اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
في ندوة «مولانا والهجرة العرفانية»، وصف مصطفى ملكيان هجرة مولانا بأنها ليست جسدية، بل سيرٌ عمودي من «الذوات» الزائفة إلى «الذات» الحقة؛ رحلة تبدأ بتجاوز الأنانية إلى الحقانية، وعبادة الأصنام إلى عبادة الله.

حق شب قدر است در شبها نهان
محسن آزموده| اليوم يُنظر إلى مفهوم الهجرة غالباً بمعناه المادي والجسدي، أي انتقال فردي أو جماعي للكائنات من مكان إلى آخر بدوافع وأهداف مختلفة، وبشكل عام من أجل تحسين الظروف. جلال الدين محمد (604-672 هـ.ق) وإن وُلد في بلخ، إلا أنه هاجر في طفولته المبكرة برفقة أسرته من مسقط رأسه. سافر إلى بغداد ومكة ثم إلى الشام، وتوجه أخيراً إلى قونية حيث بقي فيها حتى نهاية عمره. لكن مفهوم الهجرة عند مولانا كان أسمى من ذلك المعنى الجسدي. فهو، شأنه شأن عموم العرفاء، كان ينظر إلى الهجرة بمعناها العرفاني وبوصفها سيراً وسلوكاً روحياً، وبالتالي، كما يقول مصطفى ملكيان، في محور عمودي. كان موضوع الندوة (السمبوزيوم) الدولية الخامسة لمولانا في قونية هو «مولانا والهجرة العرفانية»، وقد عُقدت يومي 13 و14 أرديبهشت في جامعة سلجوق بمدينة قونية. شارك في هذه الندوة عدد من المحققين والباحثين من دول إيران وتركيا وأفغانستان وجمهورية أذربيجان وقبرص الشمالية وبنغلادش والبوسنة والهرسك. وقد أسهم معهد سروش مولانا من إيران في تنظيم هذه الندوة، وألقى من الباحثين الإيرانيين مصطفى ملكيان وسيد أمير أكرمي محاضرتين فيها. في الصفحة التالية يمر بنا التقرير الخاص لصحيفة «اعتماد» عن محاضرة هذين الباحثين.
***
مصطفى ملكيان
الهجرة بمعناها الأعم، في تعريفها الدقيق، هي السفر من مكان إلى آخر للوصول إلى وضع أفضل. يمكن تقسيم الهجرة بهذا المعنى إلى قسمين رئيسيين: 1. الأسفار الأفقية أو الأسفار إلى الأمام؛ 2. الأسفار العمودية أو الأسفار إلى الأعلى. في الهجرات إلى الأمام، نعبر من أرض إلى أرض أخرى تكون في نفس المستوى من الوجود وساحته، لكي نجد وضعاً أفضل في الأرض الثانية، ولكن سواء نجحنا في هذا الهدف أم لا، فإن مستوى هاتين الأرضين، أي تلك التي تُركت وتلك التي نذهب إليها، واحد. أما الهجرة الروحية، فهي السفر إلى الأعلى. لعل، وباحتمال قوي، حينما ورد في القرآن الكريم: «اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ» (القرآن الكريم، سورة الفاتحة، الآية 6)، فإن «المستقيم» مشتقة من مادة «قيام» وتعني الحركة إلى الأعلى، وبذلك يكون أحد معاني هذه الآية: اهدنا إلى الطريق الصاعد إلى الأعلى، لا مجرد الطريق المتجه إلى اليمين.
الهجرة عند مولانا
من هذا المنطلق، وبما أن الهجرات الروحية، كما نجد في لسان مولانا، هي إلى الأعلى، فيجب التعبير عنها بالتحليق أو المعراج، وقد استعمل مولانا كلا التعبيرين: جان فشاند سوى بالا بالها/ تن زده اندر زمين چنگالها. هنا استُعمل التحليق وهو استعارة للسفر إلى الأعلى. أو تعبير «المعراج» الذي ورد مراراً في كتابات مولانا وآثاره: در صف معراجيانگر نيستى/ چون براقت بر كشاند نيستى. أي يجب أن يقف المرء في صف الذين يسافرون إلى الأعلى. إذن، كانت هجرة مولانا من النوع الثاني، أي إلى الأعلى.
