فيقول الإمام: لا، لم يكونوا يدعون إلى ذلك قط. وحتى لو دعوا إلى ذلك، لما استجاب لهم أحد. فيسأل الصحابي: فما مقصود القرآن إذن؟ فيقول الإمام: كان هؤلاء يعاملون علماءهم نفس المعاملة التي ينبغي أن تُختص بالله وحده. تلك المعاملة هي أن الإنسان يجب أن يقبل كلام الله فقط بلا قيد أو شرط، ويطالب أي شخص آخر بالدليل على كلامه. ولأن هؤلاء كانوا يقبلون كلام علمائهم بلا قيد أو شرط، لذلك يقول الله إنهم كانوا يعبدون علماءهم: كانوا يقولون لهم يوماً ادفعوا سدس أموالكم كوجوه شرعية، فكانوا يدفعون. وبعد مدة يقولون: لا، يجب أن تدفعوا الثمن، فيقولون: سمعاً وطاعة. لم يكونوا يقولوا إن كان الثمن هو الصواب الآن، فالسدس السابق كان كذباً، وإن كان السدس السابق هو الصواب، فأنتم تكذبون الآن. وهكذا كان هؤلاء مجرد مقلدين ومتعبدين. ۲) آية أخرى عن أهل جهنم، حين يُخاطبون أو يخاطبون أنفسهم ويتناقشون حول ما الذي أوصلنا إلى هنا، فيقولون جميعاً: «إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا» [الأحزاب: ۶۷]، أي أننا سمعنا كلام أكابرنا فأضلونا هذه السبل. هذا يعني الحياة المستعارة وسماع الكلام من شخص، مع أن شيئاً آخر ينبع من دواخلنا. ۳) القرآن في مواضع، حين يريد أن يسمع كلام الطرف المقابل يقول: يمكننا أن نسمع كلامكم، لكن هاتوا دليلكم: «قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ» [البقرة: ۱۱۱]. ٤) ورد في شأن نبينا وبعض الأنبياء الآخرين أنهم حين كانوا يدعون الناس، كان الناس يقولون: نحن لا نقبل كلامك أيها النبي. لأن طريقة آبائنا كانت على نحو آخر، ونحن نسير على نفس الطريقة: «إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ» [الزخرف: ۲۲]. «الأثر» يعني موضع القدم، أي أننا نضع أقدامنا حيث موضع أقدام آبائنا ونسير في نفس الطريق تماماً. يقول القرآن: حتى لو كان آباؤهم عديمي الشعور ولا يفهمون، أفيجب عليهم أن يتبعوهم؟ «أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا» [البقرة: ۱۷۰]. ٥) نموذج آخر مشترك أيضاً بين نبينا(ص) والأنبياء السابقين، هو أنهم عادة كانوا يقفون في وجه الأفكار العامة لمجتمعهم. في قصص الأنبياء نجد دائماً أن الأنبياء كانوا يقولون أشياء لا يقبلها الناس، لكنهم كانوا يصمدون ولا يقولون حسناً لنقل مثل ما تقول الأفكار العامة. كنت أناقش هذه الآية في مكان ما، فقال لي شخص: حسناً، نعم، كن أنت نبياً، ثم قف في وجه الأفكار العامة. فقلت له: نبوة النبي، هل كان يؤمن بها الآخرون أم كان يؤمن بها هو وحسب؟ طبعاً دیگران كه قبول نداشتند اما برای خودش مطلب واضحی بود. حالا اگر عقیده دیگری هم نزد من واضح باشد، به همین دلیل، حق دارم در مقابل شما بایستم. یعنی اگر مطلبی مانند آفتاب برای بنده وضوح داشت، چه شما موافق بنده باشید و چه نه، من از شما تبعیت نمیكنم. شكار سایه نمیكنم، خودم را رها نمیكنم تا به دنبال شما بروم. پیامبری پیامبر هم برای او وضوح داشت، لذا میگفت: اگر در دست راستم خورشید و در دست چپم ماه را بگذارید من از عقیده خود برنمیگردم. ۶) مورد دیگری كه میخواهم از قرآن نقل كنم شامل همه آیاتی میشود كه با عباراتی چون «اَكْثَرُهُمْ لایعْقِلُون» و «اَكْثَرُهُمْ لایشْعُرُون» میآید كه باز هم به نظر میرسد برای نفی زندگی عاریتی است. «اَكْثرُهُمْ لایعْقِلُون» یعنی نگو اكثریت این را میگویند و من هم میپذیرم، چون اكثریت لایعقلون و لایفقهون هستند. اگر اینطوری بگویی، در واقع یعنی تو هم یك بیشعوری و از بیشعورهای دیگر تبعیت میكنی و این دقیقاً زندگی عاریتی است. بنابراین به نظر میآید در قرآن شواهد زیادی در باب زندگی اصیل وجود دارد كه میگوید: اگر چیزی را خودت یافتی تبعیت كن و به آن عمل كن، ولو اینكه همه مخالف باشند. پس تبعیت از قواعد و هنجارهای اجتماعی تنها زمانی قابل دفاع منطقی است كه خودم به حقانیت آنها وقوف داشته باشم؛ وگرنه تبعیت از آنها مساوی تبعیت از جهل عمومی و ندانستههای همه خواهد بود. بنابر آنچه گفته شد دومین مؤلفه معنویت انسان معنوی زندگیاصیل است. انسان