اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
النموذج اللاهوتي الثنائي الأبعاد في دراسة الدين هو الصيغة المتطورة لنموذج إقبال اللاهوري، القائم على «النظرة الوجودية إلى الدين»؛ مقاربةٌ تضع «الكينونة» فوق «الملكية» وتربط بين النزعتين الفردية والجماعية في الفكر الديني الجديد.

في سلسلة المقالات الاثنتي عشرة حول لاهوت ذي الأساسين التي نُشرت سابقًا في موقع صدانت الثقافي، جرت محاولة لتقديم طريقة لموازنة العالم الشخصي والعالم المحيط بالمؤمنين في الشأن الديني، واقتراح لمشروع اجتماعي للتنوير الديني. لقد سُمّي هذا الإنسان بـ "الموحّد متعدد الساحات" أو بتعبير شريعتي "المسلم الكامل" أو "الأنا العلوية". كما قيل إن التنويريين الدينيين المتقدمين (ما قبل الثورة) ركزوا أكثر على الدور الاجتماعي للدين، بينما ركز التنويريون الدينيون المتأخرون (ما بعد الثورة) على الدور الفردي للدين، وفي النهاية قُدّم نموذج لشرح المنظومة اللاهوتية لهذا اللاهوت. في هذه المقالة، سنتناول النموذج الديني المعرفي لهذا اللاهوت. هذا النموذج الديني المعرفي هو نسخة متطورة من نموذج علم الدين القائم على "التجربة الدينية"، وهو النموذج الذي قدمه إقبال لاهوري وطوّره التنويريون المتأخرون.
١) النظرة الوجودية إلى الدين
النظرة الوجودية إلى الدين هي نظرة تتجاوز التقسيمات الظاهرية والقشرية السائدة. يرى رضا عليجاني أن النظرة الوجودية إلى الدين هي نوع من السلوك و"الكينونة" الأخلاقية والمؤمنة، تتجاوز المكانة والمنزلة و"الامتلاك" للمعارف المتكاثرة ثقيلة كانت أم خفيفة:
«.. في النظرة "الوجودية" إلى الدين، ما "يكون" عليه الفرد، وخصوصًا أخلاقياته وسلوكه ومنشؤه والنتائج المترتبة على ذلك؛ أهم مما يحمله الفرد في رأسه (معرفة) أو في جيبه (ثروة) أو في ساعده أو على كتفه ورأسه ولقبه (شارات وميداليات ومنزلة). وباستعارة تعبير إريك فروم، "كينونات" الفرد، لا "ممتلكاته". في قصة موسى والراعي في مثنوي مولوي، يعترض موسى على "معرفة" الراعي وتصوره عن الله، وينعته بأنه "لم يصبح مسلمًا، كافر". لكن الله (وفي الواقع نظرة مولوي الوجودية)، يقول لموسى: "نحن ننظر إلى الباطن والحال / لا ننظر إلى الظاهر والمقال". وهذا التأكيد على الحال والأحوال هو عين النظرة الوجودية. من المنظور "الوجودي"، سواء كان لديك تصور شخصي وإنساني وتجسيمي تمامًا عن الله كالراعي، أو تصور فلسفي ولاهوتي قائم على وحدة الوجود وغير شخصي وغير إنساني وتنزيهي تمامًا؛ فهذا ليس في "الأولوية الأولى" ولا هو حاسم في "كونك" متدينًا أو "لا". من هذه النظرة يقول إقبال لاهوري عن بعض فلاسفة الغرب إن عقلهم كافر وقلبهم مؤمن، أو يقول شريعتي إنني أنظر إلى العالم من شرفة وعلوّ أحب فيه أبا ذر وتشارلي تشابلن بنفس القدر، أو يصف غاندي الهندوسي بأنه أكثر إسلامًا من فلان آية الله الشيعي، أو يقول آية الله طالقاني إن كل ثورة ضد الاستعمار وضد الاستبداد وضد الاستثمار هي ثورة إسلامية. هذا لا يعني نفي النظرة والفحص المعرفي، لكنه المؤشر والمعيار الأساسي لحدود الإيمان والتدين والخروج منها... ليت في بلادنا، بدل "امتلاك" أكداس ثقيلة من "المعارف" الدينية، كان لدينا قليل من "الوجود" و"الكينونة" الإلهية. الله ليس فقط بمعناه الميتافيزيقي والديني، بل من منظور أنثروبولوجي ووجودي؛ بمعنى ذروة اللطف والقيم الأخلاقية السامية التي تصورها البشر على مر التاريخ. لا يهم بأي معرفة. كما كانت قلوبهم مؤمنة. سواء كان عقلهم كعقل راعي المثنوي، أو فيلسوفًا روحانيًا، أو لا أدريًا، أو كافرًا. هذه الاختلافات كانت لتُحدث تغييرات في مكتباتنا، لكن ذاك التغيير كان ليحدث في حياتنا ومصيرنا.. ».
يقسم عليجاني المؤمنين بالنظرة الوجودية إلى الدين إلى فئتين: النهج الوجودي الجمعي والنهج الوجودي الفردي، ويكتب عن انتقادات هاتين المدرستين لبعضهما البعض: «.. أصحاب الرأي والمعتقدون بالدين الوجودي الفردي والدين الوجودي الجمعي، قاموا أحيانًا بإصدار أحكام ومواجهات صريحة وحادة تجاه بعضهم البعض. شريعتي أيضًا، على الرغم من تقديره للعرفاء والعرفان واعتباره أساسًا العرفان أحد المثل العليا التاريخية الثلاثة الكبرى للبشرية (الحرية، المساواة، العرفان)، إلا أنه تعامل أحيانًا بحسم مع بعض العرفاء ووصفهم مثلاً بأنهم محصورون في "محجرهم الروحي"... كما يرى شريعتي، في مقاربة تحليلية للتاريخ، أن "التشيع" كان ضد "الخلافة" و"التصوف" كان ضد "الفقه"، ويعتبر مجال نفوذهما في التاريخ، أحدهما في الطبقات الريفية الواسعة والطبقة الدنيا في المدن، والآخر في مثقفي الطبقة الوسطى في المدن. وبهذا يقر للعرفان، بصفته نهجًا وجوديًا فرديًا للدين، بوظيفة مناهضة للرجعية ونقد التقاليد المتصلبة... ».
أما إذا نظرنا إلى المذهب الوجودي في إطار التنوير الديني، فيمكننا أن نطلق على المجددين الدينيين المتقدمين وأتباعهم، بشيء من التسامح، وصف المؤمنين بالمقاربة الوجودية-الجمعية، وعلى المجددين المتأخرين وأتباعهم وصف المؤمنين بالمقاربة الوجودية-الفردية. يريد عليجاني من المؤمنين بهاتين المقاربتين أن يتعاونا معًا، رغم كل الانتقادات التي يوجهونها لبعضهم البعض، وذلك بسبب القواسم المشتركة الكثيرة بينهما: «.. ولكن على الرغم من الآراء النقدية التي يمكن أن يحملها أصحاب المقاربات الوجودية الجمعية والفردية حول المقاربة الأخرى، حيث يتهم أحدُهم الآخرَ بأنه 'مسيّس، ورغم قيامه بأعمال جيدة وإنسانية، إلا أنه يسعى وراء 'الأيديولوجيا' لا إحياء التجربة الإيمانية لدى الناس'، أو يتهم الطرفُ الآخرُ في هذا الطيف الطرفَ المقابلَ بعدم الاكتراث وعدم تحمل المسؤولية تجاه المحيط والناس؛ إلا أن متلقي هذه الآراء، وبعيدًا عن هذه الانتقادات والحساسيات الجديرة بالتأمل المتبادلة؛ يمكنهم الاستفادة من آراء وسبل كلتا المقاربتين. تمتلك هاتان المقاربتان من المضامين المشتركة ما يكفي لكي تُعتبرا طرفي طيف واحد (طيف المقاربة الوجودية للمذهب)، وبالنسبة للمعتقدين والمهتمين بهذا الطيف، الذين يلتقطون الحبوب ويجمعون حبوب اللقاح بأنفسهم وباستقلالية؛ فإنهما توفران المواد اللازمة للتغذية الفكرية والوجودية وإنتاج الشهد المعرفي والروحي. هاتان المقاربتان هما دائرتان أو إهليلجان يتداخلان في جزء مهم وجدير بالاعتبار. المذهب الوجودي الفردي هو دائرة ذات مركز واحد؛ محورها ومركزها الإنسان، والبحث عن المعنى، والسعي نحو الطمأنينة، والتطلع إلى الأمل، والكفاح للهروب من أو تخفيف ألم ومعاناة الوجود والحياة. أما المذهب الوجودي الجمعي فهو إهليلج ذو مركزين: الإنسان والناس (المجتمع). وهو دائمًا ما يبقي عينًا على الذات وعينًا على الجمع والمجتمع، ويُقر بعلاقة جدلية بينهما. كما يقيم المذهب الوجودي الفردي علاقة مع 'الآخر'، ويمكن أن تتجسد هذه العلاقة في أخلاق إيثارية تسعى إلى محبة الآخرين وخدمتهم... يمكن للمقاربتين، المذهب الوجودي الفردي والجمعي، أن تشهدا تداخلًا عمليًا جادًا في مجال الأخلاق. كلتا المقاربتين تجذبان مخاطبيهما نحو حب العالم والإنسان انطلاقًا من محورية الإيمان والعرفان. ولكن إذا ما استمر هذا الحب ليتحول إلى حب للآخر، ومحبة للجار (في النمط الخدماتي لهذا اللاهوت) ومحبة لجميع البشر (خاصة في اللاهوت السياسي ولاهوت التحرير)، فإنهما يصبحان أكثر تجسيدًا وواقعية، وينزلان من سماء المثال إلى أرض الواقع، ويتحولان من حلول للنخب إلى سبل للجميع. حتى بين المسيحيين، وحتى في المقاربات الكاثوليكية التقليدية، نشهد كلا النوعين من الأخلاق. مؤمنون يطعمون الفقراء، ومؤمنون في أمريكا اللاتينية يحاربون الديكتاتوريين والمستغلين، انطلاقًا من المحبة المسيحية لأبناء الجنس البشري ومن أجل خلاصهم وتوفير حياة حرة وعادلة لهم.».
