اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يرى مصطفى ملكيان أن للعمل جوانب إيجابية وأخرى سلبية؛ من الاستغناء وتفتّح المواهب إلى خدمة المجتمع. ويوصي العمّال بأن يعذّبوا حياتهم بالالتفات إلى الجوانب الإيجابية، ريثما تُزال الجوانب السلبية.

حوار أسبوعية «آتيه نو» مع مصطفى ملكيان
في رأيي، إن العمالة، لا بمعنى العمل المطلق وذلك النوع من العمل الذي نعبّر عنه بالعمالة ويشكّل المشتغلون به شريحة اجتماعية خاصة، ولا بمعنى أن جميع البشر يعملون وبالمعنى اللغوي فكلهم عمّال أي عاملون، بل ما أعنيه هو العمالة بمعنى ذلك القسم من العمل الذي يُعبّر عنه في تصنيف المهن الاجتماعية بالعمالة؛ العمالة بهذا المعنى تنطوي على ثلاثة جوانب إيجابية للغاية وثلاثة جوانب سلبية ومؤذية. وما لم تُرفع الجوانب الثلاثة المؤذية والسلبية - ورفعها في إيران، كما في سائر بلدان العالم، ليس ميسوراً بسهولة - ينبغي على العمّال أن يلتفتوا يوماً بعد يوم ولحظة بلحظة إلى تلك الجوانب الإيجابية الثلاثة أكثر فأكثر كي تمضي حياتهم بألم ومعاناة أقل، وتكون حياتهم أكثر احتمالاً بل وأكثر حلاوة وطيباً.
العمالة: الاستغناء، البهجة، وانشراح الصدر من انعدام الانحطاطات
من بين الجوانب الإيجابية الثلاثة التي تنطوي عليها العمالة، أن على العامل أن يذكّر نفسه باستمرار بهذه الحقيقة: إنه بعمله يجعل نفسه وكل من يعيلهم في غنىً عن مساعدات الآخرين. حينما يحتاج البشر إلى مساعدة الآخرين، فإن هذه الاحتياجات المادية ذاتها تجرّ وراءها آفات نفسية جسيمة وانحطاطات أخلاقية عظيمة، لذا فإنني، أنا العامل، بعملي، وبقدر ما أستطيع، أعفي نفسي وأفراد أسرتي الذين أعيلهم من الاحتياجات المادية للآخرين، ومن مدّ يد الحاجة نحو أحد، ومن التطلع إلى ما في أيدي الآخرين. وما دمت أعفيهم من مدّ يد الحاجة نحو الآخرين والتطلع إلى ما في أيديهم، فأنا في الحقيقة بصدد إنقاذهم من آفات نفسية حادة وانحطاطات أخلاقية عظيمة. فمثلاً، أنقذهم من أن يفقدوا عزتهم وكرامتهم النفسية. أنقذهم من أن يتملقوا الآخرين ويتزلفوا لهم. أنقذهم من أن يفقدوا استقلالهم في الحياة وأن يصبح مصيرهم رهناً بهذا أو ذاك. إن التدقيق في الانحطاطات الأخلاقية العظيمة والانتكاسات الروحية والنفسية الحادة وإحصائها يحتاج إلى فرصة وتأمل أعمق، لكنني عندما أجعل نفسي وأفراد أسرتي الذين أعيلهم في غنىً بعملي، أكون على الأقل قد أنقذت الآخرين من الآفة والانحطاط، وهذا يجلب معه قدراً كبيراً من انشراح الصدر والبهجة. لو كنا نعلم كم هي قيّمة حياة تخلو من الانحطاطات الأخلاقية والآفات النفسية، لأدركنا كم ينبغي أن نكون شاكرين ومبتهجين لأننا نعمل.
