اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
الروحانية ليست مرادفة للتدين ولا للعرفان، كما أنها ليست أخلاقاً ولا أدياناً مستحدثة. يفكك مصطفى ملكيان هذه المفاهيم ليفحص أزمة الروحانية، ويرى أن غاية الحياة الروحية بلوغ صفة 'الأمن والطمأنينة' التي ينشدها البشر دوماً.

الموضوع الذي أرغب في عرض بعض النقاط بشأنه هو أزمة الروحانية. ولكن للبحث في أزمة الروحانية، ولا سيما مع التأكيد على مفهوم وكلمة أزمة، يلزم أن نجتاز ثلاث مراحل.
المرحلة الأولى هي أن نحدد ما الذي نعنيه بالحياة الروحية، وبعبارة أخرى، ما هي الروحانية؟ ما الذي نطلق عليه اسم الروحانية؟ خصوصاً أن الروحانية قريبة جداً من مقولات أخرى عديدة، وللتعرف على الروحانية، فإن أهم ما ينبغي فعله هو تمييز الروحانية عن هذه الظواهر القريبة من الروحانية وليست الروحانية نفسها تحديداً.
في المرحلة الثانية، لكي يتضح ما هي الروحانية والحياة الروحية، يدور السؤال حول ماهية العوامل التي يمكنها أن تؤمن هذه الحياة الروحية. بتعبير آخر، ما هي الأمور التي عندما تتضافر توفر لنا حياة يمكن وصفها بالحياة الروحية. ما هي مجموعة العلل الناقصة للحياة الروحية التي تشكل مجتمعة العلة التامة للحياة الروحية. ما هي الأشياء التي إذا كنت فاقداً لها، أكون فاقداً للحياة الروحية، وإذا كنت واجداً لها، أكون واجداً للحياة الروحية. بتعبير آخر، ينبغي اعتبار الحياة الروحية معلولاً، وعلل هذا المعلول هي مجموعة من الأمور التي يمكن أن نطلق عليها اسم عوامل الحياة الروحية. لذلك، في المرحلة الثانية، يدور البحث حول العوامل التي تولد وتنشئ هذه الحياة الروحية.
في المرحلة الثالثة، نعالج أزمة الروحانية نفسها؛ وفي هذه الحال وقد اتضحت لنا هوية الروحانية وعرفنا ما هي العوامل التي توجدها، بأي معنى يمكن الحديث عن أزمة الروحانية؟ في المرحلة الثالثة نعالج المشكلات التي تعترض طريق أولئك الذين يريدون انتهاج الحياة الروحية؛ وسأقول هناك إنه نظراً لأن هذه المشكلات تبلغ حداً يبدو معه أنها تقترب من أن تؤدي إلى استحالة الحياة الروحية، فإن تعبير أزمة الروحانية ليس تعبيراً مبالغاً فيه ولا في غير محله. لو قيل مشكلات العيش الروحي، لما كان هذا التأكيد على المشكلات ليبلغ هذا الحد الذي نستخدم معه تعبير أزمة الروحانية، وهذا يعني أن هناك مشكلات تعترض طريق العيش الروحي أكثر مما يمكن حله.
كثيرون حين يُذكر مصطلح الروحانية في العصر الحديث، يتصورون أن الروحانية هي التدين، ويظنون أن الروحانية تعني أن يكون المرء متديناً أو التدين أو ممارسة الدين. ولكن، في الوقت الذي لا تعادي فيه الروحانية التدين ولا تخالفه، فإن الروحانية ليست بمعنى التدين. صحيح أن الروحانية لا تتناقض مع أن يكون لديك التزام عملي أو نظري، قل أو كثر، بأحد الأديان، لكنها في الوقت نفسه لم تعقد عهداً ولا أخوة مع أي دين أو مذهب معين، وبالتالي يمكنك أن تكون ملتزماً بأي دين أو مذهب وتكون روحانياً في الوقت نفسه، أو ألا تكون ملتزماً بأي دين أو مذهب معين وتكون روحانياً مع ذلك أيضاً. بتعبير منطقي، الروحانية لا تقتضي شيئاً بالنسبة للدين بشكل عام، وبالنسبة لأي دين معين بشكل خاص.
إذن، الحالات الثلاث: التدين بدين ومذهب معين، وعدم التدين بدين ومذهب معين، وعدم التدين بالمعنى الكلي، كلها متوافقة مع أن يكون المرء روحانياً؛ لكن، على أي حال، الروحانية في حد ذاتها ليست بمعنى التدين. الروحانية ظاهرة، وإن كانت قريبة جداً من التدين، إلا أنها ليست بمعنى التدين المطلق.
وعلى هذا المنوال، الروحانية ليست بمعنى العرفان أيضاً. ليس الأمر أنه إذا قلنا عن شخص إنه روحاني فهذا يعني أنه عارف، أو على الأقل يعني أنه من أهل السير والسلوك العرفاني. أعني أن القصة نفسها التي رويت بخصوص الروحانية والدين، يمكننا أن نكررها بالضبط بخصوص الروحانية والعرفان. يمكنك أن تلتزم عملياً أو نظرياً بنظام عرفاني معين، أو ألا تلتزم، وفي كلتا الحالتين يمكنك أن تكون روحانياً أو لا تكون. وهذا لا يعني بالطبع أن الروحانية لا ترتبط بالعرفان بشكل عام أيضاً.
الروحانية ليست بمعنى أي نحو من أنحاء العيش الأخلاقي. أي أن هناك حداً فاصلاً بين الروحانية والأخلاق، صحيح أن في الروحانية يسود نوع خاص من الأخلاق، لكن هذا لا يعني أن كل من يعيش أخلاقياً هو روحاني؛ بل يعني أن كل من يعيش روحانياً، فهو يتبنى شكلاً من أشكال الحياة الأخلاقية. وبتعبير آخر، تقتضي الروحانية نوعاً خاصاً من الأخلاق، لكنها تقتضي نوعاً خاصاً واحداً من الأخلاق لا كل أنواع الأخلاق. وبالتالي، ليس كل من يعيش أخلاقياً هو بالضرورة روحاني.
وليست الروحانية بمعنى رابع أيضاً، وهو الالتزام بأديان العصر الجديد. أي أن الروحانية ليست بمعنى أديان العصر الجديد. لدينا في عصرنا أديان جديدة نشير إليها باسم new age [1]، والتي يمر على عمرها في الثقافة الغربية حوالي قرن ونصف. هذه أيضاً لها قرابة، قليلاً أو كثيراً، بالروحانية والدين والعرفان، لكن أياً من هذه الحركات الدينية الجديدة ليس هو ما نعنيه بالروحانية. ولا شك طبعاً أن نفوذ هذه الحركات الدينية الجديدة في الغرب يزداد يوماً بعد يوم. إن عودة البشر عن الأديان التاريخية والمؤسساتية تسبب يوماً بعد يوم في رواج هذه الحركات الدينية الجديدة، التي لا تتشابه طبعاً من حيث نقاط قوتها وضعفها، وتباعدها وتقاربها. فبعضها أكثر تباعداً وبعضها أكثر تقارباً. كما أنها لا تتشابه من حيث مدى شبهها بالأديان التاريخية. وهي تختلف أيضاً من حيث مدى كونها تلفيقية أو غير تلفيقية. وهناك قصص كثيرة يمكن أن تروى في هذا الباب، لكن على كل حال، ليس المراد بالروحانية الالتزام بأي من هذه الحركات الدينية الجديدة.
