اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
في لاهوت دوبني، وبعد مراجعة تقسيم ملكيان لتصورات الله وقصور الإله المتشخص غير الآدمي، يطرح أبو القاسم فنائي فكرة «الإله فوق المتشخص» حلاً لمعضلة العلاقة. إنه موجود فوق التعيّن يقبل التشخص.

محمد قطبي
هذه الكتابة هي رابع كتابات الفصل الثالث من هذا الدفتر، أي مجموعة كتابات "مدخل إلى اللاهوت ذي الأساسين". في الكتابات السابقة تم فحص نموذج معرفة الدين، والعبادة، والمقاربة اللاهوتية (التشبيه والتنزيه)، وأنواع الإيمان بالله (أصناف الإيمان بالله)، ومعرفة النجاة والخلاص (ظاهرة تنوع الأديان). في هذه الكتابة سيتم التطرق إلى تصور الله، وعلاقة الإنسان بالله، ونموذج لاهوتيات معرفة اللاهوت ذي الأساسين.
يعتقد مصطفى ملكيان أن "تصور الله سابق على التصديق به، والتصديق بالله غير ممكن دون تصوره. فيما يخص الله تم استقراء 29 تصوراً، وقد أحصى إيان ريتشارد نتون في كتابه "الله المتعالي" 9 تصورات لله في الثقافة الإسلامية، لكن تصورات الله تنحصر منطقياً في ثلاثة". وهو يقسم التصورات الشائعة عن الله إلى قسمين: متشخص وغير متشخص. من وجهة نظره، الإله المتشخص نفسه ينقسم إلى نوعين: إنساني الشكل وغير إنساني الشكل: "أ) الله بوصفه وجوداً غير متشخص. هل الله أمر متشخص (Individuated) أم غير متشخص؟ بلغة بسيطة، هل الله أحد الموجودات أم لا؟ إذا كان كذلك فنحن نتعامل مع إله متشخص، وإلا فلا. الإله غير المتشخص، مثل أن يقولوا إن الله نفس الوجود والكينونة، لا موجوداً في عداد سائر الموجودات. طبعاً للإله غير المتشخص تصورات أخرى غير نفس الوجود. لكن أبرز تصور هو هذا. أما إذا قلنا إن الله أحد الموجودات، فهذا يعني الإله المتشخص. الإله المتشخص أيضاً يمكن تصور حالتين له: إنساني الشكل (Personal) وغير إنساني الشكل (Impersonal). الإله غير إنساني الشكل هو إله، رغم كونه متشخصاً، لا يمتلك سماتنا الأخلاقية مثل الغضب، والرضا، والإرادة، والكراهة... إلخ. لا يمتلك سماتنا الشعورية والإرادية والعاطفية. وبالطبع لا يمتلك سماتنا الأخلاقية أيضاً. مثل المطلق عند هيغل: كان هيغل والهيغليون يعتقدون بالمطلق (The Absolute): موجود متشخص لكن غير إنساني الشكل. صفات هذا الإله ميتافيزيقية (ما بعد الطبيعة) فقط. مثلاً يمتلك صفات واجب الوجود، علة العلل، المحرك الذي لا يتحرك (بتعبير أرسطو)، القيام بالذات، اللامتناهي، فوق الزمان، فوق المكان... إلخ (Metaphysical attributes) لكن هذا الإله لا يمتلك الصفات الإنسانية (Moral attribute)، أي الصفات الشعورية، والإرادية، والعاطفية، والأخلاقية".
لقد قيل الكثير عن مشكلات الإله المتشخص إنساني الشكل من قبل المجددين الدينيين. لكن بخصوص الإله المتشخص غير إنساني الشكل، يعتقد ملكيان أن هذا الإله لديه المشكلات المنطقية للإله المتشخص إنساني الشكل، لكنه لا يمتلك تسهيلاته: الشعور الذي يكنه الفرد المعتقد بالإله المتشخص غير إنساني الشكل في علاقته تجاه نفسه، يشبه ذلك الشعور الذي يعبر عنه كافكا في جميع أعماله. شعور الوقوع في براثن قوة خفية، لأنه لا يمكن التواصل مع ذلك الموجود، ولا تقديم الاستدلال له، ولا إقناعه... إلخ. لأن ذلك الموجود لديه مشاعر وعواطف وانفعالات تختلف عن البشر والموجودات الأخرى، لم يعد بالإمكان التحاور مع هذا الموجود، ولا مناجاته، ولا إظهار الندم والتوبة... إلخ أمامه. بالنظر إلى ما تم بيانه، يتضح لماذا يحظى هذا الرأي بأقل عدد من المؤيدين. لأن القول بمثل هذا الإله يحمل المشكلات المنطقية للإله المتشخص إنساني الشكل، لكنه لا يحمل تسهيلاته. بتعبير آخر، إنكار الله من الناحية المنطقية أسهل من الاعتقاد به، فالشخص الذي يقبل الاعتقاد بالله، أي يقبل المشكلات المنطقية لهذا الاعتقاد، لكنه مع الاعتقاد بالإله المتشخص غير إنساني الشكل، يكون قد تحمل المشكلات المنطقية لوجود الله وحرم نفسه أيضاً من تسهيلات قبول الإله المتشخص إنساني الشكل. لذلك، فإن البشر من الناحية النفسية مستعدون جداً لعدم الاعتقاد بمثل هذا الإله، ولا يمكن أن يكون مقبولاً إلا من قبل أفراد فظاظ مثل هيغل (فظ ليس بمعناه السلبي).
