اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يحلل مصطفى ملكيان وظائف الدين في الماضي وظهور الفردانية في العصر الحديث، ويدرس بواعث العودة إلى المدرسة الرواقية، ويبين معنى الحياة الأصيلة استنادًا إلى نهج البلاغة وتأملات ماركوس أوريليوس.

بتحية طيبة إلى السيدات والسادة، مع الإعراب عن سعادتي بالحضور في هذا الجمع. موضوع النقاش هو الحياة الأصيلة بالنظر إلى مقاطع من نهج البلاغة ومقاطع من تأملات ماركوس أوريليوس الفيلسوف الرواقي. وللخوض في هذا النقاش، لا بد لي من أن أتناول أولاً مسألة لماذا حظيت المدرسة الرواقية منذ النصف الثاني من القرن العشرين فصاعداً بهذا الإقبال المتجدد في العالم؛ لأنه بعدم تناول هذه المسألة، يُطرح الإشكال التالي: ما هي أولوية الاهتمام بماركوس أوريليوس مقارنة بسائر الحكماء؟ لتوضيح هذه المسألة سأتطرق إلى عدة نقاط.
النقطة الأولى هي أن الواقع هو أنه في عالم التقليد وما قبل الحداثة والحداثوية، كانت الأغلبية وعموم الناس يتبنون رؤية دينية ومذهبية، وكان للدين والمذهب ثلاث وظائف لهم: الوظيفة الأولى للأديان والمذاهب هي كونها خريطة؛ ففي الواقع كانت الأديان تُظهر للناس مخططاً وخريطة كلية لعالم الوجود تشمل كل شيء وتتناول جميع الموجودات، وجميع الأزمنة، وعوالم الطبيعة وما وراء الطبيعة، وكانت الأديان تؤدي للإنسان وظيفة الخريطة. الوظيفة الثانية للأديان هي أنها كانت تُعتبر كتاب قانون وتُحدد للإنسان ما يجب فعله وما لا يجب فعله. كانت الأديان تقول أي الأمور يجب القيام بها وأيها يجب اجتنابها، وأي الأعمال لها ثواب وأيها لها عقاب، وكيف ينبغي للأفراد أن ينظموا علاقاتهم مع أنفسهم، ومع الله، ومع الآخرين من البشر، ومع الطبيعة. الوظيفة الثالثة التي كانت تؤديها الأديان هي تقديم الوصفة والحلول للأمراض الروحية والنفسية والذهنية للبشر، حيث كانت ترشدهم إلى الطريقة والأسلوب الذي يعالجون به أرواحهم؛ ومع أن بعض الناس كانوا يطلبون من الأديان علاج أمراضهم الجسدية أيضاً، إلا أن أكثر الناس كانوا يسعون، بالرجوع إلى الدين، إلى علاج أمراضهم الروحية والداخلية. كانت الأديان تختلف فيما بينها بحسب تأكيدها على كل جانب من الجوانب المذكورة، فبعضها كان يؤكد أكثر على جانب الخريطة، وبعضها على جانب الوصفة، وبعضها على وظيفة كونها قانوناً؛ ولكن مع هذا الاختلاف، كانت جميع الأديان بشكل عام تمتلك الوظائف الثلاث المذكورة، وكان الناس في الماضي يدبرون ويديرون حياتهم الفردية والأسرية والاجتماعية والسياسية بالرجوع إلى الأديان والمذاهب والقائمين عليها. كان نمط الحياة هذا سائداً بين الناس لقرون؛ ولكن منذ بداية الحداثة فصاعداً، فقدت الأديان شيئاً فشيئاً هيبتها وحجيتها في أذهان الناس ونفوسهم. بدأت هذه القصة أولاً في أوروبا، ثم امتدت إلى القارة الأمريكية، ثم انتقلت إلى الشرق الأقصى، وبالتوازي مع انتشار الحضارة والثقافة الغربية في جميع أنحاء العالم، أصبحت مصداقية الأديان والمذاهب ونفوذها لدى الناس موضع تساؤل. في الماضي، وعلى الرغم من أن الناس كان بإمكانهم تعريف أنفسهم تحت عنوان دين معين، وكان لديهم التزام نظري وعملي إجمالي بذلك الدين، وكان ذلك الدين يلبي احتياجات الأفراد؛ إلا أنه فيما بعد طُرحت سلسلة من المشكلات النظرية والمشكلات العملية للبشر، مما جعل الدين يفقد قوته وهيبيته لدى الناس.
