اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يدرس مصطفى ملكيان متطلبات تعليم الأخلاق والبحث فيها في إيران، ويعتبر أن معادلتين خاطئتين هما سبب تشويه الأخلاق: إحداهما الخلط بين الأخلاق والقانون لدى الأكاديميين، والأخرى الخلط بين القانون والفقه لدى رجال الدين.

الموضوع الذي حُدِّد لي كان حول المتطلبات التعليمية والبحثية لعلم الأخلاق بشكل عام في إيران المعاصرة. ولعل مرادهم من قولهم «في إيران المعاصرة» لم يكن مجرد أن كل ما يجري في العالم في مجال علم الأخلاق والبحث الأخلاقي ينبغي بطبيعة الحال أن يجد صداه في إيران أيضًا. فالأرجح أن أذهانهم كانت منصبة على أن ثمة ربما مسائل تخصنا نحن بالذات، وهي تخرج حتمًا عن شمولية ذلك الحكم الكلي حول متطلبات علم الأخلاق والبحث الأخلاقي في العالم أجمع. أنا آخذ هذا في الاعتبار؛ وإلا فإن أول متطلبات علم الأخلاق والبحث الأخلاقي، سواء في مجال التعليم أو في مجال البحث، هو بلا شك أن ننقل نحن أيضًا إلى إيران كل ما أنجزه الآخرون في هذا المجال، وأن نقوم أحیانًا بـ«التكميل» و«التصحيح» و«التعميق» و«التوسيع»، وهذا بالطبع ينطبق على كل بلد ولا يختص بنا نحن الإيرانيين. أي أن هذا القول ينطبق في كل بلد، وهو أنه من الجيد أن ينقل مثقفو ذلك البلد وذلك المجتمع الأبحاث التي أُجريت في جميع أنحاء العالم، في مجال علم الأخلاق والبحث الأخلاقي مثلًا، إلى مجتمعهم، ثم يقوموا أحیانًا بـ«التصحيح» و«التكميل» و«التعميق» أو أحیانًا «التوسيع». هذه الأعمال الأربعة يمكن القيام بها. لكن في إيراننا أيضًا، ربما ينبغي القيام ببعض الأعمال الخاصة على وجه الخصوص، وهي أعمال لا تنطبق بالضرورة على جميع مجتمعات العالم، بل تنطبق على إيران وربما على بلدان مثل إيران. هذه الأعمال ينبغي أن تُنجز. وقد دونت بضع فقرات حول هذه الأعمال أعرضها على الأصدقاء. وهي، بتعبير ما قاله الأصدقاء، متطلبات تعليمية وبحثية في آنٍ معًا.
تبيين موضوع البحث
الموضوع الذي حُدِّد لي كان حول المتطلبات التعليمية والبحثية لعلم الأخلاق بشكل عام في إيران المعاصرة. ولعل مرادهم من قولهم «في إيران المعاصرة» لم يكن مجرد أن كل ما يجري في العالم في مجال علم الأخلاق والبحث الأخلاقي ينبغي بطبيعة الحال أن يجد صداه في إيران أيضًا. فالأرجح أن أذهانهم كانت منصبة على أن ثمة ربما مسائل تخصنا نحن بالذات، وهي تخرج حتمًا عن شمولية ذلك الحكم الكلي حول متطلبات علم الأخلاق والبحث الأخلاقي في العالم أجمع. أنا آخذ هذا في الاعتبار؛ وإلا فإن أول متطلبات علم الأخلاق والبحث الأخلاقي، سواء في مجال التعليم أو في مجال البحث، هو بلا شك أن ننقل نحن أيضًا إلى إيران كل ما أنجزه الآخرون في هذا المجال، وأن نقوم أحیانًا بـ«التكميل» و«التصحيح» و«التعميق» و«التوسيع»، وهذا بالطبع ينطبق على كل بلد ولا يختص بنا نحن الإيرانيين. أي أن هذا القول ينطبق في كل بلد، وهو أنه من الجيد أن ينقل مثقفو ذلك البلد وذلك المجتمع الأبحاث التي أُجريت في جميع أنحاء العالم، في مجال علم الأخلاق والبحث الأخلاقي مثلًا، إلى مجتمعهم، ثم يقوموا أحیانًا بـ«التصحيح» و«التكميل» و«التعميق» أو أحیانًا «التوسيع». هذه الأعمال الأربعة يمكن القيام بها. لكن في إيراننا أيضًا، ربما ينبغي القيام ببعض الأعمال الخاصة على وجه الخصوص، وهي أعمال لا تنطبق بالضرورة على جميع مجتمعات العالم، بل تنطبق على إيران وربما على بلدان مثل إيران. هذه الأعمال ينبغي أن تُنجز. وقد دونت بضع فقرات حول هذه الأعمال أعرضها على الأصدقاء. وهي، بتعبير ما قاله الأصدقاء، متطلبات تعليمية وبحثية في آنٍ معًا.
أولى النقاط التي اكتسبت أهمية بالغة في إيراننا بعد الجمهورية الإسلامية، وأوجدت خلطاً والتباسات وأخطاءً جسيمة (ومهمة أمثالنا هي منع هذه الخلطات والالتباسات والأخطاء) هي أنه منذ بدايات الثورة، وخصوصاً منذ العقد الثاني للثورة حيث عُرفت فلسفة الأخلاق وعلم الأخلاق في ثقافتنا، كلما انعقدت ندوة أو مؤتمر أو ملتقى حول الأخلاق، تنشأ على الفور معادلتان خاطئتان. برأيي، تقع مسؤولية إحدى هاتين المعادلتين بشكل أكبر على عاتق أكاديميينا؛ ومسؤولية المعادلة الأخرى تتجه بالأكثر نحو رجال الدين لدينا؛ وهاتان المعادلتان تؤديان إلى تلويث الأخلاق وتشويهها وضياعها بالكلية في هذه الأثناء. مثلاً، لنفترض أن مؤتمراً أو ملتقى أو ندوةً يُراد عقدها حول الأخلاق الطبية بوصفها فرعاً من فروع الأخلاق التطبيقية. برأيي، أول ما يحدث بسبب عدم دراية أكاديميينا بخلفيات القصة هو أنه ما إن تُذكر الأخلاق الطبية حتى يتبادر إلى أذهانهم أن الأخلاق الطبية هي ذاتها الحقوق الطبية، وبالتالي في المؤتمر والندوة التي تدور حول الأخلاق الطبية تتمحور جميع النقاشات حول: هل نمنح الأطباء قانونياً حقاً معيناً أم لا؟ هل الطبيب الذي يُجري إجهاضاً يُعاقَب ويُؤاخَذ من الناحية القانونية أم لا؟ هل من واجب الأطباء شرح مرض المريض له بأدق التفاصيل أم ينبغي منعهم قانونياً من ذلك؟ أي كأن الأخلاق الطبية قد سُوّيت بالحقوق الطبية؛ أي بقوانين البلاد المتعلقة بفئة الأطباء أو ربما فئة الأطباء والممرضين وأصحاب المستشفيات والمرضى. أي أن الأخلاق تُحال وتُرجَع وتُردّ فوراً إلى الحقوق. برأيي، لطالما عجز الحقوقيون في بلادنا، وبتعبير آخر فلاسفة الحقوق، عن إقامة تمايز بين الأخلاق والحقوق. لم ينتبهوا إلى أن الحقوق والقانون هما أحد مصادر وضع المعايير الاجتماعية، والأخلاق هي مصدر آخر من مصادر وضع المعايير الاجتماعية. مصادر وضع المعايير الاجتماعية الستة هي: الحقوق، الأخلاق، الآداب والرسوم والعرف والعادات، المناسك والشعائر الدينية، علم الجمال، والبراغماتية. أي أن هذه المصادر الستة تملي علينا ما ينبغي وما لا ينبغي، لكنها ظواهر ست قد يكون بينها تبادل وتفاعل في بعض الأحيان. لكن التبادل يقع في النهاية بين موجودين لا موجود واحد. إذا كان للأخلاق تبادل مع الحقوق فمعنى ذلك أولاً أن الأخلاق غير الحقوق والحقوق غير الأخلاق. لكن، لأن هذا التمايز لم يتحقق، تتحول الأخلاق الطبية فوراً إلى حقوق طبية ومسائل قانونية متعلقة بالطب، وما إن تتحول الأخلاق الطبية إلى حقوق طبية حتى يبادر رجال الدين بالقول إن الحقوق الطبية هي ذاتها الفقه الطبي، فيرتكبون بذلك خطأً ثانياً مفاده أن الحقوق هي ذاتها الفقه.