طبعاً، كانت لمولانا هجرة من النوع الأول أيضاً، وقد قطع هجرة أفقية طويلة من بلخ إلى قونية. لكن هذه الهجرة لم تكن ذات أهمية كبيرة له في الوقت نفسه. الهجرة التي جعلت من مولانا الشخص الذي نغبط حاله ووضعه الروحي، كانت من الأسفل إلى الأعلى. هذه الهجرة العظيمة والشاقة والصعبة في آنٍ معاً، هي الهجرة من أرض «الذوات» الكاذبة إلى أرض «الذات» الحقة. يعتقد مولانا، وقد خاض هو نفسه هذا السفر، أننا نحتنا لأنفسنا ذواتاً كاذبة كثيرة، ونحن عادةً قاطنون في ذواتنا الكاذبة. نحن نعتبر أنفسنا أحياناً متحدين مع البدن، أو الذهن، أو النفس، أو الأمة، أو الثروة، أو السلطة، أو الشهرة، أو احترام الآخرين، أو المحبوبية، أو ماء الوجه... إلخ. إذا شعرنا بالاتحاد مع أي من هذه الأشياء، فإننا برأي مولانا قد اتحدنا مع شيء ليس هو ذواتنا في الواقع. من وجهة نظره، ليست أيّة صورة من الصور التي نتصورها عن أنفسنا هي ذاتنا الحقيقية.
ذاتنا الحقيقية أمر بلا صورة ولا يمتلك صورة. إذا شعرت بالاتحاد مع أي من هذه الأمور المتصورة، فقد أضعت نفسي، أو بتعبير أدق، لم أحصل على نفسي ولم أجدها. السفر الأساسي عند مولانا هو السفر من هذه الذوات الزائفة إلى الذات الحقة التي هي بلا صورة، وهي كما يقول العارفون المعنى والروح، وبتعبير ديني، «المعنى هو الله» أي أن المعنى هو الله. الروح هي الله. وبتعبير مايستر إيكهارت، العارف المسيحي، يوجد في باطن كل إنسان شيء ليس بمخلوق ولا قابل لأن يُخلق، وهذا الشيء هو الروح. السفر من الذهن، والبدن، والنفس، والقومية، والثروة، والشهرة، والسلطة، والاحترام، والجاه، والمحبوبية، وكل شيء آخر يمتلك صورة متعينة ويفصل الإنسان عن سائر البشر، هو سفر من الذات أو الذوات الزائفة إلى الذات الحقة. هذه في نظري هي الهجرة الكبرى.
عشر رحلات تمهيدية
تستلزم هذه الهجرة عشر هجرات صغرى:
1- السفر من الأنانية إلى الحقانية أو الحقيقةمحورية: أي السفر مما أحبه إلى ما يقتضيه الحق، لا ما يقتضيه ما يروق لي. الحقانية تعني أن أعير اهتمامي لما أجده مطابقًا للواقع، لا لما يروق لي أنا. هذا ما نعبر عنه بالسفر من الأنانية إلى الحقانية أو السفر من الأناية إلى الحقية. في هذا السفر أضحي بكل اهتماماتي ومشاعري وعواطفي الأنانية (egoistic) في سبيل واقع الكون، وحيثما تصادمت هذه الرغبات مع واقع الكون وتصادفت معه، أضحي بهذه الوقائع في سبيل تلك الحقائق. إذن، فأنا أقدم اتباع الحقيقة على اتباع رغباتي.