النقطة الثانية هي أنه في العصر الحديث اكتسبت المُثُل الاجتماعية أهمية بالغة لدى الناس؛ بينما لم تكن تحظى بهذه الأهمية في الماضي وفي العصور السابقة. وبمعنى أكثر دقة، أصبح الناس شيئاً فشيئاً بحاجة إلى مجتمع يتوفر فيه النظام، والأمن، والرفاه، والعدالة، والحرية، والسلام مع البلدان الأخرى. هذه المُثُل الاجتماعية الستة لم تكن مطروحة قط بهذه الدرجة من الضرورة والحاجة في عصر ما قبل الحداثة، ولم تكن الأنظمة السياسية والدول في الماضي تتكفل بتحقيق هذه المُثُل، وكانت وظائف الدول محدودة بتوفير الأمن ضد الاضطرابات الداخلية والأجانب الخارجيين وجباية الخراج. في العصر الحديث أصبحت الدول تتولى جميع الشؤون الاجتماعية بما في ذلك التعليم والتربية، والصحة، والثقافة... إلخ، واقتضى ذلك أن يُتوقع من الدول أن تحقق المُثُل الاجتماعية في المجتمع. وعلى إثر هذه المطالب، تشكلت وجهات نظر مختلفة ومدارس سياسية متعددة سعت إلى تحقيق الدولة المنشودة القادرة على تفعيل هذه المُثُل في المجتمع؛ ولكن الواقع هو أن أياً من هذه المدارس لم تستطع أن تتبوأ مقعد القبول لدى جميع البشر، وأن تزيح المدارس الأخرى بقوة واستدلال، أو على الأقل بحلحلة عملية للمشكلات، وأن تتمكن من تحقيق مجتمع تتوفر فيه المُثُل الستة: النظام، والأمن، والرفاه، والعدالة، والحرية، والسلام.
النقطة الثالثة التي أتطرق إليها هي أنه في العصر الحديث ظهر نوع من الفردانية (individualism)؛ والفردانية تعني أنه ينبغي ترك كل فرد إنسان وشأنه، وطالما أن أسلوب حياته لا يتسبب في ألم ومعاناة الآخرين، فيمكنه أن يعيش بأسلوبه وطريقته الخاصة. في الواقع، بناءً على الفردانية، لا يمكن فرض أسلوب ونمط حياة واحد على الجميع، والبشر أحرار في اختيار أسلوب ومنهج حياتهم بأنفسهم، حتى لو كان أسلوب حياتهم مختلفًا عن الآخرين، وحد هذه الحرية هو عدم التعدي على حقوق الآخرين. بناءً على هذا التوجه، لا تستطيع الحكومات دفع جميع الأفراد نحو نمط حياة مشترك ومتشابه؛ بل ينبغي عليها الاعتراف بالفرديات، ولا يمكنها ويجب عليها فقط من خلال تطبيق القانون أن تمنع احتكاك الأفراد وتعدي المواطنين على بعضهم البعض؛ وبالتالي فالأفراد أحرار في اختيار أسلوب حياتهم بأنفسهم، ويعتبرون أنفسهم محقين، بل وفي مقام أعلى ملزمين، بأن يحققوا أسلوب ومنهج حياتهم بالرجوع إلى العقل واحتياجاتهم ورغباتهم، ويجب على الحكومات أن تكون حارسة لحرية الأفراد. تجعل الفردانية العالم متكثرًا ومتنوعًا من حيث أسلوب الحياة، وعلى عكس الماضي حيث كانت أنماط الحياة تقريبًا ثمانية أنواع وقائمة على الاختيارات الجمعية، مثل نمط الحياة الإسلامي والهندوسي والبوذي والمسيحي وغيرها... أصبحت أنماط الحياة اليوم فردية، ولدى الأفراد اختلافات، لا عداوات، في أسلوب الحياة مع بعضهم البعض، وكأن دفع الآخرين نحو نوع واحد محدد من الحياة الصحيحة والفضيلة قد أصبح منسوخًا.