١-١) لاهوت الأساسين؛ توليفة بين المقاربة الوجودية-الجمعية والوجودية-الفردية
ولكن هل يمكن أن يكون المرء مؤمنًا يطعم الفقراء ويحارب الديكتاتوريين والمستغلين في آنٍ واحد، انطلاقًا من محبة أبناء الجنس البشري ومن أجل خلاصهم وتوفير حياة حرة وعادلة؟ لاهوت الأساسين هو لاهوت هذا المؤمن، ويُسمي هذا المؤمنَ بالموحد متعدد الساحات، أو المسلم الكامل، أو الإنسان العلوي. وقد سُمي هذا اللاهوت في مجموعة كتابات لاهوت الأساسين بلاهوت التحرير التعاوني. يمكن للاهوت الأساسين أن يخلق توليفةً للمقاربات القائمة على المذهب الوجودي-الفردي والمذهب الوجودي-الجمعي. سنتناول في هذه المقالة النموذج الديني المعرفي لهذا اللاهوت.
٢) النموذج المعرفي الديني القائم على «التجربة الدينية»
لقد تم شرح وتوسيع نموذج علم الدين الذي قدمه إقبال اللاهوري لاحقاً من قبل عبد الكريم سروش والمفكرين الجدد المتأخرين. آرش نراقي، الذي ألّف هو نفسه كتاب «رسالة في علم الدين» لتبيين هذا النموذج، يكتب عن هذا النموذج: «.. في علم الدين عند سروش، الدين ظاهرة معقدة تتكون من عدة أركان. الركن الأول هو «التجربة الوحيانية». سروش، مثل سلفه محمد إقبال اللاهوري، يعتبر «التجربة الدينية أو الوحيانية» جوهر الدين. هذه هي نفس التجربة التي يعتبر المسلمون مرتبتها العليا وحياً نزل على نبي الإسلام. الركن الثاني هو «النص المقدس». القرآن، «النص المقدس» للمسلمين، يُعتبر الصورة اللغوية للتجربة الوحيانية للنبي. الركن الثالث هو «المعرفة الدينية»، أي الفهم الذي حصل عليه المسلمون من ذلك النص المقدس في ضوء علمهم وبحسب مستوى معيشتهم. الركن الرابع هو الترجمة العملية لتلك المعارف الدينية. المعارف الدينية في الحياة الفردية والاجتماعية للمسلمين تترجم نفسها عملياً في قالب أنواع من الأنظمة الأخلاقية، والسياسية، والحقوقية».
هذا النموذج لتشكل الأفكار الدينية قسّمه علي رضا علوي تبار إلى أربع مراحل: «.. أ: الانبعاث: شخص معروف يدّعي أنه حصل على إدراك مباشر، بلا واسطة وغير استنتاجي من الله أو أمر منسوب إليه. بعد هذه الواقعة تتحول «معتقداته»، و«مشاعره» و«نزعاته» وتتشكل فيه «إرادة» جديدة. يتجدد سلوكه وكلامه ويتميز عن السلوك والكلام السائد في زمانه ومكانه. إنه يعتبر نفسه حاملاً لرسالة إلى جميع البشر (في كل الأزمنة والأمكنة) من جانب الله.
ب: تشكل النص الوحياني: تجربة الأنبياء في مواجهة الله، أولاً هي تجربة «شخصية وخصوصية»، وثانياً هي تجربة حدثت في مقطع زمني خاص، ومن ثم فهي تجربة «عابرة». الأنبياء يحكون هذه التجربة في قالب اللغة وعلى شكل قضايا للناس. إن إتيان هذه التجربة في قالب اللغة يجعلها «دائمة» ويمنحها صفة «الجمعية والعمومية». بهذه الطريقة يتشكل النص الوحياني ويستطيع الجميع مواجهته؛ أي أن يطلعوا عليه ويحكموا بشأنه. اللغة جزء من حياة «قوم» الأنبياء ونوع من العيش. اللغة تعكس كالمرآة ثقافة العصر وعلمه ومعيشته. الرسالة الإلهية الخارجة عن الزمان والمكان، ترتدي ثوب لغة القوم وتصير زمانية ومكانية لتصل إلى آذان القوم وتكون مفهومة لهم.
ج: تشكل الأمة الدينية: لكل دين «بؤرة». النص الوحياني ونبي كل دين هما بؤرته الأساسية. بعد بدء دعوة كل نبي، تعتنق جماعة من البشر رسالتهم ويسعون إلى تنسيق أنفسهم مع بؤرته (النص الوحياني وشخصية النبي). ولهذا السبب يكتسبون معتقدات دينية مشتركة ويتبعون نموذجاً محدداً في مجال التدين. ما دام الشخص يحافظ على همّ تنسيق حياته الدينية مع هذه البؤرة الدينية فإنه يبقى في نطاق ذلك الدين. المتدينون كل واحد منهم بحسب استعداداته وقدراته الوجودية يشارك في جزء منه، والدين يجري كالنهر في مجرى الزمان والمكان بين الأمة.
ت: تشكّل العلوم والمعارف الدينية: مع تشكّل تقليد ديني، تُطرح «موضوعات» مختلفة للبحث والدراسة. الموضوع الأول هو «التجربة الخاصة للنبي»؛ ذلك الإدراك التحويلي الذي يتحقق، وفقاً لادعاء الأديان، في الأنبياء، ويحدث أيضاً بين الأتباع المخلصين للأديان بعمق أقل؛ وهو ما يمكن التعبير عنه بـ«التجربة الوحيانية» (في حالة الأنبياء) و«التجربة الدينية» أو «التجربة الروحية» (في حالة الأتباع المخلصين للأديان). الموضوع الآخر هو «التعاليم النظرية للدين»؛ وهي مجموعة من القضايا الناظرة إلى التجربة الوحيانية للنبي، والتي تتمتع بانسجام داخلي وترابط منطقي فيما بينها. هذه التعاليم النظرية (أو منظومة المعتقدات الدينية) تصبح بدورها أساساً للفعل الديني. وفيما يتعلق بالفعل والسلوك الديني يُطرح موضوع «التعاليم العملية للدين». الفعل الديني ينتظم بتناسب مع منظومة المعتقدات الدينية ويتوجه نحو الغايات الدينية. في التجربة التاريخية للأديان، تُطرح التعاليم العملية للأديان في فرعين. جزء يتولى تنظيم ظاهر سلوك المؤمنين، وجزء آخر يتولى تنظيم باطن عملهم. ومن هنا ينقسم البحث في التعاليم العملية للدين إلى قسمين. وتناسباً مع هذه الموضوعات الأربعة، تتشكل أربعة علوم أو معارف دينية. علم يدرس «التجربة الدينية» و«التجربة الروحية» (يمكن تسميته بالعرفان). وعلم يبحث ويدرس «منظومة المعتقدات النظرية الدينية» (الإلهيات أو ما يسمى بعلم الكلام). وعلم يبحث ويدرس «التعاليم العملية المتعلقة بتنظيم ظاهر عمل المؤمنين» (علم الفقه). وعلم يدرس «التعاليم العملية المتعلقة بتنظيم باطن سلوك المؤمنين» (علم الأخلاق). في جميع الأديان الرئيسية يمكن مشاهدة نوع من هذه العلوم الأربعة.
ث: تشكّل التيارات المختلفة في فهم الدين والتدين: إن معرفة البشر للدين وتفسيرهم للنصوص الوحيانية، سواء في مقام الجمع أو في مقام التقويم، تتأثر بالعلوم المعتبرة والقيم المقبولة في العصر، وكذلك بالنظام الاجتماعي ونمط معيشتهم. ولهذا السبب، لدى البشر في تعاملهم مع الدين أسئلة مختلفة وحساسيات متنوعة، ولديهم أيضاً معايير ومقاييس مختلفة في رفض وقبول التفسيرات المتنوعة للدين. ومن هنا، فحتى الجهد المنهجي والمنضبط لفهم الدين وتفسيره لا يوصل الجميع بالضرورة إلى نقطة واحدة. إن تشكّل فهوم مختلفة للدين وأساليب متنوعة للتدين واقعة تُشاهد بشكل متكرر في تاريخ جميع الأديان ».
