اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يُصوِّر اللاهوت الثنائي، بمزجه بين اللاهوت السلبي والإيجابي، إلهاً مُنزَّهاً وقابلاً للتواصل في آنٍ معاً. ويُبيِّن فحصُ التشبيه والتنزيه، وأنماطُ الإيمان بالله، وتنوعُ الأديان، ضرورةَ هذا التوليف لتجنب إطلاقية تصور الذات الإلهية.

في المقالات الاثنتي عشرة الأولى، وخلال ثلاثة فصول، تمّ إحياء البُعد الاجتماعي-السياسي للدين في سياق التجديد الديني في ثلاثة مجالات: النظرة إلى العالم (وحدة الوجود)، والسلوك العرفاني (العرفان الاجتماعي)، واللاهوت (لاهوت التحرير التعاوني)، وذلك عبر إعادة قراءة تراث المجددين المتقدمين. ثم، مع التأكيد على أن المجددين المتقدمين كانوا أكثر تركيزًا على الجوانب الاجتماعية للدين، بينما ركز المجددون المتأخرون على الجوانب الفردية للدين، وسعيًا إلى مقاربة متوازنة للأمر الديني، وفي محاولة للجمع بين المقاربتين الوجودية-الفردانية (اللاهوت الليبرالي للمجددين المتأخرين) والمقاربة الوجودية الجمعية (اللاهوت الاجتماعي للمجددين المتقدمين)، تم تقديم توليفة تُدعى اللاهوت الثنائي الأساس. وفي المجموعة الكتابية الجديدة والأخيرة من هذا الدفتر «مدخل إلى اللاهوت الثنائي الأساس»، تم التطرق في المقال الأول إلى النموذج الديني المعرفي لهذا اللاهوت، وفي المقال الثاني إلى ممارسة الدعاء فيه. وفي هذا المقال، ستتم معالجة رؤية اللاهوت الثنائي الأساس حول التشبيه والتنزيه، والأنواع المختلفة للإيمان بالله، وظاهرة تنوع الأديان.
اللاهوت الثنائي الأساس: تجميع للاهوت السلبي والإيجابي
آمن معظم المجددين الدينيين المتقدمين والمتأخرين باللاهوت السلبي والتنزيهي. يقول ياسر ميردامادي عن الفرق بين اللاهوت الإيجابي والسلبي: «اللاهوت الإيجابي واللاهوت السلبي هما إجابتان متضادتان عن هذا السؤال: هل يمكن تحصيل معرفة عن الله والتحدث عنه بكلام معرفي، وإذا كان الجواب نعم، فكيف؟ جواب اللاهوت الإيجابي هو: نعم، يمكن إلى حد ما تحصيل معرفة عن الله والتحدث عنه بطريقة إثباتية. اللاهوت الإيجابي الديني، بالاعتماد على النصوص المركزية للدين (مثل التوراة والإنجيل والقرآن وغيرها)، يصور الله عمومًا على أنه: واجب الوجود، القادر المطلق (كلي القدرة)، العليم المطلق (كلي العلم)، الخيّر المحض، خالق العالم من العدم، مدبر العالم، شارع البشر (عبر إرسال الأنبياء)، مجيب دعوات البشر، والمحاسب لهم في اليوم الآخر (القيامة) (سأطلق على هذا التصور للإله، اختصارًا، الإله المطلق فيما بعد). في اللاهوت الإيجابي -على الأقل في صورته الدينية الغالبة والشائعة- يكون الله متسمًا بصفات بشرية، أي أن له صفات شبيهة بصفات البشر، مع فارق أنها لا تشوبها المحدودية البشرية، فمثلاً، وفقًا للقرآن، يغضب الله (غير المغضوب عليهم)، ويقرض (تقرضوا الله قرضًا حسنًا)، بل ويرمي (ولكن الله رمى)، ويسخر (الله يستهزئ بهم). ومع أن في القرآن، وبشكل متناقض (paradoxical)، آيات تقترب من اللاهوت السلبي، مثل: ليس كمثله شيء، إلا أن الجانب الغالب من الآيات