اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يسأل عبد الكريم سروش مرتضى مطهري عن سبب كون الاستفتاء حول الجمهورية الإسلامية لا الجمهورية المطلقة. ويرى مطهري، بتعريفه للثورة بوصفها تمرداً على النظام القائم، أن ماهية الثورة الإيرانية إسلامية ذات أبعاد سياسية واجتماعية.

قبل فترة، نشر موقع تبيان ملفين صوتيين بعنوان "مقابلة حول الجمهورية الإسلامية"، يتناول فيهما الدكتور عبد الكريم سروش مقابلته مع الأستاذ مرتضى مطهري. ثم قام موقع تاريخ إيراني بنشر نصها...
.
النص التالي جزء من حوار مع الأستاذ مرتضى مطهري أجراه الدكتور عبد الكريم سروش لإذاعة وتلفزيون الثورة عام 1358 هـ.ش. كان سروش، في برنامج كان يعده للتلفزيون في تلك السنوات، يجري حوارات مع شخصيات كانت تُعتبر من منظّري الجمهورية الإسلامية، ويسألهم عن ماهية ما كان يدور في أذهان الثوار. العلاقات الاجتماعية للبشر، المادية التاريخية، مفهوم الثورة الإسلامية وجذورها العقائدية والأيديولوجية هي من جملة الموضوعات التي تُناقش وتُبحث في حوار سروش مع مطهري. نُشر نص هذا الحوار سابقاً في كتاب «حول الثورة الإسلامية».
الدكتور سروش: طُرحت حول الجمهورية الإسلامية أسئلة متنوعة وكثيرة، نُشر بعضها في الصحف أيضاً. في الحوارات التي أجريناها مع جناب الأستاذ مطهري، طُرح عليه بعض أهم هذه الأسئلة، ومن جملة المسائل التي طُرحت في الجلسات السابقة، مسألة ما إذا كانت الجمهورية الإسلامية تتنافى مع الديمقراطية أم لا؟ وهل تقييد الجمهورية بوصف "الإسلامية" لا يُخرجها عن كونها ديمقراطية؟ في هذه الجلسة سنناقش معه أسئلة أخرى مطروحة بشأن الجمهورية الإسلامية. سؤال آخر لا يقل أهمية عن السؤال السابق هو: بغض النظر عن كون الجمهورية الإسلامية ديمقراطية، لماذا نطرح "نعم" أو "لا" على الجمهورية الإسلامية؟ لماذا لا نخيّر الناس بأن يقولوا "نعم" أو "لا" للجمهورية المطلقة؟ ولماذا لا نسأل: هل أنتم موافقون على الجمهورية في مقابل أساليب الحكم الأخرى أم لا؟
الأستاذ مطهري: أعتقد أنه من الأفضل أن نبدأ الموضوع من نقطة أخرى، وبعد ذكر مقدمات نصل إلى إجابة سؤالكم. يجب أولاً أن نرى هل أن الشعب الإيراني الذي قام بالثورة، قام بثورة إسلامية أم بثورة مطلقة؟ إذا كان قد قام بثورة مطلقة، فمن الطبيعي أن ما يريده الناس بعد الثورة هو الجمهورية المطلقة، وأما إذا كان الشعب الإيراني قد قام بثورة إسلامية، ففي هذه الحالة يجب أن يكون سؤال الاستفتاء أيضاً حول الجمهورية الإسلامية. إذن، إجابة سؤالكم تعود إلى تحديد ماهية الثورة الإيرانية، ولهذا يلزم أولاً أن نقدم تعريفاً موجزاً وبسيطاً للثورة، ثم نستعرض بإيجاز النظريات المطروحة حول الثورة من الناحية الفلسفية، وفي النهاية نتناول تحليل الثورة الإيرانية.
هل يمكنني أن أسأل إن كان رأيكم هذا ينطبق على كل ثورة أم لا؟ بمعنى أنه إذا حدثت ثورة في مكان ما يمكن إطلاق اسم آخر غير الثورة الإسلامية عليها، ففي هذه الحالة، برأيكم، هل يحق لثوار ذلك المكان أن يتصرفوا بهذه الطريقة في الاستفتاء الذي يريدون إجراءه؟
من المسلّم أن لهم هذا الحق، فإذا كانت لثورة أخرى شاركت فيها الأغلبية الساحقة من الناس صبغة خاصة، فمن البديهي أن الناس في الاستفتاء الذي يريدون إجراءه – مع أنهم قد أعطوا جوابهم لهذا الاستفتاء مسبقاً – يحق لهم أن يطرحوا سؤالهم على هذا النحو: في ثورتنا هذه، هل توافقون على جمهورية بهذه الصفة، نعم أم لا؟ هذا الأمر لا يختص بكون الثورة إسلامية. وأما بخصوص تعريف الثورة، فأعتقد أن الثورة هي عبارة عن عصيان وتمرد في مجتمع ما ضد النظام الحاكم المسيطر على المجتمع.