يرى علويتبار أن الإنسان، في النموذج القائم على التجربة الدينية في فهم الدين، يتصل بالتجربة الدينية (والوحي) ويتفاعل معها على مستويات عدة، ويطلق على المرحلة النهائية اسم "اللاهوت": «.. يعتبر نموذج فهم الدين القائم على "التجربة الدينية" الوحيَ أيضاً نوعاً من "التجربة الدينية". ووفقاً لهذه الرؤية، فإن النصوص الوحيانية هي الصياغة اللغوية لـ"التجربة الدينية"، وفي الواقع تُعتبر النصوص الوحيانية تجسيداً لغوياً للتجربة الدينية للأنبياء. في النموذج القائم على التجربة الدينية في فهم الدين، يتصل الإنسان بالتجربة الدينية (والوحي) ويتفاعل معها على مستويات عدة. يحدث المستوى الأول من التفاعل والاتصال عندما تُصب التجربة الوحيانية للنبي، وهي شخصية وعابرة، في قالب "لغة عصر النزول" لكي تتحول إلى تجربة جمعية ودائمة. في الواقع، يُعرض على البشر كلام الله المتعالي على الزمان والمكان في قالب لغة قوم محددين بزمان ومكان معينين، فيكتسب لون ورائحة زمان ومكان وقوع التجربة الدينية والوحيانية. في المستوى الثاني، يسعى المخاطَبون بالوحي إلى استخراج "نسق عقائدي" لأنفسهم من "التجربة الوحيانية التي صيغت لغوياً" (الوحي اللغوي). أي أن يستخرجوا مجموعة من القضايا التي تمثل المعتقدات الدينية وتكون مترابطة ومتماسكة فيما بينها. وبطبيعة الحال، فإن تحديد الأسئلة التي يجيبون عليها في نسقهم العقائدي، والنقاط التي يؤكدون عليها، والبنية التي يقيمونها بين هذه القضايا والمعتقدات، سيكون متأثراً تماماً بالأسئلة النظرية والمشكلات العملية والمعارف والقيم والنظام المعيشي لكل عصر. يحدث المستوى الثالث من التفاعل عندما نشرع في "فهم وتفسير" عناصر النسق العقائدي وتوجهه الكلي والعام. ورغم أن الخطوة الأولى لفهم وتفسير وتبيين القضايا العقائدية قد تمت في مرحلة بناء النسق نفسها، إلا أنه يمكن القيام بإجراء محدد بشكل تفصيلي بعد تصميم هذا النسق (النظام) أيضاً. وبالنظر إلى ما يمكن فهمه من الهرمنيوطيقا كقواعد لها في فهم النص، فإن فهم النص وتفسيره يتأثر أيضاً بالخلفيات الفكرية والملموسة والمحسوسة التي يوجد فيها الفرد. في المستوى الرابع، نعقد مقارنة بين نسقنا العقائدي والأنساق العقائدية المنافسة أو المتضادة، ونقوم بقياس وفحص مدى تبرير واعتبار نسقنا العقائدي. في هذا المستوى، يكون الدفاع عن اعتبار النسق العقائدي هو الهدف المنشود. وبناءً على ما شرحته، يحدث في جميع المستويات نوع من التفاعل بين الإنسان وجوهر الدين (التجربة الدينية - الوحيانية)، وتتم إعادة قراءة وفهم رسالة الله إلى البشر ضمن إطار ذهن البشر. ما نطلق عليه هنا اسم اللاهوت يتعلق بالمستويات الثلاثة التي تلي الصياغة اللغوية للتجربة الوحيانية. وبشكل محدد، اللاهوت في استعمالنا يعني "الجهد المنهجي لاستخراج نسق من المعتقدات وتفسير وتبيين هذا النسق ومقارنته بالأنساق المنافسة والمعارضة للدفاع عن اعتباره" وذلك بالارتباط بالتجربة الوحيانية. وعلى هذا الأساس، فإن اللاهوت الإسلامي يعني الجهد المنهجي الذي يُبذل لتقديم نسق من المعتقدات الإسلامية، وتفسير وتبيين هذا النسق، والدفاع عنه في مقابل الأنساق المنافسة والمعارضة ».
لذا، ووفقاً لهذا التعريف، يمكن اعتبار لاهوت الأساسين استخراجاً لنسق من المعتقدات الإسلامية وتفسيراً وتبييناً لهذا النسق وفقاً لآراء المجددين الدينيين المتقدمين والمتأخرين، ودفاعاً عنه في مقابل الأنساق المنافسة (الإسلام التقليدي، الإسلام السياسي) والمعارضة (العلمانية المتصارعة).
۳) النموذج المقترح
۱-۳) مراتب وساحات وأصناف وكيفيات التدين
في النموذج التقليدي للتدين، جرى الحديث عن تسلسل هرمي للمبتدئين والمتوسطين والمنتهين في ممارسة الدين. وقد قُسّمت ساحات التدين وفقاً لهذه الرؤية إلى الشريعة والطريقة والحقيقة، وهو ما يسميه محسن كديور بالإسلام متعدد الساحات: «... لفهم الإسلام متعدد الساحات بشكل أفضل، من المناسب أن أشير إلى التقسيم المشهور للديانة إلى شريعة وطريقة وحقيقة. أنقل هذا التقسيم عن الكتاب القيم "أسرار الشريعة وأطوار الطريقة وأنوار الحقيقة" للسيد حيدر الآملي، العارف الشيعي الكبير في القرن الثامن... أسرار الشريعة، وأطوار الطريقة، وأنوار الحقيقة هي ثلاث ساحات مختلفة للديانة. الشريعة هي الصورة الظاهرية والدنيوية للأحكام؛ والطريقة هي السلوك والتصرف الذي يختاره الفرد بحسب مقامه للوصول إلى الحقيقة؛ والحقيقة هي مشاهدة وإدراك الأسرار التي تتحقق بالوصول إلى الحق. يلجأ السيد حيدر الآملي في تعريف الشريعة والطريقة والحقيقة وشرح كيفية اتحادها ووحدتها إلى كلام رسول الله حيث قال: الشريعة أقوالي، والطريقة أفعالي، والحقيقة أحوالي. ثم يضرب هذا المثل: الشرع كالجوزة الكاملة التي فيها الزيت واللب والقشر. فالجوزة هي الشريعة، ولبها كالطريقة، والزيت الذي فيها كالحقيقة. وقد أشار الحق تعالى إلى ذلك في ثلاث مراتب: علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين».
أطلق عبد الكريم سروش في مقالته "أصناف التدين"، وفي صياغة جديدة، على أصناف التدين المتناسبة مع هذه الساحات أسماء: التدين المصلحي، والتدين المعرفي، والتدين التجربي. يكتب حسين دباغ في شرح هذا النوع من التدين: «... التدين المعيشي الذي يتخذ أيضاً اسم التدين الغائي، يولي أهمية لنتائج الفعل الديني وعواقبه. ووفقاً لرأي سروش، يمكن إجمالاً وصف هذا النوع من التدين بأنه "عِلّي (غير استدلالي)، إرثي، جبري (ناشئ لا عن اختيار وإرادة)، عاطفي، جزمي، آدابي-شعائري، أيديولوجي، هوياتي، قشري، جمعي-طقوسي، شرعي-فقهي، مليء بالأساطير، تقليدي، تعبدي، تقليدي وعاداتي". في منظومة هؤلاء المتدينين، يكون الفعل أكثر تديناً كلما كانت نتيجته ذات ثواب أوفر، وعلى هذا القياس والسياق يكون الفعل أقل تديناً كلما ترتب عليه ثواب أقل، وربما استوجب الفعل المضاد للدين عقاباً شديداً. في منظومة الفرد المتدين المصلحي، يمكن حتى "محاسبة" الأفعال، وتلك التي تتمتع بقدر أكبر من الثواب ينبغي القيام بها. وبهذا الحساب، يمكن اختصار كل اهتمام الفرد المتدين المصلحي في أمرين: نتيجة الفعل، وفائدة ذلك الفعل.التدين المعرفي، بتعبير سروش، هو "استدلالي (في مقابل عِلّي)، تحقيقي، تأويلي، اختياري-انتخابي، حيروي، كلامي، غير أسطوري، بلا رجال دين، فردي، نقدي، سيال وغير تقليدي". من الواضح أن بعض مكونات التدين المعرفي والتدين المصلحي تقف وجهاً لوجه وتتقابل. فبقدر ما يضغط التدين المصلحي على دواسة التقليد والتكليف، يركز التدين المعرفي إصبعه على التأمل والنقد والحق. بمعنى أنه، وكما يوحي اسمه، يسعى التدين المعرفي إلى مصالحة المعرفة البشرية مع الدين، ولهذا السبب تتغلغل لوازم المعرفة وملحقاتها، أي النقد، في الدين. الفرد المتدين المعرفي في حالة نهوض دائم؛ يسحب أحواله وأفكاره إلى النقد؛ يسأل عن اتساقها؛ يترك بعضها ويبسط بعضها الآخر. خلاصة القول إنه لا يتوقف عن السؤال ويرى من حقه أن يسأل عن التكليف الموضوع عليه... يطرح التدين التجربي نموذجاً أرفع من النوعين السابقين. غالباً ما يكون الخواص هم من يولعون بهذا النوع من التدين. وكما يرسم فلاسفة الأخلاق هرماً لنظرياتهم الأخلاقية الشهيرة (العواقبية في قاعدة الهرم، والواجبية في وسطه، والفضيلية في قمته)، على المنوال نفسه يمكن رسم هرم للتدين أيضاً (المصلحية في قاعدة الهرم، والمعرفية في وسطه، والتجربية في قمته). يمكن، كما يورد سروش، اعتبار مكونات هذا التدين "عشقية، كشفية، تجريبية، يقينية، فردية، جبرية، لبية، صلحية، بهجية، وصالية، شهودية، قدسية، عرفانية وأسرارية". في هذا النوع من التدين، ما تكون له اليد العليا هو النظرة العرفانية؛ بمعنى أن الفرد المتدين يرى نفسه في مقابل أمر متعالٍ ولانهائي يقف أمامه ويخاطبه ».
يمكن للمرء، مع القبول بالتقسيم الكلي تحت نظر الدكتور سروش، أن يختلف معه في جميع التقسيمات الجزئية لكل صنف من أصناف التدين ومع المصاديق المذكورة في مقالة أصناف التدين. وما استُخدم في هذا النموذج هو هذا التقسيم الكلي الثلاثي. يكتب ميثم بادامجي عن علاقة أصناف التدين ببعضها في فكر سروش: «.. يبدو أن سروش لا يقبل التدين المعيشي إلا في ظل التدينين المعرفوي والتجربوي ويعتبر قيمته أداتية بالدرجة الأولى: "الدين هوية ثلاثية الطبقات: له نواة هي التجربة الدينية، وله صدفة أخلاقية، وصدفة فقهية. إذا نظرنا من عين النبي ومن الأعلى، نجد أن التجربة كانت أولاً، ثم الأخلاق، ثم الفقه. أما نحن الذين نقترب الآن من الدين، فإننا نقترب أولاً من الفقه؛ نعبر الطبقة الفقهية ونصل إلى الطبقة الأخلاقية، ثم نعبر الطبقة الأخلاقية ونصل إلى التجربة الدينية." (الآئين في المرآة، ص ص. ۴۵۶-۴۵۳) التدين المعيشي، بتعبير سروش، يقف عند الطبقة الأولى، أي الطبقة الفقهية. التدين المعرفوي والفلسفي يعبر الطبقة الأولى ويدرس الطبقتين الأولى والثانية (وأضيف الثالثة) من منظور معرفي. التدين التجربوي ينظر فقط إلى الطبقة الثالثة، أي التجربة الدينية. وكما أشير، فإن طبيعة العلاقة بين هذه الأنواع الثلاثة من التدين ليست واضحة دائماً في كلام سروش، لكن من مجموع كلامه يتبين أن في المسلم المثالي، في نهاية المطاف، عناصر من التدينات الثلاثة: المعيشي (أو الهوياتي بتعبير آخر)، والمعرفوي، والتجربوي، وهذه الثلاثة قد توازنت معاً بشكل ما (لا تكون تفاصيله واضحة أو خالية من التناقض دائماً)».