تحدثنا في المقالة السابقة عن أنواع الإيمان بالله. وذكرنا أيضًا أن رواد التجديد الفكري المتأخرين يؤمنون بلاهوت سلبي راديكالي، وبتعبير ياسر ميردامادي «..لقد وصف سروش الله بأنه «بلا صورة»، وشبستري بأنه «آخر بالكلية»»، ومن وجهة نظر المنتقدين فإن التواصل مع إله كهذا أمر صعب. ثم قيل إن لاهوت الأساسين يؤمن بالجمع بين التشبيه والتنزيه. ولكن كيف يصبح هذا الجمع ممكنًا؟ من خلال الإله فوق الشخصي.
يعتقد أبو القاسم فنائي أنه، خلافًا لرأي سروش وملكيان، فإن إله العرفان ليس غير متشخص بل فوق متشخص. يكتب عن تعريف اختلاف الفلاسفة والعرفاء حول تعريف الله: 《.. من منظور الفلسفة الإسلامية، الله موجود «متشخص» و«متعين»، لأن الوجود «مساوٍ» للتشخص. وكل ما هو موجود فهو متشخص أيضًا. وليس لدينا موجود غير متشخص، أي أنه من وجهة نظرهم محال أن يوجد شيء غير متشخص وغير متعين أو فوق التشخص وفوق التعين، وإن لم يكن تصوره محالًا... في العرفان النظري الإسلامي، يُعتبر الله في كنه وجوده حقيقة «فوق» التعين والتشخص، أي أن الله موجود فراشخصي. في التعريف العرفاني، الله عين الوجود، لا مصداق من مصاديق الوجود.. في التلقي العرفاني لله، «الخلق» بمعنى إيجاد موجود آخر منفصل عن خالقه ومباين له ومتميز ومتشخص عنه، كما يقول الفلاسفة. بل الخلق بمعنى تنزل الله وتجليه وتشأنه إلى شؤون وأطوار مختلفة تعرض عليه. الله صنم عيار يتجلى في كل لحظة بلون، وكما يقول القرآن: «كل يوم هو في شأن». الظاهر والمظهر من وجه نظر هما عين بعضهما، ومن وجه آخر غير بعضهما.. ». يعتقد المنتقدون أن إله سروش وملكيان وشبستري غير المتشخص، بسبب عدم تشخصه، غير قابل للارتباط. لذا فهم يميلون لرفع هذه النقيصة إلى الإله المتشخص واللاهوت الإيجابي. لكن الإله فوق المتشخص يمكنه حل معضلة الارتباط. يكتب فنائي عن الفرق بين الإله غير المتشخص وفوق المتشخص: 《.. إله العرفان، وإن كان في كنهه باطنًا محضًا وفوق التشخص والتعين، إلا أنه يتنزل من هذا المقام، ومع حفظه لهذا المقام، تعرض عليه تعينات وتشخصات متنوعة، لأن المطلق المنزه في ذاته عن كل قيد، حتى عن قيد الإطلاق، يمكنه أن يجتمع مع أي قيد (هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ، ٥٧:٤) والأمر اللا صورة الذي لا صورية صورة له يمكنه قبول كل صورة واجبة وممكنة، وقبوله لأي صورة لا يمنعه ولا يحجزه عن قبول الصور الأخرى، والنور اللا لون الذي لا لونية قيد له يمكنه الظهور بكل الألوان. وهذا هو الفرق المهم والمحوري بين الإله «غير المتشخص» والإله «فوق المتشخص». الموجود غير المتشخص لا يمكنه أن يكون متشخصًا في نفس الحال التي هو فيها غير متشخص، لأن هذا مصداق لاجتماع النقيضين، أما الموجود فوق المتشخص فيمكنه قبول أي تشخص، وفي نفس الوقت يبقى في ذاته غير متشخص. فوق التشخصية متوافقة وقابلة للجمع مع التشخصية، بمعنى أن الموجود الذي هو فوق متشخص، يمكنه أن يكتسب تشخصًا في مرتبة أخرى. من تنزل وتجلي الأمر اللا صورة وظهوره في قالب الصور المتنوعة ينشأ «قوس النزول» الذي بدايته مقام الأحدية ونهايته عالم المادة وتجليات الله ومظاهره المادية والطبيعية؛ الله الذي هو حقيقة الوجود، لا مصداق من مصاديق الوجود. ومظاهر الله وتجلياته المادية يمكنها، بفعل الحركة الجوهرية والسير والسلوك، أن ترجع إلى أصلها (إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، ٢:١٥٦)، أي أن تفقد تعينها الخاص وتفنى في تعين أعلى منها. وهذه الحركة التي لا يتصور لها حد ونهاية يسمونها «قوس الصعود». في النظرة الكونية العرفانية، كل الوجود بسط وقبض لحقيقة واحدة، أي الله، (هو الباسط والقابض). إذن، إله العرفان في كونه باطنًا محضًا، هو ظاهر محض أيضًا (... الظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ ...، ٥٧:٣) وفي كونه الأول هو الآخر (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ ...، ٥٧:٣). من تنزل الله وتجليه تنشأ أسماؤه وصفاته، أي أن الحقيقة التي هي في ذاتها غير متعينة وغير متشخصة، تكتسب بفعل التنزل والتجلي تعينات وتشخصات خاصة تشكل مجموعها الأسماء والصفات الإلهية. صفات الله هي في الحقيقة تجليات الله، وهو وإن كان في كنهه فاقدًا لكل اسم وصفة، يمكنه أن يتنزل من ذلك المقام الرفيع وتعرض عليه تعينات مختلفة ويقبل بشكل حقيقي أوصافًا مختلفة. وإن كان إله العرفان في كنهه فاقدًا لكل صورة، فإن الصور المتنوعة يمكنها أن تعرض عليه أو يمكنه أن يتجلى ويظهر بصور متنوعة، لأن اللا صورية ليست صورته، والإطلاق ليس قيده، والمطلق الفاقد في ذاته لقيد الإطلاق يمكنه أن يجتمع مع أي قيد ويقبل أي قيد، دون أن يلحق قبول هذه القيود غبارًا برداء كبريائه. الصور التي تعرض على الله هي كالجرار التي يُصب فيها ماء البحر، أو كالألوان التي تعرض على نور هو في ذاته عديم اللون. تنزيه الله عن قيد الإطلاق يقتضي ذلك...》.