2- السفر من الوثنية إلى عبادة الله: في نظر مولانا، كل ما يحل محل الله فهو وثن، وبما أنني يجب أن أكون عابدًا لله وحده، فلا يمكنني أن أعبد أي شيء سوى الله. يقتضي الانفكاك من هذه الوثنية في هذا السفر ألا يُؤخذ أي شيء مساويًا لله، وهذا يعني أنه حتى دين الله هو غير الله، ولا ينبغي أن تكون لدينا عبادة لدين الله، بل يجب أن نعبد الله نفسه. الاعتقاد بوجود الله ليس هو الله. دين الله ليس هو الله أيضًا. ما هو الله هو ما يجب أن يُعبد. لذلك فإن أحد أعظم مصاديق العبور من الوثنية إلى عبادة الله هو العبور من عبادة الدين إلى عبادة الله؛ بعبارة أخرى، كل ما يحل محل الله فهو وثن؛ سواء كان ذلك الشيء أمة، أو دينًا ومذهبًا، أو كيشًا وآيينًا، أو مسلكًا، أو مرامًا، أو أي مذهب (ism)، أو أيديولوجيا... إلخ. كل هذه إذا أصبحت متعلق شغف قلبي وعبادتي، فلن يكون معشوقي بعد ذلك هو الله.
3- السفر من التعلق إلى العشق: يحذرنا مولانا، في الوقت نفسه، من التعلق بالموجودات، ويدعونا في الآن ذاته إلى أن نكون عاشقين بالكامل. هذا يعني بوضوح أن التعلق يقع على أحد طرفي الطيف، وفي أقصى الطرف الآخر تمامًا يقع العشق. كيف نحذر من التعلق وندعى إلى العشق؟ لأن من المهم جدًا أن نعرف الفرق بين التعلق والعشق. في التعلق، أريدك أنا لأجلي، أما في العشق فأريد نفسي لأجلك. في الواقع، الحد الفاصل بين التعلق والعشق هو ما إذا كانت محورية الذات لا تزال باقية أم لا؟ حيثما كانت محورية الذات باقية، فأنا متعلق بالموجودات، وهذه الموجودات التي أنا متعلق بها مقدر لها أن تصبح أدواتي وأن تكون في خدمتي وتلبي رغباتي. أما حيث يوجد العشق الحقيقي، فأنا نفسي أكون خادمًا، وأضع نفسي في خدمة معشوقي، وأعتبر نفسي خادمًا لمعشوقي.
٤- الهجرة من التقليد إلى التحقيق: أو بلغة الفلاسفة الوجوديين المعاصرين، الهجرة من الحياة المستعارة إلى الحياة الأصيلة، أو الانتقال من العيش المستعار إلى العيش الأصيل. يستخدم مولانا بدلاً من تعبيري العيش المستعار والعيش الأصيل، تعبيري العيش التقليدي والعيش التحقيقي. يعبّر بعض علماء النفس اليوم، ولا سيما علماء النفس الوجوديين، عن هذا بالانتقال من الانقياد للآخر إلى الانقياد للذات؛ بمعنى أن عليّ أن أعيش وفق فهمي وتشخيصي أنا، لا وفق ما وصلني أو ما قاله أسلافي ويقتضيه تقليدي، أو ما يطلبه مني الرأي العام وروح العصر. أي الانتقال من القابلية للإيحاء والتلقين إلى ما أجده في أعماق نفسي. أي أن أضع ميزاني داخل نفسي وأنظر بماذا يأمرني عقلي وضميري الأخلاقي من سلوك وقول وفعل وموقف ونمط حياة، لا ما يتوقعه الآخرون مني من نمط حياة وقول وفعل وموقف. هذه الهجرة من التقليد إلى التحقيق موضع تأكيد شديد لدى مولانا، ولعلنا لا نجد في آثار عرفائنا أحداً بمقدار مولانا وشمس التبريزي يوليها هذا التأكيد المؤكد.