هل تقصد النظام السياسي؟
كل تمرد على النظام القائم هو ثورة، وهذا لا يقتصر على النظام السياسي، فقد تكون هناك ثورة أدبية، أي أن الكتّاب والشعراء يتمردون على النظام الأدبي القائم ويهدمونه ويأتون بأسلوب ومنهج آخر، على حد قول ذلك الشاعر المعروف الذي اعترض على الثورة الأدبية في مطلع عهد الدستور:
قامت الثورة الأدبية/ وصار الأدب خليطاً عجيباً
وقد تكون هناك ثورة فنية، كما قد تكون هناك ثورة صناعية أو علمية، وعصر النهضة هو مثال لثورة فكرية وثقافية وعلمية، وعلاوة على ذلك قد تكون هناك ثورة دينية، وبالطبع إذا نظرنا إلى الثورة الدينية من جانب كونها دينية فحسب، فإنها تُفسر على أنها ثورة على النظام الديني الحاكم، أي أن جماعة لهم طريقتهم في العبادات والأدعية والقرابين والصلوات، ثم يأتون ويغيرونها، ويزيلون ديناً ويضعون ديناً آخر مكانه، دون أن يحدث تغيير وتبديل في سائر المؤسسات الاجتماعية، ولكن إذا كنا نقصد بالثورة الدينية ثورة من قبيل نهضة صدر الإسلام، فإن المفهوم يتغير حينئذ، فثورة صدر الإسلام، في الوقت الذي كانت فيه ثورة دينية، كانت أيضاً ثورة سياسية واجتماعية واقتصادية وحتى أدبية، فالقرآن نفسه صار أساساً لأدب جديد، وهذه الثورة قدمت للعالم ثقافة جديدة أيضاً وكانت مؤسسة لحضارة جديدة في العالم.
هل من الممكن برأيكم أن تكون لدينا ثورة دينية لا تقترن بثورة في سائر جوانب المجتمع وأبعاده؟
في الدين بالمعنى العام الذي يقوله علماء الاجتماع، نعم، أما في الدين الذي جاء به الأنبياء الصادقون، فلا، وبالطبع المقصود هم الأنبياء الذين كانوا أصحاب شريعة وكتاب، أو ما يسمى بأولي العزم من الرسل، فمنذ زمن نوح (عليه السلام)، كل نبي جاء وهدم النظام الديني القائم، كان مهتماً أيضاً بالنظام الاجتماعي وساعياً لإصلاحه، ويؤكد القرآن بشكل خاص في هذا المجال: «لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ» (الآية ٢٥ - سورة الحديد)، أي أن هدم نظام فاسد قائم وإقامة نظام عادل منشود كان هدف جميع الرسالات والنبوات، غاية الأمر أن هذا الأمر في الإسلام الخاتم أظهر وأوضح.
مع أن هذا السؤال يبعدنا إلى حد ما عن صلب الموضوع، لكنني كنت أرغب في أن أسأل: من وجهة نظر علم الاجتماع، ألا يشير مجرد وقوع ثورة دينية تلقائياً إلى ثورة في سائر الجوانب؟ بغض النظر عن كون الدين نفسه يحمل مثل هذا الهدف أم لا؟
سؤالكم يقوم على أساس ما إذا كانت المؤسسات الاجتماعية مستقلة عن بعضها البعض، ونشأتها وموتها مستقلة عن بعضها، أم أن هذه المؤسسات ليس لها نمو مستقل، بل هناك علاقة قائمة بينها، وفي الواقع إحداها تجر الأخرى خلفها؟ ثم يطرح هذا السؤال أيضاً: هل معنى أن إحداها تجر الأخرى خلفها هو أن إحداها هي الأصل دوماً والأخرى طفيلية وتابعة، أم أن هناك شقاً آخر في المسألة؟ سأوضح جواب هذا السؤال في سياق حديثي.