النقطة الرابعة بشأن العالم الحديث هي أنه كلما اقتربنا زمنيًا من عصرنا، اتسع المجال النظري للإنسان وضاق مجاله العملي. في الماضي، لم يكن البشر على دراية بأساليب حياة الآخرين في جميع أنحاء العالم، كانوا متدينين بدينهم ولم يعرفوا أن ثمة أديانًا أخرى في العالم وأن أناسًا يعيشون وفقًا لها، لم تكن لديهم معلومات تذكر عن الأنظمة السياسية في البلدان الأخرى، لذا كان أفق نظرهم النظري محدودًا بحياتهم الخاصة، وكانوا يمضونها بما فيها من حسنات وسيئات، وكانوا راضين عنها، ولأنهم كانوا غافلين عن الآخرين من الناحية النظرية، لم يكونوا يقعون في المقارنة ولم يقارنوا شؤونهم بالآخرين؛ أما في العصر الحديث، ومع انتشار وسائل الاتصال والإعلام، فإن البشر، في الوقت الذي يعيشون فيه في عالمهم الخاص، يدركون العوالم الأخرى أيضًا، هم متدينون بدينهم لكنهم يعرفون الأديان الأخرى أيضًا، ويعلمون أنه بمعزل عن نظامهم السياسي، توجد مذاهب سياسية أخرى في العالم، وكذلك في سائر المجالات، اتسع الأفق النظري أمام الإنسان كثيرًا، وقد أدى هذا الاتساع في النظر إلى إتاحة مجال المقارنة، فأخذ البشر يقارنون باستمرار أسلوب حياتهم ودينهم وثقافتهم ودولتهم... إلخ مع سائر أفراد البشر، وحدث التنوع والتعدد الذي يدعو كل منهما الإنسان إلى الاختيار. ونتيجة لهذا الاتساع في النظر، وقع البشر في ضيق على صعيد العمل؛ إذ من جهة، اتسعت الخيارات وصار الاختيار صعبًا، ومن جهة أخرى، ترابطت حيوات البشر وتأثر بعضها ببعض؛ وهكذا لم تعد خيارات كل فرد وأفعاله شأنًا يخصه وحده؛ بل صارت تؤثر على الآخرين أيضًا، ولم يعد بوسع البشر أن يتجاهلوا أفعالهم وعواقبها؛ لأن الآخرين يبدون ردود فعل تجاهها. وهكذا ازدادت معرفة الإنسان بينما تضاءلت قدراته أكثر فأكثر. لقد وضعت هذه العوامل مجتمعةً البشر في حالة من الحيرة جعلت الإنسان حائرًا تائهًا في مقام اختيار أسلوب الحياة والدين والدولة... إلخ، ونشأ في العالم نوع من اللامعيارية العملية؛ لذا فهو حائر في ساحة النظر في اختيار أسلوب الحياة، وفي ساحة العمل، أي نمط حياة يختاره يؤثر على البشر الآخرين أيضًا. شيئًا فشيئًا، أوصلت هذه الحيرة البشر إلى حد أنهم قرروا ترك القيل والقال والانشغال بمسلّمات حياتهم والعيش على أساسها، وفي الواقع، مال الإنسان نحو حياة أكثر إيجازًا وتركيزًا على الذات. ينبغي الانتباه إلى أن ما هو مسلّم به اليوم للفرد نفسه يختلف عما كان يُعتبر مسلّمًا به في الماضي؛ فمثلاً، كانت الأديان في الماضي تقول بوجود الله وبوجود آخرة؛ أما الآن