القرآنية هو الجانب الإيجابي. أما اللاهوت السلبي فيجيب عن السؤال أعلاه بالنفي. فبحسب اللاهوتيين السلبيين، لا يمكن التحدث عن الله بطريقة إيجابية بكلام معرفي، أي لا يمكن القول ما «هو» الله، بل يمكن فقط القول ما «ليس» هو: الله ليس بناقص، الله ليس بمحدود، الله ليس بجاهل، (وربما يمكن القول) الله ليس بموجود (موجود بالمعنى المحدود الذي ننسبه لأشياء العالم، كأن نقول مثلاً إن ذاك الجبل موجود). أحد أهم الأسباب التي يسوقها اللاهوتيون السلبيون دفاعًا عن اللاهوت السلبي ورفضًا للاهوت الإيجابي هو أن الإنسان، لكي يصف الله وصفًا إيجابيًا، لا بد أن يستخدم مفاهيم بشرية، وهذه المفاهيم صُنعت أساسًا للإشارة إلى الأمور البشرية والتحدث عنها، لكن الله -بحسب التعريف- متعالٍ ومفارق لهذا العالم وما فيه، لذا، بحسب اللاهوتي السلبي، لا تصلح هذه المفاهيم لوصف الله وصفًا إيجابيًا، وهي مضللة للمعنى. في نظرهم، لا يمكن استخدام اللغة إلا لإظهار العجز عن التحدث عن الله. وبتعبير مارتن بوبر، اللاهوتي والفيلسوف اليهودي في القرن العشرين: «لا يمكن، بشكل لائق وصحيح، إلا التحدث ’مع‘ الله، أما التحدث ’عنه‘ فلا يمكن.»..».
لقد تبنّى المجددون الدينيون المتأخرون (سروش، وشبستري، وملكيان، وحتى يوسفي إشكوري) ضرباً من اللاهوت السلبي الراديكالي الذي صعّب، بحسب النقاد، إمكانية التواصل مع إلهٍ كهذا. أمّا لاهوت دوبني فيتّخذ مقاربةً توفيقيةً بين اللاهوت السلبي واللاهوت الإيجابي؛ إلهٌ يكون منزّهاً وفي الآن ذاته قابلاً للتواصل والاتصال، حاضراً حضوراً فاعلاً في العالم الشخصي والعالم المحيط. يقول ميردامادي عن خلفية هذا الجمع بين التنزيه والتشبيه: «...لقد سار اللاهوت السلبي واللاهوت الإيجابي، تاريخياً، جنباً إلى جنب في الغالب وأسعف أحدهما الآخر، وذلك بأن كان اللاهوت الإيجابي يخلق محمولاً لسلب اللاهوت السلبي، وكان اللاهوت السلبي، بتعبير استعاري، يُنقّي اللاهوت الإيجابي ويضفي عليه التعالي. بمعنى أن اللاهوت الإيجابي كان يقول مثلاً: الله محبة (فالمحبة هنا هي المحمول، والله هو الموضوع)، ثم يأتي اللاهوت السلبي ليقول: الله ليس محبة (أو بتعبير آخر: الله أسمى من أن يُدعى محبة)، وبهذه الطريقة يسلب إسناد هذا المحمول إلى الموضوع. يمكن تسمية هذا بالخدمات المتبادلة بين اللاهوت السلبي واللاهوت الإيجابي، ويُطلق عليه ’الجمع بين التشبيه والتنزيه‘. ويُقال عادةً عن هذا الجمع إن ذات الله لا تُدرَك، لكن تجلياته وصفاته قابلة للإدراك. وفي العالم الإسلامي، كان ابن عربي، وعين القضاة الهمداني، والمولوي من جملة العرفاء الذين سعوا إلى اقتراح نموذج للجمع بين اللاهوت السلبي واللاهوت الإيجابي (الجمع بين التشبيه والتنزيه)... ومن بين الفلاسفة المسلمين، أولى الملا صدرا الشيرازي عنايةً بالجمع بين التشبيه والتنزيه...». ويقول ميردامادي عن أهمية اللاهوت السلبي: «إن إيمان المتدينين قائمٌ أساساً على اللاهوت الإيجابي، وهذه هي وظيفة هذا اللاهوت. لكن المقاربة القائمة على اللاهوت السلبي تساعد المتدينين على تجنّب