قلنا إن الثورة تعني التمرد والعصيان على النظام الحاكم القائم، وقد حدث مثل هذا التمرد والعصيان في إيراننا، والآن ينبغي أن نرى، هل هذه الثورة ذات ماهية اقتصادية - مادية محض، أم أنها ذات ماهية سياسية فقط؟ أم أنها ثورة دينية؟ طبعاً دينية بالمعنى السوسيولوجي، أي دين منفصل في ذاته عن سائر مؤسسات المجتمع، وإن جر المؤسسات الأخرى خلفه كان ذلك بالتبعية وطرد الباب، أم أن الثورة هي ثورة شاملة وكاملة شكل الإسلام روحها؟
}ثمة مطلب آخر يلزم أن أعرضه، وهو مقدمة لبحثنا الأساسي، ويتمثل في هذا السؤال الجوهري: ما هو منشأ الثورات وجذورها بوجه عام؟ فالثورة، شأنها شأن أي ظاهرة اجتماعية أخرى، ليست مستثناة من قاعدة وقانون العلية والمعلولية، أي، بتعبير القرآن، لا بد أن تنشأ الثورة وفق سنة. ثمة نظرية مشهورة في الإجابة عن هذا السؤال تُعرف بالمادية التاريخية، وقد عُرّفت المادية التاريخية بأنها: فهم اقتصادي للتاريخ وفهم تاريخي للاقتصاد، وأنا أضيف أن المادية التاريخية، علاوة على كونها فهماً اقتصادياً للتاريخ وفهماً تاريخياً للاقتصاد، هي أيضاً فهم تاريخي اقتصادي للإنسان، دون أن تكون فهماً إنسانياً للاقتصاد أو للتاريخ. تقول هذه النظرية باختصار إن جذور الثورات تكمن في استقطاب المجتمعات من حيث المعيشة، وهذا الاستقطاب ذاته – أي انقسام المجتمع إلى طبقتين: مرفهة ومحرومة – له جذر في العمل الاجتماعي، وبالتالي جذر في أدوات الإنتاج، أي أن ما هو متكامل بذاته هو أدوات الإنتاج، وأدوات الإنتاج في أي درجة من درجات التكامل تخلق علاقات قانونية خاصة، وهذه العلاقات القانونية تستتبع بدورها مسائل أخرى – أخلاقية، دينية، فلسفية، علمية، فنية... إلخ. قد يسود خلال حقبة ما نوع من الانسجام بين علاقات الإنتاج، لكن تدريجياً، وبتطور أدوات الإنتاج، يزول هذا الانسجام، فترى هذه العلاقات تختل، وفي خضم هذه الاختلالات ينقسم الناس إلى شطرين: جماعة كانت تستفيد من الوضع السابق والنظم السابقة، وجماعة كانت محرومة، وقد منحها حرمانها ذاته نوعاً من الاستبصار والتنوير، وجعلها تنحاز إلى الوضع الجديد. وفي نهاية المطاف، يقسم تضارب المصالح المجتمع إلى قطبين متضادين، فيتحول القطب الساخط على الوضع القائم، لمجرد حرمانه وقصور يده عن كل شيء لا لسبب آخر، إلى طبقة ثورية. في الواقع، إن نفس الحرمان هو ما يجعل هذه الطبقة ثورية ويدفعها إلى التمرد والعصيان، وهذه الطبقة، على عكس الطبقة الأخرى التي أضعفها رفاهها وجعلها خاملة، هي طبقة جديدة ونشطة، وفي نهاية المطاف أيضاً، تنتصر هذه الطبقة الجديدة على الطبقة البالية. وهكذا، من وجهة نظر هذه النظرية، وعلى الرغم من الاختلافات الشكلية القائمة بين ثورات العالم، كأن تكون إحداها ثورة علمية، كالنهضة، وأخرى ثورة دينية، إسلامية، وثالثة ثورة سياسية تحررية، كالثورة الفرنسية، ورابعة ثورة عمالية، فإن جذورها وماهياتها واحدة، وبالمصطلح الفلسفي، الأشكال والمظاهر هي المختلفة لا الماهيات. ومن وجهة نظر هذه النظرية، فإن تلك الماهية الثابتة هي في الواقع العمل المتجسد وتحوله؛ تقول هذه النظرية إن جميع الخصال المادية والمعنوية للإنسان مأخوذة من المجتمع. وليس في سريرة الإنسان ما يسميه الآخرون – الإلهيون – فطرة، فالإنسان ووجدانه يصنعهما المجتمع بمعونة العوامل الخارجية، الإنسان أشبه بشريط فارغ داخل صندوق جهاز تسجيل وُضع في مواجهة سلسلة من الأصوات، أي أن الإنسان في ذاته في حالة لا مبالاة وحياد مطلق تجاه ما يسجله، فكما أن شريط التسجيل إن قرأت عليه القرآن سجل القرآن، وإن عزفت عليه موسيقى سجل الموسيقى، والأمر سيان عنده، فإن وجدان الإنسان أيضاً لا أصالة له وهو تابع للعوامل الخارجية. وعلى هذا الأساس، ينبغي أن نقر ونسلم بأن للمستغِل نوعاً من الوجدان والحكم والمنطق والمعيار، وللمستغَل نوعاً آخر. بل إن الأول هو في الأساس نوع من البشر له ماهية خاصة به، والثاني بشر آخر له ماهية أخرى. لقد ذهب أصحاب هذه النظرية إلى حد القول إن ماهية الإنسان تتحدد في طبقته، أي، خلافاً لرأي الفلاسفة الذين يعتبرون الإنسان «نوعاً» واحداً، فإن الإنسان من وجهة نظر هؤلاء مفهوم انتزاعي، ولهذا السبب لا معنى للإنسانية (الأومانية) في هذا المذهب؛ فعلى الرغم من أن أتباع هذا المذهب يتشدقون بالإنسانية، فإن الإنسانية مناقضة تماماً لمبادئ هذا المذهب، لأنه بدون قبول النوعية والفطرة والأصالة والوجدان للإنسان، لا معنى للإنسانية.