٥- الهجرة من ضيق النظر إلى سعة الصدر أو رحابة القلب: ألا أظن أن العالم هو فقط ما يُرى من نافذتي وكوّتي. أي ألا أظن أن العالم ليس بالضرورة شيئاً غير ما وجدته أنا. بتعبير مولانا البليغ جداً، الحقيقة ليلة القدر. لماذا أُخفيت ليلة القدر ولم تُحدد بدقة أي ليلة هي؟ لأننا نأمل في كل ليلة أن نجد ليلة القدر، فنطلّ على كل ليلة ونتحراها ولا نيأس تماماً من أي ليلة. يقول مولانا: الحقيقة أيضاً ليلة قدر، فلا ييأس الإنسان من أي إنسان. كان يقول: الحق ليلة قدر في الليالي خفيّ/ كي تختبر النفس كل ليلة. يقول مولانا: أذهان الآخرين ونفوسهم ليالٍ للقدر تختبئ فيها الحقيقة. علينا أن نطلّ عليها جميعاً ولا ننصرف كلياً عن أي منها. يقول: فلا تقل إن هؤلاء جميعاً على طريق الباطل/ فالمبطلون على أمل الحق شرك القلوب// فلا تقل إن الكل خيال وضلال/ لا يخلو العالم من حقيقة في الخيال. إنه يحتمل أن يكون كل إنسان قد عرف شيئاً واكتشف حقيقة ما. لا يعدّ أحداً تمثالاً للحق، ولا يعدّ أحداً تمثالاً للباطل. كل الآدميين مزيج من الحق والباطل، وما من أحد هو حق مطلق، وما من أحد هو باطل مطلق. لذا، بهذه الهجرة أنقّب في كل الآدميين، ولا أريد أن تختبئ حقيقة في مكان ما فتفوتني، وحين أصير هكذا، أبتعد عن التعصب والجزم والجمود والتفكير التمنّي والخرافة وعدم التسامح والحكم المسبق، سواء أكان إيجابياً أم سلبياً، لأنني كلما أقبلت على أحدها، قويت لديّ احتمالية أن تفوتني حقيقة من الحقائق.
٦- الهجرة من الانفلات إلى كفّ النفس: أي إذا كانت دائرة مقدوراتي، أي دائرة ما لي قدرة على فعله، بمقدار معين، فيجب أن تكون دائرة مأذوناتي، أي دائرة الأشياء التي أسمح لنفسي بفعلها، أضيق بكثير من الدائرة الأولى. الأشخاص الذين لا يملكون كفّ نفس وانضباطاً شخصياً، يسمحون لأنفسهم بفعل كل ما لديهم قدرة على فعله. أما الذين يملكون كفّ النفس، فدائرة مأذوناتهم بالقياس إلى دائرة مقدوراتهم ضيقة وصغيرة جداً. كلما ضيّقت دائرة مأذوناتي أكثر فأكثر، بتعبير آخر، كلما قلّ عدد ما أفعل من الأعمال التي لي قدرة على فعلها، قلّ فيّ الانفلات والانحلال، وصار زمام النفس ومقودها بيدي أنا. هذه السمة والخصلة تُسمى كفّ النفس. الرياضة التي كان يقول بها عرفاء كمولانا وشمس هي هذه، لا الرياضات البدنية الشاقة التي كان يصفها بعض المتصوفة وبعض النحل العرفانية.