فلا يُعتبر وجود الله والآخرة من المسلّمات، أو حصل الشك والريبة بشأن حرية الإنسان والنظام الأخلاقي للعالم وكثير من المعتقدات الأخرى، ولم تعد تُعتبر من المسلّمات. من المسلّمات بالنسبة لنا أنني، أيًا كانت معتقداتي وقناعاتي في أي مجال، فإن عمري محدود وسأمضي سنوات محدودة في هذا العالم. الأمر المسلّم التالي هو أن كل إنسان، خلال عمره المحدود، توّاق إلى الطمأنينة والسعادة والأمل والرضا والمعنى في الحياة. كل إنسان يريد أن يكون في سلام مع نفسه طيلة حياته، وأن يكون سعيدًا بعمق، وألا يعاني من القلق والحزن، وقد أظهرت الأبحاث النفسية أنه لا يمكن بلوغ الطمأنينة والسعادة والمعنى... إلخ من خلال الثروة والشهرة والسلطة والمحبوبية والعلم. من جهة أخرى، البشر ليسوا متكفلين بحياة بعضهم البعض، ولذلك يبحث الإنسان عن سبيل لا يلغي فيه الحياة الدنيوية المحدودة ولا يجعلها زائدة عن كل حياة وكل مثال أعلى آخر؛ لأنه ليس من الواضح أن تكون المُثُل الأخرى حقيقية لتوصله إلى مبتغاه أي الطمأنينة والأمل والمعنى والسعادة.
شيئًا فشيئًا، بعد الحرب العالمية الثانية، أدرك الإنسان أنه يستطيع أن يحيا هذه الحياة دون هذا القيل والقال ويبلغ مبتغاه، وفي هذا السياق، استرعت ثلاثة مذاهب انتباه البشر في العالم، كانت هذه المذاهب قد فهمت حيرة الإنسان مسبقًا وقدمت وعودًا حدًا أدنى لتدبير شأن الإنسان وحياته.
إحدى هذه المدارس هي مدرسة البوذية، وخصوصاً فرع زن البوذي الذي يُعدّ أحد فروع الديانة البوذية. صحيح أن تعبير الديانة البوذية مُضلِّل ويُوحي إلى الذهن بمفهوم الدين؛ بينما يمكن النظر إلى بوذا من منظورين. المنظور الأول: بوذا بوصفه مؤسس دين ومذهب كسائر مؤسسي الأديان والمذاهب، والمنظور الثاني: رؤية بوذا الحقيقي والنظر إليه نظرة تاريخية حيث لم يكن بوذا يشتغل بدين ومذهب معين ولم يدعُ الناس إلى دين محدد. بوذا هو المؤسس الوحيد لدين ومذهب الذي كان يقول: أنا لا أدعوكم إلى دين معين؛ ولكن إن كنتم قد قبلتم أن لديكم مشكلات في الحياة، فلديّ حلول لها، وبإمكانكم أن تختبروا إرشاداتي وحلولي، وإن لم تحصلوا على النتيجة المطلوبة فلا تقبلوها، فبوذا لم يكن يعتبر كلامه فوق كل كلام.
المدرسة الثانية التي حظيت بالاهتمام في العالم هي المدرسة الرواقية التي هي موضوع حديثنا اليوم. مدرسة قليلة الادعاءات، ليس لديها كلام في الميتافيزيقا وما وراء الطبيعة، وتتمحور تعاليمها حول كيفية عيش هذا العمر المحدود في هذا العالم.
المدرسة الثالثة هي مدرسة سبينوزا الهولندي، فيلسوف وحدة الوجود.