لعلنا نستطيع القول إن هذا المذهب ينظر إلى الإنسان الاجتماعي.
الإنسان كائن اجتماعي، هذا صحيح، ولكن عندما ينقسم المجتمع إلى مجموعتين متباينتين ومختلفتين في الماهية، فإن الإنسان الذي ينتمي إلى الطبقة الأولى سيكون مختلفًا كليًا عن الإنسان الذي ينتمي إلى الطبقة الأخرى. هذان النوعان من البشر يختلفان ويتمايزان في كل شيء، ولا يتشابهان إلا في الهيئة الظاهرية. إن معيار النوعية هنا غير موجود على الإطلاق.
عندما تقولون إن حتى الأفكار تابعة لنوع الحياة، أي فئة من الأفكار تقصدون؟ هل الأفكار العلمية والفلسفية هي كذلك أيضًا، أم أن الأمر يقتصر على الأفكار المتعلقة بعلاقات البشر في المجتمع؟
من وجهة نظرنا، إن الأفكار الاعتبارية، بحكم كونها اعتبارية، تابعة للمجتمع. إحدى المسائل الأساسية جدًا والمعروفة في الفلسفة الإسلامية والتي تُعد من مفاخر هذه الفلسفة، هي التمييز بين الإدراكات الاعتبارية والإدراكات الحقيقية، وأن الاستدلالات المنطقية كالبرهان وأمثالها، وحتى التعريف، لا تجري في الإدراكات الاعتبارية، بل إنها تتبع مبادئ أخرى. وحيث وقع فلاسفة أوروبا في مأزق بشأن مسألة التعريف وتورطوا في سلسلة من الإشكالات، كان ذلك في المسائل الاتفاقية والاعتبارية، لا في المسائل الحقيقية، وليس هذا مجال بحث هذا الموضوع بالطبع. لكن سؤالكم كان عن هذه المدرسة، فرُوّاد هذه المدرسة يعتبرون جميع الأفكار، حتى المسائل الرياضية، تابعة للمجتمع، ولكن لاحقًا، قام آخرون ممّن أدخلوا، إن صح التعبير، تعديلات على هذه المدرسة، بالتفريق بين العلوم التي نسميها نحن العلوم الحقيقية، والعلوم التي نسميها العلوم الاعتبارية. إذن، ما تقتضيه هذه المدرسة في هذا الشأن مسألة، وما قاله رواد هذه المدرسة في التاريخ مسألة أخرى.