حتى الآن، قيل فقط ما ليست الروحانية، لكن لم يأت حديث عما هي عليه. وقبل أن يتحدد بدقة ما هي الروحانية، أود أن أنبه إلى نقطة، وهي أن الروحانية، مع كل ما ذكر أنها ليست إياه، إلا أنها تستقي دروساً منها جميعاً. أي أن الروحانية يمكنها أن تستقي دروساً من العرفان، ومن الدين، ومن الأخلاق، ومن الحركات الدينية الجديدة. يمكنها أن تتعلم شيئاً من كل هذه، لكنها في المجمل لا تلتزم بأي منها.
والآن، بخصوص الروحانية، عدا هذه النقاط السلبية التي ذكرت عنها، أرغب في ذكر بضع نقاط إيجابية عنها. يمكننا أن نتصور ما نعنيه بالروحانية على هذا النحو: يبدو أن كل إنسان، بغض النظر عن المكان والزمان والظروف والأحوال التي يعيش فيها، يرغب في أن تمضي حياته مصحوبة بمقوم أو مقومات، وأن تقترن بصفة أو صفات. لقد قيلت أقوال كثيرة بخصوص تلك الصفات التي يرغب كل البشر في أن تتسم حياتهم بها؛ لكن برأيي (وأنا في هذا أستفيد كثيراً من تعاليم فتغنشتاين) أن الإنسان كان دوماً يسعى إلى حياة توجد فيها صفة واحدة على الأقل، وهذه الصفة هي صفة "الأمن والطمأنينة". الأمن والطمأنينة هما النقطة الجامعة لكل النقاط الإيجابية التي يريد البشر وجودها في حياتهم. وقبل فتغنشتاين، كان هناك من قالوا إن الغاية القصوى لحياة البشر هي الحياة المصحوبة بشعور الأمن وشعور الطمأنينة؛ فعلى سبيل المثال، من بين مؤسسي المذاهب، أكد بوذا كثيراً على هذه النقطة، وهي أن الحياة المصحوبة بالطمأنينة هي الحياة التي نريد جميعاً أن نحياها.
الحياة المقرونة بالطمأنينة هي حياة لا يجد فيها القلق والانشغال الذهني والاضطراب وانشغال البال سبيلاً إليها، وكل ما يتنافى بشكل ما مع الطمأنينة لا يُرى في هذه الحياة؛ وهذه الطمأنينة هي طمأنينة في ساحة الجسد والبدن، وطمأنينة في ساحة الذهن، وطمأنينة في ساحة الجَنان أو، بالتعبير الأقل دقة لكن الأكثر شيوعاً، في ساحة النفس. وهذا النوع من الطمأنينة هو ما نرغب جميعاً في وجوده في حياتنا. وبالطبع، لا يعني هذا الأمر أننا نستطيع تنظيم العالم المحيط بنا بحيث تصبح حياتنا مطمئنة، أو أننا نستطيع أن نتدخل في بيئتنا المحيطة بمهارة ونغير هذه البيئة كيفما نشاء، بحيث نتمكن من العيش فيها بطمأنينة. أولئك الذين يسعون إلى الأمن والطمأنينة يعلمون أن العالم، من حيث وضعه الخارجي، ليس مواتياً لهذه الحال، أي أنه ليس بالشكل الذي يمكن توقعه من العالم نفسه، لكن يمكن إحداث تحولات في داخل المرء تجعله، رغم الوضع غير المواتي للعالم الخارجي، يحصل على هذا الأمن والطمأنينة بشكل شبه كامل أو قريب من الكامل. وبتعبير آخر، لا ينبغي أن يُظن أن الذين يريدون حياة مقرونة بالأمن والطمأنينة لديهم نوع من التفكير القائم على الأماني والسذاجة أو نوع من التفاؤل، ويعتقدون أنه يمكن التلاعب بتروس العالم ومفاصله بحيث يصبح العالم بالنسبة لهم عالماً مقروناً بالطمأنينة. إنهم يعلمون أن خارج العالم يمكن أن يكون دائماً غير مواتٍ أو عدائياً، وأن يكون على خلاف مع الإنسان، لكنهم يقولون إننا نستطيع أن نفعل بأنفسنا شيئاً يجعلنا، في هذا العالم الذي يدفع الإنسان إلى الاضطراب، قادرين على الحفاظ على طمأنينتنا. وإذا أردنا أن نستخدم تشبيهاً، يمكننا القول إنهم لا يريدون لمحيط العالم أن يكون بلا أمواج، لكنهم يستطيعون الحفاظ على سفينتهم في هذا العالم بطمأنينة، ويعلمون أن من مقتضى كونه بحراً أنه يكون مضطرباً أحياناً، وفيه أمواج، وينبغي دوماً توقع الاضطراب، لكنهم يستطيعون بناء سفينتهم وتوجيهها بحيث لا يغرقون في هذا البحر المتلاطم ويصلون إلى المقصد سالمين.
والآن، إذا قبلنا بأن الروحانية تعني الحياة المقرونة بالأمن والطمأنينة، حينئذٍ يُطرح هذا السؤال وهو: كيف ينبغي أن نعيش حتى نتمكن من امتلاك حياة كهذه؟ هنا ندخل في المرحلة الثانية من الحديث. حيث ينبغي أن نعرف ما هي عوامل الحياة الروحية؟ بتعبير رياضي، ما أعنيه هو: ما هي الأشياء التي تشكل للحياة الروحية شرطاً لازمياً وشرطاً كافياً في آنٍ معاً؟ ما هي هذه الشروط التي إن لم توجد فلن تتوفر الحياة المطمئنة، وإن وُجدت فلن نحتاج إلى شيء آخر للحياة المطمئنة. بتعبير آخر، نريد أن نضع أيدينا على أمور ونتأمل فيها، نكون على يقين من أننا إن لم نمتلكها فلن تكون لنا حياة مطمئنة، وفي الوقت نفسه نكون على يقين من أننا إن امتلكناها فلن نكون بحاجة إلى شيء آخر لطمأنينة حياتنا.
وبالطبع، قبل الخوض في هذا البحث، ينبغي أولاً الإجابة عن هذا السؤال: ما هي منهجية اكتشاف هذه الشروط اللازمة والكافية؟ أي بأي طريقة يمكن أن نفهم ما هي الشروط التي تكون للحياة الروحية لازمة وكافية في آنٍ معاً.
من أين ينبغي أن نجد هذه الشروط؟ هنا يتضح لنا وجه آخر من الروحانية. يبدو أننا لكي نجد هذه الشروط اللازمة والكافية، يجب أن نلجأ فقط إلى علم النفس، وليس بين أيدينا أي مصدر آخر يمكننا بالاستناد إليه اكتشاف ماهية هذه الشروط.
ولكن ينبغي الانتباه إلى أننا حين نتحدث عن علم النفس، فإننا نقصد علم النفس بالمعنى الواسع للكلمة، وليس فقط علم النفس التجريبي الذي هو المقصود عادةً عند ذكر علم النفس اليوم. بالطبع، علم النفس التجريبي هذا هو موضع حديثنا، ونحن نستفيد من إنجازاته ومن مدارسه الأربع جميعاً؛ أي من المدرسة الأولى في علم النفس، علم نفس التحليل النفسي، ومن النهضة الثانية أو المدرسة الثانية، علم النفس السلوكي، ومن النهضة الثالثة، علم النفس الإنساني، ومن النهضة أو المدرسة الرابعة، علم نفس ما وراء الشخصي؛ ونستفيد بشكل خاص من علم نفس ما وراء الشخصي أقصى استفادة؛ ولكن إلى جانب علم النفس هذا، أي علم النفس التجريبي، سنستفيد في كل موضع نشعر فيه بوجود تعاليم نفسية. على سبيل المثال، في المنظومات العرفانية ثمة قسم سيكولوجي يمكن الاستعانة به بوصفه علماً للنفس عرفانياً، وبالطريقة نفسها نستعين بعلم النفس الديني أيضاً؛ ونرجع إلى روحانيي العالم وأخلاقييه لنرى كيف عرفوا النفس الإنسانية، وأي عون يمكنهم أن يقدموه لنا بخصوص هذا النوع من السكينة الذي ننشده. علم النفس بالمعنى الدقيق للكلمة هو كل ما يتصل بمعرفة النفس الإنسانية، سواء أكان في مجال العلوم الشهودية أم في مجال العلوم التجريبية أم في مجال العلوم الفلسفية (مثل قسم فلسفة الذهن أو علم النفس الفلسفي) أم في مجال العلوم الدينية. من هذه المجموعة، يمكننا استخراج الشروط اللازمة والكافية.