الإسلام متعدد الساحات هو عدم إغفال أيٍّ من ساحات الدين في كل صنف أو نوع من التدين. يعرّف كديور الإسلام متعدد الساحات بأنه الإسلام العرفاني الأخلاقي الفقيهي، أي الشريعة والطريقة والحقيقة متآزرات معاً، ويسمي الإسلام الذي يغفل أيَّ بُعدٍ من هذه الأبعاد إسلاماً أحادي الساحة: «.. لا شك أن علينا أن نبحث عن الحقيقة، أي لب الجوز في تمثيل السيد حيدر. ولكن من أي طريق؟ يسأل: هل يمكن الوصول إلى الحقيقة خارج الشريعة، وبعيداً عن الطريقة؟ إنه سؤال عويص وجاد. هل يمكن تنحية الشريعة جانباً، وبدون أوامرها ونواهيها، بلغة بسيطة، بدون افعل ولا تفعل الفقهية، أن نختصر الطريق ونصل إلى الحقيقة؟ جواب السيد حيدر الآملي هو النفي. إنه ليس بميسور لأكثر الناس أبداً، فكثير من الناس يبقون في الشريعة ذاتها، وقليل منهم يصلون إلى الطريقة أيضاً، وعدد قليل جداً منهم يصل إلى الحقيقة. إذا تم وصف "الإسلام العرفاني" كوصفة عامة للجميع، فهل فُكِّر في أن جميع الناس أو أكثرهم ليس لديهم عملياً القدرة على الوصول إلى الحقيقة؟ لنتحدث بإنصاف معاً، إذا كان أكثر الناس يبقون في الساحة الأولى ولا يصلون حتى إلى الثانية، فما بالك بالثالثة، إذن فإسلام المحققين والعارفين، وإن كان رفيعاً جداً، إلا أنه ميسور فقط لعدد قليل جداً من الناس وليس للأكثرية الساحقة منهم. "كَلِّمِ النَّاسَ عَلَى قَدْرِ عُقُولِهِمْ"، خاطبوا الناس على قدر عقولهم، هو من غرر كلام النبي (ص). كل ساحة من الساحات الثلاث تتناسب مع عقل فئة من الناس. وتعميم أيٍّ من هذه الساحات وجعلها عامةً على سبيل الحصر يؤدي إلى تخريب تلك الساحة. من جهة أخرى، ما معنى ظاهر بلا باطن؟ وكيف يُتيسر باطن بلا ظاهر؟ الإسلام أحادي الساحة هو الاكتفاء بإحدى هاتين الساحتين دون الأخرى. الإسلام أحادي الساحة يعني فقهاً بلا عرفان، والإسلام أحادي الساحة يعني عرفاناً بلا فقه. في المقابل، الإسلام متعدد الساحات يعني الإسلام العرفاني الأخلاقي الفقيهي، أي الشريعة والطريقة والحقيقة متآزرات معاً، أي لا يمكن الاكتفاء بظاهر الشريعة، فالذين يكتفون بالشريعة ويغفلون عن الطريقة وينسون الحقيقة، قد جفوا الإسلام في الواقع. هذا يصبح إسلاماً عوامياً وقشرياً وظاهرياً يأوي الخرافات والرجعية والنكوص».
۲-۳) أركان التدين
آرش نراقی در کتاب رساله دینشناخت که در چارچوب الگوي دينشناسی مبتنی بر «تجربه دينی» تقریر شده است، درباره مدل دینشناسانه پیشنهادی خود مینویسد: «.. مطابق این نظریه دینشناسانه، دین سه رکن اصلی دارد: تجربهی دینی، نظام اعتقادات دینی، و عمل یا سلوک دینی. تجربهی دینی بنیان اصلی دین تلقی میشود و میتواند به شکلگیری پارهای از اعتقادات دینی (با دست کم اعتقادات اساسی آن) خواهد بود. البته نظام اعتقادات دینی نیز به نوبهی خود در فهم و تعبیر تجربههای دینی نقش اساسی ایفا میکند. از سوی، دیگر، دیگر اعتقادات دینی نیز به نحوی بنیان عمل یا سلوک دینی واقع میشود. در واقع فقه و اخلاق نظریههای سلوک دینی به شمار میروند و عمل دینداران را بسامان میکنند. غایت سلوک دینی نیز نیل به ساحت تجربههای دینی است. بنابراین ساختار این مدل متشکل است از سه رکن (تجربهی دینی، اعتقادات دینی، و عمل دینی) که به نحوی خاص بر یکدیگر مترتباند.. ».
هذا التقسيم لأركان الدين قام لاحقاً سروش دباغ بصياغته على هيئة أركان ثلاثة: المعرفة الدينية، والفعل الديني، والتجربة الدينية، وهي الصياغة التي سيُعتمَد عليها في هذه المقالة. ووفقاً للنموذج المقترح في هذه المقالة، فإنّ ساحات التدين (الشريعة، الطريقة، الحقيقة) موجودة في كل ركن من أركان الدين (الفعل، المعرفة، التجربة). وتدين كل صنف من المتدينين (مصلحتاندیش، معرفتاندیش، تجربتاندیش) يجري في الساحة المتناسبة مع كل صنف، ضمن أركان الدين. والآن، مع ذكر مثال لكل ركن، سنقوم بدراسة ساحات التدين المختلفة فيه.
أ) الفعل الديني
إذا أخذنا الصلاة كمثال على ركن الفعل الديني، فإن ساحاتها، بتعبير كديور، ستكون على النحو التالي: «.. لقد كشف محشّو فصوص الحكم في كل عمل عن شريعته وطريقته وحقيقته. فعلى سبيل المثال، الصلاة: شريعة الصلاة هي الركوع والسجود والقيام والقعود بصفة الوجوب في الصلوات الخمس اليومية، وطريقة الصلاة هي التقرب وهو أمر مندوب يحصل بالتخلية والتحلية، وحقيقة الصلاة هي الوصول إلى الله. من منا وصل إلى حقيقة الصلاة؟ لا كل يوم، بل مرة واحدة في العمر؟ كم منا اقترب من تخوم طريقة الصلاة؟ دعونا نتحاور بصراحة أكثر، كم منا يواظب على الصلاة ويداوم عليها؟ {الذين هم على صلاتهم دائمون}. هل استطعنا أن نجعل أبناءنا مؤمنين بهذه الآداب الشرعية؟ لقد امتلك آباؤنا هذا الفن فربونا أهل صلاة وصيام، أما نحن فماذا؟ يبدو أننا عاجزون حتى في الساحة الأولى، وكما يقول العطار: ما زلنا في منعطف زقاق واحد. حتى نصل إلى طريقة الصلاة وحقيقتها. إذا لم تفضِ صلاتي إلى أنها {تنهى عن الفحشاء والمنكر}، فبالتأكيد أنني لم أعمل حتى بشريعة الصلاة. المصلي الذي يكذب لم يأتِ بأكثر من صورة فارغة من المحتوى. في "إحياء علوم الدين"، سعى الغزالي إلى دراسة ظاهر العبادات وباطنها. يمكنكم قراءة هذه اللطائف بالفارسية في "كيمياي سعادت" للغزالي. وتحريرها الشيعي في "المحجة البيضاء" للملا محسن الفيض الكاشاني جدير بالدراسة أيضاً. و"جامع السعادات" للملا مهدي النراقي – والذي تُرجم أيضاً إلى الفارسية بعنوان الأخلاق الإسلامية – يحوي هذا الفصل بين الشريعة والطريقة والحقيقة في جميع العبادات. أولئك الذين يريدون التشرف بالحج وزيارة بيت الله – مضمون أدعية هذا الشهر المبارك: اللهم ارزقني حج بيتك الحرام في عامي هذا وفي كل عام – من المناسب لهم أن يقرأوا مثل هذه الكتب كي لا يبقوا في ظاهر الطواف ورمي الجمرات والأضحية، وأن يدركوا شيئاً من طريقة هذه الأعمال وحقيقتها. إذا قلت لبيك ولم تسمع صوتها، ولم تتشرف بزيارة صاحب البيت، فحجك لم يكن مقبولاً. حقيقة الحج طبعاً لا شريعته. حقاً، هل يمكننا أن نفصل هذه الثلاثة (الشريعة والطريقة والحقيقة) عن بعضها؟ بالنسبة لأولئك الذين لديهم السعة والقدرة على جميع الساحات، فإن الاكتفاء بالساحة الدنيا والابتدائية أمر غير لائق. كما أن تجويز الساحات العليا للمتوسطين والمبتدئين الذين لم ينهضوا بعد بأداء لوازم الساحة الأولى هو خلاف الحكمة».
