اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
هل قبول الذات عائق أمام التقدم والمعاش؟ التمييز بين الحاجات الخارجية والداخلية يُظهر أن لكل منهما مساره الصحيح، وأن قبول الذات ليس سكوناً، بل هو حب غير مشروط للنفس، وهو أساس الصحة النفسية والنمو.

يتساءل البعض: إذا بلغ الإنسان مرحلة الاستغناء، فهل سيسعى للتقدم؟ إذا تخلى المرء عن التعلق والرغبة واتجه نحو التحرر وعدم التعلق، ألن تخبو دوافعه للحركة والسعي؟ أليست الحياة ذات التوجه الروحي والمفعمة بالحب سبباً في التخلف عن المعيشة والعمل والاحتياجات المادية للإنسان؟ ألا ينبغي إقامة توازن بين الحياة العرفانية والعاشقة وبين العمل والدخل وبناء العالم الخارجي؟ إذن، أين موقع المعيشة والماديات؟ وسؤال آخر هو: من قَبِلَ نفسه كما هي، وتصالح مع ذاته، ما هو الدافع الذي سيكون لديه لتنمية خصائصه وتطوير قدراته؟
الجواب هو أنه (دون أن أرغب في رسم حد فاصل بين المادي والمعنوي أو الجسدي والروحي، لاعتقادي بأن مثل هذا الحد لا يمكن رسمه) لدينا نوعان من الرغبة، وبالتالي نوعان من العمل والسعي: الرغبات المادية والجسدية، والرغبات الروحية أو العاطفية. من جملة رغبات المجموعة الأولى، الرغبة في الطعام واللباس والمسكن. الجميع يحبون أن يتناولوا هم وأحباؤهم طعاماً جيداً، وأن يرتدوا لباساً فاخراً، وأن يكون لديهم مأوى هادئ وآمن، وأن يتمتعوا بالصحة الجسدية. هذا النوع من الرغبات، ذو الطابع الجسدي والبدني غالباً، يمكن تسميته «الحاجات الخارجية»، الحاجات الخارجية تتعلق عموماً بـ «رفاه» الإنسان. لا شك أن الحاجة إلى الرفاه هي حاجة طبيعية، والرغبة فيها رغبة معقولة وفي محلها. الإنسان، بدون الرفاه، سيعاني من آلام الجوع والمرض والتشرد، بل وستختل أسس نموه وازدهاره الفكري والعاطفي والإنساني. إذن، السعي لتأمين رفاه الفرد ومجتمعه هو سعي ضروري وعقلاني.
أما المجموعة الثانية، فهي الرغبات الروحية والنفسية والعاطفية. الحاجة إلى المحبوبية، والثقة بالنفس، والطمأنينة الداخلية، وكذلك الحاجة إلى الشعور بالرضا والعظمة والقيمة، هي من هذا القبيل. السعي لتأمين هذه الحاجات هو أيضاً في محله وضروري بالطبع. إذا كنتم تعانون من ضعف الثقة بالنفس، وإذا كنتم تعانون من التناقضات الداخلية، وإذا أصابكم الشعور بالعجز والقلق، فعليكم بلا شك أن تبحثوا عن جذور هذه المسائل وأن تعالجوها بفعالية. هذه الفئة من الحاجات يمكن تسميتها «الحاجات الداخلية»، وهي حاجات مرتبطة بالمشاعر النفسية والعاطفية للإنسان. تأمين هذه الفئة من الحاجات يوفر لنا الطمأنينة والسعادة، ويهبنا النمو الفكري والأخلاقي والازدهار الداخلي.
النقطة الأولى هي أن تلبية كل واحد من هذين النوعين من الحاجات له طريق مختلف ويتطلب أدوات تناسبه. بالإضافة إلى ذلك، فإن الاهتمام بأحد هذين النوعين من الاحتياجات لا يعني بالضرورة تلبية الآخر، وإن كان قد يساعد في تهيئة الأرضية له. مثلاً، إذا زاد علمكم ومعرفتكم وثقتكم بأنفسكم وطمأنينتكم الداخلية ألف درجة، فستظلون بحاجة إلى العمل وكسب الدخل والمال لشراء الطعام واللباس. مثلاً، إذا تسوست أسنانكم، فمهما ارتقت نظرتكم ومعرفتكم وعلمكم، فما لم تذهبوا إلى طبيب الأسنان، فلن يزول تسوس أسنانكم ولن يُعالج ألمكم. باختصار، إذا اهتم الإنسان بالحاجات الروحية فقط وتخلف عن الضرورات المادية، فسيواجه الفقر والمرض والجوع وحتى الكسل والوهن.