أنا منذ سنوات أقول إن حل مشكلاتنا يكمن في الجمع بين العقلانية والمعنوية؛ أي ألا نُزيل العقلانية لصالح المعنوية كما حدث في الفكر الهندي القديم الذي اندثر في النهاية، ولا أن نكون عقلانيين فحسب ولا نؤدي حق المعنوية كما في مدرسة الحداثة. من وجهة نظري، أكبر تجسيد للجمع بين العقلانية والمعنوية هو سبينوزا، ثم الديانة البوذية، والمدرسة الثالثة هي الرواقية. ومع أن الرواقيين أكثر أهمية في نظر العالم، إلا أنني أرى أن رؤية سبينوزا أكثر قابلية للدفاع عنها. في العقود الماضية، لم تكن آراء الرواقيين مطروحة بهذه الصورة، وكان الاهتمام منصباً أكثر على أفكار أفلاطون وأرسطو وغيرهما، ولكن بسبب التحولات المعرفية والعملية الكثيرة التي حدثت في العالم، يحظى الرواقيون اليوم باهتمام بالغ. كان للرواقيين مقترحات لحياتنا الراهنة والدنيوية هذه، لو انتبهنا إليها، فلن نخسر في هذه الحياة حتى لو وُجد عالم آخر أو لم يوجد. أحد الذين تأثروا بالمدرسة الرواقية هو ماركوس أوريليوس إمبراطور روما القديمة، ومن المثير للتأمل أن يدير شخص ذو رؤى رواقية بلداً في خضم الحرب والقتل وسفك الدماء. الكتاب المسمى تأملات أو أفكار ماركوس أوريليوس، وهو من أنفس الكتب في العالم في هذا المجال، ليس كتاباً كتبه ماركوس للآخرين؛ بل كتبه لتذكير نفسه وتنبيهها.
كان الفكر الرواقي مؤثراً في العالم الإسلامي أيضاً دون أن يُذكر اسم الرواقيين. يذكر شتيفان كورنر، أحد أكبر شرّاح كانط، في مقدمة كتاب ألفه عن فلسفة كانط، نقطة تنطبق على الرواقيين. يقول شتيفان كورنر: إذا أردتم أن تعرفوا ما إذا كان مفكر ما قد تغلغل في مجتمع ما أم لا، فعليكم أن تفحصوا هل يُذكر اسمه عند طرح آرائه أم لا. فمثلاً، طالما يُقال "أحد آراء كانط هي كذا"، فهذا يدل على أن آراء كانط لم تتغلغل في المجتمع؛ ولكن إذا طُرحت آراء كانط في مرحلة ما دون الإشارة إليه بوصفها أمراً واقعاً، فهذا يكشف عن تغلغل كانط في المجتمع. هذا التغلغل قد حدث للرواقيين في العالم الإسلامي، وارتبطت آراؤهم بأفكار عظماء الإسلام. فمثلاً، عندما تدرسون نهج البلاغة تشاهدون فيه بعض أفكار الرواقيين؛ وبالطبع لا يلزم من تكرار هذا المطلب بالضرورة أن علي بن أبي طالب قد أخذ هذه الأفكار واقتبسها من الرواقيين. في باب تكرار أفكار الرواقيين في نهج البلاغة يمكن طرح ثلاثة احتمالات:
1- أن يكون علي بن أبي طالب قد درس آثار الرواقيين وأخذ هذه الأفكار منهم، وهذا الاحتمال منتفٍ تاريخياً؛ لأن آثار الرواقيين تُرجمت إلى العربية بعد وفاة علي بن أبي طالب بقرنين تقريباً.
2- أن تكون أفكار علي بن أبي طالب والرواقيين قد تواردت، أي أن علي بن أبي طالب والرواقيين، دون علم أحدهم بأفكار الآخر، توصّلوا إلى رأي واحد.
3- الاحتمال الثالث هو أن أفكار الرواقيين قد دخلت العالم الإسلامي وقُبلت في صميم المجتمع لدرجة أن علي بن أبي طالب قد تقبلها أيضاً. إن الخوض أكثر في هذه الاحتمالات هو من اختصاص المؤرخين وهو خارج نطاق بحثنا الرئيسي، لذا سنتجاوزه.