ولكن كيف يتوافق الإله فوق المتشخص مع اللاهوت التنزيهي؟ يرى فنائي أن التنزيه العرفاني يختلف عن التنزيه الفلسفي والكلامي: «... من أهم النتائج المترتبة على التصور العرفاني للإله هي "التنزيه العرفاني" الذي يختلف كلياً عن "التنزيه الفلسفي والكلامي". التنزيه الفلسفي والكلامي يعني تنزيه الله وتقديسه عن الاتصاف بأوصاف تختص بـ"الممكنات" وتنافي "وجوب الوجود". هذه القيود والأوصاف تنافي مطلقاً ألوهية إله الفلسفة ولا يمكن تحت أي ظرف نسبتها بشكل حقيقي إلى إله الفلسفة، لأن الموجود الذي هو واجب الوجود ووجوب الوجود قيد له لا يمكنه التخلي عن هذا القيد وقبول قيود تنافيه. وكما قلنا، فإن إله الفلاسفة منزه عن جميع القيود ما عدا قيد الوجوب والإطلاق. التنزيه الفلسفي للإله هو نقيض تشبيهه ولا يجتمع مع التشبيه. في إطار الميتافيزيقا الفلسفية، إما أن يُنزَّه الله وإما أن يُشبَّه. أما التنزيه العرفاني فيعني تنزيه الله وتقديسه واعتباره أسمى من أن يتقيد بأي قيد، بما في ذلك قيد الوجوب والإطلاق. وكما قيل، فإن نتيجة هذا التنزيه ليست أن الله لا يمكنه مطلقاً وتحت أي ظرف قبول أي قيد، بل إن الله في صميم وجوده منزه عن جميع القيود، حتى قيد الوجوب والإطلاق، ولأنه منزه عن قيد الوجوب والإطلاق أيضاً، فإن جميع القيود يمكنها في المراتب الأدنى أن تعرض عليه بشكل حقيقي، ومنها القيود الإمكانية أو الأوصاف التي تستلزم الإمكان. في حين أن إله الفلسفة خارج الأشياء ومباين لها كلياً، فإن إله العرفان داخل في الأشياء وخارج عنها، وليس بداخل فيها ولا خارج عنها (داخل في الأشياء لا بالممازجة، وخارج عنها لا بالمباينة ـ نهج البلاغة). التنزيه العرفاني ليس نقيض التشبيه، بل هو متوافق معه وقابل للاجتماع به. معنى "لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ" هو أن الله ليس كسائر الأشياء التي تبقى حبيسة صورة أو صور خاصة...».
از این رو فنایی خدای دکتر سروش را خدایی در نوسان بین خدای عرفانی و فلسفی میداند و در نهایت این خدا را خدایی فلسفی میداند تا عرفانی:《.. به گمان نگارنده مهمترین نقدی که بر نظریه دکتر سروش میتوان وارد کرد این است که اولاً ایشان در توضیح و تبیین نظریه خود مرتباً بین خدای عرفان و خدای فلسفه رفت و آمد میکند، یعنی گاهی از این خدا و گاهی از آن خدا سخن میگوید، در حالی که تلقی عرفانی از خداوند با تلقی فلسفی از او ناسازگار است. و ثانیاً، به نظر میرسد وقتی ایشان در تبیین نظریه خویش در باب کلام باری از خدای عرفان سخن میگویند، از امر بیصورتی سخن میگویند که بیصورتی صورتِ اوست و هیچ صورتی را به نحوی حقیقی نمیتوان به او نسبت داد. به عبارت ديگر، به نظر میرسد تلقی دکتر سروش از خداوند در بحث از کلام باری تلقی فیلسوفانه است، نه تلقی عرفانی، یعنی خدا از نظر وی موجودی نامتشخص است، نه فراشخصی، و چنین موجودی نمیتواند از تعین خود را از دست بدهد و تعینات دیگر را پذیرا شود. از بعضی از تعبیرات ایشان چنین استفاده میشود که از نظر ایشان همهي صورتهایی که به خدا نسبت داده میشود ساخته و پرداخته ذهن انسانها و محصول فرافکنی قوه خیال آنهاست، یعنی صورتهایی است که توسط آدمیان بر امر بیصورت افکنده میشود، در حالی که چنین نیست، بلکه خدای عرفان دو گونه صورت دارد: صورتهای عینیِ او كه محصول تنزل و تجلی او در عالم خارج از ذهناند و صورتهایی که ما انسانها بر او میافکنیم و محصول تجلیات او در عالم ذهناند. بنابراین، تجلیات عینی خداوند محصول فرافکنی قوای ادراکی انسانها و امری سابجکتیو نیست، بلکه آبجکتیو و مستقل از ذهن آدمیان است. و معنای تنزیه خداوند از همهي صورتها هم این است که نباید او را در صورت خاصی «محصور» کرد، بلکه همواره باید به این نکته اعتراف و اذعان کرد که او در کنه خود فوق هر صورتی است، نه اینکه او نمیتواند هیچ صورتی را بپذیرد و اسناد هر صورتی به او اسنادی مجازی و خیالی است. اگر چنین میبود در این صورت بیصورتی قید خداوند و صورت او بود و ما نیز موظف بودیم او را از همه صورتها تنزیه کنیم به غیر از این صورت خاص. درحالیکه تنزیه مطلقِ خداوند اقتضا میکند که او را از بیصورتی هم تنزیه کنیم، یعنی بیصورتی را صورت او ندانیم. به بیان روشنتر، اگر بیصورتی را قیدی در برابر صورت در نظر بگیریم، در این صورت باید بگوییم خدای عرفان بیصورت نیست، بلکه فوق «صورت» و «بیصورتی» است. بنابراین، درحالیکه میتوان ادعا کرد که قوه خیال آدمیان در صورتهای ذهنی که از سوی آدمیان بر خداوند افکنده میشوند نقش دارد، چنین ادعایی در مورد صورتهای عینی که ناشی از تنزل خداوند و تجلی عینی اوست مقرون به صواب نیست.