اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
غياب الله عن الحقل المعرفي هو موت المعنى؛ فالعلم يبحث في كيفية الأشياء. وبالاستناد إلى صدر المتألهين، يُشكّل الفصل بين «الكيفية» و«اللمية» سبيلاً لإعادة تأويل الإلهيات كي يعود الله إلى ساحة الحياة؛ «فطريق السماء لا يمر إلا عبر الأرض».

بداية العصر الحديث هي سعيٌ لتعليم الفنون وتدريبها بحرية وزيادة السعادة الدنيوية؛ ونهايته، بتعبير نيتشه، هي موت الإله. الإله غائب في العالم الراهن، ولم يعد موضوعًا للمعرفة، بل صار موضوعًا عرضيًا للتجربة الدينية. تجربة تؤكد هي نفسها غياب الألوهية عن الحياة المعرفية للبشر.
غياب الإله، حتى لو لم نقل موت الإله، هو موت للمعنى، وموت المعنى هو موت لإنسان منشغل بالعلم والتقنية، يدمر الطبيعة، وينسى الأخلاق، ويحول الجمال إلى أداة، ولأنه لا يجد سبيلًا للخروج من ذاته، فهو مبتلى بالملل والعبثية والتيه.
العلم الحديث، بتوجهه نحو معرفة عمليات الطبيعة وتفسير كيفية نشوء الأشياء، أقبل على دراسة القوانين من الجزء إلى الكل ومن الكل إلى الجزء في الطبيعة، ويسعى من خلال الرياضيات إلى تفسير العمليات الضرورية والاحتمالية للأشياء ضمن إطار الزمان والمكان.
وهذا الأمر ممكن فقط عبر التحديد الذاتي للمعرفة في إطار المكان والزمان، وهو ما يقرر، بإصراره على عدم قابلية معرفة الأمور اللامكانية واللازمانية، غياب الألوهية عن الحياة المعرفية للبشر.
ورغم أن العلم قد نجح في بيان كيفيات الأشياء ضمن إطار القواعد الزمانية-المكانية، إلا أنه قد فسر الأبعاد الإنسانية والإلهية للواقع من خلال تلك القوانين الطبيعية نفسها، وبتأكيده على العمليات والكيفيات، أجج لا محالة نفي "اللمّيات" في الحياة الإنسانية.
الفصل بين "الكيفية" و"اللمية" هو سبيل يتيح إمكانية إعادة تفسير الإلهيات والحياة الإنسانية في عصر العلم. وبهذا، إذا كان العلم هو بيان كيفية نشوء الأشياء الزمانية-المكانية، فإن الإلهيات هي تبيين غايتها القدسية. غاية يمكن النظر إليها لا كأمر منفصل ومستقل، بل كاستمرار إلهي لهذا العالم نفسه.
يقدم صدر المتألهين أسسًا مهمة:
۱) أن الحركة ذاتية للمادة، والإله يهب الوجود للعالم فحسب. وبهذا، تتحرك المادة وفق قواعدها الخاصة ولا يهبها الإله الحركة. تتيح هذه الرؤية إمكانية أن ندرك كيف يكشف العلم عن قوانين مستقلة وباطنية لعالم ذاته هي التغير والتحول من أولى مراتب الجسمانية إلى أعلى مستوى من الحياة الإنسانية الواعية بذاتها، دون أن يغيب الإله بوصفه واهب الوجود عن ساحة العالم.
۲) إن ذات المادة في تحول باطني، وتصل من مراتب الجسمانية إلى الروحانية. هذه الرؤية، مع انسجامها مع العلم بوصفه مصدرًا للمعرفة، تقبل التفسير العلمي لـ"كيفية" نشوء الحياة والوعي والوعي الذاتي والثقافة والأخلاق وجميع الأمور الروحانية على أساس الجسمانية والقوانين الدنيوية، مع إضافة ملاحظة أن كيفية النشوء هذه لا تخل بالمكانة القدسية لتلك الأمور. فكما أن النفس، بوصفها جوهرًا علويًا وإلهيًا، قد حدثت حدوثًا جسمانيًا ولم ينتقص ذلك من مرتبتها وقدسيتها، فلن يلحق أي ضرر بمكانة الأخلاق والمعرفة وعلم الجمال إذا ما فسرنا نشأتها وفهمها في عمليتها الجسمانية.
۳) إن ما هو أصيل هو الوجود وصفات العلم والحياة والقدرة التي تتقدم في عملية الحركة الذاتية للعالم من أولى أنفاس الجسمانية إلى أعلى مستويات الوعي الذاتي والحرية الإنسانية. الإنسان، من خلال رؤية لمكانته الإلهية مع التأكيد على الوعي الذاتي والحرية وبحياته الأرضية، يهيئ إمكانية الحياة السماوية السعيدة؛ لأن "طريق السماء لا يمر إلا عبر الأرض".
٤) الآخرة ليست سوى باطن هذا العالم نفسه. إذن، السعادة الأخروية رهن بالسعادة الأرضية. العلم، بإظهاره الطرق الصحيحة لعمارة الأرض، يمكنه أن يهيئ أكثر فأكثر إمكانية الحياة العقلانية والأخلاقية؛ بشرط أن يكون ساحة للحياة الإلهية. وهذا لا يتحقق إلا بعودة الإله إلى ساحة الحياة الإنسانية واستخدام العلم في اتجاه يعد الأرض نافذة تطل على السماء. "لن ينقذنا إلا إله واحد بعد"، إذا ما أدار الإنسان نظره نحو الألوهية.
.
.
.
.
نقاش حول هذا المقال٢ تعليق
مثل همیشه عالی بود .استاد جوان و فَرهیخته.. درضمن جناب دکتر نوری گرامی,روانپریشان فلسفه نمی خوانند!دوستداران خرد, فلسفه می خوانند.
پریشان دماغیم. ساقی کجاست؟ شراب ز شب مانده باقی کجاست؟ نوعی از دیوانگی است که هدیه خدایان است (افلاطون)