إطلاقية صورهم عن الله. ومثل هذه المقاربة ضرورية للمؤمنين بالله الذين يقدّسون نصاً دينياً معيناً. وبوسع هذه المقاربة أن تساعد المتدينين على ألا ينسوا، وأن يأخذوا مأخذ الجد، فكرة أن الله -إن وُجد- لا يُدرَك بوسع فهمنا، وهي فكرة يمكن اعتبارها تأويلاً إبستمولوجياً لتعالي الله (بمعنى أن الله إذا كان متعالياً أو مفارقاً، فهو إذن متعالٍ ومفارقٌ لفهمنا، وإذا كان مفارقاً لفهمنا، فهو أسمى من التصورات الناشئة عن فهمنا له). إن النص الديني، بما يضفيه عادةً من تصورات واستعارات على الأمر المطلق، معرّضٌ لأن يُنسي تعالي الله. فالله، عبر هذه التصورات، يُستأنس، أي يصبح شبيهاً بنا -غير أنه أشد قوة-. وحين يُستأنس الله ويُدرَك، يجد له ولياً وحامل مفاتيح وحارساً للحقيقة، فيُقتل الحقيقة. إن إزالة التصورات عن الله عبر اللاهوت السلبي يمكن أن تحمل للمتدينين بعداً تحررياً، وتساعدهم على تجاوز (ظاهر) النص الديني وعرض النص الديني على محك العقل لا العكس. وهذا التحرر يجد تجلياً سياسياً أيضاً في المجال العام عبر نفي احتكار الدين (أي حصره في أيدي رجال الدين)...». لكنه يرى أن «أي دين لا يمكن أن يُبنى على التنزيه المحض، أو بتعبير آخر، على اللاهوت السلبي الراديكالي. فالدين، لكي يتشكل ويستمر، يحتاج، ضمن ما يحتاج، إلى مجموعة من الاعتقادات والأشكال الرمزية والآداب والمناسك، في حين أن اللاهوت السلبي محرِقٌ للصور ومنفِرٌ من الاعتقاد، ومن ثم فهو لا يصلح لبناء الدين -وإن كان يصلح لتنقيته».
إن إله اللاهوت التنزيهي عند المولوي، الذي يلقى قبولاً لدى عبد الكريم سروش أيضاً، هو بحسب توضيح سروش دباغ عن المولوي: «...السالِك مصوِّرٌ يُلقِي صورةً على الأمر اللا صوري واللامتناهي، صورةً وصنماً متناهياً ومحدوداً؛ ومن ثم، فهو في المرحلة التالية يحرقه ويتجاوزه حتى تحين الصورة التالية فيحرقها بدورها في موضعها؛ إذ لا حدَّ توقف ولا نهايةَ متصوَّرة لهذا العمل، و’ليس هو هذا ولا ذاك، بل هو البسيط‘، و’قد وضع نقشَك أمامك‘:
أنا نقّاشٌ مصوِّر، أصنع في كل لحظة صنماً − ثم أُذيب جميع الأصنام بين يديك
أستثير مئة نقشٍ وأمزجها بالروح − فحين أرى نقشك أُلقي بها في النار».
لذا فإننا مضطرون، وبسبب محدودياتنا البشرية وسعياً لتحويل الأمور المجردة إلى ملموسة، إلى أن نضفي صوراً على وجه الإله الذي لا صورة له. يرد يوسفي أشكوري على الانتقادات المتعلقة بعدم إمكانية التواصل مع إله اللاهوت التنزيهي قائلاً: 《إذا كان الأصل في لاهوتنا هو الإله التنزيهي (وهو أصل يُصر عليه في القرآن أيضاً)، فمن المنطقي أن تُفسر العبارات التشبيهية بناءً على تلك القاعدة، وهذه قاعدة نطبقها في جميع الأمور. وإذا فعلنا ذلك، فإن وصفه بصفات كالقادر والسميع والعليم والخبير وما شابهها يكون مجازاً لا محالة، وهو من أجل تقريب المعنى إلى الذهن وعقلنة الأمور المجردة وتبيينها حسياً》.
في المقالة التالية، سنتناول كيفية الجمع بين التشبيه والتنزيه في اللاهوت الدوبني، والإله الموحد متعدد الأبعاد، وكيفية تواصل الإنسان معه ونمط إيمانه.