ومع ذلك، ينبغي الانتباه إلى أنه على الرغم من أن جميع روحانيي العالم يسعون وراء هذه الشروط اللازمة والكافية، إلا أنه لا يوجد اتفاق تام في هذا الشأن. في بعض الحالات، يتفق جميع العرفاء والروحانيين وعلماء النفس، ولكن في بعض المقومات الأخرى، لا يزال الأمر محط شك وريبة. سأشير من بين هذه المقومات إلى 13 مقوماً، وباعتبار هذه المقومات الثلاثة عشر في رأيي سنصل إلى الشروط اللازمة والكافية. بالطبع، هذا الباب باب مفتوح، ويمكن إثارة مناقشات حول جميع هذه المقومات، بل قد لا يقبلها البعض.
الأمر الأول هو ما يُعبّر عنه أحياناً بالاستقلالية أو autonomy. ويُشار إليه أحياناً بالأصالة أو الحياة الأصيلة، أي الحياة القائمة فقط على فهمي وتشخيصي أنا. أن أحيا كما تحكم به مجموع قواي الإدراكية، لا كما يُلقّن إليّ أو يُملى عليّ من الخارج.
في كل خطوة، سواء أكانت نظرية أم عملية، أن أخطو فقط بناءً على فهمي وتشخيصي، وألا أثق أو أعتمد على أية قوة خارج ذاتي، وأن أحسم أمر الحياة تجاه كل ما يُعرض عليّ بالرجوع إلى الذات، أي مجموع القوى الإدراكية والمصادر الشخصية، أو بتعبير الإبستمولوجيين، بالاستناد فقط إلى مصادر المعرفة الستة المتاحة لنا. وهي كما تعلمون: الإدراكات الحسية، والاستبطان، والذاكرة، والحدس، والشهادة (تحت شروط خاصة)، والعقل، والمقصود بالعقل مجموع قوى الاستدلال. [الإدراكات الحسية: وهي البصر والسمع والذوق والشم واللمس.
الاستبطان: هو بعض الحالات الفردية التي لا يمكن إدراكها بالإدراكات الحسية، كالجوع أو العطش... إلخ، ولا نستطيع كشفها إلا بمصدر المعرفة هذا؛ فالعطش مثلاً لا يمكن رؤيته أو سماعه... إلخ.
الذاكرة: هي مصدر معرفي ينتمي إلى الماضي، وتساعد في كثير من الحالات على كشف الوقائع في الزمن الحاضر.
الحدس: المقصود هنا الحدس الديكارتي لا الحدس العرفاني؛ وهو عبارة عن مسائل لا يمكن تصور خلافها. على سبيل المثال، هل يمكن تصور شيء له شكل ولكن ليس له لون؟
الشهادة (testimony): بوصفها مصدراً للمعرفة، يمكنها في ظروف خاصة أن تضع الواقع بين أيدينا؛ فالإنسان مثلاً لا يمكنه أبداً أن يعرف من هما أبواه الحقيقيان إلا بالاستناد إلى كلام المحيطين به واستشهادهم. فمن خلال شهادتهم يمكنه أن يصل إلى الحقيقة.
العقل أو قوة الاستدلال، وهو على ثلاثة أنواع: الاستقراء (induction)، والقياس (deduction)، والاستنتاج (abduction).
الاستقراء: أن نستنتج حكماً من تتابع الأحداث تحت شروط خاصة ومناسبة.
القياس: أن نستنتج حالات متماثلة من عدة حالات متشابهة.
الاستنتاج: استخلاص منطقي مع الأخذ بأقل عدد ممكن من الافتراضات القابلة للإثبات. على سبيل المثال، افترض أنك في غرفة مغلقة ولا علم لك بما يجري في الخارج؛ وفي اليوم التالي يُسمح لك بمغادرة الغرفة. عندما تخرج، تلاحظ أن كل شيء رطب. هنا تتبادر إلى ذهنك ثلاثة احتمالات: الأول، أن الحكومة قامت برش المدينة بأكملها باستخدام طائرات الهليكوبتر؛ والثاني، أن جميع أنابيب المدينة، الرئيسية والفرعية، قد انفجرت؛ والثالث، أن المطر قد هطل. بالرجوع إلى قوة الاستدلال، يمكنك أن تدرك أن المطر قد هطل مثلاً، لأن هطول المطر يتطلب افتراضات قابلة للإثبات أقل. [المحرر] أولئك الذين يعيشون وفق ما تقتضيه هذه الشروط الستة، ويتعاملون من جهة أخرى مع مصادر المعرفة الخارجية على نحو يكسبون فيه الحجية الإبستمولوجية لمصدر المعرفة الخارجي هذا بالاستناد إلى أحد مصادر المعرفة الستة هذه، أو لا يعيرونه اهتماماً أصلاً، هم في الواقع يعيشون حياة أصيلة. وبتعبير آخر، إذا قلنا كلاماً لشخص وأردناه أن يعمل بمقتضاه، فإما أن يستطيع قبول ذلك الكلام بناءً على قواه الإدراكية، فيكون بذلك قد قبل كلامنا، ولكن بقواه الإدراكية الداخلية أيضاً؛ وإما ألا يقبله، فيكون بذلك قد سار في حياته وفق فهمه وتشخيصه هو.
ولكن ألسنا نسير في الحياة دوماً وفق فهمنا وتشخيصنا، بحيث يكون شرط الحياة المطمئنة هو أن نعمل وفق فهمنا وتشخيصنا؟ الظاهر أن الأمر ليس كذلك، فنحن في حالات كثيرة ننقاد للتماهي مع الجماعة، وفي حالات كثيرة نتبع ما يسميه الهيغليون روح العصر، وفي حالات كثيرة نكون تحت تأثير عظماء المجتمع، أو تحت تأثير مربينا ومعلمينا في طفولتنا، وخط سيرنا قائم دوماً على أقوال تقبلناها بفعل تلقيناتهم. وكما يقول سقراط، نحن بهذا المعنى نعيش حياة غير مفحوصة؛ الحياة غير المفحوصة هي التي لم أختبر أنا قواعدها السلوكية بنفسي، ولم أقل أنا فيها أي كلمة نفياً أو إثباتاً؛ وكوننا نعيش على هذا الأساس، فما ذلك إلا لأننا تحت إيحاء الآخرين.
وبهذا المعنى، يُنفى كل ضرب من ضروب قبول التلقين أو الإيحاء، وكل ضرب من التقليد، وكل ضرب من التعبد. طبعاً، إذا قال شخص كلاماً وكان لدينا، بناءً على قوانا الإدراكية، دليل على اتباع كلامه فاتبعناه، فهذا يعني أننا في الواقع اتبعنا قوانا الإدراكية مرة أخرى؛ لأننا أمّنَّا وضمنّا الحجية الإبستمولوجية (epistemological معرفية. المحرر) لذلك الأمر باستخدام قوانا الإدراكية. يمكن أن يُقال الكثير عن كون الحياة غير مفحوصة، وعن مدى سيرنا في طريق سار فيه الآخرون وعدم رغبتنا في أن نملأ مكاننا في الحياة، ومدى ميلنا إلى أن نضع أقدامنا موضع أقدام الآخرين، ومدى افتقادنا للحياة الأصيلة، وأن هذا الافتقاد للحياة الأصيلة هو ما يسبب جملة من الهموم والاضطرابات.