«الحقوق» أيضاً تختلف عن «الفقه» من كل وجه تتصوره؛ فهما يختلفان من حيث «الموضوع» و«المنهج» و«الغاية». وتجربتي في هذه السنوات (وأنا شخصياً نادراً ما أشارك في مثل هذه البرامج، لأني أعرف مآل هذه المؤتمرات والندوات) هي أنك ترى كل شيء يبدأ بالأخلاق وينتهي إلى الفقه. لأن الأخلاق تُساوى في البداية بالحقوق، وهذا خطأ فادح. ثم لأننا مسلمون يظنون أن حقوقنا هي عين فقهنا. وهكذا لم نعد نجد أخلاقيات طبية، بل نجد فقهاً. ثم يحضر الفقهاء ويسردون جملة من الأحاديث (لا يُدرى ما سندها وما درجة اعتبارها) ثم تتحول قصة الأخلاقيات الطبية برمتها إلى بضعة أحاديث وأحكام فقهية؛ ونظن أن لدينا أخلاقيات طبية. لذا، فإن أول ما يخطر ببالي بشأن المتطلبات التعليمية والبحثية هو أن على الباحثين في الأخلاق أن يستطيعوا، عبر أعمالهم التعليمية والبحثية، أن يبينوا أن الأخلاق غير الحقوق، وأن الحقوق غير المناسك والشعائر الفقهية؛ كما ينبغي ألا تُخلط هذه بالآداب والرسوم والعرف والعادات الاجتماعية وأشياء أخرى. هذا العمل لم يُنجز في بلدنا، ولا يزال من العجيب عند الكثيرين أن نقول إن هذا العمل له هذا الحكم من الناحية الأخلاقية، ولكن له حكم ثانٍ من الناحية الفقهية، وله حكم ثالث من الناحية القانونية والحقوقية. يظنون أن هذه لا يمكن أن تكون لها أحكام متعددة؛ مع أننا في أحيان كثيرة، مثلاً، نعتبر عملاً ما خاطئاً من الناحية الحقوقية ولكنه صحيح من الناحية الأخلاقية. مثال ذلك: ما معنى العصيان المدني؟ العصيان المدني هو عندما أقف أنا المواطن، باسم الأخلاق، في وجه القانون. إذن يتضح أن الأخلاق والقانون يسيران أحياناً في اتجاهين مختلفين في مسألة واحدة. لو لم تكن الأخلاق غير القانون، والقانون غير الأخلاق، لما كان لظاهرة اسمها العصيان المدني أو التمرد المدني (التي دعا إليها مثلاً هنري ديفيد ثورو (Henry David Thoreau) أو رالف والدو إمرسون (Ralph Waldo Emerson) في النصف الثاني من القرن التاسع عشر في أمريكا) أي معنى أصلاً. معنى العصيان المدني والتمرد المدني هو أن المواطن يشعر أن القانون والحقوق تجبره على عمل يقول له ضميره الأخلاقي إنه ليس صحيحاً. حينئذٍ يحارب القانون باسم الأخلاق ونصرة للأخلاق وتحت راية الأخلاق ويمارس العصيان المدني. يقول: أنا لا أنفذ هذا القانون. مثل الكثيرين في أمريكا الذين يتهربون من الخدمة العسكرية ويدخلون السجن أيضاً. لو كانت الأخلاق والحقوق شيئاً واحداً لوجب أن نقول إن كان عمل هذا الشخص أخلاقياً فلا ينبغي أن يدخل السجن، وإن لم يكن عمله أخلاقياً، فينبغي أن يدخل السجن وأن يُدان من الناحية الأخلاقية أيضاً. ليس ثمة تناقض في أن نقول عن شخص يمتنع عن الخدمة العسكرية إن عمله أخلاقي تماماً لكن يجب أن يدخل السجن. لأن حكم الحقوق غير حكم الأخلاق، فالقانون جاء لشيء والأخلاق جاءت لشيء آخر. شمول الأحكام الأخلاقية يختلف عن شمول الأحكام الحقوقية. وغرض الأحكام الأخلاقية يختلف أيضاً عن غرض الأحكام الحقوقية، وقس على هذا. لذلك، أعتقد أن أول عمل ينبغي أن يُنجز في بلدنا هو أن تُفصل أحكام هذه الثلاثة، وبالطبع يجب أن يُوفى كل منها حقه. من كان متديناً ويريد أن ينفذ المناسك والشعائر الفقهية يجب أن يتضح له ما ينبغي فعله في كل باب؛ ومن يريد أن يعيش أخلاقياً فكذلك؛ ومن يريد أن يكون مجرد مواطن صالح في المجتمع (أي يريد أن يكون عمله فقط وفقاً لنص الأحكام والمقررات الحقوقية) فيجب أن يكون وضعه واضحاً تماماً. أما أن نخلطها كلها في بوتقة واحدة ونظن أن أياً من هذه الثلاثة لا يصدر حكماً مخالفاً للآخر، فهذا، في رأيي، خطأ فادح جداً ويخلق التباسات كثيرة في بلدنا.
النقطة الثانية التي توجد هي الإيضاح المفهومي لموضوعات الأخلاق لا محمولاتها. لقد ظل فلاسفة الأخلاق وعلماؤها في جميع أنحاء العالم، طيلة قرون، يبحثون ويتأملون في المحمولات الأخلاقية، أي عندما يُقال في الأخلاق «خير» أو «شر» كمحمول (لنفترض مثلاً أننا نقول الشجاعة «خير» والجبن «شر») فما هو المقصود. وبالمثل، عندما تُذكر سائر المفاهيم الأخلاقية مثل «الصواب» و«الخطأ»، و«الواجب» و«الممنوع» الأخلاقيان، و«الوظيفة» و«المسؤولية»، أو «الفضيلة» و«الرذيلة»، أو «البطولة» و«القداسة»، فما هو المقصود. هذه المفاهيم الأخلاقية تقع محمولاتٍ في القضايا الأخلاقية، ويبدو ظاهرياً أن المفاهيم الأخلاقية هي بهذا العدد؛ أي «الخير» و«الشر»، و«الصواب» و«الخطأ»، و«الواجب» و«الممنوع»، و«الوظيفة» و«المسؤولية»، و«الفضيلة» و«الرذيلة»، و«البطولة» و«القداسة». لقد أُجريت أبحاث كثيرة في الغرب حول هذه المحمولات، ونحن أيضاً، بفضل الترجمات التي أُنجزت للأعمال الأخلاقية الغربية إلى اللغة الفارسية، على دراية بها قليلاً أو كثيراً. لكن ما هو أسوأ حالاً في ثقافتنا من المحمولات الأخلاقية هو الموضوعات الأخلاقية؛ أي على أي موضوعات تُحمل هذه المحمولات. هنا يكمن اضطراب عجيب في ثقافتنا. لنفترض مثلاً أننا جميعاً نقول إن العُجب خطأ من الناحية الأخلاقية. خطؤه معلوم. لكن ما هو العُجب نفسه؟ أصلاً ما الذي يُسمى عُجباً؟ هل العُجب نوع من الاعتقاد الذي أحمله عنكم؟ مثلاً، أعتقد أني أشرف منكم جميعاً، وأرفع، وأعلم، وأكثر تفكيراً، وأكثر تفلسفاً، وأفهم؟ هل عندما أحمل هذا الاعتقاد عنكم أكون واقعاً في العُجب؟ أم أن العُجب ليس اعتقاداً، بل هو نوع من الإحساس والعاطفة التي أشعر بها تجاهكم؟ بمعنى، إذا شعرت في داخلي بالتحقير والازدراء لكم، ولم أعطكم وزناً، ولم أُقم لكم اعتباراً من الناحية الشعورية العاطفية، وكنت غير مكترث، وشعرت بأني أنظر إليكم من علٍ، وأحسست أني كلما أردت النظر إليكم يجب أن أنظر تحت قدمي، فهل يُسمى هذا الإحساس عُجباً؟ قد يقول أحدهم هذا. أو ربما العُجب نوع من الرغبة. مثلاً، رغبتي هي أن تكونوا جميعاً منقادين ومطيعين ومذعنين لي، وألا تناقشوني، وأن تتبعوني وتعتبروني فوقكم. ربما إذا كانت لدي هذه الرغبة أكون واقعاً في العُجب. أو ربما العُجب ليس من مقولة الاعتقاد، ولا من مقولة الإحساس والعاطفة والانفعال، ولا من مقولة الرغبة. ربما يُطلق العُجب على قول خاص. هل إذا استعملت معكم في قولي الخاص ألفاظاً ومفاهيم معينة أكون أمارس العُجب تجاهكم؟ أو ربما يُطلق العُجب على فعل وسلوك معين. مثلاً، ربما إذا لم أقف لكم أكون واقعاً في العُجب. أو ربما إذا لم أرد سلامكم بأحسن منه أكون مُعجَباً. أي أن العُجب نوع من الفعل. أو لنفترض أني قدمت نفسي عند دخول مجلس ما. ربما يُسمى تقديمي لنفسي عند دخول ذاك المجلس أو جلوسي في صدره عُجباً. المسألة هكذا، وهذا لا يخص العُجب فقط. الأمر نفسه بالنسبة للحسد. كلنا نقول إن الحسد عمل خاطئ. لكن ما هو الحسد؟ متى أحسدكم؟ وهكذا دواليك؛ إلى ما شاء الله من الموضوعات الأخلاقية التي نستعملها بكثرة ولكن لا نفهمها. لقد قلت مراراً إن الأمل والرجاء بالله في القرآن والإسلام محمودان جداً من الأساس. نحن نُترجم «الرجاء» بـ«الأمل»، ولكن من جهة أخرى فإن «الأُمنية» مذمومة جداً في القرآن، والتي يمكن ترجمتها إلى الفارسية بـ«التفكير بالأماني». قيل إن «الأُمنية» قبيحة؛ «لَيسَ بِأَمَانِيكمْ وَ لَا أَمَانِی أَهْلِ الْکتَابِ»؛[2] أو «وَ قَالُوا لَنْ یدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ کانَ هُودًا أَوْ نَصَارَی تِلْک أَمَانِیهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَکمْ إِنْ کنْتُمْ صَادِقِینَ».[3] «الأُمنية» أي التفكير بالأماني مذمومة جداً. «الأمل» اعتُبر محايداً، لكن «طول الأمل» خُطّئ. قيل إن الأمل الطويل عمل خاطئ من وجهة نظر الأخلاق الدينية. لنفترض أني ذهبت إلى أحد رجال الدين وقلت له إن عمري ستون عاماً وسجل حياتي في هذه الستين عاماً أسود بالكامل. أعترف أني طيلة عمري قد ظلمت وجُرت واعتديت، وانتهكت حقوق الناس و...؛ أعترف بكل ذلك. ولا أتبرأ من أي منه. ومع كل هذا، أعتقد أن الله سيغفر لي. ماذا يقول لي رجل الدين هذا؟ هل يقول: أحسنت، ما أعظم أملك بالله؟