يقسم عبد الكريم سروش العبادة إلى ثلاث درجات: بدنية وعقلية وقلبية، فيقول: «العبادة ليست بالحجم، بل بالعمق... ينظر العوام إلى حجم العبادة البدنية، بمقدار الصوم والصلاة والحج ونحوها... (العبادة البدنية) العبادة بلا بصيرة تؤدي إلى وقائع مؤسفة في تاريخ الإسلام... التفكر الكثير خير من المناسك الكثيرة... العبادة العقلانية هي التفكير والعمل بنشر التعاليم العقلانية للأئمة وللذات... (العبادة العقلانية) في التدين التجربتي، تحكم الروحُ البدنَ، فيخضع البدن تبعًا للروح... هكذا كان الأنبياء والعرفاء... في هذا النوع من التدين، بالإضافة إلى البدن والعقل، يعبد القلب أيضًا (العبادة القلبية)...». وهو يخصص، وفقًا لتصنيفه في أصناف التدين، لكل صنف عبادته الخاصة. يرى سروش أن عبادة المعيشيّين صورية، مجرد أداء للتكليف واتباع للأحكام الفقهية، قالبية وبدنية. أما عبادة المعرفة-أنديشان فهي عنده ذكر وفكر وعقلية، ومن جنس المعرفة. وعبادة التجربة-أنديشان من منظور سروش هي تجاوز للمعرفة وميل إلى الرؤية، حيروية وحضورية، فالرؤية أسمى من المعرفة، وبتعبيره: أين الحديث عن الماء وأين شرب الماء؟ يريد التجربة-أنديشان أن يروا الله، أن يعاينوه، وراء الشروح التي نقدمها عنه. وهو يعد هذه العبادة مقام الأنبياء والعرفاء، وبابها بالطبع مفتوح للجميع. وبرأي سروش، فإن عبادات المعرفة-أنديش والتجربة-أنديش لم تُفرض، لأنها فوق طاقة عموم الناس. لقد فُرضت عبادة المعيشيّين فقط، وإن أدى المؤمنون عبادات المعرفة-أنديش والتجربة-أنديش فهو أفضل، لكن هذا الأمر قد سقط عنهم تكليفه في الدين، ولم يُفرض في القرآن أي أمر قلبي، ولا عقاب أخروي عليه ما لم يتحول إلى عمل. يعتقد سروش أن مراحل الخدمة-العبودية، والتسبيح، والعشق قابلة للطيّ في الإسلام، والإسلام مزيج من اليهودية والمسيحية، يصل فيه الإنسان من العبودية عبر الخدمة إلى مقام العشق. في هذا النموذج، يُقسم الفعل الديني من حيث الكيف في ثلاث ساحات: الشريعة والطريقة والحقيقة، وثلاثة أنواع من التدين: المعيشيّ، والمعرفة-أنديش، والتجربة-أنديش، إلى ثلاث كيفيات على الترتيب: صورية، وتفكرية، وحيروية.
كما ورد في مجموعة الكتابات الاثنتي عشرة، فإن لاهوت التحرير التعاوني هو لاهوت إنساني ذو أساسين. يُسمى هذا اللاهوت ذا أساسين لأنه يرتكز على كلا نوعي التعاليم الدينية الفردية والاجتماعية. يتعلق أحد أساسيه بالتعاليم الدينية المرتبطة بالعالم الشخصي للإنسان المتدين، ويتعلق الأساس الآخر بالتعاليم الدينية المرتبطة بعالمه المحيط. لذا، فإن النظرة إلى العالم والسلوك الروحي المبني عليها في هذا اللاهوت ذو أساسين، ويُتبع بشكل متوازن في العالم الشخصي والعالم المحيط بالفرد. ومن ثم، في النموذج الديني المعرفي لهذا اللاهوت أيضًا، يُقسم كل ركن من أركان الدين المذكورة إلى قسمين: فردي واجتماعي. لذلك، يندرج في القسم الاجتماعي من الفعل الديني العبادات الاجتماعية مثل الإنفاق أو العمل. ويمكن أن تكون إغاثة الآخرين مادية وجسمانية، أو معرفية وتوعوية، أو إغاثة تقربية وسلوكية. وهذا التقسيم قابل للاستخدام في ركن الأخلاق الدينية أيضًا. فيمكن تصنيف القناعة والتواضع ضمن الفضائل الأخلاقية في العالم الشخصي، والأمانة والوفاء بالعهد ضمن الفضائل الأخلاقية في العالم المحيط.
-التعددية في الفعل الديني (التعددية في المناسك الثانوية)
لطالما رحّب التنويريون الدينيون بالتعددية في أركان المعرفة والتجربة الدينية. يكتب ميثم بادامجي عن التعددية والبلورالية في فكر الدكتور سروش: «.. إن فكر سروش الحديث، حتى التدين القائم على التجربة والعرفان، أكثر انفتاحًا على التعدد من التدين القائم على المعرفة والفلسفة. وذلك لأن التجربة أساسًا، سواء أكانت متعالية أم مادية، تعددية. فإذا كانت المعرفة الفلسفية تنطوي على تعدد – وهي كذلك – فمن باب أولى يكون تعدد التجربة العرفانية أكبر. وليس معنى قول العرفاء "الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق" إلا هذا. وكون المتصوفة المسلمين أكثر تعددية في الفكر حتى من الفلاسفة، وبطبيعة الحال من الفقهاء، ناشئ من التعدد الذاتي لتجاربهم الدينية. أما الحروب الدينية والقتل والتكفير والارتداد وظواهر كداعش، فقد أوقد نارها جميعًا المتدينون ذوو النزعة المعيشية. (قول سروش هذا ينطوي على مبالغة، إذ لم نعدم عبر التاريخ متصوفة متشرعين ملتزمين بأحكام الفقه الاجتماعية). وفي نظره، إذا ابتعدنا عن مجال التدين المعيشي ووطئنا ساحة التدين التجربي القائم على الوصال البهيج، فإن قبول التعدد يظهر بشكل طبيعي». ومع ذلك، فقد قيل القليل عن التعددية في الفعل الديني.
لكن الدكتور سروش دافع أيضًا عن التنوع والتعدد في العبادات، وتحدث في درسگفتار دينشناسي مولوي عن الموسيقى والسماع بوصفهما من عبادات مولوي: «.. يقول مولوي في "فيه ما فيه": اعثر على عبادة تستمتع بها، عبادة تثير وجدك، عبادة تمنحك حركة. كان حافظ من بين الطاعات المختلفة يستمتع بالسَحَر، لكنه لم يكن يستمتع كثيرًا بالصوم. وكان مولوي يستمتع بالموسيقى والسماع ويعتبرهما نوعًا من العبادة. وكان يقول أحيانًا لابنه: صوت الموسيقى بالنسبة لي كصوت انفتاح أبواب الجنة. بينما هو بالنسبة لبعض الفقهاء كصوت انغلاق أبواب الجنة». كما رحّب في درسگفتار گفتمان مسلماني معاصر بإضافة عبادات جديدة: «.. ولكن هل يمكننا أن نضيف أشياء إلى هذه [العبادات] أم لا؟ انظروا، بالطبع في هذه المواضع، انظروا الآن هنا قلنا أن يأتي أحد ويضيفنا قليلًا بدغدغة الموسيقى... لقد أدخل المتصوفة لدينا السماع أساسًا كعبادة، وعارضهم الفقهاء كثيرًا، وما زالوا يعارضون حتى اليوم، لكن شخصًا مثل مولوي، وشخصًا مثل أبي سعيد أبي الخير، كان الرقص والسماع بالنسبة لهم عبادة حقًا وكانوا ينتفعون بها... على أي حال، هل يمكن إضافة طقس آخر أم لا؟ من حيث المبدأ لا ينبغي أن تكون هناك مشكلة. لكن هذا يرجع إلى أن تكون هناك شخصية ذات سلطة خلفه بحيث تستطيع أن ترسخه ويتبعه الأفراد». ويقول أيضًا في محاضرة فلسفة العبادات: «. ولأن العبادة الدينية تعود إلى عصر العبودية، وجمباز العبادات وهيئة الطقوس تتناسب مع ذلك العصر، فلربما استطعنا اليوم أن نضع بدعة محمودة، ونؤسس عبادات جديدة، ونجلب الحب بدل العبودية. السماع وجلسات قراءة الشعر والموسيقى التي يمكنها، مع الحفاظ على روح العبادة، أن تغير جمباز العبودية.. أن نقترح شكلًا وهيئة جديدة.. أن يكون مضمونها تنقية النفس، وتمجيد المعشوق، والاستغفار، وإلقاء التواضع... بحيث يمكن اقتراحها إلى جانب العبادات الواجبة، لا أن تحل محلها». ثم يضيف أنه لا يمتلك الجرأة على وضع مثل هذه العبادات، وهو ما قيل على الأرجح بسبب انتقادات أكبر كنجي وآرش نراقي.