من ناحية أخرى، مهما سعيتم في سبيل تلبية الحاجات المادية، فلن تتقدموا بالضرورة في مسار حاجاتكم الروحية والنفسية. مثلاً، إذا كنتم تعانون من الشعور بالحقارة والحسد أو الجهل والتعصب، فإن الحصول على مال أكثر أو الوصول إلى منصب الرئاسة أو شراء منزل فخم أو الحصول على شهادة دراسية عليا، لن يحولكم إلى إنسان عميق وواثق بنفسه ومطمئن. بعبارة أخرى، تلبية الحاجات المادية أو التقدم في الساحات والمجالات «الخارجية» لن تروي عطشكم للشعور بالرضا والعظمة والقيمة الداخلية، وإذا توقعتم أن يحدث ذلك، فقد ضللتم الطريق ولن تجنوا سوى التيه والإحباط.
لماذا؟ لأن نشاطك لا يتناسب مع حاجتك، وأنت لا تدرك هذا التفاوت. أنت تريد الوصول إلى السعادة والحرية الداخلية عبر «الرفاه»، في حين أن الرفاه، رغم ضرورته، لا يجلب بالضرورة الثقة بالنفس والبهجة. اللهاث وراء السراب يعني هذا بالضبط، أن يسعى الإنسان في اتجاه ويتوقع النجاح في اتجاه آخر. بهذا يكون جواب السؤال الأول هو أن الاستغناء الداخلي لا يعني إنكار الحاجات الخارجية، بل يعني أن نستجيب لكل حاجة بما يناسبها. ألا نتوقع الرفاه والصحة من ترك الدنيا والبطالة والدعة، وألا نطمح إلى الشعور بالقيمة والغنى الداخلي من الترقية الوظيفية والتقدم على الآخرين. أن نختار لكل هدف وسيلته المناسبة وطريقه الصحيح.
النقطة الثانية هي أن تصور أن حب الذات وقبولها يعني السكون وعدم التقدم، ناشئ عن فهم خاطئ لهذين المعنيين. إن قبول الإنسان لضعفه وألا يلوم نفسه، وهو ما أسميه «تقبل الذات»، لا يعني ترك الشوق إلى الكمال والتخلي عن التقدم الداخلي والخارجي. معنى تقبل الذات هو أولاً أن يحب الإنسان نفسه بكل ضعفها وقوتها، وألا يعذبها حسرة على «ذات» أفضل. لو كان الشفقة على الذات مشروطة باكتساب كمالات أكثر، لما حدثت هذه الشفقة أبداً، لأن النمو والكمال ليسا وجهة نهائية وهدفاً قابلاً للتحصيل، بل هما طريق ودرب أبديان، وجمالهما وفتنتهما تكمن في هذا الجريان والديمومة. في كل منزل من مسار التقدم، توجد دائماً كمالات لم يحصلها الإنسان بعد. تقبل الذات يعني ألا يكون حب الإنسان لنفسه مؤجلاً ومشروطاً بخلوه من العيوب، بل نهجاً دائماً وغير مشروط. حب الذات ليس أمراً مشروطاً وقابلاً للتأجيل، بل هو حالة طبيعية ودائمة. السعادة هي الصحة ذاتها، ولا تقبل التأجيل بأي شرط.
كذلك، معنى كلمة تقدير الذات هو أن يمنح الشخص لنفسه، في كل حال ومع كل نقص وكمال، مكانة كبيرة وقيمة. بعبارة أخرى، تقدير الذات يعني ألا تكون قيمة الإنسان في نظره متوقفة على اكتساب كل القيم والكمالات - وهو أمر محال - بل أن تكون جزءاً لا يتجزأ من نظرته إلى نفسه. الحقيقة هي أن حب الذات هو أساس الصحة النفسية والعقلية، والذين يلومون أنفسهم بسبب أي نقص أو خطأ، أو لا يرون أنفسهم جديرين بالمحبة والقيمة، قد نسوا أن النفس الجريحة والمقموعة لا تملك القابلية للازدهار وتربية ذاتها. الإنسان الذي ينظر إلى نفسه نظرة رفض وعنف، لن يكون قادراً من موقع سعيد ومطمئن على معالجة ضعفه وتنمية الخير فيه. دعونا لا ننس أن الخوف من اللوم والنبذ ليس دافعاً جيداً للتقدم. حين يكون الإنسان عاشقاً للكمال بالفطرة، ومفتوناً بالجمال والخير والحسن، فأي حاجة إلى التعذيب النفسي والروحي؟ للتقدم والتحسن، لا حاجة إلى اللوم؛ الحب كافٍ!