یعنی این تلقی مرا امید به خدا تلقی میکند؟ آیا میگوید هر جنایتی هم در زندگیات مرتکب شدهای دستکم یأس از رحمت خدا نداری و امیدوار به رحمت خدایی؟ یا میگوید با این کارنامه تو آرزواندیشی؟ تو مثل یهودیانی که در قرآن تقبیح شدهاند که میگفتند: «لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَیامًا مَّعْدُودَاتٍ»[4] و خدا به ایشان میگفت: با این کارهایی که شما کردهاید چطور چنین توقع و انتظاری از من دارید که شما را یا وارد جهنم نکنم یا چند روز قلائل (قلیل) وارد کنم؟ این «امنیه» است که من دارم؟ یا ممکن است بگوید آرزویت دور و دراز و بعید است. بالأخره درباره این تلقی من، که در عین اینکه معترفم به اینکه عمری سرشار از ظلم و جفا و ستم و درد و رنج واردکردن به خودم و دیگران گذراندهام در عین حال معتقدم خدا مرا خواهد بخشود و عفو خدا بیشتر از جرم ما است و امثال آن، چه حکمی میکند؟ شما نمیتوانید پاسخ بدهید. چون در فرهنگ ما این امور اصلاً ایضاح نشده است. نه به این علت که شما علمتان کافی نباشد؛ حتی اگر شما بروید پیش اعلم علمای قم و از ایشان همین سؤال و مسئلهای را که من مطرح کردهام بپرسید و بگویید: من رجائم به خدا خیلی زیاد است؟ یا طولالامل دارم؟ یا امنیه دارم؟ با قاطعیت به شما میگویم که کسی نمیداند. میتوانید بروید از بزرگانتان بپرسید و امتحان کنید. میبینید که اینها را نمیدانند. زیرا اصلاً کسی در فرهنگ ما به این چیزها التفات نمیکرده است. در فرهنگ ما همه چیز در ابهام به سر میبرد. حرفها در نوعی مهآلودگی داد و ستد میشود و این داستان درباره بسیاری چیزهای دیگر در فرهنگ ما وجود دارد که موضوعات اخلاقی را نمیدانیم. همین دروغگفتن که به نظر میآید کاملاً وضوح مفهومی دارد در واقع ندارد. یعنی نمیدانیم دروغگفتن دقیقاً یعنی چه؛ چه برسد به چیزهایی که فراتر از آن است. مثلاً اعتماد به نفس؛ اعتماد به نفس یعنی چه؟ چه حکمی دارد؟ البته حکمش داستان دیگری است. نخست باید ببینیم اعتماد به نفس به چه میگویند؟ اینها ایضاح مفهومی نشدهاند. اینها موضوعات اخلاقیاند؛ یعنی در گزارههای اخلاقی موضوع قرار میگیرند نه محمول. گفته میشود: اینها خوباند یا بدند؟ درستاند یا نادرستاند؟ به اینها باید اتیان کرد یا نباید اتیان کرد؟ اینها فضیلتآمیزند یا رذیلتآمیزند؟ آیا انجامدادنشان وظیفه ما است؟ آیا انجامندادنشان مسئولیت ما است؟ قهرمان اخلاقی این کار را میکند یا نمیکند؟ قدیس اخلاقی این کار را میکند یا نمیکند؟ البته همه اینها را میگوییم ولی نمیفهمیم که چه کاری باید کرد. حکم غضب در اخلاق دینی چیست؟ ابهام دارد ولی ابهام حکمش به این دلیل است که خود غضب را هم نمیدانیم یعنی چه؟ ما هنوز نمیتوانیم احساسات و عواطف و هیجاناتمان را که این همه مشمول احکام اخلاقیاند بازشناسی کنیم. چون اینها اصلاً معلوم نیست. مثلاً در قرآن گفته میشود: «أَلا إِنَّ أَوْلِیاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَیهِمْ وَ لا هُمْ یحْزَنُونَ؛[5] اولیاءالله نه خوف دارند و نه حزن». اما در نهجالبلاغه در صفت متقین گفته میشود: «بُشْرُهُ فِی وَجْهِهِ وَ حُزْنُهُ فِی قَلْبِهِ» یا «بِشْرُهُ فِی وَجْهِهِ».[6] متقین از نظر علی ابن ابی طالب عالیترین مقام است؛ به قرینهای که در همین خطبه علی ابن ابی طالب راجع به متقین میگویند: «لَوْ لَا الْأَجَلُ الَّذِی کتَبَ اللَّهُ عَلَیهِمْ لَمْ تَسْتَقِرَّ أَرْوَاحُهُمْ فِی أَجْسَادِهِمْ طَرْفَةَ عَینٍ ابدا».[7] ایشان اوج تعالی انسان را توصیف میکنند و میگویند: «اگر نبود که خدا برای هر کدام از اینها سرآمد و عمر مشخصی در نظر گرفته بود ارواحشان در اجسادشان لحظهای آرام نمیگرفت. اوج میگرفت و میرفتند و میمردند. اما خدا بالأخره اجلی برایشان مقرر کرده است. همین انسانهای بزرگ را علی بن ابی طالب میگوید: «بُشْرُهُ فِی وَجْهِهِ وَ حُزْنُهُ فِی قَلْبِهِ»؛ «حزنش در دلش است و شادی و شادمانیاش در چهرهاش». پس در دل حزن دارد. این حزن با آن حزن چه فرقی میکند؟ چرا در آنجا گفته شده است: «أَلا إِنَّ أَوْلِیاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَیهِمْ وَ لا هُمْ یحْزَنُونَ»[8] ولی اینجا گفته میشود حزن دارند و در قلبشان هم هست. عمیقترین نوع احساس در اسلام به قلب نسبت داده میشود. متقی کسی است که حزنش در قلبش است. چرا؟ باز نمیدانیم «حزن» دقیقاً یعنی چه. در حالی که اینها تفکیکهایی است که در غرب به دقت هرچه تمامتر صورت میگرفته است.فعلى سبيل المثال، في فلسفة الأخلاق وبشكل أكبر في علم نفس الأخلاق، ترى في الغرب أنهم ميّزوا مفهومیاً بين «الخوف»، و«القلق»، و«الرعب»، و«الفزع». وبالتالي، لا نقع في الخلط والالتباس عند تشخيص مصاديقه. لكن هذه الأمور غير موجودة في ثقافتنا، ولا أحد يعرف هذه التمييزات أساساً. في الفضاء الإسلامي، لو سألنا أحداً: «ما هي نظرة الإسلام إلى السعادة؟» لقال: الإسلام بالطبع لا يعارض «الفرح»، لكنه يعارض «المرَح». وكأن التحدث بالعربية يحل المسألة. مثل موليير في مسرحيته البديعة جداً، التي كان ينقل فيها فلسفة العصور الوسطى المسيحية، حيث يسأل أحدهم رجل دين من العصور الوسطى المسيحية: لماذا يُنوِّم الأفيون الإنسان؟ فيجيب: لأن في الأفيون «قوة منوِّمة». حسناً، ماذا يعني هذا؟ «قوة منومة» تعني أن هناك قوة تجعلنا ننام. هذا هو السؤال نفسه، لكننا حولناه إلى العربية فحسب. هو بالطبع يقوله باللاتينية. وهذا ما يحدث في أحيان كثيرة. مثلاً، أسأل أحدهم: ما هو حكم الإسلام في شأن السعادة في نهاية المطاف؟ فيقول: «الفرح» بالطبع لا إشكال فيه، لكن الويل لـ«المرَح». وكأنهم حين يعرِّبون الكلمة يكونون قد حلوا المشكلة. لا يمكننا أن نتصور أننا نجيب عن سؤال بمجرد ترجمته إلى لغة أجنبية. ثم يقولون: وبالطبع، ما هو أسوأ من «المرَح» هو «البَطَر». في حين أننا لا نفهم لا ما هو «المرَح» ولا ما هو «الفرح» ولا «البَطَر». هذه في الواقع أعمال لم نقم بها وكان ينبغي لنا أن نقوم بها. وفي ثقافتنا تجري مثل هذه الأمور بكثرة. مثلاً، نقول: لماذا لا يُدفع غائط الإنسان عنه بلا إرادة، ويكون هذا الفعل إرادياً لديه؟ فيقولون: لأن الإنسان يمتلك «قوة ماسكة». وهذا هو نفس السؤال وقد صار عربياً. يدور النقاش حول من أين يأتي هذا الإمساك. مثلاً، نسأل: لماذا يُهضم طعام الإنسان؟ حتى أوائل القرن العشرين لم نكن نعرف ما هي العملية التي تجعل الطعام يُهضم في المعدة. لكن علماءنا كانوا يعرفون مسبقاً. كانوا يقولون: يُهضم الطعام لهذا السبب، وهو أن «القوة الهاضمة» موجودة فينا. ماذا تعني القوة الهاضمة؟ أي أن السؤال نفسه قد تحول إلى العربية. لكن المسألة لا تُحل بـ«القوة الهاضمة». ينبغي أن نرى ما الذي يجعل الطعام يُهضم في المعدة.
على أية حال، غرضي هو أن العمل الثاني الذي يبدو أنه ينبغي القيام به هو توضيح هذه المفاهيم. في رأيي، في التوضيح المفاهيمي للمفاهيم التي هي موضوعات القضايا الأخلاقية، تقسيم ساحات الشخصية والخلق مهم جداً. إذا قبلنا هذا التقسيم بأن كل ما يجري في ساحة شخصيتي وخلقي يندرج في إحدى المقولات الخمس: «الاعتقاد»، و«المشاعر والعواطف»، و«الرغبة»، و«القول»، و«الفعل»، ثم نحدد بداية كل موضوع من الموضوعات الأخلاقية التي نصدر بشأنها أحكاماً أخلاقية إلى أي من هذه الساحات الخمس ينتمي، فسيكون هذا التقسيم مفيداً جداً في التوضيح المفاهيمي. مثلاً، هل العُجب يتجه إلى ساحة اعتقاداتنا، أم هو مشاعر وعواطف خاصة إذا نشأت فيّ أكون حينها معجباً بنفسي؟ أم هو مثلاً رغبة خاصة؟ أم هو طريقة قول خاصة؟ أم طريقة فعل خاصة؟ هذا التقسيم الخماسي لساحات شخصيتنا وخلقنا مفيد جداً للتوضيح المفاهيمي لموضوعات القضايا الأخلاقية. من الأفضل قبل أن نسأل عن شيء ما ما هو الحكم الأخلاقي الإيجابي أو السلبي الذي يصدر بشأنه، أن نسأل ما هو نوعه أصلاً؟ إلى أي من هذه المقولات الخمس ينتمي؟ أحياناً قد يكون موضوع أخلاقي مرتبطاً بساحتين. مثلاً، قد يدعي شخص أن الحسد يرتبط بساحتين من ساحات وجود الإنسان؛ يرتبط بساحة المشاعر والعواطف ويرتبط أيضاً بساحة الرغبات؛ أي أنني منزعج من تنعمك بالنعمة، وهذا يتعلق بساحة مشاعري وعواطفي؛ وأريد أيضاً أن أنقص من ثروتك بشكل ما. أي أن لدي رغبة أيضاً. ليس من المستبعد ألا تنتمي بعض هذه الموضوعات الأخلاقية إلى ساحة واحدة فقط بل تنتمي إلى ساحتين؛ كما هو الحال في العشق، الذي ورد في القرآن بتعبير «الحب» و«الود»، حيث يعتقد البعض أن العشق لا يتعلق بساحة واحدة فقط من ساحات وجودنا. هو نوع من المشاعر والعواطف ونوع من الرغبة. حتى أن البعض قالوا إن القول والفعل يدخلان أيضاً في مفهوم العشق ذاته. عندما نعشق شخصاً ما، نكن له مشاعر وعواطف خاصة نعبر عنها بعنصر الشغف (passion). الشغف من مقولة المشاعر والعواطف. العنصر الثاني للعشق هو المَحْرمية والحميمية (intimacy) وهي رغبة لدي من معشوقي. وله عنصر ثالث هو التعهد والالتزام (commitment) وهو من مقولة القول والفعل. إذا قبلنا أن العشق مركب من ثلاثة عناصر هي «الشغف» و«الحميمية والمَحْرمية والشفافية» وعنصر «الالتزام»، فهو في الواقع يتعلق بساحاتنا الثلاث، وتركيب من هذه الثلاثة هو ما يجعلني مؤهلاً لأن يُطلق علي لقب «عاشق» أو يسلبني هذا التأهيل. غرضي هو أن هذه الأعمال يجب أن تُنجز في ثقافتنا وهي لم تُنجز بعد، وأكثرنا يكرر فقط الكلام العام ولا يفهم ماذا يجب أن نقول تحديداً للمخاطب الذي يسألنا.