اللاهوت الدوبني والأنواع المختلفة للإيمان بالإله
يذكر سروش دباغ الإيمان بإله الأديان الإبراهيمية، والإيمان بالإله الطبيعي، ووحدة الوجود، وإله وحدة الوجود، واللاأدرية، والإلحاد كأصناف للمواجهة مع الأمر المتعالي. ويشرح هذه الأنواع قائلاً: 《..الإيمان بالإله (التَيِّزم) يتضمن الإيمان بإله مشخص ومؤنسن، يتصف بصفات كالإرادة والعلم والقدرة والخير. هذه الصورة عن الأمر المتعالي قُدمت في تعاليم الأديان الإبراهيمية (اليهودية والمسيحية والإسلام)... الإيمان بالإله الطبيعي (الربوبية، الدَيْئِزم) يتضمن الاعتقاد بالساحة المقدسة للوجود. لكنه، على عكس الإيمان بإله الأديان الإبراهيمية، يخلو من الصفات البشرية. بعبارة أخرى، وفقاً لرواية المؤمنين بالإله الطبيعي، ومن منظور أنطولوجي، فإن الأمر المتعالي مشخص ومتعين ومفارق للعالم المحيط، لكن لا يمكن أن نجد فيه صفات إنسانية كالرحيمية والرحمانية.. (الإيمان بالإله غير الديني).. وحدة الوجود (البانتيئزم)، على عكس الإيمان بالإله وفق رواية الأديان الإبراهيمية والإيمان بالإله الطبيعي، تتضمن تجاوز الفصل بين العالم المحيط والساحة المقدسة، وعبور الثنائية الوجودية الأفلاطونية. وفقاً لرواية القائلين بوحدة الوجود، فإن الإله حالّ في الطبيعة والعالم المحيط. إذا افترضنا أن العدد الكلي لموجودات العالم هو n، فإنه لدى القائلين بوحدة الوجود، وبإضافة الإله إلى موجودات العالم، لا يصبح عدد الموجودات n+١، بل يبقى n نفسه، لأن الإله حالّ في جميع الموجودات وليس له تشخص وتعيّن مستقل... إله وحدة الوجود (البان إنتيئزم، الحلولية الكلية) له قرابة مع الإله البانتيئستي، وفارق مع إله الأديان وإله الإيمان الطبيعي. لكنه، على عكس الإله البانتيئستي، لا يقول بتحويل واختزال الأمر المتعالي إلى الطبيعة والعالم المحيط. مفهوم «التجلي» في تقاليد العرفان الإسلامي يتكفل بتبيين العلاقة بين الأمر المتعالي والموجودات الكثيرة المحيطة. وفقاً لهذه الرواية، فإن الأمر المتعالي، في ذاته، عديم اللون وعديم التعين وعديم الشكل وعديم الصورة؛ لكن تعيناته وتجلياته ملأت العالم.. اللاأدرية (الأغنوستية) تتضمن الحكم بتعليق الحكم؛ فالشخص اللاأدري لا يعلم إن كان العالم المحيط يمتلك ساحة مقدسة أم لا؛ فالأدلة المؤيدة والمعارضة في هذا الشأن متكافئة ومتساوية في القوة عنده. لذلك، لا يتعاطف اللاأدري مع أي من الشقوق الأربعة المذكورة ولا يعتبرها مبررة، لأن كل شق منها، بشكل من الأشكال، يقول بتعين وتقرر الساحة المقدسة للوجود ويعتبر الإيمان بالأمر المتعالي مبرراً.. الإلحاد (الأتيئزم) يتضمن اعتبار الاعتقاد بالساحة المقدسة للوجود غير مبرر. على عكس اللاأدري، يعتقد الملحد أن أي قراءة للساحة المقدسة للوجود (الإيمان بإله الأديان الإبراهيمية، الإيمان بالإله الطبيعي، وحدة الوجود، وإله وحدة الوجود) هي غير مبررة..》.