بنابراین، مشکلی که در اینجا وجود دارد این است که در سخنان دکتر سروش اولاً خدای عرفان با خدای فلسفه یکی شده، در حالی که خدای فلسفه متعیّن و متشخص است و بیصورت نیست، بلکه وجوب و اطلاقِ وجود، قید او و صورت اوست؛ قیدی که به او تعیّن و تشخص میبخشد و او را از سایر موجودات جدا میکند. و ثانیاً خدای عرفان که در مقام غیبالغیوبی خود فوق تعیّن و تشخص است و در مقامات نازلتر تعیّنات و تشخصات گوناگون حقیقتاً بر او عارض میشوند، در سخنان دکتر سروش در این مقام محبوس شده، یعنی نامتّعین و نامتشخص بودن او به عنوان قیدی فرض شده که مانع عروض حقیقی تعیّنات و تشخصات بر او میشود. بدین ترتیب، به نظر میرسد که تلقی دکتر سروش از خداوند در بحث کلام باری نه با تلقی فیلسوفان مسلمان از خداوند سازگار است و نه با تلقی عارفان مسلمان (و الله اعلم). البته این نکته فی حد نفسه ایرادی ندارد، زیرا دکتر سروش محقق است نه مقلد و یک محقق حق دارد تلقی سومی از خداوند داشته باشد. اما ایشان تصریح میکنند که نظریه ایشان خیل عظیمی از فیلسوفان و عارفان را در پشت خود دارد. و به هرحال، اگر کسی تلقی فیلسوفان مسلمان از خداوند را بپذیرد، نمیتواند خدا را به عنوان امر بیصورت و نامتشخص تعریف کند، و «همه»ی تعیّنات و تشخصاتی را که به او نسبت داده میشود مجازی بداند و او را از «همه»ی آنها تنزیه کند، زیرا خدای فلسفه از «همه»ی قیود و تعیّنات منزه نیست، بلکه صرفاً از قیود و تعیّنات و صورتهای «امکانی» منزه است، و وجوب و اطلاق وجود عین حقیقت او و صورت او است. و نمیتوان و نباید او را از داشتن این دو قید تنزیه کرد. این خدا امر بیصورت نیست. اما اگر کسی تلقی عرفانی از خداوند را بپذیرد، در این صورت نمیتواند بگوید خدا امر بیصورتی است که بیصورتی قید اوست.
بلکه باید بگوید خدا امر بیصورتی است که حقیقتاً میتواند صورت بپذیرد و صورتهای گوناگون به نحوی حقیقی میتوانند بر او عارض شوند، یعنی او میتواند در قالب صورتهای گوناگون تجلی کند و در عین حفظ مقام و مرتبه غیبالغیوبی که در آن باطنِ محض است، میتواند ظاهرِ محض هم باشد، چون در همهي صورتها حاضر است و همهي صورتها صورت «او» هستند (وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ إِنَّ اللّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ). اینکه خدایی که حقیقتاً نمیتواند سخن بگوید خدای فلسفه است نه خدای عرفان، و از نظر عارفان، خدای فلسفه در حقیقت خدا نیست، بلکه یکی از تعیّنات و تجلیات خداوند است..》. بنابراین صورتهای خداوند یا صورتهایی است که با آنها خود را به ما شناسانیده است و یا صورتهایی که ما خود بر او میزنیم در حالیکه واقفیم خدای ورای این صورتهاست. بنابر آنچه آمد میتوان گفت خدای دینداران مصلحتاندیش خدایی متشخص و انسانوار ، خدای دینداران معرفت-اندیش خدایی متشخص ناانسانوار و یا نامتشخص و خدای عارفان نه خدای نامتشخص که خدایی فوقتشخص است.بعد وقوع أزمة جائحة فيروس كورونا، أجاب عبد الكريم سروش 《ردًا على سؤال أين الله في خضم هذه الأزمة ولماذا لا يستجيب لدعائنا، بأنه لا يمكن توقع النجاة من الله إلا في الآخرة، أما في هذه الدنيا فالله ليس إلا معشوقًا يمنح الحياة معنى فحسب، ولا يمكن توقع شيء خاص منه: «إذا كان كل توقعكم من صديقكم أن يقضي حاجتكم، فهذا لا يُسمى صداقة، أما إذا كان لكم صديق تحبونه فحسب، وسألكم أحد: ما دور هذا الصديق في حياتكم؟ فتجيبون: لا شيء! حياتي ليست خاوية، لأن لي صديقًا كهذا. هذا كل ما في الأمر. الله في الأصل هكذا». أثارت مقابلة سروش اعتراض التيار اليساري الجديد بين المجددين الدينيين. فعلى سبيل المثال، اعتبر تقي رحماني الرؤية اللاهوتية لسروش لاهوتًا نيوليبراليًا، يرسل الله في «إجازة» لتبرئته من شرور الدنيا، أو «يخصخصه» للنخب فحسب. وبرأي رحماني، يؤدي هذا إلى ازدهار الأصولية الدينية. لأن الأصوليين، بإحضارهم الإله الغائب إلى المسرح وجعله ملموسًا لعامة الناس، يشرعون في قمع الآخر. ويرى رحماني أنه بدلًا من اللاهوت النيوليبرالي أو الأصولية الدينية، ينبغي الحديث عن لاهوت التحرير؛ وهو لاهوت اشتراكي ذو جذور مسيحية، بلور نسخته الإسلامية-الإيرانية أولًا نخشب ثم شريعتي. وبرأي رحماني، لا يسعى لاهوت التحرير إلى تبرئة الله ولا إلى إدانته، بل هو فعل-محور، ويبحث عن الله في تقليل شرور العالم الطبيعية والأخلاقية》.