العمالة: تحقيق الذات للاستعدادات الكامنة
الوجه الإيجابي الثاني هو أنني حين أعمل وأكون عاملاً، أكون بصدد تفجير استعداداتي الكامنة في داخلي. بطبيعة الحال، يعتمد هذا الاكتشاف كثيراً على مدى حبي وشغفي بالعمل الذي أزاوله. بعبارة أخرى، من المهم جداً أن يكون عملي في مجال أعشقه أو أملك فيه موهبة. لكن حتى لو لم يكن عملي هو بالضبط ذلك العمل الذي أولع به أكثر من غيره والذي أملك فيه أعظم المواهب، فإنني بالعمل على أية حال أحقق جملة من قابلياتي الوجودية وأفجّر سلسلة من استعداداتي. إن تحقيق الذات هذا (self fulfillment) أمر بالغ الأهمية. وكونكم ترون في الغرب أفراداً لا يستفيدون من تأمين البطالة، رغم علمهم بأن دخلهم منه سيكون أعلى بكثير مما هو عليه في زمن العمل والتوظيف، يعود إلى هذا الموضوع تحديداً. يكاد يكون من المستحيل في الغرب أن يستفيد شخص من تأمين البطالة حين يكون بوسعه أن ينشغل بالعمل. أحد أسباب ذلك هو أن العمل، حتى لو جلب للفرد دخلاً مساوياً لتأمين البطالة، يمنح الشخص نوعاً من تحقيق الذات لا وجود له البتة في أيام البطالة. إذن، نحن بالعمل نُظهر استعداداتنا. أي أننا لا نسمح للاستعدادات بأن تبقى في داخلنا فحسب، بل نخرجها من حالة الخفاء إلى حالة البروز. إن إظهار الاستعدادات هذا ليس بمسألة قليلة الأهمية، بل هو قيّم إلى درجة أنني أقول بصدق: لو جاء يوم وأصبح الوضع بحيث لا يوجد أي عمل يُدفع لي أجر مقابله، فإني راضٍ مع ذلك بأن أذهب وأعمل حتى لو لم يدفعوا لي أجراً. لأن نفس العمل، حتى لو لم يدفعوا أجراً، يفجّر الاستعدادات. ومن هذا المنطلق، وكما قال أحد عرفاء الألمان: إذا جاء يوم لم يعد فيه عمل يدفعون لكم مقابله أجراً، وإذا بلغ المجتمع حداً صار عليكم فيه أن تدفعوا مالاً ليعطوكم عملاً، فاذهبوا وادفعوا المال واعملوا. لأن تفجير الاستعدادات في حد ذاته هو المهم.
العمل: تغيير العالم، خدمة المجتمع والنوع البشري
النقطة الإيجابية الثالثة هي أن الإنسان بالعمل يخدم المجتمع الذي يعيش فيه بالمعنى الأخص، والمجتمع العالمي بالمعنى الأعم. لأن العمل، فضلاً عن كونه يدرّ علينا دخلاً ويفجّر استعداداتي، فهو يغيّر العالم أيضاً. في الحقيقة، العمل والتغيير مفهومان لكن لهما مصداق واحد. كل فعل يغيّر العالم، وكل ما يغيّر العالم هو من سنخ الفعل. في الحقيقة، نحن بالعمل نغيّر العالم. قد يصب العمل وتغيير العالم، في دائرة أضيق، في مصلحة مجتمعي أنا ومواطني مجتمعي وأبناء وطني، لكن على المستوى العالمي وبالنظرة الأعم، فأنا بالعمل الذي أقوم به أخدم النوع البشري أيضاً. لأنني، على أية حال، حتى لو قمت بأخفى الأعمال وأصغرها، فإن هذا العمل يمكن أن يعود بالنفع على البشرية جمعاء. افترضوا أنني أسير في زقاق، حتى لو التقطت قطعة صغيرة من القمامة وألقيتها في صندوق النفايات، فأنا في الواقع أساعد المجتمع البشري برمته. فما بالكم لو كان عملي اليومي والأسبوعي هو إحداث التغيير في العالم. هذه امتيازات كبيرة، وكلما تأمل الإنسان في هذه الجوانب الثلاثة للعمل ازداد عشقه للعمل. ولا سيما حين نواجه الجوانب الثلاثة السلبية والمزعجة للعمل. ولهذا السبب، ولكي نجعل الحياة أحلى وأطيب، يلزم أن نمارس تأملاً باطنياً في الأوجه الإيجابية الثلاثة للعمل.