هنا، بما أنكم أثرتم نقطة كانت بالغة الأهمية بالنسبة لي، فأضطر لطرح سؤال، مع الأسف، سيبعدنا إلى حد ما عن الموضوع الرئيسي، وهو: منذ متى، وعلى يد أي فيلسوف في تاريخ الفلسفة الإسلامية، تم هذا الفصل بين الإدراكات الاعتبارية والإدراكات الحقيقية؟
على قدر ما أعلم، فإن جذور هذا الفصل، وإن لم تكن المسائل قد شُقَّت فيه شقاً جيداً، تُرى في آثار ابن سينا، وللأسف لا أذكر الآن ما إذا كان الفارابي قد طرح هذه المسألة أم لا؟ على أية حال، مع طرح مسألة العقل العملي والعقل النظري، ثم مسألة الحسن والقبح العقليين، وأن هذه الاستحسانات والاستقباحات العقلية تختلف بين الأمم المختلفة ولا يُحكم عليها حكماً واحداً، ولا ينبغي أن تكون معياراً للحكم في المسائل الفلسفية، فمنذ ذلك الحين نشأ الالتفات تدريجياً إلى مسألة الإدراكات الاعتبارية والحقيقية. بالطبع قد يكون لهذه المسألة جذور في حقبة ما قبل الإسلام، ولأنني لا علم لي بها فلا أنفيها، ولكن على قدر ما أعلم، فإن الالتفات إلى هذه المسألة كان في الأغلب نتيجة لتضاد وتصادم آراء المتكلمين والفلاسفة. وأما بخصوص البحث الرئيسي لهذا الحوار، فقد قلتُ إنه بناءً على نوع من فلسفة التاريخ، فإن جميع الثورات، على اختلاف أشكالها، ذات ماهية مادية طبقية. وهنا، كجملة معترضة، ينبغي أن أشير إلى أمر صار منشأ لكثير من سوء الفهم، وهو أن بعضاً ممن ليست لهم دراية كبيرة بالمسائل الإسلامية، لما رأوا توجه الإسلام لصالح المستضعفين، ظنوا أن الإسلام يعتبر المستضعفين أيضاً هم دوماً عامل الحركة في التاريخ. لقد تصور هؤلاء أن كل هذا التأكيد في القرآن على نصرة المحرومين والمستضعفين معناه أن الإسلام أيضاً يقول بمجتمع ذي طبقتين، ويعتبر راية كل الحركات والثورات دوماً على عاتق المستضعفين. وتعبير هذه الجماعة عن القرآن هو أن القطب، الموسر كما يُصطلح عليه في البيان القرآني، يُسمى كافراً، والقطب المحروم، وهو نفسه عامل الحركة، يُسمى مؤمناً، وخطاب الإسلام إنما هو لهذه الفئة فحسب. والحال أنه قد اختلطت هنا مسألتان: كون توجه القرآن إلى نصرة المستضعفين مسألة، وكونه لأجل الهداية يتوجه إلى أي أشخاص ومن هم الأفراد والجماعات المخاطبون به مسألة أخرى. لا شك أن المحرومين والمستضعفين كانوا ولا يزالون على الدوام أكثر استعداداً لقبول الإسلام، وهذا ما يظهره التاريخ جيداً، ودليله واضح، لأن الإسلام لهذه الفئة هو نداء قلوبهم ونداء عقولهم معاً. الإسلام بالنسبة لهم فأل خير ومتعة نظر. فبمعونة الإسلام، تنال هذه الفئة سعادة العدالة وبهجة الرفاه معاً؛ وعلى العكس من ذلك، فإن أولئك الذين هم في الطبقة الأخرى، عليهم لكي يستجيبوا لنداء الإسلام أن يدوسوا على مصالحهم ويخرجوا من تحت أطنان ثقل الإثم والفساد. وهنا ينبغي أن نرى هل للإسلام مثل هذه البراعة؟ بالطبع البراعة ليست للإسلام بل للإنسان، الفطرة الإنسانية تقتضي ذلك، حتى ذلك المحروم الذي يُقبل على الإسلام، إنما يفعل ذلك في الدرجة الأولى لامتلاكه فطرة صافية نقية، ولأنه يطلب العدالة كقيمة، والفطرة المثالية هي التي تجذبه نحوها، لا مجرد الرغبات الحيوانية والميل إلى ملء البطن.