الأمر الثاني، وهو لازم للأمر الأول أيضًا، هو عدم الاكتراث بأحكام الآخرين علينا. فإذا أردنا أن نكترث بأحكام الآخرين في شأننا، فلن نحظى أبدًا بحياة مطمئنة. فمن أراد أن يأكل وفق شهية الآخرين، وبالقدر الذي يريده الآخرون، ومما يريده الآخرون، فلن ينعم بالطمأنينة أبدًا. إن البشر المطمئنين وكبار أهل الروحانية هم أولئك الذين لا يعيرون أي قيمة مطلقًا لأحكام الآخرين في شأنهم. وبالطبع سأنبه لاحقًا، وسأشدد كثيرًا على هذا التنبيه، أن من شروط الحياة المطمئنة أن نكنّ العشق لجميع البشر، ولا ينبغي أن نستنشق من عدم الاكتراث هذا بأحكام الآخرين أي جفاء تجاههم. إن الذين يتمتعون بحياة مطمئنة هم الذين لا يهمهم كيف يحكم الآخرون على حياتهم. فليحكموا كما يشاؤون، أما أنا فأتصرف بناءً على فهمي وتشخيصي الخاص. وهذا الأمر مهم من جهتين، أولًا: أنه لا يمكن العيش بطريقة ترضي جميع الناس عن حياتنا، وبحسب التعبير المنسوب إلى علي بن أبي طالب، والذي عبّر عنه آخرون (كالرواقيين) أيضًا: "رضا جميع الناس غاية لم يبلغها أحد". لا يمكننا أن نتصرف بشكل يرضى عنا جميع البشر؛ وثانيًا: بفرض أن هذا الأمر ممكن، فلماذا ينبغي لي أن أعيش وفق ما يروق للآخرين وما لا يروق لهم؟ وما الإشكال في ذلك؟ الإشكال هو أن الآخرين لا يريدون مني شيئًا واحدًا، وإذا أردت أن أعيش وفق ما يروق للآخرين، فلن أستطيع أن تكون لي حياة واحدة. وهنا مثال قرآني مناسب، يقول القرآن: انظروا إلى شخص هو خادم لسيد واحد، وشخص آخر هو خادم لعدة أسياد، والأسياد مختلفون فيما بينهم. عندما يكون الإنسان خادمًا لسيد واحد، فمهما كان هذا السيد ظالمًا وغير منطقي وقاسي القلب، فإن مهمة الخادم واضحة، إن قال له اجلس، جلس، وإن قال له قم، قام... إلخ؛ أما إذا كان للخادم عدة أسياد، وكان الأسياد مختلفين فيما بينهم، فماذا عسى أن يفعل الخادم حينها؟ سيد يقول له اجلس، وآخر يقول له قم، وثالث يقول له اذهب، ورابع يقول له تعال... إلخ. في الواقع، إن الذين يريدون أن يصغوا لكلام الآخرين، يجعلون من أنفسهم خدامًا لأسياد يختلفون فيما بينهم في الرأي. إذن، كيفما أعيش، سيروق الأمر لبعضكم ولن يروق للبعض الآخر. ومن هنا أدرك أهل الروحانية هذه النقطة، وهي أنه بما أن العيش وفق ما يروق للآخرين وما لا يروق لهم ليس ممكنًا ولا مرغوبًا، أي أن هذا النمط من الحياة ليس ممكنًا، ولو كان ممكنًا لما كان مرغوبًا، فقد قرروا أن يتصرفوا في حياتهم بناءً على إدراكهم وفهمهم الخاص.
النقطة الثالثة هي أن الشخص الذي يريد أن يعيش حياة روحية، ينبغي ألا يقارن نفسه بأحد، وألا يرى نفسه في سباق مع الآخرين، بل يقارن نفسه بنفسه فقط، وهذا يعني أن يفكر دائمًا فيما إذا كان بإمكانه أن يصير أفضل مما هو عليه الآن، وإن كان يستطيع، فليسعَ إلى ذلك. في الواقع، إن الذين يرون أنفسهم في سباق مع الآخرين لا يلتفتون إلى أنه حين يتسابق جمع من الناس، فإنهم يقفون في مكان واحد لحظة انطلاق صافرة الحكم؛ والمسابقات، في حقيقتها، مسابقات لأن بدايتها تنطلق من نقطة واحدة زمانًا ومكانًا. فلو افترضنا مثلاً أن شخصًا في سباق ما يقف متقدمًا بمئة متر، وشخصًا آخر متأخرًا بكيلومتر، فهذا لا يُعد سباقًا؛ والمشكلة أننا معشر البشر لا نقف في نقطة انطلاق واحدة حين نُولد. فلسنا نُولد في ظروف بدنية متساوية، ولا في ظروف ذهنية متساوية، ولا في ظروف نفسية متساوية. لذا، كلما قارنت نفسي بك، فبما أننا لم نقف في نقطة واحدة عند الولادة، فإن نتيجة المقارنة ستكون على حسابي مهما كانت؛ والسبب في ذلك هو أنني إن قارنت نفسي بك وكنت متقدمًا عليك من حيث الموقع، فسأعزو تقدمي إلى جهدي وكدحي، وهذا غير صحيح، ومن ناحية أخرى، إن كنت متأخرًا عنك عند المقارنة، فسأعزو تأخري إلى تكاسلي، وهذا غير صحيح أيضًا. فالبشر الذين لم يقفوا على إحداثيات بدنية وذهنية ونفسية واحدة، لا يمكنهم مقارنة أنفسهم بالآخرين، والمغزى هنا أنه لا يوجد إنسانان يتطابقان في الإحداثيات البدنية والذهنية والنفسية. إذن، الإنسان الوحيد الذي يمكننا مقارنة أنفسنا به هو أنفسنا. وذلك بأن نقول لأنفسنا في كل لحظة: هل أستطيع أن أكون أفضل وأكثر تقدمًا من هذا الموقع الذي أنا فيه، ومن هذا الشيء الذي أنا عليه، أم لا؟ وإن كنت أستطيع، فهل أتحرك في ذلك الاتجاه؟
إننا نرى مشكلات كثيرة في حياتنا نتيجة هذه المقارنات. ويمكن على الأقل ملاحظة ثلاث علاقات اجتماعية غير مرغوبة في الحياة نتيجة هذه المقارنة: الأولى الحسد، والثانية التنافس، والثالثة أنني أعتبرك في بعض الحالات عائقًا وجدارًا في طريقي.
إن أهل المعنى لا يقارنون أنفسهم بأحد، ويقولون: أنا هو هذا الشيء الذي أنا موجود به، وعليّ أن أجد مكاني في أحجية الوجود وأملأه. فلا أنا أستطيع أن أملأ مكان أحد في أحجية الوجود هذه، ولا أحد غيري يستطيع أن يملأ مكاني فيها.
المطلب الرابع الذي أود طرحه عليكم، وهو مرتبط بالمطلب السابق، هو أننا يجب أن نكون قادرين على فهم واستيعاب اختلافاتنا مع الآخرين، حتى نتمكن من بلوغ الطمأنينة. فعندما أرى أن معامل ذكائك أعلى مني ولا أستطيع فهم ذلك واستيعابه، أو أرى أن قوة ذاكرتك تفوقني، أو أرى أنك أجمل مني، أو أكثر ثراءً، أو أشهر، أو أعرف مني، أو تملك مكانة اجتماعية أرفع، ولا أستطيع فهم هذا الاختلاف واستيعابه، فإنني أفقد طمأنينتي حينئذ. البشر ليسوا كأقراص الأسبرين مطلقًا، بحيث يمكن صنع مليار منها متطابقة تمامًا. إنهم مختلفون عن بعضهم البعض تمام الاختلاف. إن فهم هذا الاختلاف واستيعابه، وكذلك إدراك أنني متأخر عنك من بعض الجهات ومتقدم عليك من جهات أخرى، هو ما يجعلنا ننعم بالطمأنينة في الحياة.