بناءً على ما تقدّم، فإن اللاهوت الدوبني يتوافق مع إله الأديان الإبراهيمية، ووحدة الوجود الشاملة (البانثيئية)، والحلولية (البانينثيئية). لكنه يؤمن، بنظرة نقدية لوحدة الوجود والحلولية، بتوحيد الوجود كما رواه محمد إقبال اللاهوري. وبتعبير يوسفي إشكوري 《..لديه (إقبال) أربع قضايا ذكر كل واحدة منها في موضع ومناسبة، غير أني أحللها ضمن منظومة معرفية ولاهوتية واحدة: -العالم خطٌّ في طور الامتداد. -حياة الله في تجلّيه. -تجلّي الله في الطبيعة. -والطبيعة هي سلوك الله. في هذا التصوّر، للوجود المتعيّن بداية لكن لا نهاية له، ويصرّح إقبال بأن الله نفسه لا يعلم نهاية هذا الخط ونقطته الختامية (وعليه يكتسب الحادث والقديم معنى مختلفاً). لعل مفهوم 'الصيرورة' و'إلى الله المصير' (الآية 28 من سورة البقرة) بمعنى التحوّل المستمر يحمل هذا المعنى. لكن إذا اعتبرنا القضايا الثلاث التالية معقولة ومقبولة، فمنطقياً، لا يكون الله جالساً خارج العالم (في مكان ما يُدعى العرش أو فوق السماء مثلاً) كملك مطلق يفعل ما يشاء بإرادته، بل إن الحياة الإلهية في تجلياته، وتجلياته في الطبيعة، وبالضرورة فالطبيعة، أي القوانين الحاكمة على الطبيعة، أي العالم والإنسان، هي عين المشيئة والإرادة والطلب، وبعبارة أخرى، صفات الله وأفعاله. قد يستحضر هذا الرأي نوعاً من وحدة الوجود أو الحلولية، ولكن بالنظر إلى أفكار إقبال الأخرى، يصبح هذا التشكيك بلا موضوع.. يرى إقبال في موضع ما أن علاقة الإنسان بالله هي علاقة الصدف بالبحر، لا القطرة بالبحر. في تصوّر وحدة الوجود (خاصة بنسختها المتطرفة والراديكالية)، علاقة العالم والعالمين بالله هي علاقة الظل وذي الظل (الظل وصاحب الظل)، أي أن ما سوى الله عدمٌ بالحقيقة، وله وجود عارِيّ ووهمي، وهو في الواقع كالقطرة من جنس الماء، حالما تتصل بالبحر تندك فيه كلياً وتصل إلى ما يُصطلح عليه بـ'الفناء في الله'. أما في تشبيه واستعارة الصدف والبحر، فرغم أن الصدف من البحر ونتاج الفيض الإلهي، إلا أنه يمتلك في النهاية شخصية مستقلة. والحرية والاختيار متلازمان مع هذا الفكر. لنُضف أن فكرة وحدة الوجود، رغم جاذبيتها، ورغم أنها تستقر في ذهن ووجدان المؤمنين والموحّدين ذوي المسلك العرفاني، إلا أنها إذا ما انتبهنا إلى لوازمها المنطقية، تصبح في نهايتها فكرة خطيرة، لأنها ستؤدي إلى انحلال الإنسانية بكل مقوماتها. ومن جملة ذلك، ستنتفي الإرادة الحرة، والقدرة على الاختيار، والمسؤولية، والحرية بمعناها الدقيق والشامل. الحرية والاختيار بارزان جداً في أنثروبولوجيا إقبال (وعلي شريعتي أيضاً) لدرجة أن إنسانية الإنسان تتحدد أساساً بـ'العصيان' في أسطورة الخلق في القرآن (الآيات 30 إلى 38 من سورة البقرة)، وعندها يصبح مقام 'أحسن الخالقين' (الآية 14 من سورة المؤمنون) لله بلا موضوع أيضاً》.
سبق الحديث عن هذا الموضوع في سلسلة كتابات العرفان الاجتماعي، وسيُستكمل الحديث عنه في الكتابة القادمة.