بطبيعة الحال، لا أنكر وجود صراع طبقي في العالم؛ صراع بين المرفه والمحروم، بين المستغِل والمستغَل، وهو أمر يُشاهد بكثرة في العالم، لكن هذا الصراع ليس صراعاً مقدساً، ذلك أن القيمة نفسها التي يحملها المستغِل في هذا الصراع من حيث إنه يقاتل لمصلحته فحسب، يحملها المستغَل أيضاً. بالنسبة له أيضاً، هذا النضال ليس نضالاً إنسانياً. لا توجد فيه أية مثالية متعالية. بصرف النظر عن الحروب السياسية التي تتسبب فيها الغطرسة والطموحات، توجد في العالم أيضاً حروب بدوافع علمية وثقافية ناشئة عن غريزة البحث عن الحقيقة لدى الإنسان. لكن من منظور القرآن، النهضات المقدسة هي نهضات يدور فيها الصراع بين الحق والباطل؛ الحق من حيث هو حق، لا من حيث إنه يؤمن المصالح، والباطل من حيث هو باطل وتافه وعائق أمام نمو الإنسان وتقدمه وتكامله، لا من حيث إنه ضد مصالح هذه الجماعة أو تلك. وبالطبع، أود أن أضيف هنا أن السعي وراء الحق هو بحد ذاته نوع من الكمال، أي أن هذا الفعل يمكن أن يتخذ شكلين مختلفين في آنٍ واحد. أذكر هذه النقطة كتوضيح لما سبق بين قوسين: منذ أن كنت لا أزال أُعتبر طفلاً، كنت أرى دائماً أن شبهة تثور لدى بعض الأشخاص: لماذا أشركت السيدة فاطمة الزهراء، بمقامها من العصمة والقداسة، نفسها في قضية فدك؟ السيدة الزهراء التي قيل في حقهم: «وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ» (الآية 8 من سورة الإنسان). لماذا أقحمت السيدة نفسها في هذه القضية؟ لاحقاً، أدركت هنا أن موضوعين لم يتم الفصل بينهما. السعي وراء الحق المنشود من أجل إنقاذ ذلك الحق هو قضية، تُعتبر قيمة سامية جداً، والسعي لأنني جائع وأريد أن أشبع بطني، أي بدافع حيواني محض، هو قضية أخرى. حينما أوثر حقي على غيري، فهذا سامٍ جداً وذا قيمة، لكن حينما يأخذ آخر حقي بالقوة، هنا إذا لم أسعَ لاسترداد حقي وقلت لا بأس، لقد آثرت، أكون قد ارتكبت عملاً منافياً للأخلاق ومنافياً للقيمة.
بناءً على النظرية الثانية التي أشرت إليها ضمناً، أي النظرية المطروحة في القرآن، فإن سيكولوجيا الإنسان تتقدم أساساً على سوسيولوجياه، بمعنى أن للإنسان نوعين من الوجدان: وجدان فطري ووجدان مكتسب. يأخذ الإنسان قسماً من وجدانه من المجتمع، لكن وجدانه الإنساني هذا وجذوره الإنسانية في وجدانه، قد غُرست في فطرته، وهو ما يؤكد عليه القرآن كثيراً: «وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي» (جزء من الآية 29 من سورة الحجر). أي أنه قبل أن يتأثر الإنسان بمجتمعه، يوجد في كيانه جانب متعالٍ إلهي ميتافيزيقي بالقوة، هذا الجانب كبذرة مستعدة للنمو. الإنسان ليس شريطاً فارغاً يُملأ من الخارج، بل هو بذرة تحتاج للنمو إلى نور وحرارة، أي أن في ذات الإنسان، بالقوة، استعداداً للتكامل والتقدم. الإنسان في ذاته كائن ثنائي القطب، هو إنسان وحيوان في آنٍ واحد. كلما ضعف الجانب الحيواني لدى الفرد، تقدم الإنسان أكثر نحو مقام الاستقلال والإنسانية. تعلمون أن من خصائص التكامل أن الكائن كلما ازداد كمالاً، تقل حاجته إلى المحيط، أي أن سيطرة المحيط عليه تقل وسيطرته على المحيط تزداد. سيطرة النبات على المحيط أكبر من سيطرة الجماد، وسيطرة الحيوان أكبر من النبات، والإنسان أكبر من الحيوان. وبين البشر أيضاً، سيطرة البشر الباحثين عن الحق والطالبين له والذين بلغوا المثال الأعلى أكبر من سيطرة البشر العاديين.