اصیل فقط به یافتههای خود اعتنا میكند و از چیزی تبعیت میكند كه با مجموع نیروهای ادراكی خودش به وضوح یافته باشد؛ و از این لحاظ انسان اصیل و معنوی هیچ وقت بر اساس حدس و امثال آن سخن نمیگوید. هایدگر در ادامه بحث خود در این باره میگوید: یكی از ویژگیهای انسانهای عاریتی این است كه چون هیچ چیزی در آنها ریشه ندارد، همه چیزشان بر اساس حدس و گمان است. من در اینجا به یاد این آیه قرآن میافتم كه میفرماید: «إِنْ هُمْ اِلاَّ یخْرُصُونَ»[انعام: ۱۱۶] یعنی فقط حدس میزنند؛یا در جایی دیگر میفرماید: «إِنْ هُمْ اِلاَّ یظُنُّونَ» [بقره: ۷۸]، «إِنَّ الظَّنَّ لایغْنِی مِنَ الْحَقِّ شَیئاً»[یونس: ۳۶] یعنی اینها گمانیاند. (گمان آن است كه از درون شما نجوشد). پس ما تا این گام را برنداریم به معنویت راه نمییابیم و هیچ چیز برای خود ما حیات و نشاط پیدا نمیكند، چون همیشه در حال دلقكبازی و فیلم بازی كردن هستیم؛ درست مانند كارگردانی كه نقشی را بر عهده یك هنرپیشه میگذارد، چه آن هنرپیشه آن را دوست داشته باشد و چه نه. حال گویی كسانی ــ به زبان حال ــ به ما گفتهاند: اگر میخواهی زندگی اجتماعیات پا برجا بماند باید اینطوری زندگی كنی و ما هم قبول كردهایم! غافل از اینكه به گفته حضرت علی بن ابیطالب(ع) «رضی الناس غایه لاتدرك»، یعنی رضای مردم هدفی است كه هیچ كس به آن نمیرسد. بنابراین اگر دنبال این هستید كه رضایت مردم را به دست آورید، قیمتش آن است كه از خودتان بدتان خواهد آمد. علاوه بر این، با آن رضایت همهمردم هم به دست نمی آید، چون به هر حال هر كسی نظر خاصی دارد كه با دیگری متفاوت است و طبعاً رفتاری كه ما را خوش میآید، او را ناخوش میآید: «ضربالله رجلا فیه شركاء متشاكسون». انسانی كه نوكر چهار ارباب باشد، كه خود این اربابها با هم دعوا دارند، چه باید بكند؟ باز اگر همه آنها میگفتند «بنشین»خوب بود.اما یكی میگوید «بنشین»،دیگری میگوید «برو»، این نوكر بدبخت چه كند؟ پس مسلّم است كه رضایت خود را از دست میدهیم و تقریباً مسلّم است كه رضایت دیگران از خود را هم كسب نمیكنیم. ولی عارفان اینگونه نبودند؛لذاست كه عارف معروف به شاگرد خود گفت: «حكایت نویس نباش، چنان باش كه از تو حكایت بنویسند»، یعنی ببین خودت چه میفهمی و مرتّب نگو فلانی اینطور گفته، بهمانی آنطور گفته، فلان كس چنان میخواهدو… . در اینجا دو مطلب را خدمتتان عرض میكنم. یكی اینكه كسانی كه به این معنا زندگی اصیل دارند، ممكن است خداشناس باشند یا نباشند، و در هر دو حال به اصالت زندگیشان ضرر نمیرسد؛ چون خدا تنها موجودی است كه ما را آنچنان كه هستیم و بدون آرایش و پیرایش میخواهد و بنابراین نباید برای او فیلم بازی كنیم. اگر كسی هم به خدا قائل نباشد به طریق اولی ضرری به اصالت زندگیاش نمیخورد. به تعبیر دیگر، با خود صداقت داشتن و به خود وفادار بودن با وفاداری به خدا ــ اگر خدایی در جهان باشد ــ ناسازگار نیست. ثانيًا، قد يبدو للوهلة الأولى أنه إذا كانت الحياة المُستعارة هي قبول أقوال الآخرين، فمن المؤكد إذن أن الحياة الأصيلة ينبغي أن تعني رفض جميع الأقوال؛ لكن الأمر ليس كذلك. تتحقق الحياة الأصيلة عندما نكون تابعين لدليل مقنع قاطع؛ وإلا فإن مجرد اتباع قول الآخرين ليس دليلاً على بطلانه ولا دليلاً على صحته وحقانيته. وبهذا، فإن ما يجعل الحياة أصيلة هو: مراعاة الدليل، وأن نكون أبناء الدليل، وأن ننظر إلى البرهان ونراعيه ونصونه. ولهذا السبب تحديدًا ينبغي أن نرى ما هي الأشياء التي يمكن اعتبارها برهانًا وما هي الأشياء التي لا يمكن ذلك. إن واجبنا الأخلاقي يقتضي أن نحصل على معرفة معرفية جادة بالأشياء التي تمتلك قابلية أن تكون دليلاً أو لا تمتلكها. والآن أود أن أعرض صلة الحياة الأصيلة بمبحث نظرية المعرفة. بدايةً، أذكر مقدمتين، ثم أتناول بناءً عليهما نقطةً تدخلنا في صلب بحثنا. المقدمة الأولى: ذكر ثلاثة عوامل لا يمكن الادعاء بأن عوامل «الجهل» و«الخطأ» و«سوء النية» الثلاثة قد استُؤصلت من تاريخ البشر، ولم يُقم أحد دليلاً أو برهانًا على أن البشر