اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يقدم التجديد الديني، بنقده لتحريفات عاشوراء؛ الجمود والاستبداد والتطرف، تأويلاً أصيلاً لهذه الواقعة. فالحسين بن علي هو نموذج المقاومة ضد الاستبداد ورمز سياسة التحرر الذي هتف 'عش حراً أيها البشر، عش حراً أيها البشر'.

رُويت قصة الحسين بن علي (ع) وواقعة عاشوراء وفُسّرت بطرق شتى. لقد تناولت الروايات الملحمية والتراجيدية والتفاسير العاطفية والتاريخية والأخلاقية والعرفانية والسياسية، بأساليب مختلفة، طبيعة وأهداف فعل وحركة الحسين (ع) ونتائجها وتداعياتها. وهذا التعدد والتنوع لا يعود إلى اختلاف المعطيات التاريخية بقدر ما يعود إلى الاختلاف في رؤية واهتمامات الرواة والمفسرين. واستناداً إلى هذه الرؤى والاهتمامات، تُنتقى المعطيات التاريخية وتُبرز جوانب من الواقعة لتبرير ذلك الرواية والتفسير وتدليلهما.
إن التنوير الديني، بوصفه تياراً يسعى إلى فهم وتفسير أصيل وعصري ومستجيب لحاجات اليوم من الدين، ويمتد عمره قرابة قرنين من الزمان، يضطلع في فهم وتفسير عاشوراء برسالتين ومسؤوليتين مهمتين: الأولى نقد التصورات المحرفة عن عاشوراء، والثانية تبيين وتفسير هذا الحدث التاريخي المهم الذي يتمتع بمكانة رمزية في التشيع.
فيما يتعلق بالرسالة الأولى، يمكن القول إن عاشوراء تتعرض للتحريف وسوء التأويل من ثلاث جهات: الجمود والخرافات، والاستبداد، والتطرف. ويزداد الوضع تعقيداً حينما تقترن هذه العوامل الثلاثة ببعضها. لقد انصبت جهود المتنورين الدينيين، من السيد جمال إلى شريعتي ومطهري، دوماً على التصدي لهذه الأنواع الثلاثة من التحريف.
يشير الجمود إلى نوع من الفهم السطحي للدين يقوم على افتراضات قدرية مسبقة، ولا يعتد في فهم الدين إلا بظواهر النصوص الدينية، ولا سيما الأحاديث ضعيفة الاعتبار أو عديمته. وهذا المنظور، عبر رواية تراجيدية لعاشوراء، يختزلها من نموذج للنضال ضد الظلم والجور إلى ذريعة للعويل والنحيب، ويجعلها وسيلة للتغاضي عن السلوكيات غير الأخلاقية والخاطئة الشائعة بين الشيعة والصفح عنها.
الاستبداد بنية سياسية تعود فيها القرارات المهمة في نهاية المطاف إلى فرد واحد، ويمارس سلطته على الجميع من موقع فوق القانون. إن أنصار الاستبداد، الذين هم على حد تعبير النائيني أشد ضرراً على جماهير الشيعة من جيش يزيد، يتخذون من إقامة مراسم العزاء على سيد الشهداء أداة لترسيخ سلطتهم. هذا التيار يضع النعل مقلوباً، ومن خلال نوع من المحاكاة التاريخية يضع نفسه في موضع الحسين ويتهم مخالفيه بأنهم من أتباع يزيد.
لقد شهد التشيع نماذج كثيرة من هذا النوع من التحريف، والتشيع الصفوي أحدها. تُظهر هذه التجربة بوضوح أن أفخم مراسم العزاء يمكن أن يقيمها أناس لا تربطهم أية صلة بمُثُل الحسين بن علي (ع) ومسلكه، بل إنهم بالاحتماء بخيمته يقمعون النضال ضد الظلم والتوق إلى الحرية.
التطرف تيار يقدم فهماً عنيفاً وراديكالياً للإسلام، ومن خلال رسم جبهتين للحق والباطل، يضع نفسه في جبهة الحق ومخالفيه في جبهة الباطل. وهذا التيار أيضاً، عبر تقديم وجه محارب وعدائي للحسين بن علي، يسعى إلى تبرير سلوكياته العنيفة. إنهم، دون الالتفات إلى المعطيات التاريخية الكثيرة التي تدل على تجنب الحسين بن علي للقتال مع جيش ابن زياد وسعيه لحل الواقعة بالطرق السلمية، يقدمونه بوصفه متمرداً عنيفاً لا يعرف إلا السيف لبلوغ هدفه.
إن التنوير الديني، بنقده هذه التصورات المحرفة الثلاثة، يضطلع في المرحلة التالية بمسؤولية تقديم تفسير صحيح لعاشوراء يمكن أن يكون نموذجاً لحياة الشيعي اليوم. وسيكون رسم الحدود الفاصلة مع هذه التيارات الثلاثة الخطوة الأولى الممهدة لمثل هذا التفسير.
في هذا التفسير، ومن خلال رواية ملحمية، يُقدم الحسين بن علي بوصفه نموذجاً للمقاومة والصمود في وجه الاستبداد الأموي الناشئ، الذي كان يسعى إلى ترسيخ دعائمه عبر تخدير الجماهير، وإفساد الكبراء، وقمع دعاة الحرية. لقد بشر الحسين بن علي بنوع من سياسة التحرر المؤسسة على أخلاق المقاومة. لقد فكر في برنامجه بكل التدابير العقلانية اللازمة لمنع إراقة الدماء، لكنه حين وُضع بين خيارين: الذل أو الشهادة، تخبط في دمه. وما يزال نداؤه يتردد على قمة التاريخ: عش حراً أيها البشر، عش حراً أيها البشر
.
.
.
.
الدين
الدين
الدين
الدين
الدين
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.