ما حدث في هذه الأزمة، كان مؤشرًا على الأمر نفسه الذي أشير إليه في المقالات السابقة، وهو أن المجددين المتأخرين (سروش، شبستري، ملكيان) بتعبير هدى صابر، صغّروا الله في الوقت نفسه الذي صغّروا فيه الدين الأدنى. وكان تقي رحماني يعتقد في هذا النزاع أيضًا أنهم أرسلوا الله في إجازة تاريخية أثناء أزمة كورونا. واتهموا هم أيضًا الطرف المقابل بأدلجة الدين والإسهام في نمو الأصولية الدينية. سنبين في كتابات لاحقة لماذا أن اللاهوتات الليبرالية والاشتراكية في التجديد الديني ضرورية لكنها غير كافية. لذا، فمن الأفضل، مع الإيمان بإله بلا صورة في العالم الشخصي، أن نضيف في العالم المحيط، بدلًا من صورة الغياب والاختفاء والإله الذاهب في إجازة، صورة مثل الإله الرفيق الدليل -التي شُرحت في الكتابة المتعلقة بهدى صابر- إلى الإله بلا صورة، مع إيماننا في الوقت نفسه بأن الله متعالٍ عن هذه الصورة أيضًا، صورة تختلف عن صورة الأصوليين ولا تكون في خدمتهم. سيتم تناول هذا الأمر في نهاية هذه الكتابة.
يقسم مصطفى ملكيان، وفقًا لتصنيفه لتصورات الله، أنحاء علاقة الإنسان المختلفة بالله، فيقسم علاقة الإنسان بالإله الشخصي الشبيه بالإنسان إلى ثلاث طرق: العبد والمولى، والعاشق والمعشوق، والزميل والزميل، وينقسم الشكل الثالث بدوره إلى قسمين: زميل عرضي (الطاوية) وزميل طولي (الخليفة في الأديان السامية). وهناك شكلان آخران للعلاقة بالله من وجهة نظره، هما: الميتافيزيقي أو الفلسفي أو الأنطولوجي (الشخصي غير الشبيه بالإنسان مثل «المطلق» عند هيغل أو واجب الوجود أو علة العلل أو القائم بالذات)، والموضوعية ذات المرحلتين المُدرَكة وغير المُدرَكة (غير الشخصي الوجودي الوحدوي، ومصداقه قول حسين منصور الحلاج «أنا الحق»).
يرى كديور أن علاقة العبد بالمولى هي علاقة الله بالإنسان، والتي حوّلها البشر لاحقًا، بتأليههم للنظام الاجتماعي البشري، إلى علاقة سيد-عبد، بينما يرى سروش وملكيان وشبستري أن هذه العلاقة مستمدة من ثقافة الناس في زمن نزول الوحي، ويعتبرونها علاقة السيد-العبد في النظام الاجتماعي. يكتب شبستري عن هيمنة هذه النظرة على العلاقة بين الإنسان والله: «.. في القرآن، عُبِّر عن علاقة الله بالإنسان ببعض المفاهيم التي لا ترتبط بمفهوم التكليف، أي الأمر بأعمال شاقة، فحسب، بل تقع في النقطة المقابلة له تمامًا. ورد في القرآن أن الله يمنح البشر «حياة طيبة» (حياة نقية وهنيئة) «فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً». يُخرج البشر من الظلمات ويدخلهم في النور «يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ». يُذيقهم محبته «يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ». هو أقرب إلى الإنسان من نفسه «نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ». ورد في القرآن أن الله مبدأ البشر ومنتهاهم «إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ». التوصية المؤكدة بتكرار ذكر الله ومداومته، والتي وردت مرارًا في القرآن وتُعد عبادة عظيمة، هي لكي يبلغ الإنسان مقام الطمأنينة القلبية الرفيع «أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ». ورد في القرآن أن أولياء الله يتحررون من الخوف والحزن «أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ». ورد في القرآن أن هدف رسالة النبي هو دعوة البشر إلى ولادة جديدة وحياة جديدة ورفع الأغلال عن أرواحهم «اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ»، «وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ». كل تلك الحالات والوضعيات الوجودية ومفاهيمها التي ذُكرت أعلاه تصوّر علاقة الله والإنسان بوصفها حقائق ووقائع لطيفة ورقيقة، وحالات مبهجة ومحبوبة لدى الإنسان، وهي النقطة المقابلة لإدخال المشقة من قبل الله (التكليف) على الإنسان. في تاريخ المسلمين، كان متكلمو المعتزلة هم الذين نبذوا تلك المفاهيم والحقائق المتعالية التي عبّر عنها القرآن بشأن علاقة الله بالإنسان، ووضعوا مكانها مفهوم «التكليف»، وجعلوه يتضخم أكثر فأكثر، ونظموا علاقة الله بالإنسان على أساس التكليف.
أطلقوا على الله «المولى» وعلى الإنسان «العبد» بمعناهما الفقهي والكلامي، وبنوا علم كلامهم على أساس فكرة مولوية الله وعبودية الإنسان، بل وأسسوا علم الأخرويات على فكرة التكليف والمولى والعبد هذه. وأخيرًا، دخلت مولوية الله وعبودية الإنسان وأصالة التكليف في هذا الباب بوصفها إحدى أهم الأفكار والأسس إلى علم أصول الفقه، فأصبح علم الأصول هو منطق اكتشاف تكاليف المولى، أي الله. كانت فكرة المولى والعبد فكرة استغلتها أجهزة الخلافة والاستبداد الديني، وخصوصًا العباسيون، أشد استغلال. فالخليفة المستبد الذي كان يطلب الطاعة العمياء من الناس في عالم السياسة، هو نفسه المولى واجب الطاعة الكلامي والفقهي الذي ارتدى لبوس السياسة. لو أن علاقة الله بالإنسان في تاريخ المسلمين نُظمت لا على أساس المولوية والعبودية الفقهية والكلامية، بل على أساس المفاهيم القرآنية المتعالية التي أوردناها أعلاه، لكان لنا نحن المسلمين اليوم تاريخ آخر».