كما يعلم الأصدقاء أفضل مني، ظهرت ثلاثة مذاهب كبرى في الأخلاق على مر التاريخ:
هذه المدارس الثلاثة الكبرى موجودة. وفي رأيي الشخصي، حصر هذه المدارس الثلاثة عقلي وليس استقرائياً. وبالطبع لست متعصباً لهذه النقطة. ففي نهاية المطاف، لدينا هذه المدارس الثلاثة حتى الآن، حتى لو كان حصرها استقرائياً لا عقلياً. في ثقافتنا، بأيٍّ من هذه المدارس الثلاثة ترتبط الأخلاق؟ أي هل الأخلاق الإسلامية مثلاً واجبةٌ أم غائيةٌ أم فضيلية؟ نرى في نصوصنا الدينية والمذهبية المقدسة، أي في الكتاب والسنة، وفي آثار علمائنا الدينيين كالمتكلمين وعلماء الأخلاق والفلاسفة والعرفاء، تشتتاً مذهلاً في هذا الباب. نرى أحياناً آياتٍ وأحاديثَ يبدو أن الأخلاق الواجبة هي محط الاهتمام فيها. وأحياناً نرى آياتٍ ورواياتٍ يبدو أنها تؤيد الأخلاق الفضيلية، وأحياناً أخرى الأخلاق الغائية. هذا سارٍ وجارٍ في مجمل ثقافتنا. وقد تسببت هذه المسألة في أننا، نحن المسلمين، كلما اقتضت مصالحنا أيَّ واحدٍ من هذه الثلاثة قبلناه. أي أن قبولها رهنٌ بما تقتضيه مصلحتي، ولا نعلم أن هذه الثلاثة لا يمكن الجمع بينها، أو على الأقل لا يمكن الجمع بين رواياتها الحالية. مثلاً، من الأمور التي تُقال دائماً في علم الكلام والفقه وأصول الفقه لدينا هي أن أوامر الله ونواهيه تابعة للمصالح والمفاسد الواقعية. أي إذا قيل إن فعلاً ما حَسَنٌ أو قبيحٌ فإن آثاراً ونتائج واقعية تترتب عليه. هذه النظرة تقترب كثيراً من الغائية؛ وكأن الأمر في الواقع إنما يُقال عن فعلٍ ما إنه صواب أو خطأ، وحَسَنٌ أو قبيحٌ، باعتبار عواقب الأفعال. وأحياناً لدينا تعابيرُ يبدو أن أصالة النتيجة فيها خاطئة تماماً ويجب فقط النظر إلى الفضيلة؛ أي يجب النظر إلى باطن الفاعل. مثلاً، هناك حديث مشهور جداً نقله الثقلان. قيل إنه قبل الهجرة، ذهب رجلٌ مكيٌّ إلى المدينة. فرأى هناك فرقاً كبيراً في الأسعار بين مكة والمدينة. فقال: من الجيد أن نشتري بضائع رخيصة من مكة ونأتي بها إلى المدينة ونبيعها هنا ونحصل على متعة مالية وفيرة. كما أنه خطب امرأةً فقالت له تلك المرأة: هواء مكة الخشن لا يناسبني؛ إن أتيت إلى المدينة وسكنت فيها تزوجتك، وإلا فأنا لست ممن يأتون إلى مكة. ثم لما وقعت قصة الهجرة، قال هذا الرجل في نفسه: «ما أحسن هذا! أنا الآن أهاجر فأُحسَب في عداد المهاجرين، وتتيسر لي التجارة التي كنت أفكر فيها، ويتم الزواج الذي كنت أريده». قيل في الأحاديث إنه في اليوم الأول، على ما يبدو للإقامة التي توقفوا فيها، خطب رسول الله وذكر أموراً منها تلك الجملة المشهورة جداً: «من هاجر إلى الله ورسوله فقد هاجر إلى الله ورسوله، ومن هاجر إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه. إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى»؛ من هاجر إلى الله ورسول الله فقد هاجر إلى الله ورسول الله، ومن كان يهاجر لمتاع الدنيا أو للزواج فقد ذهب وراء ذلك؛ ملاك العمل هو نية العمل، وكل واحد منكم له ما نوى فقط. النية الحسنة تؤدي إلى العمل الحسن والنية السيئة إلى العمل السيئ. يبدو أن هذا فضائليٌّ جداً. وفي القرآن أمثلة كثيرة يُشار فيها إلى باطن الفاعلين. المنافق والمؤمن كلاهما متشابهان من حيث القول والفعل. لكن لما كان لهما باطنان مختلفان، يخضعان لنوعين من التقييم الأخلاقي بشأن عملهما، وإلا فإن قول المنافق وفعله عين قول المؤمن وفعله. لو لم يكن عين المؤمن لما كان منافقاً. إنما يكون منافقاً حين يمثل دور المؤمن ولكن في باطنه شيء آخر. وفي الإسلام توجد الأخلاق الواجبة أيضاً. حين يُقال «حلال محمد حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة» فلم يعد للأوضاع والأحوال والعواقب شأن. ما كان حلالاً فهو حلال، سواء ترتب عليه أثر إيجابي أم لا. والحرام حرام. هذا غير الغائية التي تقول إن الكذب ليس فيه قبح أصلاً؛ أي إن الكذب باعتبار آثاره ونتائجه يكون قبيحاً أحياناً وحسناً أحياناً. إن ولّد خيراً أكثر من الشر كان حسناً، وإن ولّد شراً أكثر من الخير كان قبيحاً. أي إنه في الواقع، باعتبار الغائية، لا حكم خاصاً لأي فعل خاص قط. يجب فقط النظر إلى عواقبه؛ العاقبة الحسنة الأكثر تجعل الفعل صواباً والعاقبة السيئة الأكثر تجعل الفعل خطأ. ترون في ثقافتنا وكذلك في كتبنا الأخلاقية أن الأحكام من كل مقولة من هذه المقولات الثلاث. أحياناً يلفتون انتباهنا إلى الآثار والنتائج؛ فيقولون: اعلم أنك إن فعلت هذا الفعل صار كذا، وإن فعلت ذاك الفعل صار كذا. هذا التشتت موجود في ثقافتنا.
أعتقد أنه ينبغي لنا، مرة واحدة وإلى الأبد، أن نصنع أولاً بأنفسنا من هذه المدارس الثلاث التي هي بمثابة ذرات المدارس تركيباً جزيئياً قابلاً للدفاع عنه، ونقول إننا ندافع أساساً عن هذا التركيب الجزيئي، ثم نقول إن ثقافتنا الدينية تشير أيضاً إلى هذا التركيب الجزيئي نفسه، فتتحدث هكذا تارة وتلك تارة أخرى. وإذا ما تبين لنا أن مزج هذه المدارس الثلاث معاً لا ينتج تركيباً جزيئياً منسجماً، واضطررنا إلى اختيار واحدة من هذه الثلاث، فعندئذ ينبغي أن نقوم بمراجعة شاملة في الأخلاق؛ سواء في أخلاق أولياء الدين أو في أخلاقنا نحن على امتداد الثقافة. ينبغي أن نقول إن كانت مدرستهم هي هذه فذلك السلوك منهم لم يكن صحيحاً؛ وإن كانت مدرستهم في الأخلاق هي تلك فذلك السلوك منهم لم يكن صحيحاً؛ وفي النهاية لا بد أن يكون الحكم قائماً على معيار ومقياس. إن نتيجة انعدام المعيار والمقياس هي أنهم حتى في فضاء السياسة يلوذون بواحدة من هذه المدارس الثلاث لمصلحتهم الخاصة. يتضح من أقوال سياسيينا وردود أفعالهم أنهم يريدون أن يأخذونا بالمدرسة الأخلاقية الفلانية أو المدرسة العلانية. وفي عالم الاقتصاد الأمر سيان. ففي سوق طهران نفسه ترى تجارنا المتدينين المتظاهرين بالقداسة يتصرفون، تبعاً للموقف الذي يجدون أنفسهم فيه، على نحو تارة وعلى نحو آخر تارة أخرى. لأن كل واحد من هذه الأنحاء يجد له سنداً في ثقافتهم. وفي ثقافتنا نحن عامة الناس، ممن لا نملك قوة سياسية ولا قوة اقتصادية، ونعيش نوعاً من حياة المواطنة من الدرجة الثانية، نتصرف بالطريقة نفسها في تعاملنا بعضنا مع بعض. أعني أنني عندما أتنازع معك على شيء ما، فبحسب ما تكون مصلحتي في ذلك الموقف في أي من هذه المدارس الثلاث، أتبنى تلك المدرسة؛ لكن في يوم آخر عندما أتنازع مع شخص آخر أتبنى مدرسة أخرى. هذا في نظري نوع من الفصام الأخلاقي السائد بيننا، ولا بد من أن يزول. في نهاية المطاف، ما هو موقف ديننا من الأخلاق؟ وما هو الموقف الذي نعتبره نحن قابلاً للدفاع عنه في الأخلاق ونريد أن نتبناه؟ تبعاً لكون المرء يريد أن يعيش حياة فيلسوفية أو حياة مؤمنة متدينة، سيكون موقفه مختلفاً.لقد استخدمت كتب الأخلاق المؤلَّفة في الثقافة الإسلامية أربعة مناهج. وقد أُلِّف في كل هذه المناهج ما شاء الله من الكتب والرسائل والموجزات في ثقافتنا. وهذه المناهج هي:
نحن نمتلك هذه الأنواع الأربعة من الأخلاق في ثقافتنا استقرائيًا. ولدينا أيضًا رسائل أخلاقية كثيرة. مثلًا، الغزالي رغم أنه في إحياء علوم الدين وأيضًا كيمياء السعادة يروج لأخلاق عرفانية تمامًا، إلا أن هناك رسالة منسوبة إليه اسمها نصيحة الملوك وهي من الناحية الأخلاقية براغماتية تمامًا. أو مثلًا الأدب الوجيز للولد الصغير له نظرة أخلاقية براغماتية تمامًا. مثلًا يقول: «يا ولدي الصغير! هل تريد أن تكون ناجحًا في حياتك وأن تستطيع الزواج جيدًا؟ أو مثلًا أن تصبح ثريًا؟ إذا أردت ذلك فافعل هذه الأمور. هذه براغماتية وتقرب الأخلاق إلى حد ما من الأخلاقيات (Ethics) إلى الإتيكيت. في الواقع كأنها أخلاق معاشرة، ولربما ليست أخلاقًا بالمعنى الدقيق للكلمة. غرضي هو أن هذه الفئات الأربع قد خلقت أيضًا تشتتًا في ثقافتنا، ونحن لا نزال لا نعرف ماذا نفعل. بيننا من يستحسن الأخلاق العرفانية ومن يستحسن الأخلاق الفلسفية. وآخرون الأخلاق النقلية والتعبدية. طبعًا، هيمنة الفقه على حوزاتنا العلمية منذ مطلع العصر الصفوي فصاعدًا (والذي هو برأيي أكبر بلية على العالم الشيعي، هذه الحكومة الصفوية) جعلت أخلاقنا تكتسب طابعًا أخلاقيًا نقليًا أكثر. لكن على أي حال، هذه الثقافات المختلفة، مثلًا أخلاق الفتوة والمروءة، التي هي فرع من الأخلاق العرفانية، مهمة جدًا وذات معنى كبير بالنسبة لنا، ولذلك نحن نمجد ذلك 'الداش مشدي' الذي يصخب ويثير الشغب لكنه لا يعتدي على ناموس أحد. يشرب خمره أيضًا لكننا نقول: هذا الشخص نفسه، بكل هذه الصفات، لو أردت يومًا أن أسافر فسأودع ابنتي عنده بالتأكيد. هذا أمر مثير للرغبة الشديدة لدينا؛ نوع من أخلاق الفتوة والفتيان التي هي فرع من الأخلاق العرفانية. على أي حال، أخلاقنا هكذا وفيها تشتت من هذه الناحية. خلق الانسجام بين هذه الأنواع الأربعة من الأخلاق، إذا كان علينا أن نخلق انسجامًا، يتطلب عملًا بحثيًا جادًا للغاية. أعتقد أن في كل واحدة من هذه الأخلاق الأربع نقاط قوة ونقاط ضعف. من الجيد في الأخلاق التي نمتلكها ألا تضيع نقاط قوة أي من هذه الأنواع الأربعة، وألا تكون فيها نقاط ضعف أي منها. وهذا أيضًا أحد الأعمال التي ينبغي إنجازها.