النقطة الخامسة التي أود طرحها هي حب البشر. لقد قال جميع أهل المعنى، منذ زمن كونفوشيوس -الذي كان بمعنى ما رجل معنى علمانيًا، أي لم يؤمن بأي أمر ميتافيزيقي- وصولاً إلى زمن توماس ميرتون وسيمون فاي وزمننا هذا، إن الطمأنينة تنشأ لدى الواهب للحب للآخرين. وأنا أشدد على كون الحب واهبًا بهذا المعنى، لأن لدينا مقولات أخرى قريبة من الحب نعتبرها عادةً حبًا. وخصوصًا نوع من الحب هو أبرز أنواع الحب الآخذ، ألا وهو الحب الإروتيكي (erotica).
كان الإغريق القدماء يميّزون بين ثلاثة أنواع من الظواهر المتعلقة بالحب، المتقاربة فيما بينها: نوعٌ من الحب نكنّه للمُثُل العليا، كحب العدالة أو حب الحقيقة وما إلى ذلك؛ هذا الحب للمُثُل الذي يترك آثاراً ونتائج إيجابية في نفوسنا كانوا يُعبّرون عنه بـ (فيليا - philia). هذا النوع من الحب موجودٌ، قليلاً أو كثيراً، لدى جميع البشر، وبالطبع فإن ما يُعتبر مثالاً أعلى لي فأُحبّه، وما يُعتبر مثالاً أعلى لك، يتوقف على العوامل الخمسة[2] التي تؤثر في هذا النوع من الحب، ومع ذلك يمكن القول إن حب المُثُل العليا يكاد يكون مشتركاً بين جميع البشر. لدينا نوع آخر من الحب يُعبّرون عنه بالحب الآخذ أو (إيروس - eros). الحب الآخذ هو حبٌ يكون فيه العاشق عاشقاً للمعشوق لأنه يتلقى شيئاً من المعشوق، ولأن المثال البارز لهذا الحب هو الحب الذي تسيطر عليه الشهوة الجنسية، يُسمّى بالحب الإروتيكي. في هذا النوع من الحب، أكون عاشقاً للمعشوق لأنني أستطيع الحصول على نوع من اللذة والانتفاع من المعشوق؛ في الواقع أنا لست عاشقاً للمعشوق، بل عاشقٌ لشيء يمكنني الحصول عليه من المعشوق، ولأنني لا أرى ذلك الشيء إلا فيه، أظن خطأً أنني عاشقٌ له. لكن النقطة التي أريد قولها هي أنه على الرغم من أن هذا الحب ليس مذموماً ولا مستهجناً من الناحية الأخلاقية على الإطلاق، وهو جزء من البنية الوجودية لكل إنسان، إلا أنه لا يجلب الطمأنينة. وهناك نوع ثالث من الحب هو محور حديثي، وهو الحب المانح أو ما يُعبّر عنه الإغريق بالحب الأغابي (agape). الحب المانح بهذا المعنى يُطلق على ما أريد فيه أن يصل من قِبَلي شيءٌ إلى المعشوق، والنظرة التي أحملها للمعشوق هي نظرة غائية لا وسيلية. المعشوق ليس وسيلة للوصول إلى هدفي، بل هو الهدف ذاته. بتعبير آخر، أن ننظر إلى الإنسان الذي أمامنا نظرةً ترى أن له حقاً أخلاقياً في أن يتلقى شيئاً مني، حتى لو لم يكن له حقٌ قانوني. هذا النوع من الحب يجلب الطمأنينة. ولكن كما قلت سابقاً، لا الحب للمُثُل ولا الحب الآخذ يحملان ذماً أخلاقياً، لكنهما لا يجلبان الطمأنينة.
هذا الحب (الحب المانح) يجعلني دائماً أراعي ثلاثة أمور في علاقتي بالآخرين: أولاً، أن أتعامل مع الآخرين بعدل، ثانياً، أن أُحسن إليهم (وكما تعلمون، في التعامل العادل أعطيكم حقكم، أما في الإحسان فأعطيكم شيئاً يفوق حقكم، وفي الواقع أعطيكم شيئاً من حقي أنا). وثالثاً، أن أفكر في مصالحكم ومفاسدكم، لا فيما يسرّكم أو يسوؤكم. على سبيل المثال، عندما يعطيكم ابنكم بطاقة العلامات المليئة بعلامات الرسوب وتعنّفونه، يقول لكم: لماذا لا تعنّفون ابن الجيران وهو راسب أيضاً؟ فتقولون له: لأنني لا أحبه، ولأن مصلحته ومفسدته ليست مهمة بالنسبة لي، لا أعنّفه، أما عنفي لك فبدافع المحبة التي أكنّها لك. هذا ما كان يسمّيه السيد المسيح "عنف الحب"، وأن الحب عنيف لأنه لا يأبه بما يسرّ أو يسوء، بل ينظر فقط إلى مصلحة ومفسدة كل أمر يخص المعشوق.[3] مُختطف الأطفال الذي ينوي خداع طفلكم يفكر فيما يسرّ طفلكم لا في مصلحته، فيعطيه مثلاً شوكولاتة أو كتاباً، أما أنتم فتأخذون الشوكولاتة أو الكتاب من الطفل وتبعِدونه عنه؛ لو أراد الطفل في عالم الطفولة أن يحكم على سلوككم، لقال إن مُختطف الأطفال يحبني أكثر. لكننا نعلم أن الأمر ليس كذلك، وفي الواقع الأبوان هما من يحبان طفلهما. كل من ينوي الاستفادة منكم أو يكنّ لكم حباً آخذاً، يفكر فيما يسرّكم. أما الذين يكنّون لكم حباً من نوع (agape) فيفكرون دائماً في مصلحتكم، وإذا كانت نظرتكم إليهم نظرةً ساذجة، فغالباً ما تنزعجون منهم.
يعتقد الروحانيون في العالم أن هذا النوع من الحب، أي الحب المانح، بما ذُكر له من خصائص، هو باعث على الطمأنينة؛ على العكس تماماً من الحب الآخذ الذي هو سالب للطمأنينة. ويمكن القول إن الفارق الجوهري بين هذين النوعين من الحب يكمن بالتحديد في كونه باعثاً على الطمأنينة وسالباً لها.
كلما شعرتم بحبٍ انتابكم فيه القلق، فاعلموا أنكم كنتم تريدون شيئاً من المعشوق؛ أما إذا كان الأمر مبنياً على إعطاء شيء للمعشوق، فلا يكون هناك قلقٌ على الإطلاق.