يبدو أن الدكتور سروش لا يرى هذا التعدد إلا في التدين النخبوي، ويعتبر التدين المعيشي خاليًا من التعدد. ووفقًا لآراء الدكتور سروش نفسه، فإن ساحة الشريعة هي ساحة تدين هؤلاء المتدينين واهتمامهم ينصب في الغالب على الركن الشعائري من الدين. محسن حسام مظاهري هو أحد الباحثين الذين تناولوا الممارسة الشعائرية عند العامة. من وجهة نظره، تنقسم الشعائر الموجودة في الأديان إلى فئتين رئيسيتين: أولية وثانوية، والشعائر الثانوية هي مجال التعدد وظهور ابتكار وإبداع المتدينين: «.. يمكن تقسيم الشعائر الموجودة في أي جماعة دينية، في تصنيف عام، إلى مجموعتين: «الشعائر الأولية» و«الشعائر الثانوية». الشعائر الأولية هي شعائر المؤسسين؛ شعائر مقدسة شُرّعت في النصوص التأسيسية للدين. لهذه الشعائر شكل صارم وثابت، وقد حدد المؤسسون حدودها وثغورها وكيفية أدائها بدقة في الشريعة (الفقه). في المنظومة الاعتقادية لكل دين، يُعتبر المشرّع والمؤسس الرئيسي لهذه الشعائر هو أعلى مقام قدسي (الله). ولهذا السبب فإن الأديان غير قادرة على تقديم تفسير شفاف وصريح لسببية شكل هذه الشعائر. على المتدين أن يقبل تعبدًا شكلًا سلوكيًا خاصًا ومتكررًا؛ دون أن يُسمح له بالجدال حوله أو التصرف فيه. بعبارة أخرى، الشعائر الأولية قابلة للمعرفة بالنسبة للمتدين، لا للفهم. اتباع هذه الشعائر إلزامي والتخطي عنها يستوجب العقاب.. في الإسلام، يمكن اعتبار الصلاة والصوم والحج تحديدًا من الشعائر المقدسة الأولية. لكن بالتوازي مع الشعائر الأولية، عادة ما تتشكل في الجماعات الدينية شعائر أخرى هي شعائر الأتباع، ومن هذه الجهة نسميها «ثانوية». منشأ هذه الشعائر يقع في منطقة الفراغ من الشريعة؛ وكلما كانت هذه المنطقة أوسع، كانت إمكانية نشوء الشعائر الثانوية أكبر، والعكس صحيح. الشعائر الثانوية يبتدعها المتدينون أنفسهم. هذه الشعائر هي ميدان ظهور خلاقية وإبداع المتدينين، ولذلك فإن الشعائر الثانوية، على عكس الشعائر الأولية، شديدة التعدد والسيولة وقابلة للتطور. من جغرافيا إلى أخرى، ومن حقبة تاريخية إلى أخرى، ومن إقليم ثقافي إلى آخر، تستقبل الشعائر الثانوية تعريفات وأشكالًا متعددة ومتنوعة. لا يمكن حصر الشعائر الثانوية في أي شكل ثابت، والتوالد والتطور والديناميكية سمة لا تنفك عن هذه الشعائر. في تاريخ التدين وعبر عملية معقدة، تتكون الشعائر الثانوية وتُسجل وتتراكم تدريجيًا في الثقافة الدينية. في نشأتها تتدخل مجموعة من العوامل البيئية المختلفة، من السياسة والاقتصاد والثقافة الشعبية والفولكلور وحتى الإقليم والنظام البيئي. بقدر ما تميل الشعائر الأولية إلى الخلوص، تميل الشعائر الثانوية ـ تبعًا لخاصية الثقافة ـ إلى التلفيق والامتزاج. ولهذا السبب يكون تتبع أنساب هذه الشعائر في كثير من الأحيان غاية في الصعوبة. وبسبب هذه الخصائص تحديدًا، يكون لدى عامة المتدينين رغبة واهتمام أكبر بالشعائر الثانوية، مقارنة بالشعائر الأولية. لأنها أكثر جاذبية لهم وتتيح لهم فرصة وإمكانية إظهار الإبداع. بعبارة أخرى، لدينا تعريف للشعائر الثانوية بعدد المتدينين. تدريجيًا في كل مرحلة، تطور التقويم الشعائري أيضًا. خرج العزاء من حصرية عاشوراء وامتد إلى إحياء ذكرى استشهاد سائر الأئمة وكبار الشيعة. كما ظهرت في القرون الأولى نفسها أعياد شيعية مثل الغدير والتاسع من ربيع الأول، والتي تثبتت هي الأخرى كشعائر ثانوية وكانت خاصيتها التمييز بين «الفرقة المحقة» و«العامة» تخصيصنا عن الآخرين. في كل هذه التغييرات، كان الفاعلون والوكلاء الرئيسيون هم المتدينون أنفسهم وقادة المجتمع الشيعي (العلماء) وأصحاب السلطة (الدول) ».
غير أن مظاهري يعارض تضخم الشعائر في التدين الشعبي، وهو ما يسميه «توسع الشعائر الشيعية، ونمو الرزنامة الشعائرية، وكذلك التوسع الصلب للتشيع»، ويصوغه تحت عنوان «السمنة الشعائرية»: «.. مع تغير العلاقات السياسية للتشيع ومؤسسة السلطة وقيام الدول الشيعية في العراق وإيران، تغير مسار نمو الشعائر الشيعية. لقد قدمت الدول الشيعية من آل بويه حتى الصفويين والقاجاريين أنفسهم بوصفهم الرعاة والأوصياء الرسميين على الشعائر الشيعية، وكانوا مؤثرين في تسمين عملية تأسيس هذه الشعائر وتغييرها والتحكم بها. كانت أكبر تدخلات مؤسسة السياسة وتأثيراتها في الشعائر الشيعية في فترات من الدولة الصفوية، والنصف الثاني من سلطنة رضا شاه، والجمهورية الإسلامية. في العقدين أو العقود الثلاثة الأخيرة، اكتسب توسع الشعائر الشيعية ونمو الرزنامة الشعائرية وكذلك التوسع الصلب للتشيع سرعة متسارعة لا يمكن تلمس نظير لها في أي حقبة من التاريخ. إن الانتشار غير المسبوق للأماكن المقدسة (الأضرحة والمقامات)، وازدياد إحصاءات الهيئات ومجالس العزاء، ونمو أعداد المداحين وارتقاء منزلتهم، واختلاق المناسبات واختراع العشريات، وتوسع طقوس العزاء، وابتداع طقوس جديدة شاملة مثل مسيرة الأربعين سيرًا على الأقدام، وغير ذلك من المصاديق تعد من مصاديق هذا التضخم الديني.. هذه هي الظاهرة التي أسميها «السمنة الشعائرية». هذا التوسع الصلب فحسب، أولاً، في اتفاق غير مكتوب، يروق لذائقة الجمهور المتدين ويتعاطف معه رجال الدين، وثانيًا، يصعب الادعاء بأنه مقترن ببسط ناعم ومعرفي للتشيع».
غير أنه، وفي معرض معارضته لتوسع الطقوس الدينية، ينتقد أيضاً نوع المواجهة التي يتبناها المثقفون الدينيون إزاء هذه الظاهرة وكذلك التدين الشعبي: «.. لتوسع الطقوس الدينية منتقدون كثر، كانوا وما زالوا يبدون آراءهم في هذا الشأن من منطلقات مختلفة. فئة من المنتقدين هم المثقفون الدينيون الذين يعتبرون دين الطقوس في تقابل مع المعرفة الدينية ونوعاً متدنياً من التدين، وبالتالي يرون في نمو الطقوس معنى لتضخم التدين الشعبوي وأفول التدين المعرفي ومصداقاً للشكلانية والظاهراتية الدينية، ويعارضونه من هذا المنطلق.. في نقدي لتضخم الطقوس، يختلف موقفي ودافعي وغايتي اختلافاً مبدئياً عن موقف المثقفين الدينيين.. أنا أنتقد عداء المثقفين لدين العامة، وأدافع، في مواجهة الهجوم والعنف المثقف إزاء دين العامة، عن منطق هذا الدين وضرورة فهمه وتقييمه في إطاره الخاص (لا بمقياس ومعيار النخب). برأيي، إن التغيرات الطقسية (التي هي تابع للتغيرات في التدين) هي تغيرات «طبيعية» تماماً (وليست بالضرورة مرغوبة). مسعاي هو تفسيرها وبيان المخاطر التي يمكن أن تترتب عليها للمجتمع. وبالصدفة، عندما تبرز مثقفية دينية أو حكومة دينية أو المؤسسة الدينية أو أي سلطة أخرى بموقع العنف والمواجهة الصارمة مع دين العامة، أجد نفسي ملزماً بالوقوف إلى جانب تلك العامة والدفاع عنها.. الطقوس مهمة في التدين الشعبي لأنها تُعد وسيلة لتجسيد المفاهيم، بينما تكون المواجهة مع الطقوس في التدين النخبوي على نحو حد أدنى. من وجهة نظر النخب، الطقوس في خدمة مفهوم ما، لكن من وجهة نظر العامة، الطقس في حد ذاته مهم... في التعريف النخبوي، يؤدي التقصير في الطقوس الأولية إلى خروج الفرد من دائرة التدين، أما في التعريف الشعبي فلا يؤدي عدم الالتزام بالطقوس الأولية بالضرورة إلى عدم قبول الفرد، بل إن الالتزام بالطقوس الثانوية هو الأهم، حتى لو لم يكن للفرد تعلق كبير بالطقوس الأولية.. الطقوس الثانوية هي ساحة لبروز إبداع وخلق المتدينين، فالمتدين لا يواجه الأطر الصلبة والمحكمة للطقوس الأولية، بل يمكنه هو نفسه أن يكون مبدعاً ومغيراً، هذه الصلاحية للمبادرة الخلاقة جعلت طقوس العزاء لدى بعض المتدينين أكثر جاذبية من الصلاة والصوم، لأن الساحة هي ساحة بروز الإبداع وممارسة التدين الشخصي لأصحاب العقيدة... في بعض المسائل، كلما زاد تشخيص العلل والمواجهة من قبل النخب إزاءها، أثارت ردود فعل بين المتدينين تزيد من تأجيج السلوكيات المنتقدة. رد الفعل هذا من المتدينين العوام له منطقه الخاص. أحد أسباب نمو السلوكيات التي تُعتبر عللاً هو جهل من يدّعون الإصلاح بهذا المنطق بالذات... طريق الإصلاح ليس هذه المواجهة وصنع الثنائيات، وأن نشهد عبر وسائل الإعلام الرسمية هجوماً نخبوياً على التدين الشعبي. لأن العوام يشعرون بالخطر، وعند الشعور بالخطر يركزون أكثر على حدودهم. مثلاً، تبدأ مكافحة التطبير، لكننا نشهد أن البعض يصبحون مروجين للتطبير، وبالطبع لا ننسى أن عامة المتدينين لديهم أيضاً داعمون من الحوزة يبررون أعمالهم. هذه الثنائية القطبية تدفعهم إلى تنظير عملهم!، فمثلاً بعد نشر كتاب «التنزيه» للعلامة الأمين الذي كان نقداً لعزاء العامة، أُلّفت عدة كتب فقهية في رد ذلك الكتاب وفي إثبات مشروعية أنواع طقوس العزاء. أي أن عالماً دينياً بهدف الإصلاح يؤلف كتاباً ويعلن، بناءً على فهمه للإسلام والتشيع، أن بعض المسائل خرافات أو محرمات شرعية، لكن هذا بالذات يجعل المخالفين يكتبون رسائل فقهية في الرد عليه ويهيئون الأرضية لتنظير وإضفاء المشروعية على الطقوس المنتقدة.. برأيي، إن هذا المسار الذي سلكته طقوس العزاء، من الناحية السوسيولوجية، غير قابل للعودة إلى الوراء، أو على الأقل لا يمكن إصلاحه على المدى القصير. الطقس، مثل التدين نفسه، من سنخ الثقافة، وأي تغيير يمكن إحداثه في الثقافة يمكن تطبيقه على طقوس العزاء، والتغيير الثقافي يتطلب بدوره وقتاً طويلاً ولا يمكن النظر إليه كمشروع. علينا أن نتقبل حقيقة أن أي تغيير ثقافي يستلزم مرور الزمن، تماماً كما يتشكل الأمر الثقافي عبر الزمن. لذا، إذا سعى أحد إلى الإصلاح، فعليه أن يعلم أولاً أن هذا الأمر يستغرق وقتاً ويتطلب صبراً ومداومة. والنقطة الثانية هي أنه يجب تحديد اللغة المناسبة للمقاربة الإصلاحية واستخدامها. لقد شهدنا أحياناً أن بعض نخب الحوزة في العصر الحديث وبعض المثقفين الدينيين، في مواجهتهم لعامة الناس، تحدثوا من موقع فوقي وبلغة غير تعاطفية، فُهمت من قبل تلك الجماهير على أنها تحقيرية.