٧- السفر من التنظير إلى التطبيق العملي: أي السفر من مجرد الحديث عن الوجود والتأمل فيه، إلى الشروع في العمل. وبتعبير شاعرنا الآخر، سعدي، مائتا قول لا تعدل نصف فعل. فمولانا يرى أن كل تنظير لا يُفضي إلى مقام العمل ولا يؤثر فيّ عملياً هو مصداق للعلم غير النافع، بل مصداق للعلم الضار، فيعرض عنه؛ وبتعبير آخر، كل سؤال لا يختلف عملياً حال حياتي قبل أن يطرأ على ذهني عن حالها بعد أن يطرأ، وكل سؤال لا يختلف فيه حال حياتي العملية بين أن أجد جوابه وألا أجده، وكل سؤال لا يختلف فيه كون جوابه (ألف) عن كون جوابه (باء)، إذا كان لسؤال ما هذه الخصائص، فلا ينبغي الذهاب وراءه. ينبغي للمرء أن يذهب وراء حل المشكلات والإجابة عن الأسئلة التي تكون بحيث تختلف حياة الإنسان عملياً قبل أن تطرح على ذهنه عنها بعد أن تطرح، أو تتغير حياته العملية قبل أن يجد جواب هذا السؤال عنها بعد أن يجده، أو تتغير حياته العملية حين يكون جوابه (ألف) عنها حين يكون جوابه (باء). أي أنني حين أذهب وراء هذه الأسئلة، يكون لجوابها نفع لي. أما كل تنظير بخلاف ذلك، فهو بتعبير مولانا عديم الفائدة. يقول: يقولون إن في سقسين رجلاً له قوسان/ ضاع منه إحداهما، فأي ضرر علينا؟ يرى مولانا أن أكثر الأسئلة التي نطرحها هي من هذا القبيل. يمكن أن ندرك أن مولانا كان شديد الاهتمام بحكمة «ما شأني بهذا؟» وكان يقول في مواجهة كل مسألة نظرية: إن كانت ترتبط بي وتؤثر فيّ في مقام العمل، أتناولها، وإلا فلا.
٨- الإعراض عن الجزء والإقبال على الكل: بلغة اليوم، إذا توجهنا بالحاجة إلى أي جزء من أجزاء العالم، نكون قد أخطأنا، وينبغي أن نتوجه بالحاجة إلى كل الوجود فحسب. إذا أرادت ورقة على شجرة أن تبقى سليمة، لا يمكنها أن تطلب شيئاً من الأوراق الأخرى، ولا يمكنها أن تلتمس من البراعم والأزاهير. عليها أن تطلب شيئاً من الشجرة. سلامة الورقة في سلامة الشجرة كلها، ولأجل السلامة ينبغي للورقة أن تتعلق بالشجرة كلها. كل ذرة أقل من الكل تتكئ على ذرة من ذرات الكون، هي كورقة تعرض حاجتها لسلامتها على ورقة أخرى، ولا تلتفت إلى أن سلامة جميع البراعم والأزهار والثمار رهن بسلامة الكل. إذن فالسفر الثامن يعني الإدبار عن عرض الحاجة على المخلوقات والإحساس بأن الآخرين يمكنهم أن يفعلوا لي شيئاً، وبدلاً من ذلك طلب جميع وجوه الشفاء من كل الوجود، سواء سمينا كل الوجود هذا الله، أم روح العالم، أم الروح.
٩- السفر من المشاعر والعواطف السلبية إلى المشاعر والعواطف الإيجابية: هذا النوع من النظرة يفصلنا تدريجياً عن كل شعور وعاطفة سلبية ويسوقنا نحو المشاعر والعواطف الإيجابية. في تلقي مولانا للمشاعر والعواطف الإيجابية، ثمة ستة منها حظيت باهتمام أكبر. في نظر مولانا، هذه المشاعر والعواطف الإيجابية الستة، أي التوكل، والتسليم، والشكر، والرضا، والفرح، والطمأنينة، هي أمهات جميع المشاعر والعواطف الإيجابية. حين كان يقول: كنت بكاءً فصرت ضحوكاً، كنت ميتاً فصرت حياً، فهذه الحياة هي الحياة الشعورية والعاطفية التي وجدها مولانا، على خلاف حياتنا التي نكون فيها عرضة دائمة للغضب والحقد والكراهية... إلخ.