المهمة الخامسة التي ينبغي أن نقوم بها في بلدنا هي ما اصطُلح على تسميته بـ«الأخلاق التطبيقية». وبالطبع، فإن تعبير «الأخلاق التطبيقية» أو «العملية» (Practical Ethics/ Applied Ethics) ليس تعبيراً موفقاً بمعنى من المعاني. لأن الأخلاق في جوهرها تتعامل دائماً مع الفعل، وليس لدينا أخلاق غير تطبيقية. فهل يُعقل أن تكون هناك أخلاق غير تطبيقية؟ جميع الأخلاقيات معنية بالتطبيق والفعل. لكن على أية حال، ورد هذا المصطلح في المؤلفات المنشورة في الغرب، وقمنا بترجمته إلى «الأخلاق التطبيقية». جميع الأخلاقيات تطبيقية، لكن المقصود بالأخلاق التطبيقية هو «الأخلاق الخاصة» التي تختلف عن «الأخلاق العامة». لدينا مجموعة من الأحكام الأخلاقية العامة؛ كقولنا مثلاً: «ينبغي على كل إنسان أن يصدق»، و«ينبغي على كل إنسان أن يكون متواضعاً»، و«ينبغي على كل إنسان أن يتحلى بالأمانة»، و«ينبغي على كل إنسان أن يؤدي الأمانة لا أن يخونها»، و«ينبغي على كل إنسان أن يفي بعهده»، وأمثال ذلك. عادةً، الأخلاقيات التي يبتلى بها جميع البشر، رجالاً ونساءً، فقراء وأغنياء، متعلمين وغير متعلمين، حضراً وبدواً، في كل مكان وزمان وحال، والتي تكون مشتركة ومتداولة بيننا جميعاً، لا تُسمى «أخلاقاً تطبيقية». أما الأخلاق التي يبتلى بها البعض بسبب وضع خاص يعيشونه ولا يبتلى بها آخرون، فعادةً ما تُسمى «الأخلاق التطبيقية» أو «الأخلاق العملية». وبناءً على استقراء قمت به شخصياً، يمكن تقسيم الأخلاقيات التطبيقية والعملية إلى خمسة أقسام:
كان هذا أيضًا استقراءً نحن في أمسّ الحاجة إليه اليوم.
المجال الأخير هو البحث في النصوص الأخلاقية الكلاسيكية. الكتب الأخلاقية المترجمة إلى اللغة الفارسية، سواء في الأخلاق النقلية أو التحليلية، أو الأخلاق المعيارية، أو ما يسمى بالأخلاق التطبيقية والعملية، لا تتجاوز كتابين أو ثلاثة كتب أخلاقية كلاسيكية، ونحن لا نطّلع على هذه الآثار. عادةً، الكتب الأخلاقية المترجمة في المجالات المختلفة ليست من الآثار الكلاسيكية. لدينا من الآثار الكلاسيكية نقد ميتافيزيقا الأخلاق لكانط، بترجمتها اللائقة طبعًا، والأخلاق النيقوماخية لأرسطو، والأخلاق لهيوم. لكن الآثار الأخلاقية الكلاسيكية لم تُترجم. يبدو أن هذا العمل ضروري جدًا أيضًا.
كانت هذه هي النقاط والمجالات التي خطرت ببالي.
والسلام
سؤال: مباحث الحكمة العملية لديكم مثل العيش في الحاضر، والحياة الأصيلة وغيرها، ما الفرق بينها وبين الأخلاق التطبيقية؟
جواب: إنها ليست أخلاقًا تطبيقية بمعنى أنها وُضعت للجميع. لأن العيش في الحاضر، طبعًا مع قيوده وشروطه، يُوصى به لجميع البشر. ولا يختص بمهنة أو حرفة معينة. لذلك، فإن ما يندرج تحت عنوان «الحكمة العملية» لا يبدو أنه جزء من الأخلاق التطبيقية بهذا المعنى. طبعًا، كما قلت، أنا لا أستسيغ تعبير «الأخلاق التطبيقية» أصلًا. يجب أن نقول إن الأخلاقيات على نوعين: أخلاقيات خاصة وأخلاقيات عامة. وإلا فلا توجد أخلاق إلا وهي تطبيقية. أليست الأخلاق علمًا عمليًا؟ كل الأخلاقيات المعيارية تطبيقية؛ لكن لدينا أخلاق معيارية عامة وأخلاقيات معيارية خاصة.
سؤال: لماذا تهتمون بالحكمة العملية أكثر من فروع الأخلاق التطبيقية؟
جواب: هناك أسباب مختلفة لهذا. أحدها أنني لست ملمًا بتلك الأجزاء. وثانيها أنه ليس عليّ أن أقوم بكل الأعمال. هل أستطيع أنا وحدي القيام بكل الأعمال؟ المعذرة. يُحكى أن شخصًا كان مثليًا. كان يقبّل كل فتى جميل يراه. قالوا له: لا تفعل هذا، ليس صحيحًا. قال: هؤلاء من ذرية رسول الله. أعرف ذلك من سيماهم. وأنا أقبلهم حبًا برسول الله. فذهبوا وأحضروا له سيدًا صحيح النسب وله شجرة أنساب، لكنه كان قبيحًا جدًا وسيئ الهيئة، وقالوا: هذا قطعًا من ذرية رسول الله. فقال: «نعم. لكن ليس عليّ أن أنال كل ثواب العالم. قوموا أنتم أيضًا بعمل ما في هذا العالم».
سؤال: ما هو تكليف عامة الناس في الأخلاق التطبيقية؟ بمعنى، هل يجب عليهم بالضرورة أن يجتهدوا اجتهادًا أخلاقيًا بأنفسهم في المسائل الأخلاقية، أم يقلدوا كبار فلاسفة الأخلاق، مثل بيتر سنجر؟
الجواب: لا هذا ولا ذاك. لا ينبغي لهم أن يقلدوا ولا أن يفعلوا كل شيء بأنفسهم. أعتقد أن عليهم أن يفعلوا ما نفعله في سائر المسائل. ماذا نفعل في المسائل الأخرى، غير الأخلاق؟ حين نريد اتخاذ قرار نستشير بضعة أشخاص. وإذا ما تعارضت المشورات، نرجع إلى عقلنا لنقرر أي هذه الاقتراحات نقبل وأيها ننفذ عملياً. الأمر هنا سيان. ليس في المسألة تقليد. في نهاية المطاف تُعرض علينا وجهات نظر أخلاقية مختلفة، فنأخذ بما يستحسنه عقلنا منها. لكن السؤال ذكر «عامة الناس»؛ ولعل المقصود بعامة الناس أولئك الذين لا يستطيعون القيام بهذه الأمور ولا يملكون الفرصة لذلك. إذا أردنا أن نحكم بواقعية، فهم يرثون أخلاقياتهم أيضاً؛ شأنها شأن سائر الأشياء، ولا ينبغي لأحد البتة أن يقرر لهم ما يفعلون. إن ورثوا إرثاً أخلاقياً حسناً عاشوا حياة أخلاقية حسنة. وإن ورثوا إرثاً أخلاقياً سيئاً عاشوا حياة أخلاقية سيئة. إنهم في الواقع يعيشون عبر تقليد الأسلاف وعظماء القوم والأجداد والتعبد لهم. أما الطريقة الصحيحة فهي بالطبع ما ذكرته. ينبغي أن نتعرف على هذه الوجهات المختلفة، ثم نرجع إلى عقلنا ونرى أيها يبدو لنا أكثر قبولاً؛ فنعمل به؛ أما التقليد فلا.
السؤال: ما سبب عدم اهتمام العظماء وحتى الأئمة أنفسهم بإزالة الغموض الأخلاقي؟ حتى الرواقيون والإغريق لم يولوا عادة اهتماماً بالإيضاح المفهومي.
الجواب: لا أعلم لماذا لم يفعلوا ذلك، لكن ما أعلمه هو أن هذا العمل لم يتحقق في ثقافتنا. والدليل على ذلك تفاسير القرآن وكتب الأخلاق التي أُلفت؛ فهي لا تخبرنا إلا أن «الأمنية» سيئة، مطلقاً؛ و«الرجاء بالله» حسن، مطلقاً؛ و«الأمل» محايد لكن «طول الأمل» سيئ. أما ما الفرق بين هذه الأمور فليست مسألة حظيت باهتمامهم. الأمل هو الرغبة، والرجاء هو الأمل، والأمنية هي التفكير القائم على الرغبة. لو سألنا ما الفرق بين «الرغبة» و«الأمل» و«التفكير القائم على الرغبة»، فإن ترجمتها إلى الفارسية لا تحل المسألة. لأنه لا فرق بينها، ولا ينحل شيء بتغيير اللفظ. أما بخصوص لماذا لم يقم الأئمة والعلماء بهذا العمل، فعلي أن أقول إنني لا علم لي بشأن الأئمة. أما العلماء فلعلهم كانوا مشغولين بأعمال أهم!