اللاهوت الدوبني وظاهرة تنوع الأديان
يعتقد ياسر ميردامادي أن الرؤى الرئيسية التي طُرحت في التفسير الفلسفي لتنوع الأديان يمكن تقسيمها إلى ٩ فئات على الأقل. وهو يكتب في شرح هذه الرؤى: 《الرؤية الأولى هي النسبوية الدينية. بعبارة بسيطة وموجزة، يعتقد النسبويون الدينيون أن: ثمة تصورات مختلفة ومتعارضة للأمر القدسي.. ولا توجد وسيلة للحكم بين هذه التصورات المختلفة والمتعارضة للأمر القدسي. ومن ثم، وبضم هاتين المقدمتين، يستنتج النسبويون الدينيون أن تصور كل جماعة هو الحقيقة بالنسبة لتلك الجماعة، وأننا في الواقع لا نملك حقيقة فوق-جماعية أو فوق-شخصية أو فوق-قبلية، وإذا أمكن الحديث عن الحقيقة، فلا يمكن الحديث عنها إلا مقيدة بقيد شخصي أو جماعي أو بدين أو مذهب أو قبيلة أو جماعة أو مسلك معين.. الرؤية الثانية هي "التعليقية الدينية". ترى هذه الرؤية أنه من الناحية التاريخية، كثيراً ما قتل البشر بعضهم بعضاً وأقصوا بعضهم باسم الحقيقة (الحقيقة المقدسة، الله، النبي وما شابه ذلك). يستنتج التعليقيون الدينيون من هذه المقدمة: دعونا نترك البحث عن الحقيقة، البحث حول أي إله هو الحق وأي إله مُختلق، أي نبي هو صادق وأي نبي مُختلق أو متنبئ كما يُقال، أي دين كتابه إلهي حقاً وأي دين كتابه من صنع البشر، يقولون اتركوا هذه المباحث، فهذه المباحث لا تُحل... الرؤية الثالثة والرابعة هي الحصرية الدينية. للحصرية الدينية نفسها نموذجان، الحصرية الدينية الصدامية والحصرية الدينية الودية. تقول الحصرية الدينية، بشكل عام، إن الله أو الأمر القدسي تجلى في دين واحد فقط، والأديان الأخرى محرومة من تجلي الأمر القدسي أو التجلي الإلهي وبالتالي من الخلاص.. [من وجهة نظر الحصريين الوديين] المسيحية وحدها هي الدين الحق، لكن إذا كان هناك شخص مسلم، أو يهودي، أو بهائي، فإننا نتسامح معهم. أي أنهم يقرون للأفراد، بالتعبير، "حق أن يكونوا على باطل".. لكن الحصرية الصدامية ليست كذلك بالطبع. الحصري الصدامي المسلم لا يقر لأحد بحق أن يكون بهائياً؛ لا يقر بحق تغيير الدين (conversion)، أي أنه من وجهة نظره لا يحق لمسلم أن يترك دينه ويصبح مسيحياً أو بهائياً. أما الحصرية الدينية الودية فتقر بهذا الحق للأفراد. الرؤية الخامسة هي الشمولية الدينية. للشمولية الدينية أوجه شبه مع الحصرية الدينية، وبالطبع ثمة اختلافات أيضاً. الشبه بين هاتين المجموعتين هو أن الشموليين، تماماً مثل الحصريين الدينيين، يعتقدون أن الله تجلى تجلياً تاماً كاملاً في دين واحد. إذن هناك دين واحد هو الحق الخالص. وهم يشتركون مع الحصريين الدينيين حتى هذه النقطة. أما اختلاف الشموليين فهو أنهم يقولون إن الأديان الأخرى، بقدر ما تشبه الدين الكامل، تتمتع بدرجات أدنى من الحقيقة... الرؤية السادسة والسابعة هي الإلحاد (الودي والصدامي).. للإلحاد نسختان، إحداهما الإلحاد الودي والأخرى الإلحاد الصدامي. للإلحاد الودي أنصار كثر بين الملحدين. يقول الملحدون الوديون إن المؤمنين بالله من أي دين، لديهم من الناحية الفلسفية رؤية لا يمكن الدفاع عنها، لكن من حقهم أن يكونوا على باطلهم، لأنهم يمتلكون "حق أن يكونوا على باطل"... أما أولئك الملحدون الصداميون فيقولون لا، الإيمان بالله فيروس ويجب القضاء على هذا الفيروس.. الرؤية التاسعة هي التعددية الدينية.. من وجهة نظر التعدديين الدينيين، فإن أديان العالم الكبرى كلها تجليات للحق وجالبة للخلاص》.