النقطة التي ينبغي أن أشير إليها بخصوص النصوص المقدسة وكتب الأديان والمذاهب هي أن المقاربة السليمة تجاه النصوص المقدسة تقتضي ألا نتعامل معها ككتب دينية ناتجة عن دين معين؛ بل ينبغي فحص كلام الكتاب، فإن كان مقبولاً قُبل، وإن كان متعارضاً مع الحياة ولا يصلح لها تُرك. في الواقع، بخصوص النصوص المقدسة يمكن القيام بثلاثة أمور:
1- لا تهملوا النصوص المقدسة في العالم إهمالاً تاماً أبداً؛ لأن النصوص المقدسة هي أيضاً جزء من كنز الثقافة العالمية، وكما نتعلم من الحكماء والعلماء والفلاسفة والعارفين ولا نصرف النظر عن أفكارهم، لا يمكن أن نغفل عن أفكار مؤسسي الأديان والمذاهب والمتكلمين، وإذا أهملنا النصوص المقدسة نكون قد غبنَّا وحرمنا أنفسنا؛ لأنه يمكن التعلم منها أيضاً، وقد أسهمت النصوص المقدسة في الخزائن الثقافية للبشرية.
2- لا نظنن أن كل الحقائق وكل ما يُعتبر حقاً موجود في النصوص المقدسة؛ بل بعض الحقائق في نص وبعضها في نصوص أخرى، وبعض الحقائق ليست في النصوص المقدسة بل وردت في آثار العرفاء والعلماء والفلاسفة والحكماء.
3- النقطة الثالثة هي ألا نتوهم أن كل ما ورد في النصوص المقدسة هو حق، ففي النصوص المقدسة حق وباطل. إذا انتبهنا لهذه النقاط الثلاث في مواجهة النصوص المقدسة، سنشهد أنه حتى لو لم نكن ملتزمين بدين معين التزاماً نظرياً وعملياً، فلا يزال بوسعنا أن نتعلم من ذلك الدين ونحسن حياتنا في ظل تلك التعاليم. مثلاً، إذا نظرنا إلى نهج البلاغة بهذه النظرة، فسنصادف نقاطاً كثيرة تساعدنا في الوصول إلى الطمأنينة والمعنى والأمل في الحياة، وأن نكون في سلام مع أنفسنا ونحظى بالرضا. لذلك، ينبغي لنا أن نرجع إلى كل من يجعل حياتنا أفضل، وكما نتعلم من العرفاء والحكماء والفلاسفة والعلماء، نتعلم من النصوص المقدسة أيضاً.
أنتقل الآن إلى التعاليم المشتركة بين علي بن أبي طالب وماركوس أوريليوس، اللذين خاض كلاهما تجربة الحكم ويقترحان طرقاً لتحسين الحياة، طرقاً نافعة للحياة بصرف النظر عن المعتقدات الدينية.
أول تعليم مشترك بين علي بن أبي طالب وماركوس هو أن كلا هذين العظيمين يرى أن الحياة المثالية هي الحياة الأخلاقية. ثمة آراء متعددة حول الحياة المثالية، والحياة المثالية هي حياة لو تحققت لما بقي لديكم أي أمنية غير محققة ولا أي نقص، وعلى كل فرد أن يعرّف حياته المثالية بنفسه، ولا يمكن لأي فيلسوف أن يحدد له الحياة المثالية. عرّف البعض الحياة المثالية بأنها الحياة السعيدة؛ أي الحياة التي تُحرز فيها أكثر اللذات وأقل الآلام والمعاناة. وذهب آخرون إلى أن الحياة المثالية هي الحياة التي تشتمل على الخير والسعادة معًا، وطرح آخرون شقًا ثالثًا مفاده أنه في الحياة المثالية، إضافة إلى الخير والسعادة، ثمة ضرورة لأن تكون الحياة ذات فاعلية عالية، وبالتالي فإن الحياة المثالية في نظرهم هي الحياة المقرونة بالخير والسعادة والفاعلية. أناس مثل علي بن أبي طالب وماركوس لم يكونوا يقبلون الحياة