اعتُبر العديد من هذه المواقف عنفاً لفظياً من قِبَل عامة الناس، بل وحتى بعض المواقف في آثار الشهيد مطهري والدكتور شريعتي؛ فعندما تصف فعل شخصٍ ما بأنه خرافة، تكون قد أغلقت باب الحوار، وعندما تقول له إنك خرافي من وجهة نظري، يتخذ منك الطرف الآخر موقفاً دفاعياً ويتبنى موقفاً هجومياً. يقول الطرف المقابل: هذا عملٌ واعتقادٌ وصلني جيلاً بعد جيل، ولا يمكنك أن تضع عليه لصقة خرافة. إذن فالنقطة المهمة هي أن لغة المصلحين ينبغي أن تكون لغة تعاطف، وهذه اللغة غير ممكنة إلا من خلال الحوار والمنطق. تلك السلوكيات التي تُعتبر من منظور النخب غير عقلانية وفي عداد الخرافات، لها منطقها الخاص وجذورها الثقافية لدى القائلين بها. وما لم يتم التعرف على ذلك المنطق وتلك الجذور وفهمها وإجراء حوار علمي بشأنها، فلن تُحل أي مشكلة. للتدين الشعبي منطقه الخاص. لا يتحقق الحوار لأن النخب تتحدث في فضائها المفهومي غافلةً عن أن الطرف المقابل له أيضاً فضاؤه المفهومي الذي تختلف أسسه عن أسس النخب. إذن ينبغي أن يكون الحوار أولاً في الجذور، ولتوضيح المسألة أضرب مثلاً؛ في قضية مناسك العزاء أساساً، تختلف «معرفة الإمام» لدى أولئك الذين يتبنون نقد العزاء والإصلاحات عن «معرفة الإمام» لدى أولئك الذين هم موضع النقد، بل وحتى وفقاً للدراسات التي أجريتها، فإن فهمهم «لتوحيد» يختلف أيضاً!، وكأن الحديث يدور عن إسلامين مختلفين، لا مجرد ذوقين في التشيع. كيف يمكنني أن أتوقع من الطرف المقابل أن يتخلى عن أصوله وفهمه؟ وذلك بلغة غير متعاطفة ومقرونة بالتحقير والإقصاء العنيف».
لذا فإن أفضل سبيل هو قبول تقسيم الشعائر إلى أولية وثانوية والاعتراف بالتعدد والتنوع في العبادات الثانوية في جميع أصناف التدين، سواء أكانت شعائر المتدينين البراغماتيين كمجالس الهيئة والروضة والعزاء والمسيرات الشعائرية وما إلى ذلك، أم البحث الديني وتوسيع الوعي الديني أو التأمل واليوغا والموسيقى والسماع... لدى المتدينين ذوي النزعة المعرفية والتجربية.
يقسم مظاهري انتقاداته لتضخم الشعائر إلى ثلاثة أقسام: تحويل الشعائر إلى أداة للسلطة السياسية، وتضخم الشعائر واختلال التوازن بين أبعاد التدين المختلفة، وتفاقم النزعات الهوياتية والتمييزات الطائفية. وعليه، يمكن الدفاع عن الشعائر الثانوية ما لم تتحول إلى أداة بيد السلطة السياسية، وما لم تؤد إلى اختلال التوازن في أركان التدين الثلاثة، وما لم تؤد إلى تفاقم النزعات الهوياتية والتمييزات الطائفية، وما لم تؤد إلى تفاقم الخرافات أو الدوس على تعاليم سائر أركان الدين أو تجاهلها، كالشعائر الأولية (إيلاء أهمية أكبر للعزاء أو التأمل على حساب الصلاة)، أو المعرفة الدينية (كالأعمال الشركية أثناء الزيارة). أما إذا ابتليت بأي من هذه الحالات، فينبغي السعي للإصلاح وتحسين الوضع عبر الحوار والتفاعل والعمل الثقافي، ذلك أن الانتقادات الحادة ومن موقع فوقي لن تؤدي إلا إلى تفاقم الأوضاع سوءًا.
ب) المعرفة الدينية
في ركن المعرفة الدينية، إذا أُخذ التوحيد نموذجًا، ووفقًا لرؤية التوحيد بوصفه رؤية للعالم، وكما أشير في المقال الأول، قُسّم التوحيد إلى قسمين: ذهني-فلسفي واجتماعي-سياسي، فإن مراتب التوحيد من وجهة نظر مطهري يمكن تقسيمها أيضًا إلى قسمين. التوحيد النظري، أي معرفة الله تعالى وإدراك وجوده وصفاته عن طريق الفكر والتأمل. ويشمل هذا القسم التوحيد الذاتي والتوحيد الصفاتي والتوحيد الأفعالي. والتوحيد العملي، أي إدراك وحدانية الله تعالى في مرحلة العمل وأداء الفعل، ويشمل هذا القسم التوحيد في العبادة. ومن هنا يمكن صياغة ساحات التدين للتوحيد بوصفه أحد مكونات المعرفة الدينية على النحو التالي: التوحيد النظري هو شريعة التوحيد، والتوحيد العملي هو طريقة التوحيد، وفي ساحة الحقيقة فإن نظرة العرفاء إلى التوحيد قائمة على نظرية وحدة الوجود ونظرية التجلي والظهور عندهم. ولكن كما ورد في المقال السادس، فإن اقتراح إقبال للتوحيد هو اختيار "توحيد الوجود" بدلًا من "وحدة الوجود". توحيد الوجود في هذا اللاهوت هو توحيد إنساني يقف في مقابل وحدة الوجود عند العرفاء التقليديين (لمزيد من الدراسة راجع المقال السادس).
ج) التجربة الدينية
كما ورد في سلسلة كتابات اللاهوت ذي الأساسين، فإن السلوك الروحي الذي يقوم على الرؤية التوحيدية للعالم في هذا اللاهوت (المشتملة على التوحيد الذهني-الفلسفي في العالم الشخصي والتوحيد الاجتماعي-السياسي في العالم المحيط) يشتمل على السلوك الفردي في العالم الشخصي والعرفان الاجتماعي في العالم المحيط. وعليه، في ركن التجربة الدينية، يمكن للبعدين الفردي والاجتماعي أن نضرب مثلًا بحالات الشهودات المعنوية والخلاص الجمعي. للخلاص الجمعي، تصوروا جمعًا انخرطوا في عمل يرضي الله في سبيل الخلق فوقفوا في مأزق عظيم، وفي ذروة المآزق ينفرج لهم فجأة، بتعبير هدى صابر، رفيق مفرج الكرب وقريب العون، فيحدث الخلاص الجمعي. مثل هذه التجربة الجمعية في رؤية يد الله في انفراج المآزق يمكن اعتبارها نوعًا من الصورة الاجتماعية للتجربة الدينية.
أشهر وأهم وجهات النظر في مجال أنواع التجارب الدينية هي وجهة نظر ديفيس (Davis Charles). فمن وجهة نظره، تنقسم التجربة الدينية إلى عدة طبقات أو مراتب:
«.. أ. التجارب التفسيرية: وهي التجارب التي لا تعود دينيتها إلى خصائص تجريبية؛ بل تُعتبر دينية لأنها وُضعت في ضوء تفسيرات سابقة. فالزلزال مثلًا ليس ظاهرة دينية؛ لكن إذا نُظر إلى هذه التجربة على أنها نزول بلاء أو نتيجة لازدياد الذنوب، وقُدم بناءً على هذا التفسير تعبير ديني عنها، فعندئذ تكون «التجربة التفسيرية» قد تحققت.
ب. تجارب شبه حسية: في هذا النوع من التجارب، يكون لعنصر الحس دور كبير. إذا أثّر إحدى الحواس الخمس في تجربة دينية، فإننا نكون أمام تجربة شبه حسية. تشمل هذه التجارب الرؤيا، والألم والمعاناة، وسماع أصوات معينة، وغيرها. وبطبيعة الحال، فإن الرؤى الدينية والشعور بالألم والمعاناة اللذين ينشآن في مجال المعتقدات الدينية لا يندرجان ضمن هذه الفئة.
ج. التجارب الوحيانية: المقصود بالوحي هنا هو الإلهام والبصيرة، وليس الوحي الاصطلاحي – المستخدم في شأن الأنبياء – هو المقصود. ما يضمن الطابع الديني لهذه التجارب هو مضمونها. عادة ما تكون هذه التجارب مفاجئة، وتكون تأثيراتها أحياناً طويلة الأمد. في هذه التجارب، يحصل العارف على معرفة مباشرة، يراها خالصة ولم تأتِ عبر عامل خارجي (مادي). ونتيجة لهذه التجربة، ينال العارف إيماناً راسخاً.
د. التجارب الإحيائية: هذا النوع من التجارب هو الأكثر شيوعاً بين التجارب الدينية، ويحصل عليه عامة الناس أيضاً. تنشأ هذه التجربة أثناء العبادة والأعمال الدينية، وتثمر أملاً وقوة وأمناً وحركة. لهذه التجربة نطاق واسع، تشمل تجربة الشفاء أو تجربة الهداية، من بين أمور أخرى.
هـ. التجارب المينوية: أوتو هو أول من استخدم مصطلح «مينوي». وهو يلخص الأثر المينوي في ثلاثة أنواع من المشاعر: الشعور بالتبعية والانتماء المطلق لله، والشعور بخوف ديني مهيب يجعل الإنسان يرتعد عند رؤية الله، وشعور الشوق الإنساني إلى ذلك الوجود المتعالي الذي يسوق الإنسان سوقاً إلى حضرته.