السؤال: ما الإشكالات المحتملة للتلفيق الجزيئي بين المدارس الأخلاقية؟
الجواب: الإشكال المحتمل والمهم جداً هو أن ينشأ فيه عدم اتساق (inconsistency)؛ أي أن تتعارض أجزاؤه ويحدث بينها تضاد أو تناقض أو تعارض. قد يقع أحد هذه الأنواع الثلاثة من عدم الاتساق. لا أقول إنه من غير الممكن أن ينشأ أي تركيب جزيئي دون عدم اتساق، لكن عادة حيثما تمت هذه التركيبات نشأت حالات من عدم الاتساق بين أجزائها؛ عدم اتساق من قبيل التناقض أو التضاد أو التعارض. في رأيي، أفضل عمل هو توفير نوع من التركيب المتسق (consistent). لأنه لا توجد أي من هذه المدارس الأخلاقية الثلاث إلا ولها نقاط قوة ونقاط ضعف. لو أمكن خلق تركيب متسق وتلفيقي لكان ذلك ممتازاً حقاً. أحياناً بُذلت جهود، فقال البعض مثلاً إن مذهب الفضيلة يمكن تلفيقه مع مذهب النتيجة. وقال آخرون إن مذهب الواجب يمكن تلفيقه مع مذهب النتيجة. بُذلت جهود خصوصاً في القرن العشرين، لكنها عادة ما أسفرت عن حالات من عدم الاتساق. قال النقاد إن هذا الجزء من هذا الفكر لا يتسق مع ذاك الجزء من ذاك الفكر الآخر. مثلاً، بعض القائلين بآراء ديفيد روس، خصوصاً الحدسية (من الناحية المعرفية) ومذهبه في الواجب، والذين أرادوا في الوقت ذاته أن يحوزوا فوائد مذهب النتيجة، لم يوفقوا في التلفيق بين مذهب الواجب عند روس ومذهب النتيجة عند جيرمي بنثام. تتم مثل هذه الأعمال لكن ينبغي الانتباه إلى أن المثل الأعلى هو التمكن من توفير مجموعة تملك نقاط قوة الجميع وتخلو من نقاط ضعف أي منها، وطبعاً فإن الشرط الأول لمثل هذه المجموعة هو أن تكون متسقة.
السؤال: بالنظر إلى أن الدين هو الذي طرح أساساً الكثير من الموضوعات الأخلاقية، ما هو المصدر الموجود لتعريف الموضوعات الأخلاقية غير الدين؟
الجواب: لا أفهم كيف أن الدين هو من طرح الموضوعات الأخلاقية. يمكن القول إن الدين يصدر حكماً أخلاقياً منفصلاً حول موضوع أخلاقي معين، والفلسفة، أي الأخلاق الفلسفية، تصدر حكماً آخر. لكن الدين لا يُعرِّف الموضوعات الأخلاقية. الموضوعات الأخلاقية هي أحد هذه الأمور: أفعالي الإرادية، أفعالي الاختيارية، أفعالي الإرادية الاختيارية، أحوالي النفسانية، شخصيتي وسجيتي و... . هذه هي موضوعات الأحكام الأخلاقية، وليس بيد الدين صنعها. الدين لا يستطيع سوى أن يحمل عليها أحكاماً. مثلاً، قد يُعتبر الربا خاطئاً في نسق أخلاقي ديني، وصحيحاً في نسق أخلاقي آخر. هذا في الحكم فقط. أما أن الدين هو من صنع موضوع الأفعال الإرادية أو الاختيارية أو الأحوال النفسانية لنا معشر البشر، فلا أفهمه. طبعاً، هناك أمر واحد، وهو أن هناك نقطة تحظى بالاهتمام في سيكولوجيا الدين، وهي أن هناك بعض الحالات النفسانية التي لا تنشأ لدى الشخص أصلاً ما لم يدخل في حيز الدين. مثلاً، ما لم تكن في حيز الدين، فلا معنى لشيء اسمه الإيمان. الإيمان لا ينشأ إلا في الحيز الديني. لكن هذا أيضاً لم يوجده الدين. إذا دخلنا في فضاء العرفان، تنشأ فينا سلسلة من الحالات النفسانية التي يمكنها بالطبع، من حيث الصحة والخطأ، أن تخضع للأحكام الأخلاقية أيضاً. وإذا دخلنا في فضاء الإيمان، تنشأ فينا سلسلة أخرى من الأحوال النفسانية التي يمكن أن تخضع للأحكام الأخلاقية. لكنني لا أدرك كيف يمكن للدين أن يصنع موضوعاً.
السؤال: ما هي برأيكم الخلفيات اللازمة لتحقق الأخلاق في المجتمع؟
الجواب: ليس عاملاً واحداً فقط. هناك عدة عوامل تجعل قوماً، في بلد أو مجتمع أو حقبة تاريخية، يعيشون حياة أكثر أخلاقية من غيرهم من الناس. ليس الأمر أن أقول إن هناك عاملاً واحداً يقوم بهذا العمل. هناك عوامل شديدة التعدد والتعقيد لم أقم باستقرائها أصلاً ولا أعرف عنها شيئاً.
السؤال: نشر ديريك بارفيت (Derek parfit) في عام 2011 كتاباً مهماً بعنوان On what matters، وقد عمل عليه ثلاثين عاماً. وقد بذل فيه جهداً جديراً بالمشاهدة ليبين أن ثلاث مدارس أخلاقية (الكانطية، والنتيجية، والتعاقدية) تنتهي من ثلاثة مسارات إلى نتيجة ومنهج واحد. هل قرأتم هذا الكتاب؟ وإن كنتم قد قرأتموه، فما رأيكم فيه؟
الجواب: لم يقل هذا في كتابه هذا. هو يقول فقط إننا، أيّاً كانت هذه المدرسة الأخلاقية من بين الثلاث التي نتبناها، فإننا نصل إلى سلسلة من الأحكام تشكل قاسماً مشتركاً بينها جميعاً، ويسميها الأخلاق الشائعة (Common Morality). هذا صحيح، سواء كانت لديك أخلاق فضيلية أم نتيجية أم واجبية، فإنك تصل إلى سلسلة من الأحكام المشتركة، وهذه هي ذاتها ما نسميه universal morality, universal ethics, common morality أو global ethics. كم عددها؟ لقد قال إعلان الأخلاق العالمية شيئاً بخصوص عددها؛ وقال بويمان، الباحث الإنجليزي، عدد هذه الأخلاقيات المشتركة بشكل آخر؛ وقال غنسلر في كتبه ومقالاته شكلاً آخر. لقد قال كثير من الأشخاص عدداً يشكل القاسم المشترك والمخرج المشترك لجميع المدارس الأخلاقية. ويؤكد بارفيت في كتابه هذا على هذه النقطة كثيراً. لكن هذا يختلف عن القول بأنها انطلقت من ثلاثة أماكن ووصلت إلى مكان واحد. لم تصل إلى مكان واحد. هناك فقط عناصر مشتركة فيها، ولكن ما إن ننتقل من هذه العناصر المشتركة نحو العناصر غير المشتركة، حتى تنشأ بينها خلافات لا حصر لها.
السؤال: في مجتمعنا، الذي يبدو أنه يواجه قصوراً نظرياً وعملياً في الأخلاق، هل انتشار مباحث فلسفة الأخلاق على نحو عام، والذي يثير في الأذهان شبهة نسبية الأحكام الأخلاقية، هو في صالح المجتمع ومصلحته؟
الجواب: أولاً لا أعتقد أنه يمكن القول إنه كلما ازداد رواج فلسفة الأخلاق ازدادت النسبية الأخلاقية رواجاً. ليس الأمر كذلك على الإطلاق وبأي حال من الأحوال. لدينا فلاسفة أخلاق جادون للغاية يدافعون عن إطلاقية الأخلاق؛ أي أنهم مطلقون أخلاقياً. لذا لا يمكن القول مطلقاً إن النسبية الأخلاقية تسير بالتوازي مع نمو فلسفة الأخلاق. لطالما وُجد النسبيون الأخلاقيون، كما وُجد المطلقون الأخلاقيون، وليس صحيحاً البتة أن النسبية الأخلاقية هي التيار السائد (mainstream) في فلسفة الأخلاق. لا يزال هناك فلاسفة أخلاق جادون للغاية يدافعون عن المطلقية. وإن كانت هناك سلسلة من الأمور الأخرى التي قد تدفع الناس، عبر مسار نفسي لا منطقي، إلى القول بالنسبية الأخلاقية. وبالطبع لا أعني أن كل من يقول بالنسبية الأخلاقية قد مر بالضرورة بمسار نفسي. فلربما انتهى بعضهم إلى النسبية الأخلاقية بالاستدلال، كما أن بعضاً في الطرف الآخر قد دُفعوا إلى المطلقية الأخلاقية بالاستدلال. لكن ما أريد قوله هو أن هذه النسبية الأخلاقية لدى عامة الناس في مجتمع ما، ولدى جيلنا الشاب اليوم مثلاً، ليست نتاج دراسات وتفكر. ليست حصيلة قراءة الاستدلالات المؤيدة والمعارضة حتى يصلوا إلى هذه النتيجة. إنها سلسلة من الأمور الأخرى التي تجعل الناس، وخصوصاً الجيل الشاب، ينجذبون إلى النسبية الأخلاقية عبر مسارات نفسية، ومساراتهم هذه هي مسارات نفسية.
ثمة نقطة، وهي أن من الأخطاء أن الناس غالباً ما يظنون أن كل "ينبغي" و"لا ينبغي" هو "ينبغي" و"لا ينبغي" أخلاقي، ولأنهم يدركون عبر الإنترنت وغيره أن ما هو "ينبغي" هنا هو "لا ينبغي" في مكان آخر، يقولون إن هذه هي النسبية الأخلاقية. في حين أن ما هو "ينبغي" هنا و"لا ينبغي" هناك قد يكون قاعدة قانونية تكون "ينبغي" هنا و"لا ينبغي" هناك. وقد يكون جزءاً من الآداب والرسوم والأعراف والعادات التي تكون "ينبغي" هنا و"لا ينبغي" هناك. وقد يكون منسكاً أو شعيرة دينية تكون "ينبغي" هنا و"لا ينبغي" هناك. ولكن لأنهم يظنون أننا حيثما نقول "ينبغي" و"لا ينبغي" نتعامل بالضرورة مع الأخلاق، لا مع أحد المصادر الخمسة الأخرى الواضعة للمعايير الاجتماعية، يقع هذا الخطأ.