لقد قدّم المفكرون الدينيون المتأخرون اقتراحات لاستبدال علاقة العبد-المولى. يكتب عبد الكريم سروش رداً على سؤال حول علاقة العبد-المولى: «علاقة العبد والمولى علاقة اعتبارية وليس لها حقيقة سوى الاتفاق الذي أبرمه الناس فيما بينهم، مثل نظام العبودية الذي كان اتفاقياً ولم يعد موجوداً الآن، وعندما زال هذا الاتفاق زال. سواء اعتبرنا الله مالكاً أم رباً، فهي ليست علاقة صحيحة، برأيي ينبغي اليوم أن نقول علاقة العاشق والمعشوق أو علاقة صديقين أو حتى علاقة أب وابن... العبد والمولى وأمثالها هي صور لتصوير علاقة الله بالإنسان وليس لأي منها أصالة، وهي مستقاة من تاريخ وجغرافيا الأقوام. اليوم يمكن إيجاد صور أخرى واستخدامها». الصورة التي اختارها غالبية المفكرين الدينيين المتأخرين لعلاقة الإنسان بالله هي علاقة المحب-المحبوب والعاشق-المعشوق. إله هو، بتعبير سروش، المعشوق المهيب: «إن لإله العالم هذا وصفاً بالغ الأهمية والعظمة، وهو أن الله يُعرف بصفة المعشوق. لله أوصاف كثيرة. الله هو الناظم، الخالق، المدبر وله أوصاف أخرى كثيرة. لكن الوصف الذي يبدو مهماً للعارفين هو أن الله معشوق يمكن أن نحبه. كلما اقتربت منه أكثر، وجدته أجمل، وهذا الوجدان بالجمال يأسر قلبك حتى تبقى عاشقاً له إلى الأبد، وهذا العشق بالطبع يمنحك أوصافاً تختلف اختلافاً جوهرياً عن العشق الأرضي؛ هذا العشق ليس من جنس الرومانسية والأحوال الرومانسية بالمعنى المتعارف عليه، بل يمنحك معرفة وجرأة وشجاعة، ويزيل كل عيوبك من حسد وبخل وضعف أخرى، ويجعلك خالصاً نقياً كالحديد المُسقى في الكور. عن الله، ينبغي بالطبع الإشارة إلى وصف آخر وهو أن الله معشوق مهيب؛ فيه هيبة تجعلك، في عين القرب، بعيداً عنه، وفي عين البعد، قريباً منه. مولوي، لكي يُظهر أن المعاشقة مع الله تتم بإذنه هو، وليس الأمر أن العبد أو العاشق يباسط فيها ويتجاوز حدّه، يجمع هاتين الصفتين معاً... هذا الإله الذي أطلقت عليه اسم المعشوق المهيب، هو معشوق من جهة، وله حشمة واحتشام من جهة أخرى. هذا هو إله العارفين أمثال مولانا الذي تراه في كامل مثنويه ينظر إلى عباده بعين المهر والمحبة، يأخذ بألبابهم ويهيئ لعباده مجال العشق، بل يُزال تعبير العبد والرب أيضاً... هذا هو دين العشق الذي مولانا نبيه. في دين العشق، لا يتحدثون عن عبد ومعبود. يتحدثون عن عاشق ومعشوق، وعندما يدور الحديث عن عاشق ومعشوق، تذهب مقولات مثل العبودية والسلطنة جانباً. نجد أنفسنا أمام منظومة معرفية ومفاهيمية جديدة تماماً، حيث يحتل كل من هذه موقعه ويفيد معنى آخر. مثل هذا الإله، بمثل هذه العلاقة مع عباده وبمثل هذا الاتحاد الذي يحققه معهم، يمنح هذا العالم وحدة في الواقع، وهذا هو سر الوحدة الذي يمنحه العشق. من هذه الوحدة يرى الإنسان كل شيء ملكاً له وإلى جانبه ومتحداً به، وتُزال كل الفراقات والعداوات والافتراقات القائمة بين الأديان والبشر، ويصل الشخص إلى درجة ونوع من الوحدة لم يدرك غيرها قط». برأي سروش، العلاقة مع إله كهذا تتشكل على أساس الحياء والعشق. معشوق مهيب يستحي العاشق من الخطأ أمامه.