الأمر السادس، وهو بالغ الأهمية، هو الرضا بما لا سبيل إلى تغييره. لا شك أننا في حياتنا الفردية، كأفراد، أي في هذه السنوات الستين أو السبعين التي نحياها، وفي حياة الجنس البشري الاجتماعية عبر التاريخ، واجهنا دائمًا أن البشر يرون في حياتهم أشياء لا يريدون رؤيتها، ولا يرون أشياء يحبون رؤيتها. إن ما قاله الشاعر: «لا أرى ما أريد، وما أراه لا أريده»، هو في الواقع وصف لحالنا. لكن المسألة تكمن في أننا إذا أردنا أن ننعم بالطمأنينة في هذا العالم، فينبغي أن نتبين من بين الأمور غير المرغوبة الموجودة فيه، ما هو قابل للتغيير وما هو غير قابل للتغيير. إن عدم تمييزنا بين القابل للتغيير وغير القابل للتغيير، أو بعبارة أدق، توهم أن كل هذه الأمور غير المرغوبة قابلة للتغيير، هو ما يفقدنا طمأنينتنا. إن البشر الذين يعيشون في طمأنينة، استطاعوا بنوع من الحكمة والبصيرة، أو ما يسميه علماء النفس بالنفاذ والعمق في النظر، أن يميزوا الوقائع القابلة للتغيير من الوقائع غير القابلة للتغيير، ثم يرضوا بما لا سبيل إلى تغييره. إن عدم الرضا بما لا سبيل إلى تغييره، أو كما قال الشاعر: «تحريك حلقة الإقبال المستحيل»، هو ما يذهب بالطمأنينة. كل من يريد أن يفتح بابًا لا ينفتح، أو يغلق بابًا لا ينغلق، فإنه يبدد طمأنينته. إن إدراك أن هناك منغلقات لا تُفتح، ومفتوحات لا تُغلق، وعدم السعي إلى تغييرها، هو ما يجلب الطمأنينة. جميع أهل المعنى، بهذا المفهوم، لم يسعوا إلى تغيير الوقائع غير القابلة للتغيير، بل كانوا يرضون بنوع من القضاء، وهذا لا يعني بالطبع أنهم كانوا يرضون بكل واقعة. فبالرضا بما هو غير قابل للتغيير يمكن بلوغ الطمأنينة. وبالطبع، فإن كيفية التمييز بين هذه الوقائع، وما إذا كانت لدينا فقط وقائع قابلة للتغيير وأخرى غير قابلة للتغيير، أم أن هناك أمورًا أخرى تنقسم إلى هذين القسمين، فهذا بحث آخر.
في اعتقادي، ينبغي أن ينصب كل اهتمامنا على أن قوانين الوجود غير قابلة للتغيير. لكن بعض الوقائع قابلة للتغيير وبعضها غير قابل للتغيير، ولا ينبغي أن نقع في وهم أن الوقائع كلها قابلة للتغيير، لأننا سنصاب بالقلق بعد أن نرى أن بعض الوقائع لا يمكن تغييرها.
إن تغيير الوقائع غير القابلة للتغيير هي قصة ذلك التيس الذي ظن أنه يستطيع أن يزحزح الجبل بنطحه، لكنه في الواقع كان يكسر قرنه. لدينا الكثير من القرون المكسورة في هذا الطريق، لأننا نطحنا جبلًا شديد الرسوخ لا يمكن تغييره.
أحيانًا، عندما نغضب، ندرك بعد تأمل أننا كنا نريد تغيير واقعة غير قابلة للتغيير.
على سبيل المثال، عندما يخونني صديقي أغضب، لأنني كنت أظن أنه لا يمكن لأي صديق أن يخون إنسانًا، في حين أن إحدى القواعد الأساسية في العالم هي أن الصديق، كونه إنسانًا، يمكنه أن يخون غيره من البشر. إن جميع الأحوال والمشاعر السلبية التي تذهب بالطمأنينة، ناتجة دائمًا عن أننا كنا نريد تغيير واقعة غير قابلة للتغيير، أو على الأقل كنا نريد أن تتغير هذه الواقعة غير القابلة للتغيير في حالتنا نحن.
إن معظم اضطراباتنا ناتجة عن أننا نادرًا ما نعيش في اللحظة الحاضرة خلال حياتنا، بل نعيش دائمًا إما في الماضي أو في المستقبل. قلما يعيش البشر العاديون في الحاضر. أنا، بحسب الظاهر، أنظر إلى هذه الطاولة، وجسدي حاضر في الآن وهنا، لكن بمجرد رؤية الطاولة أعود بذاكرتي إلى شراء طاولة في الماضي، وفي الواقع، في هذه الدقائق التي كنت أنظر فيها إلى الطاولة، كان جسدي فقط في الحاضر، بينما كانت نفسي في الماضي. أو أنني برؤية الطاولة أفكر كيف يمكنني بالتوفير أن أغير ديكور المنزل في العام القادم، فأتوجه نحو المستقبل.
الطمأنينة هي فقط من نصيب أولئك الذين يعيشون دائمًا في الحاضر، ولا يخرجون منه إلا عند الضرورة وبقدر الضرورة.
على سبيل المثال، تصور أن ابني سيخضع لعملية جراحية غداً وأنا بحاجة إلى مليوني تومان لتغطية تكاليفها. بعد الفحوص والتحريات اللازمة، أعتقد أن الطريق الوحيد الممكن هو أن أذهب إلى صديقي فلان وأقترض منه المال. حسناً، هنا عندما أركب السيارة وأتوجه إلى صديقي، لا ينبغي أن أفكر في المستقبل، بل يجب أن أستمتع باللحظة الراهنة، أن أستمتع بالقيادة، أن أستمتع بمشاهدة المناظر، وهكذا...
مثال آخر يمكن ذكره في هذا السياق هو قصة كونفوشيوس. عندما سُجن كونفوشيوس وكان من المقرر إعدامه في اليوم التالي، رأى فراشة تحلق داخل السجن، فبدأ يطاردها ويقفز خلفها متتبعاً حركتها بإصبعه. عندها قال له السجان الذي كان يراقبه: أيها كونفوشيوس العظيم، لقد كنت أظنك رجلاً عظيماً حقاً، ولكنني أراك الآن مجرد طفل! كيف لشخص سيُعدم غداً أن يبهج قلبه بجمال تحليق فراشة؟ هنا أجابه كونفوشيوس: سواء كان مقدراً لي أن أُعدم أم لا، فسواء استمتعت برؤية هذه الفراشة أم لم أستمتع، فإن الإعدام سيقع إن كان مقدراً، ولن يقع إن لم يكن مقدراً، فلماذا أضيع هذه الساعة إذن! أيموت المرء وهو يرى فراشة ويستمتع بها خير له أم يموت دون تلك المتعة.
لكننا لا نعيش هكذا. فعلى سبيل المثال، لو كنا مكان كونفوشيوس، لكنا إما نفكر في المستقبل ولا نستطيع الاستمتاع باللحظة الراهنة بسبب هول الموت، أو نعيش في الماضي قائلين لأنفسنا: هذه نتيجة كل هذا التعب والجد في خدمة الإمبراطور. كم خدمته! وهذه هي نهايتي.
في الواقع، يمكن القول بتعبير آخر إنه لا يوجد شيء غير سار في الحاضر أبداً، وإنما انضمام الحاضر إلى الماضي والمستقبل هو ما يجعله غير سار.
النقطة الثامنة، التي تنتج عن الموضوع نفسه ولكن من بُعد آخر، هي أن الذين يعيشون في اللحظة الراهنة لا تجعلهم مواقفهم الماضية رهائن لحاضرهم، وبالمثل لا تجعل مواقفهم الحاضرة مستقبلهم رهينة لها. بعبارة أخرى، افترض أنني قبل خمس سنوات توصلت في دراساتي وأبحاثي إلى نتيجة أن (أ) هو (ب)، وألفت في ذلك كتباً، ونشرت رسائل، وكسبت أصدقاء ومؤيدين... والآن بعد هذه السنوات الخمس التي أعلنت فيها في كل مكان أن (أ) هو (ب)، توصلت بعد تأمل أو دراسة أو استشارة الآخرين إلى نتيجة أن (أ) ليس (ب). الناس العاديون في هذه الحالة يقولون: شخص ظل يقول طوال خمس سنوات إن (أ) هو (ب) لا يمكنه أن يقول بين ليلة وضحاها إن (أ) ليس (ب)؛ وهكذا يستمر في القول ظاهرياً إن (أ) هو (ب) بينما يعلم في باطنه أن (أ) ليس (ب)، فيجعل ماضيه رهينة لمستقبله، وهذا التعارض يؤدي إلى زوال طمأنينته.