علاوة على ذلك، لا شك أن حب الذات لازم لـ «حب الآخرين»، والمحبة والشفقة على الذات هما أساس محبة الآخرين. فالإنسان ما لم يحب نفسه ويحنو عليها، فلن يكون لديه فهم صحيح للحب والحنان، وسينعكس هذا الفقر في المحبة الداخلية حتماً على سلوكه وكلامه الخارجيين. نبع الحب إن لم يوجد فهو لا يوجد، ولكن إن وجد، فمنبعه في داخل الإنسان. إنه ينبع دوماً من الداخل إلى الخارج. بهذا المعنى، فإن الإنسان «العدو لذاته» سيحيا حتماً في حرب وتضاد وتوتر مع الآخرين. تقبل الذات لازم لقبول الآخرين، والصلح والتسامح مع الذات هما أساس الصلح والصداقة مع الآخرين. ذاك الذي لا ينبذ نفسه بكل نقائصها وجوانبها القابلة للتطور، ويقبل على ذاته بقبلة محبة بدلاً من سوط الملامة، سيكون لديه سعة صدر وصبر في تقبل أفكار الآخرين وتحمل ضعفهم البشري. بنظرة إلى الناس من حولنا، سنرى أن الإنسان الذي يعاني داخلياً من الغضب وعداوة الذات، يعكس هذا التلاطم والاضطراب على الآخرين أيضاً.
ولكن كيف يتوافق قبول الذات وحبها مع نقاط الضعف البشرية الحتمية والدائمة؟ كيف يمكن للإنسان أن يكون واعيًا بنقائصه وعيوبه، وفي الوقت نفسه يتقبل ذاته ويقبلها كما هي؟ الجواب هو، أولاً، أن وجود الضعف أو النقص لا يعني أن الإنسان مذنب أو سيء، بل هو جزء طبيعي من عملية التحسن والتقدم. لقد أدرك الإنسان العاقل جيدًا أنه لا يوجد كائن مثالي بلا عيوب، وبالتالي فإن مهمتنا في هذا العالم ليست أن نكون مثاليين أو بلا عيوب، بل السعي نحو الكمال. في نظر الإنسان الواعي، الضعف أو النقص ليس ذنبًا أو تقصيرًا، بل هو تحدٍ في طريق التقدم، تحدٍ لولاه لما كان للكمال والتحسن أي معنى. النقطة المهمة الأخرى هي أن حب الذات والشفقة عليها شرط ضروري للسعي نحو تحسين الذات وتقدمها. السؤال هو: إذا لم يعتبر الإنسان كائنًا محبوبًا وذا قيمة ولم يحبه، فلماذا يكلف نفسه عناء تحسينه وازدهاره؟ بأي دافع سيتولى تربيته بصبر وحنان؟
والحقيقة الأخرى هي أن تعذيب الذات بغرض الوصول إلى الطمأنينة هو تناقض مضحك! إذا كان الإنسان يرغب في الازدهار والسعادة، فعليه أن يبدأ من الذات نفسها التي هي أساس هذا المسعى، الذات التي كل هذا الجهد والحركة من أجلها ولصالحها. وفي هذا السياق، فإن رؤية الذات على أنها سيئة وناقصة ومذنبة هي مثال على نقض الغرض وسوء فهم المسألة!
حب الذات وقبولها لا يعنيان الغرور والتهرب من النقد. بل على العكس، إن الهروب من النقد والإصلاح هو علامة على عدم الاهتمام بالتقدم والكمال، لأنه يظهر أن الشخص يضحي بنموه وكماله هربًا من الانتقاد. إن الإنسان المحب لذاته يسعى باستمرار نحو الإصلاح والتقدم والازدهار، وفي طريق هذا الهدف، تكون الانتقادات والآراء المخالفة فرصًا قيّمة تساعده في تشخيص أخطائه ونقاط ضعفه. يعرف الشخص العاقل جيدًا أن الإنسان، مهما كان تواقًا للتقدم والكمال، يظل جزء من الإشكاليات في رؤيته أو سلوكياته خافيًا عن عينيه، وهو غير قادر بمفرده على تتبعها وتشخيصها. بعبارة أخرى، غالبًا ما يكون الإنسان أقرب إلى نفسه من أن يشخص جميع خصائصه بشكل صحيح. لذا فإن نقد الآخر ومعارضته هو في هذا الاتجاه فرصة ثمينة وهدية مغتنمة. يدرك الإنسان الواعي هذه القيمة جيدًا ويستفيد منها في طريق تحسينه وكماله. وهذا هو المعنى الصحيح والحقيقي لحب الذات وتقديرها.
شكرًا لكم على القراءة
(للاطلاع على نقاش موسع حول معرفة الذات وفلسفة الحياة، يرجى مراجعة مؤلفاتي: «بندباز» (رواية) و«از رنج تا رهایی» (مجموعة مقالات) حيث تجدون التعريف بهما على موقع صدانت.)
.
.
.
.
نقاش حول هذا المقال٣ تعليق
سلام. خیلی متن خوبی بود!مطالب در این موضوع زیاد هستن توی دنیای مجازی.ولی اینکی خیلی جاافتاده تر و کاملتر و کمک کننده تر بود.
عالی بود
عالی بود؛ ممنونم