السعيدة كحياة مثالية. كانوا يعتقدون أنهم لو عاشوا حياة مليئة بالسعادة واللذة لكنهم ارتكبوا فيها السوء واللاأخلاق، فإن هذه الحياة لن تكون مرغوبة ولا مقبولة لديهم. في نظر علي بن أبي طالب وماركوس، الحياة المثالية ليست الحياة السعيدة؛ بل هي الحياة الخيرة والأخلاقية، وإذا كان عيش المرء بحيث يراعي جميع الحدود والقواعد والضوابط الأخلاقية، فإن هذا الفرد يحيا الحياة المثالية؛ حتى لو لم يختبر السعادة في هذه الحياة. يرى كلا هذين العظيمين أنه لو أمكن في الحياة أن ننال السعادة إضافة إلى الخير، أي أن نحيا حياة أخلاقية وننل أكثر اللذات وأقل الآلام والمعاناة، لكان هذا بالطبع أكثر استحسانًا؛ لكن بنية الدنيا على نحو لا يتحقق معه هذا الأمر، فالدنيا لم تُصنع للسعادة، والتمتع بالسعادة في الحياة ممتزج بألم ومعاناة كثيرين، وبتعبير علي بن أبي طالب، الحياة الدنيوية ملتفة بالبلية. الفرق بين علي بن أبي طالب وماركوس في الحياة المثالية هو أن مراد ماركوس من الأخلاق هو الأخلاق بالمعنى الخاص للكلمة، أما علي بن أبي طالب فكان يضيف المناسك والشعائر الدينية إلى الأخلاق، ويقول إن الإنسان الأخلاقي يراعي الضوابط والقواعد الأخلاقية وكذلك الشعائر والأعمال الدينية كالصلاة والصيام والحج. إذن فهذان العظيمان يشجعان الإنسان على التوجه نحو الحياة الأخلاقية.
النقطة المشتركة الثانية هي أن علي بن أبي طالب وماركوس يعتقدان أن هذا العالم، عالم لا استقرار فيه، وليس في هذه الدنيا قرار ولا ثبات؛ لذلك لا يمكن توقع الثبات من الأمور. في الواقع، الأمر الثابت الوحيد في هذه الدنيا هو مبدأ عدم استقرار العالم، وعلينا أن ندير حياتنا بقبولنا هذا الاضطراب في الدنيا، وإذا لم يُقبل مبدأ عدم استقرار الدنيا، فلن يمكن بلوغ السكينة والسلام والفرح والطمأنينة. إضفاء الثبات على الأمور يسلب منا القرار ويجعلنا مضطربين. وبتعبير مولانا:
كل اضطرابك هو من طلبك القرار فكن طالب اضطراب كيما يأتيك القرار
في عالم مبدأه الثابت الوحيد هو عدم الاستقرار، كل شيء معرض للتغير والتبدل والتحول والصيرورة، ولا وجود للثبات. لذلك ينبغي أن نعد أنفسنا لعالم لا استقرار فيه، بحيث نحتفظ، رغم عدم استقرار الأمور، بسكينة في دواخلنا ولا نصاب بالقلق والاضطراب. مثلًا، يقول ماركوس: حين تقبّل ابنك قل لنفسك: رغم أني أحبك، لكني أحتمل أن تكون هذه آخر قبلة على خدك؛ أي أن ماركوس قد قبل أن ابنه أيضًا معرض لمبدأ عدم استقرار العالم، وقد يفقده، ولذلك إذا وقع هذا الأمر، فإنه لا يفقد كل طاقته وكيانه في مواجهته؛ أما حين لا تكون قد قبلت عدم الاستقرار، فستفقد توازنك وسكينتك عند وقوع موت الابن. كل من أدرك أن العالم المضطرب يحيط به، ستكون لديه سكينة في داخله، ومن لم يفهم ذلك فلن يبلغ السكينة. لقد انتبه هذان العظيمان إلى هذه النقطة وكانا يبينان أن الانتباه إلى عدم استقرار العالم يجلب الاستقرار في الداخل، وعدم الانتباه إليه يسبب عدم الاستقرار.