العمل: مرارة الأجر الأقل من الاستحقاق
للعمال للأسف ثلاثة جوانب سلبية يرونها في عملهم. الجانب الأول هو أن يروا أن الأجر الذي يتقاضونه لا يليق بالعمل الذي يقومون به. أي أنهم يتقاضون أجراً أقل من العمل الذي يؤدونه والاستحقاق الذي ينالونه بموجب ذلك العمل. أي أن يشعروا بأنهم لا يُعامَلون بعدل. وبأي معنى نأخذ العدالة، فإن الواقع هو أن هناك احتمالاً كبيراً جداً ألا يُعامَل العامل بعدل. خاصة وأن العمال للأسف هم الشريحة "الدنيا" من المشتغلين اجتماعياً في تصنيف المهن الاجتماعية، وكلما كانوا أدنى، أي كانت لديهم قوة أقل في صنع القرارات وحل الأمور وتسويتها، ولعبوا دوراً اجتماعياً أقل. ومن الضروري طبعاً ذكر هذه النقطة وهي أنه من الناحية الأخلاقية والحكم القيمي الأخلاقي لا وجود لمثل هذا التصور عن العمال وعملهم على الإطلاق. لذلك، كلما قلت قوة العمال، زاد احتمال وقوعهم ضحية للظلم وعدم تطبيق العدالة في معاملتهم. هذا ألم ومعاناة يعاني منها العمال في كل أنحاء العالم بدرجات متفاوتة. أي أنهم يشعرون بأن حقهم لا يُؤدى وأنهم يعملون أكثر مما يتقاضون من أجر. مثل هذه الحالة تولد نوعاً من المرارة لدى العمال. في بعض المهن لا يكون الأمر كذلك أبداً، لكن في جميع أنواع العمالة المختلفة يوجد هذا الواقع المرير.
العمالة: التضحية بالحيثية الاجتماعية
وهناك واقع مرير ثانٍ، وهو أن الحيثية الاجتماعية للعمال تُقيَّم تقييماً منخفضاً من قبل سائر المواطنين في مجتمعهم. هذه المسألة منفصلة عن الأجر الزهيد الذي يُعطى لهم. على المجتمع أن يفهم أننا بحاجة إلى عامل النظافة بقدر حاجتنا إلى الأطباء، وبحاجة إلى التقني بقدر حاجتنا إلى المهندس. على أفراد المجتمع أن يعلموا أن المجتمع أشبه ببيت يحتاج إلى جميع أجزائه. بعبارة أخرى، إذا غاب أي جزء من أجزاء البيت، فإن بقية الأجزاء لا تستغني عن ذلك الجزء، وفقدان جزء واحد في البيت يحرم ويمنع جميع أجزاء البيت الأخرى من أداء وظيفتها. لذلك، إذا افتقد البيت أياً من أجزائه، لم يعد بيتاً ولا يمكن السكن فيه. وبهذا الاعتبار، إذا افتقد المجتمع أياً من حرفه ومهنه، فإنه يبقى معطلاً ويصبح بلا نظام، وعدم انتظام المجتمع لا يتوقف مطلقاً وأبداً على توقف أطبائه ومهندسيه وأساتذة جامعاته وحقوقييه عن العمل. إذا توقف العمال في أبسط المهن في أي مجتمع عن العمل، يصاب ذلك المجتمع بالاختلال. لكن هذا الموضوع ليس مفهوماً لنا جميعاً، ولهذا السبب قد يشعر العمال بأن أقل الحيثيات الاجتماعية والجاه والمقام والمحبوبية قد خُصصت لهم من بين المهن الاجتماعية. العمال، حتى مع علمهم بأن المجتمع سيصاب بالاختلال إذا توقفوا يوماً عن العمل، لا يزال لديهم هذا الشعور. أعتقد جازماً أنه إذا توقف عمال النظافة في مجتمع ما عن العمل يوماً، فإن نظام المجتمع يختل أكثر مما لو توقف فلاسفة ذلك المجتمع ومنظروه وخطباؤه ومتحدثوه عن العمل. وما لم يُفهم هذا القدر من الأهمية، فإن العمال لن ينالوا الحيثية الاجتماعية والجاه والمقام والمحبوبية التي تليق بهم، وهذا أيضاً قد يصبح منشأ ألمهم ومعاناتهم الثانية.