أما البشر المعنويون فهم كالمحرار (الترمومتر)، أي أنهم يعبرون عن كل ما يدركونه في اللحظة الراهنة، ولا يجعلون ماضيهم رهينة لحاضرهم.
النقطة التاسعة، التي أشدد عليها كثيراً، هي ما يمكن تسميته بتعبيري بالانضباط أو كف النفس أو نوع من الضبط الداخلي. هذا الانضباط يعني أن تكون دائرة ما أقدر على فعله أكبر بكثير من دائرة ما أُؤذن لي بفعله. إحدى مشكلات البشر غير المعنويين هي أنهم يعتقدون أن كل ما يستطيعون فعله، يحق لهم فعله. أي أنهم يجعلون دائرة مقدوراتهم في مستوى دائرة مأذوناتهم. في حين أن أهل المعنى لا يفعلون أبداً كل ما يقدرون على فعله، ويضعون لأنفسهم حدوداً.
النقطة العاشرة التي يتمتع بها أهل المعنى هي الجدية. طبعاً، الجدية ليس بمعنى المثابرة.
لقد أولى جميع أهل المعنى نوعًا من الجدية للحياة. ففي أعمال مايستر إيكهارت نجد نقاشات كثيرة حول جدية الحياة؛ وقد تناول بوذا هذا الموضوع كثيرًا، كما نشهد هذه المسائل بقدر وافر في خُطب علي بن أبي طالب. فعلى سبيل المثال، يتحدث الإمام علي في جزء من نهج البلاغة عن أخيه في الإيمان الذي يُروى أنه أبو ذر، فيقول إنه كان يرى الدنيا صغيرة في عينيه حتى صار بنفس القدر كبيرًا في عينيه، ويذكر له هناك إحدى عشرة صفة، إحداها هذه، فيقول إنه حين كان يُقبل على الحياة كان جادًا كأسد الغابة. وكذلك في رسالة كتبها لابنه في أواخر عمره، أشار في بدايتها إلى أن: يا بني، من الأمور التي تعلمتها من الحياة أنها جادة جدًا، ولا يمكن فيها التلاعب والعبث مطلقًا.
ولكن ما معنى هذه الجدية؟ الجدية هنا تعني في الواقع أن أعرف أن قوانين الوجود لا تقبل الاستثناء في حقي. فكل من لا يأخذ الحياة بجدية يتوهم أنه يستطيع الإفلات من بعض قوانين الوجود. فمثلاً، الآخرون لا يمكنهم الوصول إلى (ب) ما لم يكونوا في (أ)، أما أنا فأظن أنني أستطيع الوصول إلى (ب) دون أن أبلغ (أ) بعد. من المريح جدًا أن نفهم أنه لم تُعد لنا في هذا العالم دفاتر أو سجلات منفصلة. كل أولئك الذين يظنون أنهم مستثنون من الآخرين، كأن يعتبروا أنفسهم شعب الله المختار، أو الأمة المرحومة، أو أبناء الله؛ هؤلاء لا يأخذون الحياة بجدية، لأنهم يظنون أن للعالَم نظرة إليهم لا ينظرها إلى غيرهم، وحين لا يأخذون الحياة بجدية، تصطدم رؤوسهم بصخرة الواقع. هذا الأمر يشبه تمامًا ابن مدير المدرسة الذي يظن أنه لأنه ابن المدير سيُعامَل بشكل مختلف، فلا يدرس دروسه جيدًا، وحين لا يعامله المعلمون بشكل مختلف، تصطدم رؤوسهم بصخرة الواقع. طبعًا يمكن الافتراض أن المعلمين قد يعاملونه بشكل مختلف لأنه يمكن خداع المعلمين، لكن لا يمكن خداع الوجود. لذلك، إذا قلنا إننا عباد الله الخاصون وبقية الناس ليسوا عبادًا خاصين لله، أو قلنا مثل اليهود إننا شعب الله المختار، أو مثلنا نحن المسلمين إننا الأمة المرحومة، أو ...، فإن الوجود لا يأبه بهذه الأقوال، ولذلك فإن البشر الذين لا يعتبرون أنفسهم متميزين عن غيرهم سينعمون بالطمأنينة في الحياة.
النقطة الحادية عشرة التي أود الإشارة إليها هي الصدق بمعناه الخاص للكلمة. أي تطابق جميع ساحات الإنسان مع بعضها البعض. في الواقع يمكن القول إن لدينا في حياتنا الفردية خمس ساحات، لكن هذه الساحات الخمس لا تتطابق عادةً مع بعضها. الصدق هنا يعني تطابق هذه الساحات الخمس على بعضها البعض، وليس بالضرورة بمعنى قول الحقيقة، لأن قول الحقيقة هو أحد مصاديق الصدق. إذا نظرنا إلى الساحات الباطنية الخمس للإنسان، وهي: ساحة المعتقدات، وساحة المشاعر والعواطف، وساحة الاحتياجات والرغبات، وساحة الإرادة، وساحة الأفعال (سواء كانت أفعالاً فعلية أو بالقوة)، فسنرى أن هذه الساحات لا تتطابق مع بعضها في حياة البشر العاديين، ولهذا السبب لا ننعم بالطمأنينة في الحياة. وفي الإسلام أيضًا، نجد مرارًا أن المنافقين هم دائمًا في قلق واضطراب؛ وهذا لأن هذه الساحات الخمس غير متطابقة فيهم. حتى لو لم نأخذ التعبير الديني لهذه القضية بعين الاعتبار، يمكن القول إن كل من يتصف بالرياء والتزوير و... لا ينعم بالطمأنينة. فعلى سبيل المثال، يؤمن بشيء ويقول شيئًا آخر، أو يقول شيئًا ويفعل شيئًا آخر، و... في الواقع، إذا نظرنا إلى باطن إنسان كهذا، فسنرى خمسة كائنات في حالة نزاع وصراع مع بعضها، وبطبيعة الحال، لا ينعم إنسان كهذا بالطمأنينة.
النقطة الثانية عشرة هي أن البشر الذين يتمتعون بالطمأنينة لا يسعون وراء فضولهم، بل يسعون إلى معرفة الأشياء التي تنفعهم، لا إلى مجرد المعرفة في حد ذاتها. لو لاحظتم، لا يوجد شخص روحاني في العالم تحدث عن علم ضار أو علم غير نافع. العلم غير النافع هو علم أيضًا، أي أنه مطابق للواقع، لكنه ليس نافعًا. أولئك الذين هم، بتعبير هايدغر، أهل فضول، مضطرون إلى التنقل في كل مكان، ومن الطبيعي أن يفقدوا طمأنينتهم. أهل المعنى يسعون دائمًا وراء العلم النافع، أي العلم الذي إن لم يتعلموه خسروا. إذا أردنا وضع معيار لهذه المسألة، يمكننا التعبير عن القضية على النحو التالي: كلما افتقرت مسألة ما إلى هذه الخصائص الست، فلا نسعَ إليها. مسائل تجعل حالنا يختلف من قبل أن تخطر ببالنا إلى ما بعد أن تخطر ببالنا، مسائل تجعل حالنا يختلف من قبل أن نحصل على جوابها إلى ما بعد أن نحصل على جوابها، ومسائل إن حصلت على الجواب (أ) اختلف حالي عن حالي إن حصلت على الجواب (ب). على سبيل المثال، لو علمت كم نملة تنتقل يوميًا على جدار معين، فلن يحدث ذلك أي فرق في حالي، وبالطبع فإن مثل هذه المسائل كثيرة جدًا في الحياة. أولئك الذين هم، بتعبير هايدغر، أهل فضول ويريدون معرفة كل شيء وفهم كل شيء، يعيشون في قلق دائم. أما أولئك الذين يسعون في الحياة وراء أشياء تغير حالهم، ويسألون أنفسهم دائمًا، بتعبير سقراط: ما نفع معرفتي لهذا الشيء؟ فهؤلاء ينعمون بالطمأنينة في حياتهم. المعارف الكثيرة في الحياة ليست هي ما يجلب الطمأنينة، بل المعارف التي تُستخدم هي ما يجلب الطمأنينة.