لقد لجأ التنوير الديني المتأخر في مرحلة ما بعد الثورة من الفقه التقليدي إلى الطائفة المنافسة أي العرفان التقليدي وتبنّى التصور العاشق للإله. إن عشق العرفان التقليدي وحياؤه هما عشق وحياء سلبيان. أن تعيش حياة عاشقة مع الله دون رؤية المجتمع والخلائق، فأنا عاشق لكل العالم لأن العالم كله منه. فهل هذا العشق كافٍ؟ هل هذا الحياء كافٍ؟ أن نكون عاشقين للخلق والمخلوقين ونستحيي أمام آلامهم ولكن لا نفعل شيئًا من أجل رفاههم، بل نحبهم فقط ونأسف لوضعهم. هذه العبودية للإله تسعى وراء الخلاص الفردي والفناء في الله، لكن أولوية الإله الرفيق الفاتح للدروب تسعى وراء الخلاص والنجاة الجمعيين، والبقاء بالله والفناء في الخلق للوصول إلى الله. يمكن تقسيم صورة العاشق والمعشوق إلى صورتين تقليدية وحديثة، سلبية وفاعلة. ومع أن سروش يقول في إجابته عن سؤال إنه يجب الخجل من الظلم والسعي لنفي التمييز، إلا أن أداء التنويريين الدينيين المتأخرين في الساحة الاجتماعية كان سلبياً كأداء العرفاء التقليديين. يمكن رؤية العلاقة الفاعلة بين العاشق والمعشوق في علاقة تشمران بالله والتي تم تناولها في المقالات السابقة. العلاقة السلبية بين العاشق والمعشوق للعلاقة مع الله، كصورة العبد والمولى، هي صورة غير فعالة في العالم الحديث. يمكن تعريف العلاقة الفاعلة بين العاشق والمعشوق كعلاقة تعاونية وتشاركية مع الله، وكما ورد في تقسيم ملكيان، قائمة على التعاون الطولي. علاقة الرفيق-بالرفيق، كانت العلاقة التي عرّفها هدى صابر استناداً إلى الإله الرفيق الفاتح للدروب للعلاقة بين الإنسان والله. كان يسمي الله الرفيق الأول والآخر، الرفيق الأعلى، الرفيق المعتني، والرفيق الفاتح للدروب. لقد تم تصوير علاقة الرفيق-بالرفيق بشكل جميل في المقطع 59 من دعاء الجوشن الكبير: «يَا حَبِيبَ مَنْ لا حَبِيبَ لَهُ يَا طَبِيبَ مَنْ لا طَبِيبَ لَهُ يَا مُجِيبَ مَنْ لا مُجِيبَ لَهُ يَا شَفِيقَ مَنْ لا شَفِيقَ لَهُ يَا رَفِيقَ مَنْ لا رَفِيقَ لَهُ يَا مُغِيثَ مَنْ لا مُغِيثَ لَهُ يَا دَلِيلَ مَنْ لا دَلِيلَ لَهُ يَا أَنِيسَ مَنْ لا أَنِيسَ لَهُ يَا رَاحِمَ مَنْ لا رَاحِمَ لَهُ يَا صَاحِبَ مَنْ لا صَاحِبَ لَهُ.. يَا حَبِيبَ مَنْ لا حَبِيبَ لَهُ يَا طَبِيبَ مَنْ لا طَبِيبَ لَهُ يَا مُجِيبَ مَنْ لا مُجِيبَ لَهُ يَا شَفِيقَ مَنْ لا شَفِيقَ لَهُ يَا رَفِيقَ مَنْ لا رَفِيقَ لَهُ يَا مُغِيثَ مَنْ لا مُغِيثَ لَهُ يَا دَلِيلَ مَنْ لا دَلِيلَ لَهُ يَا أَنِيسَ مَنْ لا أَنِيسَ لَهُ يَا رَاحِمَ مَنْ لا رَاحِمَ لَهُ يَا صَاحِبَ مَنْ لا صَاحِبَ لَهُ». ويتكرر ذلك لاحقاً في المقطع 73: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُکَ بِاسْمِکَ يَا شَفِيقُ يَا رَفِيقُ يَا حَفِيظُ يَا مُحِيطُ يَا مُقِيتُ يَا مُغِيثُ يَا مُعِزُّ يَا مُذِلُّ يَا مُبْدِئُ يَا مُعِيدُ.. اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُکَ بِاسْمِکَ يَا شَفِيقُ يَا رَفِيقُ يَا حَفِيظُ يَا مُحِيطُ يَا مُقِيتُ يَا مُغِيثُ يَا مُعِزُّ يَا مُذِلُّ يَا مُبْدِئُ يَا مُعِيدُ». علاقة الرفيق-بالرفيق هي علاقة العاشق والمعشوق الفاعلة مع إله أقصى. الله هنا هو الرفيق الأعلى، الرفيق الجليل.
كما سبق أن ذُكر، إن صور الله إما هي صور عرّفنا بها نفسه، أو صور ننسبها نحن إليه مع إدراكنا أن الله متعالٍ عن هذه الصور. ويمكن قول الشيء نفسه عن صور العلاقة بين الإنسان والله. في هذه الحالة، الأفضل هو أننا بينما نؤمن بالإله اللا-صورة، بدلاً من صورة الغياب والاختفاء والإله الذاهب في إجازة وصغير المدار، نسلك نحو الله عبر طريق الخلق، وننسب صورة مثل الإله الرفيق الجليل إلى الإله اللا-صورة، مع إيماننا في الوقت نفسه بأن الله متعالٍ حتى عن هذه الصورة.