و. التجارب العرفانية: تتمتع هذه التجارب بالخصائص التالية: تمنح الإنسان إدراكاً للحقيقة المطلقة؛ تحرر الإنسان من حدود الزمان والمكان؛ تجلب للإنسان مشاهدة الوحدة والاتحاد (وحدة العالم والإنسان وظهور الله وتجليه في كل شيء وأجزائه)؛ وتهدي الإنسان السعادة والطمأنينة». وقد تم تحديد موقع كل من هذه التجارب بما يتناسب مع كل ساحة من ساحات التدين في الجدول 1.

لذلك، يمكن شرح ما قيل وتمت صياغته في الجدول 1 باختصار على النحو التالي. للدين ثلاثة «أركان» (التجربة، المعرفة، الفعل)، وكل ركن منها ينقسم إلى «أساسين» (فردي واجتماعي). للتدين ثلاث مراتب (مبتدئ، متوسط، منتهٍ) وثلاث ساحات وكيفيات (الشريعة، الطريقة، الحقيقة) للتدين تتناسب مع تلك المرتبة. كل متدين في مرتبته ينتهج نمطاً من التدين (مصلحي التفكير، معرفي التفكير، تجربي التفكير)، ويمارس تدينه في الساحة المتناسبة مع ذلك النمط في أركان الدين الثلاثة والأساسين لكل ركن.
على سبيل المثال، تأمل الشخص (أ)، مرتبة تدينه مبتدئ، وهو متدين مصلحي التفكير، ويمارس تدينه في أركان الدين الثلاثة على مستوى ساحة الشريعة، أي في الفعل الديني على مستوى الأعمال الظاهرية، وفي المعرفة الدينية على مستوى الاعتقادات التقليدية، وفي التجربة الدينية على مستوى التجارب التفسيرية، في الأساسين الفردي والاجتماعي في عالمه الشخصي وعالمه المحيط. الشخص (ب) في مرتبة التدين المتوسطة، وهو متدين معرفي التفكير، ويمارس تدينه في أركان الدين الثلاثة على مستوى ساحة الطريقة، أي في الفعل الديني على المستوى الباطني والتدبري والتفكري، وفي المعرفة الدينية على مستوى الاعتقادات التحقيقية، وفي التجربة الدينية على مستوى التجارب المينوية، في الأساسين الفردي والاجتماعي في عالمه الشخصي وعالمه المحيط. الشخص (ج) في مرتبة المنتهي، وهو متدين تجربي التفكير، ويمارس تدينه في أركان الدين الثلاثة على مستوى ساحة الحقيقة، أي في الفعل الديني على مستوى الاتصال الوجودي والحضوري والحيري، وفي المعرفة الدينية على مستوى المعرفة الشهودية، وفي التجربة الدينية على مستوى التجارب العرفانية، في الأساسين الفردي والاجتماعي في عالمه الشخصي وعالمه المحيط. كل من الأشخاص (أ) و(ب) و(ج) يمكنهم، بنظرة وجودية إلى الدين، أن يكونوا موحدين متعددي الساحات بقدر وسعهم الذهني-النفسي ووضعهم الفردي-الاجتماعي، وأن يسلكوا طريقهم في مثلث الله والخلق والنفس، في العالمين الشخصي والمحيط، ليبلغوا الخلاص.
يقول شريعتي عن الفرق بين إسلام سلمان وإسلام أبي ذر: «.. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لو علم أبو ذر ما في قلب سلمان فقد كفر" أو "فقد قتله". أحدهما أبو ذر والآخر سلمان: لا يمكن لأحد أن يشك في إسلام أي منهما، كما لا يمكن الشك في أن النبي كان يحبهما كعينيه وأثنى عليهما ثناءً عظيماً. شخصيتاهما واضحتان؛ لم يقارن أحدهما بالآخر لنقول إن بينهما اختلافاً في الإيمان؛ كلا، كلاهما في ذروة الإيمان والنموذج الأعلى للمسلم، لكن الفرق بين الإسلام الذي يسع قلب أبي ذر وفهمه، والإسلام الذي يسع ذهن سلمان وشعوره وإدراكه ويوجد فيه، هو فرق شاسع ـ وكلاهما إسلام ـ حتى إن أبا ذر لو اطّلع على كيفية فهم سلمان للإسلام، وكيف يؤول النبوة، وكيف أدرك الله، لكفّره فوراً، أو في رواية أخرى لقتله فوراً باعتباره كافراً ومرتداً. لكن كليهما، أبا ذر وسلمان، مسلمان. لماذا؟ لأن قيمة هذا الإعلان تكمن في: إتاحة المجال لجميع الأفكار والعقول كي تسعى وتجول بحرية في ساحة الحركة والإبداع والتقدم والتنشئة الفكرية والروحية. أن يعترف النبي نفسه ـ لا في مسألة علمية بل في مسألة اعتقادية ـ ويقر بأن حقيقة دينية واحدة في ذهنَين قد يكون الفارق بينهما كالفارق بين الكفر والإسلام، لكن كلاهما إسلام، وكلاهما على حق، وكلاهما مسلمان عظيمان، فإن إعلان هذا المبدأ (مبدأ حرية الفكر، وحرية البحث، وحرية الاستنباط، واستقلال الفهم) هو لكل مفكر واعٍ منعٌ من الفهم الأحادي والتقليد العقلي، وهو عامل لو استطاع أن يستمر بين المسلمين، لكنا امتلكنا حضارة اليوم لا قبل ثلاثمئة عام بل قبل ألف عام ».
لذا، إذا أراد كل فرد في صنف تدينه الذي هو حد طاقته أن يبلغ كماله ويكون مسلماً تاماً، وإذا أراد أن يضع نموذجاً نصب عينيه ويستفيد في هذا الطريق من نماذج الإسلام الأول، فيمكن تسمية التلميذ الأول لمدرسة محمد صلى الله عليه وسلم، أي الإمام علي عليه السلام، كأفضل نموذج للمنتهين. ويمكن أن يكون تدين سلمان نموذجاً للمتوسطين، وتدين أبي ذر نموذجاً للمبتدئين. في هذا النموذج المعرفي الديني للاهوت التحريري التعاوني، يمكن لكل متدين في أي صنف من أصناف التدين وُضع فيه بحسب طاقته الفكرية والروحية أن يبلغ الكمال والخلاص. في هذه المقالة، تم تبيين النموذج المعرفي الديني للاهوت التحريري التعاوني الذي سبق تناول خصائصه العامة في سلسلة المقالات الاثنتي عشرة عن لاهوت الأساسين. وفي المستقبل، استكمالاً لهذه المباحث وفي سلسلة مقالات جديدة، سيتم التطرق إلى موضوع طيب العيش والحياة الفاضلة في جغرافية هذا اللاهوت.
الدين
الدين
الدين
الدين
الدين
نقاش حول هذا المقال١ تعليق
این قسمت ها برای من خیلی جالب بودند: بنابراین بهترین راه پذیرش تقسیمبندی مناسک به اولیه و ثانویه و به رسمیت شناختن تکثر و تنوع در عبادات ثانویه در تمامی اصناف دینورزی است که میتواند مناسک دینداران مصلحتاندیش نظیر مجالس هیئت، روضه، عزاداری و پیادهرویهای آیینی و.. باشد و چه دینپژوهی و بسط آگاهی دینی یا مدیتیشن، یوگا، موسیقی و سماع و.. دینداران معرفتاندیش و تجربتاندیش. میتوان از مناسک ثانویه تا جایی که ابزار دست قدرت سیاسی نشدهاند، موجب عدم تعادل در سه رکن دینداری نشدهاند، موجب تشدید رویکردهای هویتی و تمایزات فرقهای نشدهاند، موجب تشدید خرافهپروری، زیر پا گذاشتن یا نادیده گرفتن آموزههای سایر ارکان دین نظیر مناسک اولیه ( اهمیت بیشتر به عزاداری یا مدیتیشن به جای نماز)، معرفت دینی ( نظیر اعمال مشرکانه حین زیارت) نشدهاند، دفاع کرد. اما اگر مبتلا به هر کدام از این وضعیتها شدند با گفت وگو، تعامل و کار فرهنگی به اصلاح و بهبود وضعیت همت گمارد که انتقادات شدید و از موضع بالا تنها به وخیمتر شدن اوضاع خواهد انجامید. بله، واقعا هم باید مناسک مردم عامی را به رسمیت شناخت و هم مناسک خواص را. البته تا جایی که حد و اندازه نگه داشته شود و به خرافات و اباحهگری و فساد و شرک و غیره آلوده نشود. به شخصه، هم با هیئت و مجلس های ذکر اهل بیت و قرائت قرآن، تجربههای دینی عمیق و تاثیر گذار داشتم هم با موسیقیهای عرفانی اساتیدی مانند شجریان و ناظری. ای کاش و ای کاش، یک جورایی مداحهای ما هم آپدیت بشن و فرهیخته و با شعور بشن و یه مقدار سطح کارشون رو متعالی بکنن. چه اشکال داره مجالسی تشکیل بشه که مثلا نصفش مدح و ثنای خداوند باشه و نصفش ابراز محبت و عشق به اولیای خداوند مانند بزرگوارانی حضرت عیسی و محمد و فاطمه و مریم و غیره. خود سینه زدن و دست زدن و هروله و غیره هم یکنوع رقص است، چه اشکال دارد رقص هم، به رسمیت شناخته شود. البته میدانم از میان همه انواع هنر، بیشتر از همه، این رقص است که به ابتذال کشیده شده است. ولی خوب، هنر مردان و قهرمان های فرهنگی و معنوی اینجاست که روی دیگه سکه را نمایش بدهند. و ای کاش، شادی و سرور و جشن هم مثل عزا و ماتم و اندوه، به رسمیت شناخته شود. محرم و فاطمیه، سه ماه تقریبا عزاداری می کنیم ولی اعیاد شعبانیه که پشت سر هم تولد هستن، انگار نه انگار. این انصافا درست نیست. یا حق