النقطة الأخيرة التي أرغب في الحديث عنها هي أن الطمأنينة تتحقق في الصمت قدر الإمكان. كان أعظم تأكيد يوجهه حكماء القدامى إلى تلاميذهم هو الصمت. بالطبع، لا أريد أن أشير إلى آراء أمثال الرهبان الترابيست (trappist) وأبالغ إلى ذلك الحد. كما تعلمون، توجد في المدارس الغربية والشرقية طوائف تؤيد الصمت مدى الحياة، فعلى سبيل المثال، شعار الترابيست هو: الصمت مدى الحياة من أجل طمأنينة مستنيرة مدى الحياة. فعلى سبيل المثال، توماس ميرتون، الروحاني الأمريكي الكبير في القرن العشرين، كان ترابيستًا، ومنذ سن التاسعة عشرة حتى سن الثانية والخمسين حين توفي إثر حادث، لم ينطق بكلمة واحدة؛ لا أريد أن أبالغ إلى هذا الحد؛ لكني أريد أن أوضح هذه النقطة وهي أن مصدر قلقنا يكمن إلى حد كبير في كلامنا. اليوم، إذا كان شخص ما في مجلس لا يفسح المجال للآخرين للكلام، وبمجرد أن يتم شخص جمله، يبادر بخمس جمل ولا يمنح فرصة للكلام، نظن أن ذلك الشخص واسع الاطلاع، بينما في التراث القديم كان يُؤكد على أن مثل هذا الإنسان هو أحمق من في المجلس. إن التأكيد الشديد على أنه كلما اكتمل العقل نقص الكلام، يعود إلى هذا السبب.
وكان شمس التبريزي يخاطب مولانا قائلاً: مولانا العزيز، الكلام نزع للروح، والاستماع غذاء للروح. حين تتكلم تنزع روحك؛ تكلم أقل كي تنزع روحك أقل. الإنسان الذي يستمع تسمن روحه، أما حين يتكلم فهو في حالة هزال، وفي الواقع المستمعون هم في حالة سمن. هذا الصمت هو الصمت في مقام الكلام. لدينا نوعان آخران من الصمت، الصمت الذهني والصمت النفسي، وهما ليسا موضوع حديثنا.
يقول بوذا: هناك أناس يركبون عربات بلا سقف ويسرعون في طرقات مليئة بالغبار. حين يعلوهم غبار الطريق، يقولون ما أكثر الغبار في الهواء. يقول لهم بوذا: إما أن تخففوا سرعتكم أو تصنعوا سقفًا، حينها ستدركون أنه لا وجود للغبار. وهو يرى أن الكلام هو هذا تحديدًا، ويقول: حين يكثر الكلام تقل الطمأنينة.
كانت هذه ثلاثة عشر عاملاً ذكرتها.
يجب الانتباه إلى أن هذه العوامل هي عوامل تجريبية، ورغم أننا استفدنا من الدين والعرفان وكذلك من علم النفس، إلا أنه لا يوجد فيها أي بعد ميتافيزيقي. لا يمكننا اكتشاف صحتها إلا باختبارها. لكن في الوقت نفسه، لا يوجد إجماع على هذه المبادئ الثلاثة عشر. البعض يرى هذه القائمة أكثر من هذه البنود الثلاثة عشر، والبعض يراها أقل. لكن باعتقادي، هذه هي العوامل الثلاثة عشر التي تخلق حياة مفعمة بالطمأنينة.
.
.
1_ في الترجمة الحرفية تعني العصر الجديد، لكنها اصطلاحاً تُطلق على "أديان العصر الجديد". 2_ هذه العوامل الخمسة طُرحت في قسم الأسئلة والأجوبة رداً على السؤال الثاني. 3_ لمزيد من الدراسة حول عنف الحب يمكنكم الرجوع إلى مقالة "عنف الحب، عنف الكراهية" لنفس المحاضر، المنشورة في العدد الثالث من مجلة مدرسة في مايو 2006. 4. Theosophy مشتقة من كلمة theos بمعنى إله و sophos بمعنى حكمة..
.
.
.
.
.
.
.
.
.
الفلسفة
الأدب
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٣ تعليق
جالب بود. اما پرسش من از جناب استاد ملکیان این است . آیا این معنویتی که جناب استاد ملکیان توضیح و تشریح دادند به طور یقینی ما را به ( حقیقت) می رساند؟ مثلا بودا که طالبِ حقیقت بود اما "موحد" نبود آیا به حقیقتی راستین رسید ؟ حقیقتی که به دیگران بگوید من به (حقیقتِ وجود) خودم رسیدم و آنرا تجربه کردم. من معتقدم شخصی مانند بودا که" موحد" نبود به حقیقتِ وجودش نرسید بلکه او فقط به خودش رسید. از خود به خود رسیدن در بودا متجلی شد. حال پرسش این است،، آیا نباید انسان فراتر رود ؟ آیا باید در همین خود، بماند؟ آن چیزی که من از سخنان جناب استاد ملکیان از معنویت بدون یکتاپرستی و خداپرستی ، درک می کنم . یک (معنویتِ سرد و عاریتی ) می باشد. بر خلاف( معنویتِ گرم و اصیل ) پر شور ادیان اللهی. آن شخصی که یک موحد راستین و حقیقی است مانند انبیا و عارفان اللهی ، معنویت در آنها،، معنویتی جهت دار و حقیقت جو و راستین است. معنویتی که انسان را به( حقیقتِ وجود ) ، تقرب می دهد. زندگی" اصیل "، زندگی است که حقیقتاً انسان را به حقیقتِ وجودش تقرب دهد. زندگی که موجبِ تقربِ انسان به (حقیقت وجود) نشود نه تنها اصیل نیست بلکه یک زندگی "عاریتی "است. عرفان های کاذب نیز به نوعی در این تقسیم بندی جناب ملکیان معنویت محسوب می شوند؟! چرا که در انسان آرامش و حس خوب مقطعی به طور موقت ایجاد می کنند ولی این حسِ مقطعی دوام ندارد ، چرا که انسان را به سمت و سوی "حقیقت" رهنمون نمی کند . انسان تشنه و طالبِ حقیقت با این (معنویتِ سرد و عاریتی) سیراب نمی شود . آنچه انسان را پُر ، غنی و سرشار می کند ،، معنویتی (گرم و پرشور و اصیل) است...
با سلام. فوق العاده متن عالی و کاربردی بود. مخصوصا اینکه با مثال مطالب سخت قایل فهم شده بود. واقعا ممنونم. عالی.....
سلام من میخوام از تجربه خودم بگم که منجر شد به معنویت رو بیارم من به بن بست عقل رسیدم و به نظرم هم نیهیلیسم هم ابزودیتی هم افسردگی هم ناامیدی مقدمات خیلی خوبی برای رسیدن به معنویت هست از این جهت انسان مدرن یعنی انسانی که صرفا به عقلانیت توجه داره یک قدم به معنویت نزدیکتر هست نسبت به انسان نیمه سنتی و نیمه دین دار قرن بیست و یکم