اليوم ليسوا عرضة لهذه الأمراض والعيوب والنقائص الثلاثة. لا يزال الإنسان ــ كما في السابق ــ عرضة لهذه العوامل الثلاثة، ولا نزال نجد أنفسنا ومواطنينا في المجتمع وجميع أبناء جنسنا على هذه الحال. معنى «سوء النية» واضح. و«الجهل» هو ما لا نعلمه. و«الخطأ» هو الجهل المركب والمضاعف. في الواقع، «الخطأ» هو عندما لا أعرف الحقيقة لكني أظن أني أعرفها؛ أما إذا كنت لا أعرف الحقيقة وأعلم أني لا أعرفها فأكون عرضة لـ«الجهل» فحسب. في الواقع، هذه العوامل الثلاثة في حياة البشر أشبه بالملاريا التي لا يمكن القول بأنها استُؤصلت. حسنًا، إذا كنا عرضة لهذه الأمراض الثلاثة، فمن أين لي أن أعلم أن ما يقوله الرأي العام ليس ناشئًا عن واحد أو اثنين أو كل هذه العوامل الثلاثة؟ من أين لي أن أعلم أن ما وصلني عبر التقليد، أو ما يقوله المُقَلَّدون لنا نحن المُقَلِّدين ليس عرضة لهذه العوامل الثلاثة؟ من أين لي أن أعلم أن الذين أتعبد لهم عندما يقولون لي شيئًا ليسوا عرضة لهذه العوامل الثلاثة؟ إذن، ما لم نتيقن من استئصال هذه الأمراض الثلاثة، ينبغي لنا دائمًا أن نبقي هذا الظن حيًا في أنفسنا: لعل ما يقوله الآخر لنا ناشئ عن «سوء نيته» أو «خطئه» أو «جهله». المقدمة الثانية: أوثان بيكون بتعبير فرانسيس بيكون، الفيلسوف والمفكر الإنجليزي، نحن البشر في الحياة مصابون بعبادة أربعة «أوثان»، ولأن آراءنا متأثرة بهذه الأوثان فإننا نبتلى بالتفكير الأعوج وتستولي علينا الأفكار الخاطئة. من المثير أن أذكر هذه النقطة: في اللغات الأوروبية (الإنجليزية مثلاً) «الوثن» و«العقيدة» من أصل واحد: فهم يستخدمون لكلمة «عقيدة» لفظة «idea» ولكلمة «وثن» لفظة «idol». و«Idolatry» تعني عبادة الأوثان. وقد رأى كثير من علماء أصول الكلمات[١٠] أن سبب وحدة أصل هاتين اللفظتين هو أن البشر شعروا بأن أعظم الأوثان هي عقائدهم هم أنفسهم. إذن لدينا أربعة أصناف من الأوثان؛ أي أربعة أصناف من العقائد التي نعبدها مع أنه لا يحق لنا عبادتها. هذه الأوثان هي: ١) أوثان القبيلة أو العشيرة: هذه الأوثان هي سلسلة من الأوهام والمعتقدات الخاطئة والباطلة التي يصاب بها جميع البشر ــ قليلاً أو كثيرًا ــ. ومن جملة الأمثلة التي أوردها بيكون أن جميع البشر، عن وعي أو عن غير وعي، وعن قصد أو عن غير قصد، عرضة لـ«القياس على النفس»، وكثير من المعتقدات والأحكام والتقييمات البشرية تنشأ من عمليات القياس على النفس هذه. وثن آخر من هذا القبيل، وكلنا معشر البشر ــ قليلاً أو كثيرًا ــ مصابون به، هو «التعلل بالأدلة». «التعلل بالأدلة»[١١] بالمعنى الدقيق للكلمة يعني أن نحسب مؤيدات عقائدنا، لكن لا نلتفت إلى مضعفاتها. الفرق بين «الاستدلال» و«التعلل بالأدلة» هو هذا بالتحديد: في التعلل بالأدلة أعنى بالمؤيدات فحسب ولا ألتفت مطلقًا إلى مضعفات عقيدتي. مثاله البسيط أننا إذا رأينا في الحياة حلمين صادقين نلتفت إليهما، لكننا لا نلتفت إلى مليارات الأحلام غير الصادقة التي رأيناها في الحياة، ثم نصدر بناءً على هذا أحكامًا. ٢) أوثان الكهف: هذه الأوثان ليست عامة وشائعة، بل هي ناشئة عن الخصائص الروحية والفردية للإنسان. نحن البشر لدينا اختصاصات قد تخلق فينا معتقدات نعبدها. مثلاً، بعض البشر مزاجيًا بطيئو التصديق، وبطبيعة الحال يتبنون مقاربة شكاكة تجاه الأمور. وبعضهم الآخر مزاجيًا سريعو التصديق، سذج، أو بسطاء، وبطبيعة الحال لديهم نزعات دوغمائية[١٢] ويقولون: هذا هو وليس إلا هو، كأن يقولوا مثلاً «أ هي ب» ومن يقول «أ ليست ب» فقد أنكر البديهيات. بعض الناس يميلون بطبعهم إلى ملاحظة أوجه التشابه بين الأمور حين ينظرون إليها، بينما يميل آخرون، على العكس، إلى ملاحظة أوجه الاختلاف. وبطبيعة الحال، ينشئ هذان الصنفان نمطين من الاعتقاد أو الرأي في الحياة. ۳) أوثان السوق: تنشأ هذه الأوثان بفعل مخالطة الناس – ونحن أنفسنا أحد هؤلاء الناس – أي أننا، في أحيان كثيرة، نقع تحت وطأة الوهم حين نكون في جمع. والمثال البسيط على ذلك، وهو ما اكتسب أهمية بالغة بعد فرانسيس بيكون، خصوصاً في القرن العشرين (وإن كان كثيرون في زمن بيكون لم يدركوا أهميته)، هو أن اللغة، بما أنها أمر سوقي – أي أنها نشأت بفعل معاشرة الناس ومخالطتهم بعضهم بعضاً – تفتقر عادة إلى «الوضوح» وتكون عرضة لـ«الإبهام» و«الإيهام» و«الغموض». ووجود هذه العوامل الأربعة في اللغة اليومية الطبيعية يفضي بنا إلى اكتساب آراء خاطئة. وبتعبير آخر، فإننا إذ نعجز عن امتلاك لغة تضاهي الدقة الرياضية المنطقية، نستخدم لغة تخدعنا وتجرنا إلى آراء غير صحيحة. كان فتغنشتاين يقول في مطلع القرن العشرين: إن فن الفلسفة كله هو أن تبين لنا مواضع انخداعنا باللغة؛ أي أن الفلسفة تستطيع أن تظهر كم نحن مخدوعون بلغتنا، وكيف أن البشر، مع أنهم هم من صنع اللغة، قد انخدعوا بها أيما انخداع! ۴) أوثان المسرح: يُطلق هذا النوع من الوثن على جملة الأخطاء التي نقع فيها نحن البشر تبعاً لعظمائنا. جملة الأخطاء الناتجة عن اتباع كل من يُعد عظيماً في مجتمعنا، فيصبح إماماً لنا ومقلَّداً، ونتعبد له، ويصبح له علينا، بتعبير اللغات الأوروبية، نوع من «Authority»، أي سلطة معنوية وفكرية وثقافية. وقد يتخذ هؤلاء العظماء هيئة الفيلسوف، أو الحكيم، أو العارف، أو عالم الأخلاق، أو الزعيم السياسي، أو المصلح الاجتماعي، أو ألف هيئة أخرى، بل وقد يرتدون اليوم ثياب الممثلين. فحين تحاور نجماً سينمائياً في أخطر مسائل الحياة، فأنت في الواقع تظن أنه، لأنه صار نجماً سينمائياً لسبب ما، فكل ما يقوله صواب، ومن ثم فمن الممكن أن تطرح الأسئلة من أصغرها إلى أكبرها على نجم سينمائي أو لاعب كرة قدم! والطريف أنني رأيت قبل ليلتين من يسأل لاعب كرة قدم عن ليلة القدر! حسناً، حين يُعد لاعبو كرة القدم من العارفين بالدين، ويُعد المتدينون لاعبي كرة قدم، فلا كرة القدم تبقى كرة قدم، ولا الدين يبقى ديناً. حين تسأل لاعب كرة قدم: ما معنى ليلة القدر، فمعنى ذلك أن من تجيد قدمه الحركة ويملك عضلات رشيقة ونشيطة، يستطيع أن يدلي برأيه في ليلة القدر. وكأن علينا أن نصغي لكلام العظماء، وكأن كلامهم صواب وصدق حتماً، لا يقبل الخطأ ولا يحتمل التخطئة. وبالطبع، يختلف هؤلاء العظماء باختلاف المجتمعات: ففي المجتمعات التي يطغى فيها الدين، يكون لعلماء الدين ورجال الروح هذه المكانة بطبيعة الحال. وفي مجتمع كالمجتمع الغربي اليوم، قد يكون نجوم السينما ولاعبو كرة القدم على هذه الشاكلة. وفي مجتمعات أخرى قد يكون السياسيون أو علماء العلوم التجريبية هم من يكونون كذلك. وحتى حين تسأل أينشتاين عن معنى الحياة، فأنت ترتكب الخطأ نفسه. فهو فيزيائي ورياضي، وسؤالك إياه عن هذا الأمر أشبه ما يكون بسؤال بائع الألبان في آخر الزقاق، لأن أياً منهما لم يدل برأيه في مجال اختصاصه. ولهذا السبب يسمي بيكون هذه الأوثان «أوثان المسرح»، لأنها موضع أنظارنا في كل حين، وكما أن الإنسان في المسرح يظل ناظراً إلى الخشبة، فكأن العظماء قد نُصبوا على خشبة المجتمع، وشُخصت أبصارنا إلى شفاههم وأفواههم. وبناءً على هذا، أذكر مقدمتين تكون نتيجتهما الطبيعية، إن قبلناهما وآمنا بهما، أن نصل، بتعبير ديكارت، إلى نوع من «الشك المنهجي». والشك المنهجي هو أن ننظر هل نستطيع أن نشك في هذه الأمور كلها، ثم نصل بعد هذا الشك إلى اليقين أم لا. وهذا الشك «methodological» (منهجي). وينبغي الانتباه إلى أن الشك المنهجي يختلف عن غيره من الشكوك كالشك المزاجي والاستدلالي والاستفهامي. الشك المنهجي يعني: ما المانع من أن أعقد العزم على أن أشكك في كل ما لقنه لي الآخرون وأوحوا به إلي، حتى لو بدا ذلك في الظاهر قصراً مشيداً؟ أريد أن أمتحن لبنة لبنة الآجر الذي شُيد به بيت معتقداتي من جديد، فأبني بذلك بيتاً جديداً، حتى لو كان كوخاً، فإنه يفضل ذلك القصر.