التعليم المشترك الثالث هو أن علي بن أبي طالب وماركوس كانا يقولان إن على الإنسان في اختياره للأمور وتنفيذها أن يجعل العقل والضمير الأخلاقي معياره الوحيد، وأن يتجنب جعل حكم الناس واستحسانهم واستقباحهم وذوقهم وأهوائهم معياراً. كانا يعتقدان أن كل ما يحكم به العقل والضمير الأخلاقي ينبغي فعله، وكل ما لا يحكم به ينبغي تركه. كان علي بن أبي طالب وماركوس يوصيان بألا يكون المرء قابلاً للتلقين والإيحاء، وألا يقلد الناس في الأمور، وألا يكون تابعاً للرأي العام. إذا حكم العقل والضمير الأخلاقي بفعل الأمر (أ)، فلا ينبغي تجنب فعله بسبب استحسان الناس أو استقباحهم، أو فعل الأمر (ب) إرضاءً للناس. يقول علي بن أبي طالب: لو تظاهر العرب والعجم جميعاً ووقفوا في وجه الحق الذي أقوله، لما شعرت بالخوف؛ أي إن المعيار عندي هو العقل والضمير الأخلاقي لا الناس. وكان الرواقيون يعبرون عن ذلك بقولهم: عش كما لو لم يكن في العالم ساكنان غيرك أنت والله. لو لم يكن في العالم سواك والله، كيف كنت ستعيش؟ فعش الآن بالطريقة نفسها. بعبارة أخرى، يُطلب منا في هذا المنهج أن نحذف الناس؛ وتجدر الإشارة إلى أن المقصود بحذف الناس ليس عدم الاكتراث بآلام الناس ومعاناتهم، فهذا اللامبالاة مصداق لانعدام الأخلاق؛ بل المقصود أن على الإنسان في علاقته بالناس أن يؤدي واجبه الأخلاقي، وفي الوقت نفسه لا يكون استحسان الناس واستقباحهم معياراً لسلوكه؛ بل هو يتصرف بمقتضى عقله وضميره الأخلاقي. لذا كان هذان العظيمان يوصيان باتباع العقل والضمير الأخلاقي.
.
.
* على الرغم من كل جهود فريق صدانت لتحسين صوت هذه المحاضرة، فإن جودة الملف الصوتي المرفوع ليست جيدة، ومن الأفضل الاكتفاء بالنص.
.
.
.
.
نقاش حول هذا المقال١ تعليق
به دوستان بزرگوار صدا نت، سلام عرض میکنم. بسیار سپاسگزارم از نشر این سخنان. و همینطور سپاس برای معرفی مختصرِ تاریخ و محل ادای این نظرات از سوی سخنران محترم. نکته این که: “نظر”ات هر کس، و بخصوص اندیشمندانِ شاخص، میتواند با گذشتِ زمان موضوع رشد، تکمیل و تکامل، تغییر و اصلاح جزیی یا کلی قرار گیرد، طبعا این تحولات شامل “تعهد”های بینا-فردیِ و جمعیِ هیچ کسی از جمله متفکرین و سیاستمداران نباید بشود. “نظر”اتِ آقای ملکیان هم از این دایره بیرون نیست، همانطور که قبلا هم خودشان به این نکته اشاره داشتهاند. لذا ذکرِ تاریخ و محل، به درکِ خواننده از اندیشهی دیروز یا امروز سخنران کمک خواهد کرد. بد نیست به این قطعه نگاه کنیم که چه تیزهوشانه بیان شده است: (مهاتما گاندی، هاریجان، ص. ۲، نشریه هاریجان، ۲۴ -۹-۱۹۳۳): “دوست دارم به خوانندهی جستجوگر و دیگر علاقهمندان به نوشتههایم بگویم که من بههیچ وجه در قیدِ سازگاری و یکدستیِ افکارِ خود نیستم. در جستجویم به دنبال حقیقتْ خیلی از فکرها را دورانداختهام و خیلی چیزهای نو یاد گرفتهام. در این عمرِ زیادی که کردهام، اصلا این حس را نداشتهام که دست از رشد درونی کشیده باشم یا این که با از بینرفتنِ گوشت و پوستام، رشدم تمام خواهدشد. آنچه که لحظه به لحظهْ دلنگراناش هستم میزان آمادگیام به اطاعت از ندای حقیقت، یعنی همان خدایم است؛ و بنابراین، وقتی هر کسْ تناقضی بین هر دو نوشتهام ببیند، اگر هنوز به سلامت عقلیام باور داشتهباشد، بهترین کارش این است که از بینشان، دومی را در همان موضوع انتخاب کند، و نه اولی را.”