ألا تنبع عقيدة وأيديولوجيا الإنسان الذي بلغ المثال الأعلى، بالضرورة، من العلاقات الاجتماعية وتكون نتيجة مباشرة لها؟
كلا، ليس الأمر أنها نتيجة مئة بالمئة لتلك العلاقات. للإنسان معايير تحدد تلك المعايير أيديولوجيته، وهذا بالطبع بحث منفصل ويطول كثيراً. هذه هي القضية نفسها المطروحة في القرآن بعنوان "في سبيل الله": «قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا ۖ فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ» (الآية 13 – آل عمران)
في سبيل الله، أي في سبيل المثل الأعلى، في سبيل الإيمان، الإنسان المرتبط بالعقيدة والمرتبط بالإيديولوجيا، يتحرر قهراً من قيود جبر البيئة. الإنسان المرتبط بالإيمان متحرر من البيئة، لا يسيطر عليه جبر البيئة الاجتماعية ولا جبر البيئة الداخلية أي الحيوانية، أو بتعبير الدين، هوى النفس. مثل هذا الإنسان يشكل صفاً منفصلاً في مقابل الإنسان ذي الصفات الحيوانية، المنغمس في منفعة ذاته، الساعي وراء الجاه، المغرور. وبهذه الطريقة، فإن قطبية الإنسان الذاتية تؤدي إلى قطبية المجتمع أيضاً. هذان القطبان هما البشر الذين بلغوا الكمال والبشر المنغمسون في الحيوانية. حرب الحق والباطل تقع على الدوام بين هاتين المجموعتين. تكامل التاريخ يسير نحو الارتباط بالعقيدة والمثل الأعلى والإيديولوجيا والتحرر من البيئات الخارجية والداخلية والطبيعية والاجتماعية وكل هذه الأمور. لكن معنى هذا التحرر ليس أن الإنسان لن تكون له علاقة بهذه البيئات؛ لا يقعنّ خطأ، التحرر بهذا المعنى هو أن الإنسان لم يعد تابعاً للبيئة، بل البيئة هي التي صارت تابعة له. كلما ازداد الإنسان كمالاً، رجحت كفة العلاقة المتبادلة لصالح الإنسانية، وبتعبير قدمائنا، يصبح العقل حاكماً على النفس. ومن الناحية العلمية، الوضع على هذا المنوال أيضاً، الإنسان على الدوام على علاقة بالطبيعة، لا يستطيع أن يقطع علاقته بالطبيعة، ولكن الإنسان كلما كان أكثر جهلاً، كانت الطبيعة مسيطرة عليه، وكلما بلغ كمالاً علمياً أكبر، فإن العلاقة لا تنقطع فحسب، بل تزداد أكثر، غير أن اتجاهها يتغير ويسير في اتجاه سيطرة الإنسان على الطبيعة.
أظن أن ما قلته يمكن طرحه على هذا الشكل: هل لعلم الاجتماع استقلالية في مقابل علم النفس، أم أن لعلم النفس استقلالية في مقابل علم الاجتماع؟ بتعبير آخر، إذا أردنا أن نتحدث بلغة علمية، فهل القوانين السوسيولوجية والعلاقات السائدة بين الناس في المجتمع قابلة للرد إلى قوانين علم النفس، أم أن ما ينبثق من نفس البشر هو القابل للرد إلى قوانين علم الاجتماع؟
هذا البحث، على الرغم من كونه بحثاً ضرورياً وحساساً للغاية، إلا أنه يبعدنا عن الموضوع الرئيسي، لذا، وبعد إذنكم، سنعود إلى صلب الموضوع الرئيسي، أي تحديد ماهية الثورة الإسلامية الإيرانية والإجابة عن هذا السؤال: هل هذه الثورة ثورة إسلامية أم لا؟ إن الثورة الإيرانية نفسها يمكن أن تكون معياراً مناسباً لهذا البحث، بمعنى أننا لا نريد أن نفسر الثورة الإسلامية الإيرانية بناءً على النظريات الموجودة، بل على العكس، نريد أن نفحص صحة تلك النظريات وسقمها ونختبرها بناءً على هذه الثورة.
حقاً، إن المنهج العلمي هو هذا بالضبط، نأخذ الفرضية أولاً ثم نختبرها.
لقد حدثت في إيران ثورة قلبت كل المعادلات، وجعلت الحسابات العلمية والسوسيولوجية -كما يُزعم- أثراً بعد عين. لم يكن أحد يصدق أن تقوم ثورة يكون منطلقها المساجد، في حين لا توجد أي تنظيمات بين الناس، ولم يسبق للناس أي تمرين حزبي أو ثوري. على كل حال، نرى أن الغربيين أيضاً يعتبرون هذه الثورة ظاهرة جديدة.