لا أعلم إلى أين ستقودني الحياة في ذلك القصر، لكن بما أنني لم أبنِ هذا الكوخ بناءً على إيحاءات وتلقينات الآخرين الذين أظن بهم الخطأ وسوء النية والجهل، بل بنيته على أساس فهمي الخاص، فأنا أعلم ما هو المصير الذي تفضي إليه الحياة فيه. أود أن أؤكد أن الشك المنهجي هو نتيجة للإيمان بتينك المقدمتين، وإذا أردتم أن تعيشوا حياة أصيلة فعليكم أولاً أن تؤمنوا بتينك المقدمتين، ثم تشكوا، وإلا فإن شككم سيكون غير أصيل أيضاً. عليكم أن تصلوا بناءً على فهمكم الخاص إلى أن أوثان بيكون الأربعة لا تزال حية، وأن ملاريا الجهل والخطأ وسوء النية لم تُستأصل بعد، لتكون النتيجة الطبيعية للاعتقاد بهاتين المقدمتين هي ذلك الشك المنهجي الذي تقولون فيه: إني أضع أساساً على أن معتقداتي غير صحيحة، ولهذا السبب يجب أن أمتحنها واحداً تلو الآخر لأرى هل «الله موجود؟»، «هل توجد حياة بعد الموت؟» «ارتباط الله ببعض البشر عن طريق الرسالة والنبوة»، «تكليم الله لبعض الأفراد وتبليغ الرسالة إلى جميع البشر من خلالهم»، «غائية عالم الخلق»، «معنى الحياة»، «أخلاقية نظام الخلق» صحيحة أم لا؟ إذن فبإمكان الإنسان أن يتأمل من جديد في كل هذه الأمور، وقد تكون حصيلة هذا التأمل مؤيدة للعقيدة السابقة أو مضعفة لها، وأياً كان الأمر فهو حسن، ولكن إذا توصلتم بعد التأملات إلى أن عقائدكم الموروثة غير صحيحة، فإن العيش على أساس هذه العقائد الجديدة هو الحياة الأصيلة، لا على أساس العقائد السابقة. ما أريد قوله هو أن العملية الصحيحة هي أن نحيا بناءً على فهمنا الخاص، وليس المهم ما هي العقائد التي تكون نتيجة هذه العملية وحاصلها، بل علينا أن نرحب بأي عقيدة نحصل عليها بناءً على هذه العملية. كثير من الناس عندما انتهجوا الحياة الأصيلة، وجدوا أن عقائدهم السابقة كانت صحيحة؛ فالغزالي مثلاً عندما شك، تأكدت معظم عقائده تقريباً بعد شكه، وكذلك باسكال. أما سبينوزا فعندما شك، لم تتأكد أي من عقائده السابقة تقريباً بعد الشك. إذن فقد عاش سبينوزا وباسكال والغزالي حياة أصيلة، وقد نعيش أنا وأنتم أيضاً حياة أصيلة، لكن ما هو الحاصل الذي سنصل إليه بعد اجتياز عملية الحياة الأصيلة ليس مضموناً مسبقاً، فقد تتأكد عقائدكم أو لا تتأكد. على أية حال، ليس من الضروري ألا تتأكد عقائدكم بعد انتهاج الحياة الأصيلة، بل قد تتأكد جميعها. الفرق الوحيد بينكم الآن وقبل هو أنكم سابقاً كنتم تعيشون بهذه العقائد لأن فلاناً قالها، أما الآن فتعيشون بنفس العقائد لأنكم أنتم وجدتموها هكذا. مثلاً، نقول حتى الصف الثاني أو الثالث الإعدادي: مجموع زوايا المثلث ۱۸۰ درجة، وإذا سألنا أحد: لماذا؟ نقول: لأن المعلم أو المعلمة قال ذلك. وفيما بعد عندما يقام البرهان على هذه المسألة نظل نقول نفس الشيء، لكن إذا سألونا عن دليله نقول: لأنه أقيم علي برهان لم أستطع أن أشكك في أي مقدمة من مقدماته. معنى هذا أنه إذا قالت لنا تلك المعلمة أو ذلك المعلم غداً: إن كلامي بأن «مجموع زوايا المثلث ۱۸۰ درجة» كان خطأ، نجيب: نحن نعتقد بتلك الجملة، حتى لو تراجعت عن كلامك؛ لأنه قد أقيم البرهان على هذه المسألة وفهمي يقول: مجموع زوايا المثلث ۱۸۰ درجة. إذن، فالفرق بين الحياة الأصيلة والحياة غير الأصيلة يكمن في عملية تحصيل العقائد، لا في نفس العقائد التي تنشأ، وهذه العقائد التي تنشأ قد تكون عقائدنا السابقة أو لا تكون. وهكذا، يبدو أن الشك المنهجي، بمعنى إعادة النظر وعدم التقليد، هو المكون المهم للحياة الأصيلة، وإذا عاش المرء هكذا فإنه ينعم بالطمأنينة ويكون سعيداً ومفعماً بالأمل. إذن، فأياً كانت نتيجة هذه العملية، فأنا سعيد؛ لأني أحسب في نفسي أنني أولاً: قد بذلت جهداً صادقاً ولم أقصد خداع نفسي أو غيري. وثانياً: أنني بذلت جهداً حقيقياً وتوصلت إلى هذه العقيدة بجدية وصدق، ولأنها واضحة لدي فأنا أعيش على أساسها؛ وبما أنه لا ينبغي أن أضحي بعقيدتي الواضحة من أجل أشياء ورثتها عن الآخرين وليست واضحة، فأنا أفعل ذلك، ومهما يحدث فأنا رابح لا خاسر. لقد قلت مراراً إنكم إذا عشتم بعقائد حصلتم عليها بناءً على حياة أصيلة، فلن تخسروا شيئاً إن كان الله موجوداً، وإن تبين أن الله غير موجود فلن تخسروا شيئاً أيضاً. أنتم في حالة وصفها فتغنشتاين بقوله: «الإنسان المتدين هو من يشعر بالأمان». إذا عشتم حياة أصيلة، فستحصلون على مثل هذا الاطمئنان القلبي. لأنه إذا كان هناك إله، فكيف وبأي استدلال يمكنه أن يعارض الحياة الأصيلة؟ إذا كان هناك إله وحياة بعد الموت، فستقول: يا إلهي! لقد سعيتُ بكل صدق وجدية لأعرف ما هو الرأي الصحيح وما هو الخاطئ، لم أكن مقلدًا أو متعبدًا أو سائرًا مع القطيع وباحثًا عن المحبوبية، ولم تكن للآراء العامة قيمة عندي؛ لقد ذهبتُ بنفسي بكل صدق وجدية بحثًا عن الواقع ووصلتُ إلى أن «أ هو ب»، فإذا كان «أ هو ب» هذا غير مطابق للواقع، فماذا يُنتظر مني؟ لم أقصّر في شيء! لا يمر وقت أطرح فيه هذا النقاش دون أن أتذكر جملة برتراند راسل الرائعة، التي لو أنه قال هذه الجملة وحدها لعرفت كم كان رجلًا حكيمًا. أجرى برتراند راسل في أواخر عمره، وهو في التاسعة والتسعين، مقابلة مع صحيفة الغارديان: سألته المراسلة: سيدي البروفيسور، أنت تقول منذ تسع وتسعين سنة إن الله والحياة بعد الموت غير موجودين، وستفارق الحياة عن قريب؛ فإذا فارقتَ الحياة ورأيتَ أن الله موجود والحياة بعد الموت موجودة أيضًا، فماذا ستفعل؟ أجاب برتراند راسل: سيدتي المراسلة، هذا الإله الذي تقولين إنه موجود، وأنا أقول إنه غير موجود، هل هو عادل في النهاية أم لا؟ قالت المراسلة: بالطبع هو عادل. قال برتراند راسل: إذا كان عادلًا فلا مشكلة أبدًا. المراسلة: لماذا؟! قال برتراند راسل: لأنني إذا كان عادلًا سأقول له: يا إلهي! كان ينبغي إما أن تجعل أدلة الفلاسفة الذين يثبتون وجودك أكثر إقناعًا، أو أن تجعل ذهني أكثر سذاجة وسرعة في التصديق من هذا، فلا ينبغي أن أدفع أنا ثمن ضعف أدلتهم! وكون ذهني بطيء التصديق ليس بيدي، لأنك أنت من صنعت ذهني، وإلا لو كنتُ إنسانًا ساذجًا سريع التصديق كعامة الناس في الشارع والسوق لكانت هذه الأدلة ــ وإن لم تكن مقنعة ــ مقنعة لي أيضًا. برأيي هذا الكلام صحيح جدًا؛ فالله لا يستطيع أن يطلب من أحد فوق وسعه: «لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا»، وليس الله فحسب، بل لا يستطيع أي عادل أن يطلب ذلك. هذه الآية تعني «لا يكلف عادل نفسًا إلا وسعها». من يعيش حياة أصيلة، يقول لله هكذا: لقد تصرفت في الحياة بكل صدق وجدية. ذهبتُ إلى الأدلة وقستها. ولم يكن التفكير جزءًا من كماليات حياتي ــ لأن التفكير بالنسبة لأكثرنا جزء من كماليات الحياة، أي أننا حين نتعب ولا يكون لدينا أي عمل آخر نفكر ــ والآن إن كان هناك كلام معقول، فأنا تابع للبرهان الأقوى. لذلك يبدو لي أننا إذا حصلنا على هذا النوع من الحياة، فلن نكون قد خسرنا في الواقع؛ والحصول على هذا النوع من الحياة مرهون بأن «نطالب بالدليل». هنا يتضح لنا نفق اتصالنا بنظرية المعرفة، التي هي أصل النقاش؛ أي أننا يجب أن نطالب بالدليل لكل رأي. طبعًا لا شك أنه حين تقررون المطالبة بالدليل، لا ينبغي أن تبدأوا من أصغر أمور الحياة، بل اذهبوا أولًا إلى الآراء الصحيحة والمهمة في حياتكم. مثلًا، لم تجدوا جدارًا أقصر من زوجتكم، فحين تقول: لنضع هذا التلفاز هناك، تقولون: هاتِ الدليل! في حين أن مشكلتكم ليست هذه؛ مشكلتكم هي أولئك البشر الذين فرضوا عليكم آراء كبيرة ومهمة، وأنتم بدوركم نظمتم حياتكم على أساسها. ألا ينبغي لنا، نحن الذين نذهب إلى عشرة دكاكين لشراء كيلو من الأرز ونسأل عن سعره، أن نذهب إلى أماكن أخرى ونسأل عن الثمن لأكبر وأخطر مسائل الحياة؟ هل حدث حقًا أنكم اشتريتم كيلو من الجبن لمجرد أن دكانًا ما أقرب إليكم، أم تذهبون إلى عدة بقالات كي لا تشتروا الجبن بسعر غالٍ؟ فكيف وبأي استدلال أخذتم أعظم آرائكم من أكثر الناس قربًا من متناول أيديكم؟! أليس مضحكًا برأيكم أننا نذهب إلى ألف مكان ونتقصى لأمر لا تتجاوز خسارته القصوى ألف تومان، لكننا نأخذ آراءنا الأساسية في الحياة من أقرب دكان في متناول اليد ونقول: حسنًا، هؤلاء كانوا في متناول أيدينا! لذلك يجب أن نطالب بالدليل، والمطالبة بالدليل تجرنا إلى أن نفحص ونرى أصلًا ما الذي يُعتبر دليلًا؟ أي كلام هو دليل وأي كلام ليس بدليل؟ مثلًا، تكرار الدعوى ليس دليلًا. تكرار الدعوى يعتبره دليلًا أولئك الذين هم أهل الدعاية[۱۳]. مثلًا يقولون: التفاح فقط مثل التفاح. نسأل: لماذا؟ يقولون: لأن التفاح فقط مثل التفاح. في حين أنهم لو كرروا الدعوى مئة مرة فلن يأتوا بدليل. كذلك يجب الانتباه إلى أن دليل أمر ما، ليس دليلًا لأمر آخر. هذا تحصيل حاصل وواضح؛ ولكن يبدو أننا لا نقبله وأحيانًا في الحياة نقبل دليل أمر ما كدليل لأمر آخر. افترضوا أنكم تقولون لي: أثبت أن «الماء يغلي عند درجة المئة». أقول لكم: أنظر إلى الساعة وبنظرتي تتحول ساعة الحائط إلى مسحوق وتنهار. إذا فعلتُ هذا فسيقول جميعكم: إن ما كان يقوله فلان «يغلي الماء عند درجة مئة» كلام صحيح، لأن إنساناً يستطيع بنظرة واحدة أن يسحق ساعة الحائط لا يمكن أن يكون كلامه غير صحيح. لكن هل هذا دليل حقاً؟ أو مثلاً تقولون لي: أثبت أن ثمة حياة بعد الموت. فأقول: سأضع الآن جبل دماوند الواقع شمال طهران في جنوب قم. إذا فعلتُ هذا فإن الأغلبية الساحقة من الناس على وجه الأرض ستقول: إذن فلان الذي كان يقول بوجود حياة بعد الموت كان على صواب؛ غافلين عن أنه بهذا الفعل أثبت أن لعينه قدرة تفوق قدرة عيون الآخرين، لكنه لم يثبت أن ثمة حياة بعد الموت. كذلك إذا قمتُ، بدلاً من أن أثبت أن هذا القلم السحري لا يكتب جيداً، بتحويله إلى أرنب، فلن أكون قد أثبتُ أن هذا القلم السحري لا يكتب جيداً، لأن «هذا القلم السحري لا يكتب جيداً» يحتاج إلى دليل آخر. بعبارة أخرى، وكما نؤمن في مبحث الأنطولوجيا بسنخية العلة والمعلول، ينبغي لنا في مبحث الإبستمولوجيا أن نؤمن بسنخية الدليل والمدلول. يجب أن يكون الدليل متناسباً مع المدلول، تماماً كما يجب أن تكون العلة ذات سنخية مع معلولها في مبحث الأنطولوجيا. وكما أن كل شيء لا يصلح علة لكل شيء، فكذلك كل دليل لا يصلح دليلاً لكل دعوى. لذا ينبغي أن نطالب كل شخص بدليل دعواه، وإذا ساق أي دليل آخر نقول: كل هذا محفوظ في موضعه، لكن ما هو دليل دعواك الأصلية؟ وثمة أمر آخر ينبغي الانتباه إليه، وهو أن دليلية الدليل أمر نسبي، ولا يمكن أن يقال: هذا الدليل قد أقنع صدر الدين الشيرازي، فماذا تقول أنت بعقلك الصغير؟ لا ينبغي أن يُظن أنه إذا أقنع دليلٌ ما ابن سينا فلا بد أن يقنعني، وإذا لم يقنعني فلا بد أن ذهني يعتريه خلل أو أن عقلي لا يعمل جيداً؛ بل من الممكن أن يكون شيء ما دليلاً مقنعاً لك، لكنه لا يكون مقنعاً لي، أو العكس. إقناعية الدليل مرهونة تماماً بذهن المخاطب الذي يُقام له الدليل، ولا ينبغي أن يقال: هذا الدليل لم يستطع الفيلسوف الفلاني رده أيضاً، فهذا لا يعنيني، وفي نظري يمكن التشكيك في واحدة أو اثنتين أو ثمان من مقدماته. لقد قلت مراراً ــ لأنها من الحقائق التي ينبغي أن تُقال دوماً، إذ سرعان ما نغفو بعد سماعها ويحتاج الأمر إلى من يذكرنا بها ثانية ــ لا تغلقوا دكانكم أبداً بسبب سوبر ماركت الآخرين. إذا كان ابن سينا إنساناً عظيماً وكان لديه سوبر ماركت فكري ـ ثقافي هائل، فليكن؛ ونحن أيضاً لنا دكان صغير تحت هذه السلالم، وضعنا بضع علب إلى جانب بعضها وسكبنا فيها قليلاً من الحمص والفاصولياء. لا ينبغي لنا أن نغلق هذا الدكان. طبعاً لا نقول إن على ابن سينا أن يغلق سوبر ماركته، لكن ربما لم يجد أحدهم بضاعته المنشودة في سوبر ماركته فاشتراها منا. نحن لا نتوقع بالطبع أن يأتي كل العالم والناس إلى دكاننا، فما دام ابن سينا موجوداً فلن يأتينا أحد، لكن إن جاءنا أحد أخيراً فدكاننا مفتوح. لذا، فكلما أغلقتَ دكانك بسبب افتتاح سوبر ماركت بجوارك، صارت حياتك حياة مستعارة لا حياة أصيلة. أليس هؤلاء الفلاسفة الكبار أنفسهم من أوردوا أحد الأدلة على الحياة بعد الموت على هذا النحو: كثير من الناس الذين يموتون يأتون بعد موتهم في منام أقربائهم، ويقولون أحياناً أشياء مطابقة للواقع ويكشفون عن أسرار. ثم يقولون: حسناً، من الواضح أن بدنه قد تحلل. إذن يتضح أن له روحاً هي التي جاءت إلى منام الآخر. أتعلمون ما مؤدى هذا الدليل؟ إنه أن صورة قد جاءت في منام الشخص س، وهذه الصورة من وجهة نظر الشخص س هي أشبه صورة بالشخص ص، إذن هي مساوية للشخص ص. هذا الاستدلال لا يمكن لأي أحد أن يقبله. هذه المعادلة القائلة «صورة تأتي في منام س، وهي من وجهة نظر س أشبه صورة بصورة ص، تساوي ص» لا يقبلها أي رياضي، لكن ابن سينا قبلها على أية حال. فهل ينبغي لي الآن، لأنني لو جددتُ واجتهدتُ حتى آخر عمري فقد لا أبلغ معشار عظمة ابن سينا الفكرية، أن أغلق دكاني؟ وهذا كلام ابن سينا، فما بالك بالفلاسفة من الطراز العاشر والعشرين والخمسين. عندما نقول هذا عن ابن سينا، فماذا تتوقعون منا أن نقبل كلام فيلسوف من الطراز العاشر؟ لغاليليو عبارة رائعة جداً. كان يقول: الكهنة (وليس رجال الدين) يقولون من جهة: إن أعظم نعمة أنعم الله بها عليكم هي العقل؛ ومن جهة أخرى يقولون: إذا عرضت لكم أية مسألة وأردتم اتخاذ قرار فيها فتعالوا واسألونا نحن الكهنة!مثل هذا كأن يهديك شخصٌ ساعةً بعد ألف مِنّة، ثم يقول لك: ولكن متى أردت أن تعرف كم الساعة فعليك أن تسألني أنا، ولا تنظر إلى ساعتك. أنا أخبرك بالوقت، وأنا أقول: إذن هذه الساعة ليست إلا وزراً ووبالاً عليّ. ساعة لا أستطيع أبداً أن أنظر إليها لأفهم الوقت، ماذا تنفعني؟ والآن أنتم تقولون: إن أعظم نعمة أنعم الله بها عليكم هي العقل، ولكن تعالوا اسألونا عن كل شيء! إذن فليس لنا من هذا العقل إلا ثقله. هل هذا منطق، وهل يُعدّ نعمة؟» لذلك ينبغي أن نبقي دكّتنا مفتوحة، ونقول لكل أحد: هات دليلك لأرى إن كان بوسعي قبول كلامك أم لا؟ في هذه الحال تكون لنا حياة أصيلة؛ أما بمجرد أن نقول: أقبل لأنك من العظماء، أو لأن الرأي العام يقول هذا، أو لأني أريد أن أساير الجماعة، أو لأن شعبيتي تُحفظ، أو لأن رضا الناس يُحفظ، أو لأنكما أبي وأمي... إلى غير ذلك، فلن تكون لكم حياة أصيلة. وأود أن أقول أيضاً: كل من قال بوجوب طاعة الوالدين ليست له حياة أصيلة. لا شك طبعاً في صحة احترام الوالدين، لكن الاحترام غير الطاعة. أصلاً لماذا ينبغي أن نطيع الوالدين؟ هل لمجرد أن شخصين تسببا في مجيئي إلى الدنيا يجب أن أطيعهما؟ أهذا دليل؟! في القرآن على لسان قوم يقولون: «إنّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإنّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ» [الزخرف: ٢٢] ثم يقول القرآن: «أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا؟» [البقرة: ١٧٠] فكيف إذن كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً، أما آباؤنا فليسوا كذلك؟ لدينا الكثير من هؤلاء الآباء والأجداد، ممن يجب أن نسمع كلامهم لأنهم من العظماء و...، ولذلك ليست لنا حياة أصيلة. أول علامة على أننا لا نملك حياة أصيلة هي أننا لسنا سعداء، ولا آملين، ولا ننعم بالطمأنينة. إن امتلاك حياة أصيلة ضروري للسببين اللذين سأذكرهما: ١) إذا كنتم تهتمون بدواخلكم وتريدون أن تكون لكم داخلية عامرة، فلا سبيل إلى ذلك إلا بهذه الطريق. طبعاً جربوا هذا بأنفسكم ولا تقبلوه لمجرد أني أقوله، أو لأن العرفاء أدركوا هذه النكتة. ٢) إن الغالبية الساحقة من مشكلاتنا الاجتماعية تعود إلى أننا نعبد الأصنام، ونحن عملة بلا أجر لآراء الآخرين وأفكارهم، وهم الذين ينظمون حياتنا! وهكذا نحن بحاجة مضاعفة إلى الحياة الأصيلة، لأن البشر الذين يمتلكون حياة أصيلة ينتفعون هم أنفسهم، وبقدر ما يتأثر المجتمع بهم ينتفع منهم. إلهي فاجعل ختام الأمر لنا أن ترضى عنا ونحن فائزون
.
.
[۱] . vicarious [۲] . authentic [۳] . gossip [۴]. يستخدم هايدغر، متأثراً بسقراط، تعبير "غير المُختَبَر". [۵]. ambiguity [۶]. يحدث التشويه عندما أستبدل اعتقاداً تريدني أن أتبناه باعتقاد كنتُ أرغب في تبنيه أنا. ويحدث الإخفاء عندما أحافظ على روحي المتكاملة ولكن لا أسمح لك بأن تطلع على اعتقادي الحقيقي. [۷]. principle of social proof [۸]. selfchallenging [۹]. بناءً على ما إذا كنا نأخذ "من دون" بمعنى "غير" أو بمعنى "علاوة على"؛ حيث وردت في اللغة العربية بكلَي المعنيين. [۱۰]. Etymologists [۱۱] . rationalization [۱۲] . dogmatistic [۱۳] . propaganda
.
.
.
.
الفلسفة
الفلسفة
علم النفس
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال١ تعليق
با سلام ممنون میشم اگر pdf مقاله بسیار عالی فوق رو قرار بدید...