نکته دیگر اینکه کسانی میبینند که انگار دیگرانی هم که با نُرمهای اخلاقی دیگری زندگی میکنند زندگیشان خوب و خوش است. میگویند پس معلوم میشود که میتوان با احکام اخلاقی متفاوتی باز هم زندگیهای خوب و خوش داشت. این هم باز به نظر من نوعی گذر روانشناختی است و دلیلی بر اثبات نسبیگرایی نیست. البته دیدن احکام اخلاقی متعارض در جامعه طبعاً به نسبیگرایی میانجامد. یک بار آقای دکتر غنینژاد، اقتصاددان معروف، نظیر چنین مطلبی را در زمینه اقتصاد برای من میگفت. ایشان میگفت اوایل انقلاب ما اقتصاددانان خیلی با اقتصاد اسلامی مخالفت میکردیم و میگفتیم چیزی به نام اقتصاد اسلامی وجود ندارد؛ اقتصاد بازار آزاد و اقتصاد سوسیالیستی هست ولی اقتصاد اسلامی وجود ندارد. ایشان میگفت آن موقع خیلی مصر بودیم ولی الان فهمیدیم که چقدر حرف ما اشتباه بوده است. من تا همین الان سیزده نوع اقتصاد اسلامی در این کشور دیدهام: اقتصاد آقای مهندس میرحسین موسوی؛ اقتصاد آقای هاشمی رفسنجانی؛ اقتصاد آقای رضا اصفهانی؛ اقتصاد آقای حسن تواناییانفرد و ... . ایشان گفت تا الان سیزده نوعش را دیدهایم. اگر شما به سیزده نوع اقتصاد رسیدید آن وقت در واقع با گذری روانشناختی به این نتیجه میرسید که اگر اقتصاد اسلامی هم داریم امری نسبی است. یعنی از بس متکثر دیدهاند میگویند نسبی است. حالا در باب اخلاق هم همینطور است. مثلاً در جامعهای ابتدا میگویند انقلابمان اصلاً اقتصادی نیست، بلکه فرهنگی است؛ ما اصلاً مشکلمان فرهنگ است وگرنه شاه که اقتصادش خوب بود و روابط اقتصادیاش فلان و بهمان بود. ما مشکلمان فرهنگی است. بعد میگویند تاریخ نزاع بین فقر و غنا است، که این حرف عین سخن مارکس است و در سیاق (context) فکر مارکس هیچ چیز عجیب و غریبی هم نیست. ولی این را آقای خمینی، یعنی یک فقیه مسلمان شیعی اثناعشری گفته است که منطقی به نظر نمیرسد. اگر نزاغ فقر و غنا است پس معلوم میشود مشکل فرهنگی هم نیست و در واقع بحث اقتصادی است. روزی گفتند ما آمدهایم آب و برق و گاز و ... را مجانی کنیم. پس معلوم میشود دغدغه اقتصادی هم داشتهاند. هر وقت شکست فرهنگی میخوریم به مسائل اقتصادی روی میآوریم و هر وقت شکست اقتصادی میخوریم میگوییم ما اصلاً کارمان اینها نبود بلکه میخواستیم کار فرهنگی کنیم. اینها آدم را به نوعی نسبیگرایی میکشاند؛ منتها با گذر روانشناختی نه با گذر منطقی. منطقاً از این حرفها نسبیگرایی برنمیآید. اما شما میبینید از اول انقلاب تا الان بزرگان این کشور در باب اینکه بالأخره ما انقلابمان فرهنگی است یا اقتصادی نظر واحدی ندادهاند. وقتی میخواهند به آقای خاتمی فشار بیاورند میگویند آقا بروید دنبال مسائل اقتصادی، و اینقدر حرف از فلان و بهمان نزنید. انگار مسائل اقتصادی خیلی مهم است. وقت دیگری که میخواهند با کس دیگری کار دیگری بکنند حرف دیگری میزنند. اینها واقعاً گذرهای روانشناختی بر جوانها تعریف میکند که آخر بالأخره چه شد؟ نسبیگرایی موج میزند. راجع به موسیقی؛ چند رأی از اول انقلاب تا الان گفته شده است؟ این تکثر آدم را به نسبیگرایی نمیرساند که بگوید یا اسلام رأیی راجع به موسیقی ندارد یا رأیی نسبیگرایانه دارد. یک بار گفتند غزالی درست گفته است. بار دیگر گفتند فیض کاشانی درست گفته است. یک بار گفتند آقای گلپایگانی که آونگ ساعت را هم حرام میدانسته است درست گفته است. یک بار گفتند آقای خمینی حد وسطش را گفته است. یک بار هم میگویند شهر به شهر فرق میکند. من نمیفهمم اگر فعلی قبیح است همه جا باید قبح داشته باشد و اگر قبیح نیست و حَسَن است همه جا باید حَسَن باشد. اینها ایجاب نمیکند برای اینکه ما نسبی شویم؟ راجع به حجاب زنان چه گفتهاند؟ یک بار میگویند چادر باید باشد. یک بار میگویند نه، چادر لزومی ندارد، حجاب اسلامی کافی است. یک بار میگویند اصلاً این لباس لباس دینی ما است. یک بار میگویند نه لباس ملیمان است، بالأخره ما ایرانی هستیم و باید لباس ملیمان را داشته باشیم. خلاصه در موضوعات مختلف دیدگاههای کاملاً متفاوتی را بیان میکنند؛ و قس علی هذا و فعلل و تفعلل و هلم جراً الی ما یتسلسل. این نسبیگراییها در نتیجه گذرهای روانشناختی است نه گذرهای منطقی. از هیچ کدام از اینها منطقاً نسبیگرایی استنتاج نمیشود. در یک نمونه دیگر گفتند ربا نداریم. آیا میدانید الان در دنیا رباخوارترین سیستم بانکی متعلق به کشور ما است؟ خدا شاهد است این را با تحقیق دقیق به شما میگویم. در سرتاسر دنیا نظام بانکی ربویتر از ما وجود ندارد. اما اینجا اسمش ربا نیست بلکه کارمزد است. مگر نسبیگرایی شاخ و دم دارد؟ شما میگفتید اصلاً ربا نباید باشد. حالا پس این چیست؟
انظروا كم تبلغ الفائدة المصرفية في البلدان الغربية وكم تبلغ في بلدنا. وعلى هذا المنوال، ترون النسبوية في كل شيء. ففي إنكلترا مثلاً، يعمل المتخصصون أحياناً أربع سنوات على موضوع ما حتى يكتسب صفة قانونية، لكنه متى اكتسب هذه الصفة قد لا يُمسّ طوال ثمانين عاماً. أما في بلدنا فقد رأيتُ قانوناً أُقرّ ثم نقضه المجلس نفسه وبالتشكيلة نفسها بعد أسبوع واحد. كل هذا ضرب من النسبوية.
سؤال: من وجهة نظركم، ما هي العلاقة بين الأخلاق وعلم النفس؟ هل يمكن لحقل الأخلاق أن يسعى، جنباً إلى جنب مع علم النفس، إلى تقديم العلاج والخدمات العلاجية للمجتمع؟ في الواقع، هل يمكن للأخلاق أن تكون لها نتائج عملية وتطبيقية في مجال علاج المشكلات الأخلاقية والنفسية كما هو الحال في علم النفس؟
الجواب: حتى لو افترضنا هذه المكانة، فهي ليست من صميم الأخلاق، بل تنتمي إلى التربية الأخلاقية. ثمة فرق شاسع بين الأخلاق والتربية الأخلاقية. لأن Ethics تختلف عن Morality كما تختلف عن Moral Education. هذا العمل، حتى لو كان علاجياً، فهو من اختصاص المتخصصين في التربية الأخلاقية، لا علماء الأخلاق. التربية الأخلاقية هي فرع من فروع التربية يبحث في التربية من الجانب الأخلاقي. أما العلاقة بين علم النفس والأخلاق فأراها وثيقة إلى درجة لا توجد معها معرفتان، رغم أن إحداهما معيارية والأخرى وصفية، بهذا القدر من الترابط.
سؤال: في نظرية العقلانية والمعنوية، للعالم طبيعة معنوية. وفي النظرة الأخلاقية العلمانية، للعالم طبيعة أخلاقية. ما هي العلاقة بين عالم ذي طبيعة معنوية لا دينية، وعالم ذي طبيعة أخلاقية؟
الجواب: أعتقد أنه نظراً لتعدد معاني كل من "الأخلاقي" و"المعنوي" هنا، يصعب جداً الإجابة عن هذا السؤال، لكن يمكنني على الأقل أن أقول ما يتعلق بي شخصياً. أولاً، عندما أقول المعنوية لا أعني الأخلاق فحسب. الأخلاق جزء من المعنوية، لكنها ليست المعنوية كلها. بتعبيري، كل إنسان معنوي هو أخلاقي، ولكن ليس كل إنسان أخلاقي هو معنوي. لأن المعنوية هي نظرة خاصة إلى العالم ينبثق منها العيش الأخلاقي، لكن قد يعيش المرء أخلاقياً دون أن تكون لديه تلك النظرة. بعبارة أخرى، تلك النظرة ليست شرطاً ضرورياً للعيش الأخلاقي، ويمكن لمن لا يمتلكون تلك النظرة المعنوية أن يعيشوا أخلاقياً، لكن العيش الأخلاقي هو بالضرورة من لوازم المعنوية. أي إذا كان المرء معنوياً، فإنه حتماً يعيش أخلاقياً.
النقطة الثانية تتعلق بالأخلاق العلمانية؛ إذا اعتبرنا الأخلاق العلمانية بمعنى الأخلاق غير الدينية، فالعلماني أحياناً يعني غير الديني، وهذا لا يتعارض مع أن يكون المرء علمانياً ومعنوياً في آنٍ واحد. لكن إذا أخذنا العلماني بالمعنى المقصود تقريباً من كلمة "لائيك" في اللغات الأوروبية، أي الشخص الذي يعارض التعاليم الدينية مئة بالمئة، وله نظرة مادية إلى العالم لا نظرة تؤمن بما وراء الطبيعة، فهنا يصبح الشرخ بين الأخلاق العلمانية والأخلاق المعنوية أكثر جدية. أعتقد أنه من الجيد استخدام تعبير "لائيك" لذلك النوع من الأخلاق الذي يعارض التعاليم الدينية وينفي حقاً أي وجود لما ورائي، سواء بصورة إله أو غير إله. لا يمكن للأخلاق المعنوية أن تتوافق مع النظرة المادية. أي أن المعنوية لا تتوافق مع المادية. أنا مدرك أن الدين أيضاً لا يتوافق مع المادية، لكن يمكن لإنسان أن يكون علمانياً، أي غير متدين، ويظل معنوياً. أي يظل غير قائل بالمادية والفيزيائية والطبيعانية.