بناءً على ما ورد حتى الآن في الفصول السابقة من هذا الدفتر، يمكن القول إن الإله الرفيق الفاتح للدروب هو إله أقصويّ، تربطه بالإنسان علاقة صادقة القلب، مستمرة، آنية في كل حين، واستراتيجية، وهو إله أهل للتعاون والمشاركة. علاقة البشر بالله في هذا التصور هي علاقة رفيق برفيق، وهي علاقة ثنائية الاتجاه آنية في كل حين، وفيها تكون استفادة الإنسان من مكنونات الله ووظائفه ممكنة، وينبغي للإنسان أن يتبنى نهجاً مضاعفاً وأكثر جدية في علاقته بالله، حتى يستفيد من مكنونات الله بنفس القدر. مكنونات الله ووظائفه تعني كيف يُنعم الله، في سياق علاقته بالإنسان، على الإنسان الساعي والفاعل بمواهبه وإمكاناته الخلّاقة المستمرة في الوجود. الموحِّد في هذه العلاقة هو عضو مساهم، ومؤدٍّ للدور، وباحث عن المشاركة، وعنصر فاعل في الوجود. في هذه العلاقة الاستراتيجية القائمة على المشاركة، يحدد أعضاء الوجود الفاعلون مع الله مشروعاً مشتركاً، وسيشارك الله في المشروع اعتباراً لما أتوه به وصدقهم فيه. هذا الإنسان ليس فقط موحداً في عالمه الشخصي وفي ساحة الفكر والاعتقادات، وقد طهَّر ذهنه ووجوده من الشرك الذهني-الفلسفي ومن جعل الشركاء لله في "التأليه" (سائر البشر، والآلهة... إلخ) وكذلك من "ربوبية الذات" (الأنانية القديمة والنزعة الإنسانية العلمانية الحديثة)؛ بل إنه في ساحة العالم المحيط والمجتمع يسعى أيضاً إلى التحرر من العوامل التي تكبّله (الاستبداد، والاستعمار، والاستغلال، والاستحمار، والهيمنة السياسية، والثقافية، والاقتصادية، والاجتماعية، والدينية) حتى لا يقع في الشرك الاجتماعي-السياسي بقبوله هيمنة وعبودية أرباب المال والقوة والخداع. ومن ثم، فإنه بنظرته التوحيدية للعالم ومسعاه الوعي التحرري، يعارض اللامساواة، والتمييز، والظلم، وكل أشكال هيمنة الإنسان على الإنسان. العرفان الاجتماعي هو عرفان إنساني قائم على البراكسيس (الممارسة المؤسسة على الفكر)، فالسالك في هذا العرفان يمارس الفاعلية في بيئة مثلث "الله، الخلق، الذات"، وبدلاً من "الفناء في الله" يفكر في "البقاء بالخلق"، وباختياره نهج "النزعة الإنسانية المتمحورة حول الله" لا يغفل عن دوره في هذه الأضلاع الثلاثة، ويبني ذاته في طريق مساعدة الخلق بجدلية الفكر والممارسة والحب للآخر، وبتضحياته في هذا السبيل يكون في صيرورة و"تحول" دائمين وتكامل معنوي حتى بلوغ التألّه والتألم في ساحة الوجود. العرفان الاجتماعي، على عكس العرفان التقليدي، لا يغفل عن التزامه السياسي ونبذه للخضوع للهيمنة والتزامه الاجتماعي تجاه معاناة أبناء جنسه، ويعتبر التآزر، والأخذ باليد، والمواساة، والتضحية، والإحسان الاجتماعي لتحسين أوضاع الناس من لوازم السلوك. هذا الإنسان صار عضواً فاعلاً في الوجود، إنه إنسان مدار التغيير، وهو في علاقة استراتيجية شاملة قائمة على المشاركة مع الله، وهو مؤدٍّ للدور وعضو مساهم في الوجود، لديه مشروع، وهو صاحب مبدأ وحامل لسمة خلقية، وهو مُمَكِّن. لديه نهج براكسيسي وهو عمليّ. بلغ الوعي الذاتي، ولديه يوطوبيا، وفي بيئة مثلث الله والخلق والذات، يمارس براكسيساً عاشقاً وروحياً بالألم والحب والممارسة الناشئة عن الوعي التحرري. بمسعاه الوعي التحرري يبادر إلى التوعية وبث الطاقة اليوطوبية في المجتمع، وعيٍ يؤدي إلى الأخذ باليد، والتمكين، وإضفاء اليوطوبيا للمستضعفين في إطار تآزر وتعاون اجتماعي مؤسسي قائم على مقولة "التعاون من أجل البقاء". بحبه المتقدم نحو الخلائق يسعى إلى الحب الصاعد نحو الله، ويبحث عن عنوان الله في مدينة الخلق. بنزعته الإنسانية المتمحورة حول الله، يمنح الضياء بقدر وسعه كالشمعة، وكدودة الليل المضيئة، وفي علاقته القائمة على المشاركة والمشروع مع الله، يبادر إلى تمكين الخلق وتخفيف آلامهم، وبهذا يتحقق صيرورة ويقف في مسار التألّه والتألم في ساحة الوجود. الإنسان في هذا السير والسلوك يكون في صيرورة وتحول وهجرة أنفسية مما هو كائن إلى ما ينبغي أن يكون. سقف هذا السلوك هو بلوغ الفلاح/الكمال الذي هو التألّه والتألم في ساحة الوجود. في مثلث الله والخلق والذات، يضطلع الموحِّد متعدد الساحات، بالإضافة إلى "المسؤولية الأخلاقية" (استبطان الذات، ومعرفة الذات، وبناء الذات من أجل السلوك نحو الله عبر خدمة الخلق)، بـ "المسؤولية التنويرية" (إيجاد الذات، وتحصيل الوعي الذاتي، ونشر الوعي التحرري والطاقة اليوطوبية والأمل الفاعل بين الخلق)، و"المسؤولية المدنية" (المناصرة، والتمكين، وإحياء الخلق)، ويسعى لتحقيق العرفان والمساواة والحرية.
وفقاً لتعاليم المفكرين الدينيين الجدد، يمكن تقديم الجدول الأول لأنواع اللاهوتيات لمختلف أصناف التدين.

بناءً على ما ورد في هذه المقالة، فإن الإله فوق الشخصي هو إله يمكنه أن يتشخص، ويمكنه أن يتخذ صورة الرفيق، ولا يقع في التناقض بالجمع بين التشبيه والتنزيه، ويحفظ الفاعلية والفردانية الإنسانية بتوحيد الوجود بدلاً من وحدة الوجود. ومن هنا، فإن المتدينين ذوي النزعة التجريبية والمعرفية والمصلحية، كلٌ بحسب فهمه ومرتبته التي يجدها في التدين، يمكنهم أن ينظموا معتقداتهم اللاهوتية في هذا الإطار. يوضح الجدول 2 نموذج لاهوتيات معرفة اللاهوت ذي الأساسين. في المقالة التالية سنتناول بالتفصيل كيفية الارتباط بالله (التقوى، الإيمان، التوكل) من منظور اللاهوت ذي الأساسين.

الدين
الدين
الدين
الدين
الدين
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.