ألا تظنون أن السبب في ذلك هو أن النظام السابق كان قد أغلق كل الأبواب في وجه الناس، فاضطر الناس بالتالي إلى أن يتحدثوا ويتحركوا فقط من خلال المسجد؟
صحيح أن الناس تحدثوا عبر المساجد، لكن نقاشنا هنا يصل بالضرورة إلى بحث ما الذي كان لدى الناس ليقولوه، والإجابة عن هذا السؤال تعود إلى تحليل طبيعة الثورة الإيرانية. يمكننا تحليل هذه الثورة من طريقين: الأول أن ننظر من هم الذين دفعوا هذه الثورة إلى الأمام؟ من هم الذين حملوا راية هذه الثورة على أكتافهم؟ هل حملتها طبقة واحدة أم كل الناس؟ هل كانت الثورة واسعة النطاق أم مقتصرة على مجموعة واحدة؟ وإذا افترضنا وجود مجموعة طليعية هنا كانت تجر وراءها المجموعات الأخرى، فمن كانت تلك المجموعة الطليعية؟ أعتقد أنه لا شك في أن هذه الثورة كانت ثورة واسعة وشاملة، وضمت كل المجموعات والطبقات؛ كانت ناراً اشتعلت من نقطة واحدة، لكنها نار محرقة للنظام أثرت تدريجياً في كل المؤسسات الاجتماعية، حتى المجموعات التي لم تكن تُعتبر العامل الرئيسي للطبقة الحاكمة لكنها كانت في خدمة الطبقة الحاكمة، مثل الطبقات الدنيا من الجيش، فقد انخرطت هي الأخرى في النشاط في خدمة الثورة بكل جوارحها وقلوبها. وصل الأمر إلى أن مسؤولاً عسكرياً رفيعاً حين كان يريد الذهاب إلى مقر عمله كان يذهب مع عشرة حراس، ومع ذلك كان يغلق الباب على نفسه. كان هؤلاء يخافون حتى من خدمهم. كان اتساع الثورة بحيث لا يستطيع أحد أن يعتبرها ملكاً لمجموعة خاصة، كل الطبقات والمجموعات شاركت فيها بشغف؛ حتى المجموعات التي تُسمى مستضعفة ومحرومة والتي كانت تشارك في المظاهرات والإضرابات، كانت تصر على القول إن مظاهراتنا وإضراباتنا ليست من أجل الحقوق وزيادة الأجر؛ كانوا يعتبرون من العار والشنار أن يقولوا إن لثورتنا جانباً رفاهياً ومادياً، أو أنها فقط لكي نشبع بطوننا، كانوا يقولون إننا نقاتل من أجل العدالة، وفي ظل العدالة تشبع كل البطون، وستشبع بطوننا أيضاً. الطريق الآخر لتحليل الثورة هو بحث جذورها؛ لمعرفة جذور الثورة، يجب أن نحلل بشكل جيد تاريخ الخمسين سنة الأخيرة، بل المئة سنة الأخيرة على وجه الخصوص؛ أحد هذه الجذور هو الاستبداد العنيف الذي حكم مجتمعنا في هذه المدة، وعامل آخر هو الاستعمار الذي أصبح مؤخراً غير مرئي - الاستعمار الجديد - ولكن العيون المبصرة كانت ترى بالطبع أنه على الرغم من سلسلة إصلاحات مزعومة، فإن الفجوات الطبقية كانت تزداد يوماً بعد يوم. وإلى جانب هذا العامل، كان العامل الحاسم الذي احتوى كل العوامل الأخرى واستطاع أن يقلب كل الطبقات بشكل منسجم في مسار واحد، هو جرح العواطف الإسلامية لهذا الشعب. كان الناس يرون كيف تُنتهك الأحكام الإسلامية عملياً. كان الناس يرون كيف تتم محاربة الأدب الفارسي، بحجة محاربة الكلمات الدخيلة، فقط لكونه إسلامياً...
للأسف لم يتبق سوى وقت قليل جداً، أعتقد أن وقت الخلاصة قد حان، رغم أننا لم نتناول بعد كل المقدمات.
حسناً، سأوجز النقاش، لكنني قلت بشكل ناقص إن جرح العواطف الإسلامية كان العامل الرئيسي المنسق لقوى الشعب. وكما يقول أحد أساتذة الأدباء المتخصص في تاريخ العصر المغولي، فإن المرء حين يدرس تاريخ العصر المغولي يرى أن المغول دمروا كل مكان، لكن الناس لا يقولون إن إيران ضاعت، بل يقولون في كل مكان إن الإسلام زال، أي أن الإيمان كان أعز على الناس من الوطن، وهذا من جملة الأمور التي يصعب على الغربيين فهمها، وربما يكون مستحيلاً. في ثورتنا هذه نفسها شهدتم أنه على الرغم من كل الضغوط والتعديات، فإن عود الثقاب الذي أشعل النار في هشيم الثورة كان مقالاً كُتب ضد الزعيم الديني المحبوب لدى الناس. المسألة المهمة جداً التي لها دور حاسم في تحليل الثورة الإيرانية والتي يؤسفني كثيراً أنني لم أستطع مناقشتها في هذه الجلسة هي مسألة قيادة الثورة، والتي سأطرحها إن شاء الله في فرصة أخرى.
.
الفلسفة
علم الاجتماع
العلوم السياسية
العلوم السياسية
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.