سؤال: بخصوص العصيان المدني، ذكرتم أن التقابل بين المدني والمواطن يشير إلى التمايز بين الأخلاق والحقوق والقانون. يبدو أن العصيان المدني ربما ينشأ عن تطبيق القانون أو مقارنة القانون بقانون مثالي ذهني؛ أو حتى في عصر الاتصالات ينشأ عن مقارنة القوانين بقوانين أخرى. وعليه، يحدث الاحتجاج المدني.
الجواب: لقد أرادوا القول إن العصيان المدني ليس فقط ما تقوله أنت. إن ما قصدوه بالعصيان المدني هو في الواقع النضال السلبي. وهم محقون في ذلك. للنضال السلبي أنواع. أحد أنواعه هو العصيان المدني. لقد كنت أتحدث تحديداً عن العصيان المدني. وفقاً للتعريف، ومنذ أن طرح إمرسون وثورو العصيان المدني، فقد كان يعني أنه عندما لا يستطيع شخص ما أن يتوافق ضميرياً مع مضمون قانون ما، فإنه يقف في وجه القانون باسم الأخلاق. لكن العصيان المدني هو أحد أنواع النضال السلبي. وأنواعه الأخرى هي هذان النوعان الآخران اللذان ذكروهما أيضاً. أحياناً لا يكون النضال السلبي اعتراضاً على القانون، بل اعتراضاً على طريقة تنفيذ القانون، وهذا بالطبع ليس عصياناً مدنياً. في الواقع، لا ينبغي لنا أن نعتبر مفهومي العصيان المدني والنضال السلبي مترادفين. لدينا عدة أنواع من النضال السلبي، نطلق على أحدها اسم العصيان المدني؛ أي الوقوف في وجه القانون باسم الأخلاق. إن الوقوف في وجه الحكام باسم الأخلاق أو باسم المصلحة، أو تشخيص عدم جدوى طريقة تنفيذ القانون، يمكن أن يكون نضالاً سلبياً أيضاً، لكنهم لا يطلقون عليه اسم العصيان المدني.
سؤال: ما هو تقييمك لمسار الدراسات الأخلاقية، أي البحوث التي تُجرى في مجال الأخلاق في إيران؟ هل هي منسجمة مع احتياجات المجتمع أم لا؟ هل أنت راضٍ عنها بشكل عام أم لا؟
الجواب: الحقيقة أنني لستُ مطّلعاً كثيراً. لأنني لا أتواجد في الجامعات. فجزء كبير من هذه الأعمال كرسائل الماجستير وأطروحات الدكتوراه والدروس التي يلقيها الأساتذة والأعمال التي يقوم بها الطلاب تُنجز في الجامعات وأنا ليست لي صلة بها. كما أنني لا أطالع المجلات الجامعية التي هي انعكاس لهذه الأمور ولستُ على دراية بالأحوال. لكن ثمة أمر تخبرني به تجربتي وهو أن الأشخاص الذين يراجعونني، وربما يراجعون سائر الأصدقاء أيضاً، يعتزمون في أحيان كثيرة حقاً أن يعيشوا حياة أخلاقية لكنهم لا يعرفون البتة ما هو مقتضى العيش الأخلاقي الآن. وهذا يدل على أن هذه البحوث لم تنفع، على الأقل، في تلبية حاجات المجتمع. فإما أنها بقيت على مستوى عالٍ جداً ولم تُبسّط (simplification)، وإما أنه لم يتم أي بحث من الأساس. التبسيط فن بالغ الأهمية. طبعاً، لكتابة المقالات (paper) أهمية فائقة في مجتمعنا. فالأفراد يريدون في النهاية مناصب؛ يريدون من الناحية الأكاديمية أن يترقوا من أستاذ مساعد إلى أستاذ مشارك، ومن أستاذ مشارك إلى أستاذ، وأن يصبحوا أستاذاً كاملاً (full professor)، وأستاذاً متميزاً (emeritus professor). إذن عليهم أن يكتبوا تلك المقالات. لكن من لديه همّ اجتماعي فعليه إما بدل تلك الأعمال أو إلى جانبها أن يقول: كل فائدة هذه الأمور هي أن يكون المجتمع أكثر أخلاقية، وعليّ إذن أن أبسّط ما توصلت إليه في بحوثي الأكاديمية أو ما طالعته في بحوث الآخرين الأكاديمية بحيث يكون مفهوماً حتى لأبي وأمي مصطفى. أن يفهموه هم أيضاً وينالوا حظاً من هذا العيش الأخلاقي. أن يمتلكوا على الأقل الشرط الضروري للعيش الأخلاقي وهو الوعي الأخلاقي، وإن لم يكن الوعي الأخلاقي شرطاً كافياً للعيش الأخلاقي. أما أن يكتبوا كلاماً معقداً في المقالات وتكون قائمة مصادرها ومراجعها بضعف حجم المقالة و...، فهذا لا ينفع إلا لتلك الأغراض التي لديهم. العمل في الأخلاق ليس نوعاً من العمل الأكاديمي. الأخلاق غير أن نعرف كم مسجداً كان موجوداً في القاهرة في القرن الرابع الهجري. ذاك العمل لا فائدة عملية له بالنسبة لنا. كل غرضنا في البحوث الأخلاقية هو أن نصير نحن أنفسنا أكثر أخلاقية وأن يصير المجتمع أيضاً، من خلال طريقة عيشنا وشكل حياتنا، أكثر أخلاقية. لعل قول هذه الأمور بطريقة معقدة يجعلك تحرز نقاطاً في سباق مع زملائك أو تتقدم في مقارنة بينك وبين زملائك ويُجرى معك حوار، لكنه لا يساوي فلساً بالنسبة لذلك الشيء الذي وُجدت الأخلاق لأجله أساساً. أنا حقاً، أحياناً، أقول عن كثير من الكتب والكتابات التي أراها: لو أن صاحبها أجرى هذا البحث عن عدد مساجد القاهرة في القرن الرابع لكانت فائدته للمجتمع بنفس المقدار. لأنه كتب بألفاظ لا تنفع أحداً. علينا أن نتعلم أن التبسيط نوع من الخدمة الثقافية الكبيرة. لا ينبغي أن نعتقد أن غير المتعلمين هم من يبسّطون، وأنه من دون شأن المتعلمين أن يبسّطوا المطالب لتصل إلى عتبة وعي عامة الناس. بهذه الأعمال التي نقوم بها قد نصنع مجتمعاً فيه ثلاثمئة متخصص في الأخلاق لكن المجتمع ليست لديه أية معرفة بالأخلاق ولا يعرف حتى أوليات الأخلاق. وكما في الأمثلة التي ذكرتها سابقاً، فإنه من الواضح جداً لي، بصفتي شخصاً يُرجع إليه، ولأصدقائي الآخرين الذين يُرجع إليهم، أن هناك حقاً نساء ورجالاً يعتزمون العيش الأخلاقي لكنهم لا يعرفون البتة ما هو العيش الأخلاقي. ليسوا قلة أولئك الذين يقولون لي: ماذا تعني «النية»؟ ماذا يعني أنهم يقولون افعلوا هذا العمل «لوجه الله»؟ ماذا تعني عبارة «لوجه الله» هذه؟ اسأل نفسك: ماذا يعني أن يقولوا افعل عملاً لوجه الله. هل استطعت حتى الآن أن تحصل لنفسك على إيضاح مفهومي لمعنى «لوجه الله»؟ إذا كنا لا نعرف هذا، أنا وأنت، ممن درسوا -على سبيل المثال- الدروس الحوزوية، فممن نتوقع أن يعرفه؟ يقول لي أشخاص: نحن لا نفهم ماذا تعني «لوجه الله»؟ نحن نفهم الجانب السلبي من القصة. نفهم أننا لم نفعل هذا العمل من أجل كسب الثروة أو القوة أو المكانة الاجتماعية أو الجاه والمنصب أو الشهرة أو المحبوبية و... نفهم جانبه السلبي. إذا كانت «لوجه الله» تعني فقط سلب هذه الأمور، وأننا حين نفعل عملاً لوجه الله نكون قد فعلناه لا من أجل الثروة ولا من أجل القوة ولا المكانة الاجتماعية ولا الشهرة ولا المحبوبية و... فلماذا نقول إذن «لله»؟ لنذكر جانبه السلبي.
أما إذا كنا حين نقوم بعمل ما من أجل الله، بالإضافة إلى أننا لا نقوم به من أجل هذه الأغراض، فإننا نقوم به من أجل شيء آخر هو الوجه الإيجابي المتمثل في التقرب إلى الله، فكيف نتصور هذا الوجه الإيجابي في الذهن؟ ما هي الصورة الذهنية التي نحملها عنه؟ بمعنى أننا حين ننوي التقرب إلى الله، فإننا في الواقع ننوي ماذا؟ هذا مثال بسيط للغاية يرد حتى في العبادات، فما بالك بمجال أخلاق الفضيلة.سؤال: بالنظر إلى تضخم الفقه في مجتمعنا وهيمنة الذهنية الفقهية (مقارنة بالذهنية الأخلاقية) على المخاطبين، برأيكم إلى أي مدى استطاع العاملون في مجال الأخلاق تعزيز الهمّ الأخلاقي والحساسية الأخلاقية لدى المخاطبين؟
الجواب: لعل المقصود بتضخم الفقه هم المخاطبون الذين يتعاملون مع الفقه. لا أعلم مقداره. الرسائل العملية على ما يبدو لم تتغير عن ذي قبل. أي أنني لا أعتقد أنها تغيرت. أما البعض الذين أضافوا قسماً أخلاقياً إلى رسالتهم العملية فهو مما يستحق القراءة! اذهبوا واقرأوا وانظروا ماذا قالوا حقاً باسم الأخلاق في ذلك القسم الأخلاقي الذي أضافوه! أنا شخصياً لم أر شيئاً.
.
.
[1] . منشور في قناة الأستاذ مصطفى ملكيان على التلغرام
[2]. النساء: 123.
[3]. البقرة: 111.
[4]. آل عمران: 24.
[5]. يونس: 62.
[6]. نهج البلاغة: الحكمة 325.
[7]. نهج البلاغة: الخطبة 193.
[8]. يونس: 62.
.
.
.
.
.
.
الفلسفة
الدين
الدين
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال١ تعليق
استاد مصطفی ملکیان:اما اینکه موضوع افعال ارادی یا اختیاری یا احوال نفسانی ما آدمیان را دین درست کرده باشد من نمیفهمم. *** یزدانپناه عسکری: استعداد ادراک انسان مطابق افعال ارادی (درک و تعقل و فطرت اولیه) یا قوانین منطقی، حکمت خلقت انسان است.