١٠- السفر من وهم الكمال إلى الكمال: يقول مولانا: ليس في روحك يا ذا الدلال/ علة أردأ من وهم الكمال. كلنا عرضة لوهم الكمال، عرضة لكوننا نتوهم أننا كاملون ولا حاجة بنا إلى الكمال. كان مولانا يقول: ما دمنا عرضة لوهم الكمال، فنحن محرومون من الكمال نفسه. حين أجد إمكانية، أو على الأقل احتمال، نيل الكمال، أكون قد تخليت عن وهم الكمال. طبعاً، الكمال الذي يقصده مولانا هو الكمال المقدور للإنسان، لا الكمال المطلق. أي الكمال الذي هو في مقدور الإنسان، لا الكمال المطلق الذي ليس في مقدور أي إنسان بما هو إنسان.
السفر من المعرفة إلى البصيرة
السيد أمير أكرمي
يمكن النظر إلى السفر من المعرفة إلى البصيرة، في المقام الأول، في إطار السفر من التنظير إلى العمل ضمن الأسفار العشرة التي بيّنها الأستاذ ملكيان. لكن بتدقيق أكثر يمكن اعتباره في إطار السفر من وهم الكمال إلى الكمال نفسه، لأن المعرفة من منظور مولانا هي نوع من وهم الكمال، والكمال كما يصوره ويرسمه مولانا يعني البصيرة ونيل رؤية هي بمثابة كحل لعيون العارفين.
إحدى تجارب مولانا هي أن السفر في حد ذاته ينطوي على منافع جمة. وقد جرى التأكيد والتوصية بالسفر كثيرًا في المصادر الدينية أيضًا. لقد تحدث مولانا عن الحركة والتبرك: فهذه الحركة صارت مفتاح التبرك / ومن الحركة تستفيد أيها القلب. وبطبيعة الحال، فإن هذه الحركة منظور إليها على المحور الأفقي وعلى المحور العمودي معًا. والنقطة الجديرة بالاهتمام هي أن كل حركة، سواء أكانت حركات يومية أم حركات معنوية، حين تقترن بالعناء والملل، تزداد حلاوة المقر والمكان المقصود: لأن حلاوة المقر ولذاته / هي بمقدار عناء السفر.
عنوان «السفر من المعرفة إلى البصيرة» مأخوذ من غزل لمولانا في الديوان الكبير يقول فيه: شغفي بذلك الحبيب أخرجني من المعرفة والقراءة / حتى غدوت هكذا شيدًا وسودائيًا // أمسكت بطرف السجادة والمسند بجد واجتهاد / وارتديت شعار الزهد طلبًا لزيادة الخيرات // دخل العشق المسجد وقال: يا شيخ أيها المرشد / مزق قيد الوجود فلماذا أنت أسير المصلى؟ // أمام لطمة سيفي لا ترتعش قلبًا وهات عنقك / إن كنت ترغب في السفر من المعرفة إلى البصيرة.
ولكن ما هي هذه المعرفة وما آفاتها التي يؤكد مولانا على ضرورة تجاوزها، وما هي تلك البصيرة وما معناها؟ بالنسبة لمولانا، هذه المعرفة هي بمثابة بعض اللذات المعنوية التي أُعطيت له ظاهريًا، وبعضها حصل عليه نتيجة الرياضة والجهد. وهو يعتقد أن المعرفة التي يتعلمها الإنسان في حضرة الأستاذ، وهي مكتسبة وكسبية، تنطوي على آفات، ويقارنها بالرؤى المعنوية التي حصل عليها نتيجة تجربته المعنوية هو نفسه.
بالنسبة لنا، هذا العلم المكتسب هو حصيلة كل سنوات جهدنا، لكن في تجربة مولانا، هذه العلوم ليست سوى باقة زهور. في حين أن الكثير منا نحن البشر نسعى منذ الطفولة لاكتساب هذه المعارف. وبتعبير مولانا: الصنائع الدقيقة من علم الهندسة / أو النجوم وعلم الطب والفلسفة // التي تعلقها بهذا الدنيا فحسب / لا سبيل لها إلى السماء السابعة // هذا كله علم بناء الآخرة / الذي كان عماده البقر والجمال // علم طريق الحق وعلم منزله / يعلمه صاحب القلب بقلبه.