يعتقد اللاهوتيون أنفسهم أنه يمكن تقسيم التعددية الدينية إلى فئتين: تعددية الصدق وتعددية النجاة. وبتعبير سروش دباغ: «لفهم الأساس الفلسفي للتعددية، أعتقد أنه يجب التمييز بين "تعددية النجاة" و"تعددية الصدق". المسألة الرئيسية في بحث التعددية هي تعددية النجاة، أي خلاص غالبية المؤمنين بالأديان المختلفة؛ بينما تعددية الصدق تبحث في كون الدعاوى المتعارضة أحياناً للأديان المختلفة صادقة في آنٍ واحد. شخصياً، كمتعدد، أدافع عن "تعددية النجاة"، التعددية التي ترى أن غالبية المؤمنين بالأديان المختلفة على طريق صواب. أما مسألة "تعددية الصدق" فمختلفة، وطرحها، بتعبير ما، ليس ضرورياً لفهم مسألة خلاص المؤمنين بالأديان المختلفة... تعددية الصدق تعني أن نعتبر جميع دعاوى الأديان المختلفة صحيحة، وهو أمر غير مقبول مع وجود التعارضات الواضحة بين هذه الدعاوى. على سبيل المثال، أحد التعارضات الواضحة هو التعارض بين التثليث والتوحيد بين المسيحيين والمسلمين». يتوافق اللاهوت الدوبني مع الحصريين الودودين والشموليين وتعدديي الصدق، ويمكن للمؤمنين بهم من هؤلاء الأفراد أن يتدينوا في إطار هذا اللاهوت. لكن النظرة الأساسية لهذا اللاهوت تميل إلى تعددية الصدق.
لذلك، يؤمن اللاهوت الدوبني بالجمع بين التشبيه والتنزيه، وهو غير متوافق مع اللاهوت السلبي الراديكالي واللاهوت التشبيهي بلا تنزيه. في مبحث أنواع الإيمان بالله، يتوافق مع إله الأديان الإبراهيمية، وحلولية الكل، والكمون في الكل، وبمنظور نقدي لوحدة الوجود والكمون في الكل، يؤمن بتوحيد الوجود برواية إقبال اللاهوري. وفي مبحث تنوع الأديان، يؤمن أيضاً بتعددية الصدق، ويتوافق مع الحصرية الودودة والشمولية. في الكتابة القادمة، سيتم التطرق إلى تصور الله من قبل الموحد متعدد الأبعاد، وكيفية علاقته بالله، وكيفية إيمانه.
الدين
الدين
الدين
الدين
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٢ تعليق
سلام دوست گرامی سپاس بابت حسن نظر شما استاد ملکیان به خدایی نامتشخص باور دارند که معتقدند حتی با چنین خدایی میتوان نماز هم خواند. دکتر سروش به خدایی بیصورت باور دارند که بیشتر به خداباوری طبیعی نزدیک است تا خدای عرفانی، چراکه تمامی صفاتی که برای خدا برشمردهاند مگر چند صفت که اگر آنها را سلب کنیم خداوند از الوهیت خود ساقط میشود، را باید سلب کرد و اخیرا هم گفتهاند خدا بدرد هر کاری نمیخورد.میردامادی و اشکوری به الهیات سلبی باور دارند و الهیات ایجابی را مخصوص مبتدیان میدانند. نراقی و کدیور به الهیات ایجابی مایلند.در نوشتار بعدی به به نقد تصور الهیات سلبی رادیکال پرداخته خواهد شد و خدای الهیات دوبنی و نوع ایمانورزی به آن به بحث گذاشته خواهد شد. با تشکر و احترام
با سلام و عرض ادب و سپاس ولی جناب قطبی این جنابان که اسم برده اید هم در نظر و هم در عمل مصداق همان گفته ی بوبر که آورده اید پیش آمده اند و الهیات آن ها هم مصداق تجمیع تنزیه و تشبیه شماهست.یعنی در دعاهای ملکیان و سروش به تعبیر بوبر با-خدا گفته اند . و در اشارات هم از-خدا .مگر قنوت و رکوع در قرآن هم اشاره به همین تشبیه و تنزیه ندارد . در قنوت با-خدایی تشبیهی گفته میشودو در رکوع منزه می کنیم آن خدای قنوت را ... ممنون از شما بابت سعی تان در الاهیات و ممنون خواهم شد که در صورت امکان دراین خصوص رفع ابهام برام بشه