العمالة: إبطال الجهد وعدم وصول النفع إلى المجتمع
الوجه الثالث المؤلم والسلبي للعمالة هو أن كل عامل يشتغل بعمل واحد. فإذا أُريد لهذا العمل أن يعود بالنفع على المجتمع، فيجب ألا يُحبَط لاحقًا. بمعنى أنني لو كنتُ عاملًا مُضحّيًا لكن رؤسائي ورؤساء رؤسائي ورؤساء رؤساء رؤسائي كانوا أشخاصًا فاسدين وغير أسوياء، فإن نتيجة العمل الذي كان هدفي الأولي من إنجازه إيصال النفع إلى المجتمع تصبح مستحيلة. أي أنني مهما وظّفتُ علمي وتجاربي ومعارفي وقدراتي، فإن عملي قد أُنجز في مرحلة واحدة، لكن المشكلة هي أن هذا العمل يجب أن يُضم إلى آلاف الأعمال الأخرى كي يظهر أثره في المجتمع. فإذا ضُمّ عملي إلى أعمال آخرين يعملون في مؤسستي أو منظمتي أو شركتي أو مصنعي أو مزرعتي... وكانوا هم أيضًا يؤدون عملهم بشكل سيئ، فإن نتيجة عملي لن تصل إلى متلقي النتيجة. وفي هذه الحالة يُحبَط جهدي ويمنع أشخاص آخرون وصول نفع عملي إلى المجتمع. لا سيما إذا لم يؤدِّ رؤسائي عملهم على الوجه الصحيح. لأنني كعامل أحتاج دائمًا إلى تعاون حقيقي من فئتين: فئة هم عمال مثلي، وفئة هم رؤسائي ورؤساء رؤسائي ورؤساء رؤساء رؤسائي. فإذا وُجدت إدارة فاسدة، فإن عمل العامل وجميع زملائه العمال لا يترك آثاره على المجتمع. والسبب هو أن ثمة عوامل حالت دون تحقيق هذه النتيجة. هذه المسألة مؤلمة جدًا. افترضوا أنني عامل في مشروع لبناء سد أو في أعمال إنشائية، وأؤدي عملي على خير وجه. فإذا كان الأشخاص الذين ينبغي أن يؤدوا الأعمال ذات المستوى الأعلى في هذا السد أو المبنى لا يعملون بالمستوى نفسه من الجودة، فإن عملي وعمل آلاف العمال الآخرين الذين عملوا بجدية في هذا المشروع يذهب سدى بالكامل. هذا الوضع مؤلم للغاية. لأنني كعامل كنتُ على الأقل أُسلي نفسي بأنني أسد فراغًا وثغرة في المجتمع، لكنني حين أفهم أن الفراغ لم يُسد رغم أنني عملتُ، أواجه حينها مرارة شديدة. وذلك لأن سوء عمل الآخرين وسوء عمل مديري ورؤساء مديري حال دون سد الثغرات.
ما دامت هذه الوجوه السلبية الثلاثة قائمة، فإن السبيل الوحيد أمام العمال للحفاظ على صحتهم النفسية هو أن ينتبهوا إلى المزايا الثلاث الموجودة في عملهم، ويعلموا أن هذه المزايا الثلاث كبيرة جدًا. لكن أمنية كل إنسان أخلاقي، بل كل إنسان عاطفي، هي أن يتجه رويدًا رويدًا وبالتدريج نحو تخفيف حدة هذه النقاط السلبية الثلاث إن لم يكن بالإمكان إزالتها. لذلك، إذا لم نكن عمالًا ووقعنا في تصنيف المهن في مرتبة غير مرتبة العمال، فمن الأخلاقي أن نظهر للعمال على الأقل تفهمنا للمزايا الثلاث المهمة للعمال، كي نقلل بقدر حصتنا ونصيبنا من سلبية العمالة في نظر العمال.
.
.
.
.
.
.
الفلسفة
الفلسفة
العلوم السياسية
علم الاجتماع
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٣ تعليق
تیتر بی انصافی در حق کارگران است. به کارگر بیش از مهندس و پزشک نیازمندیم و البته بسیار بیشتر از فیلسوف.
منظورش واسه جنازه جمع کنی ست که قبلا توسط دکتر مهندس های آقازاده ای تولید شدن
با آقای علی موافق ام . نیاز به جامعه به کارگری که با وجدان کار کند و چرخ های تولید را بچرخاند، خیلی بیشتر از دکتر و مهندس و فیلسوف است. کارگری که با دست و پنجه نرم کردن با سختی ها یاد گرفته است که دارندگی در بسندگی است و بسا پزشک و مهندس و مدیر و وزیر و وکیل غوطه ور در دارندگی ها هرگز معنای داشتن در قناعت را درک نکند.