يعتقد مولانا أن هذه العلوم لم تحل مشكلتنا فحسب، ولم تجعلنا خفيفي الأحمال، بل إنها تثقل على أيدينا وأرجلنا كالحمل: علوم أهل الجسد أحمالهم / علوم أهل القلب حَمّالهم // العلم إن وقع على الجسد صار حملًا / العلم إن وقع على القلب صار عونًا / قال الله: يحمل أسفاره / حملًا يكون العلم الذي ليس منه. علة كون العلم الدنيوي مذمومًا من وجهة نظر مولانا هي أنه عارية، يُكتسب من الخارج وليس نابعًا من الداخل: العلم الذي لا يكون منه بلا واسطة / لا يدوم كلون الماشطة.
لكن الآفة المهمة الأخرى للعلم الكسبي هي أنه يتعلق بأشياء أخرى وليس بالإنسان نفسه: يعلم مئة ألف فضل من العلوم / ولا يعلم نفسه ذلك الظلوم // يعلم خاصية كل جوهر / وفي بيان جوهر نفسه كالحمار // تعلم ثمن كل متاع ما هو / ولا تعلم ثمن نفسك، تلك حماقة. في هذا الشعر يوجه مولانا نقدًا لعلماء الكسب من المتكلمين والفقهاء وغيرهم. الآفة الأخرى للعلم الكسبي من وجهة نظر مولانا هي الغرور، ومثاله في المثنوي قصة
النحوي.
يقول مولانا: رأيت ظهر العالم فانظر وجه العالم / أدر ظهرك له حتى يبدو وجه العالم // أيها القمر تحت غيمك لم تر نفسك للأسف / كم تركض كالظل خلف هؤلاء الآخرين (ديوان شمس). البصيرة هي رؤية ظهر العالم، والتي تعني رؤية الإنسان نفسه. التحول الوجودي أو تصفية الذات شرط للوصول إلى البصيرة: كل من صرف نفسه عن الهوى / جعل عينه آلفة للسر. الهوى ليس مجرد غرائزنا الجامحة، بل حتى عيننا وأذننا هذه: أغلق أذن الجسد عن الهزل والكذب / حتى ترى مدينة الروح بنورها. إذن، طريق الوصول إلى البصيرة هو صقل الباطن، الذي من خلاله تتحقق رؤية أعمق وإمكانية رؤية ظهر العالم. أحد الالتزامات الأخرى لنيل البصيرة هو التواضع ونفي الغرور والخيلاء: عرِّ نفسك من الفضل والفضول / حتى تنزل عليك الرحمة كل لحظة // الذكاء ضد الانكسار والحاجة / دع الذكاء وتصالح مع البلاهة // اطلب في التضرع وفي فناء نفسك / فبالتفكر لا يأتي إلا صورة الجزء. إحدى هذه الضرورات والشروط اللازمة للوصول إلى البصيرة من المعرفة هي أن يجد الإنسان نفسه في ضيق في هذا العالم. فمن يشعر بالراحة لا يجد حاجة إلى السفر.
إنما يسافر المرء حين يشعر في بيته بالضيق والملل، ومن ثم فإن شرط السفر المعنوي هو المشقة والضيق أيضاً، وهذا هو الدور الذي يؤديه من منظور مولانا، أي دور العشق الذي ينقل سفرنا من المعرفة إلى البصيرة: العشق هو فتح تلك الكوة/ التي يستنير بها الصدر من جمال الحبيب// فانظر إذن إلى وجه المعشوق أبداً/ هذا بيدك فاسمع يا فتى// شق لنفسك طريقاً في الأعماق/ وأبعد عنك إدراك الأفكار الدخيلة.
.
.
.
.
.
.
الدين
الدين
الفن
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.