اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
العَرَضية ووحدة الوجود مذهبان فكريان يسعيان إلى وحدة المعارف البشرية؛ الأول برفض سببية الطبيعة وإرجاع الفعل إلى الله، والثاني باعتبار الموجودات تجليًا للذات الإلهية. وقد جرى تحليل أوجه الاشتراك بين هذين المنظورين في فكر الغزالي ومالبرانش وتفسير وحدة الوجود.

لقد شكّلت العرضانية (Occasionalism) ووحدة الوجود (Pantheism) بوصفهما مذهبين فكريين، المادة الأساسية للعديد من الحركات الفلسفية. في الواقع، عزّز هذان المذهبان الميلَ إلى تنظيم المعارف والعلوم الإنسانية وتوحيدها، ووجّهاه نحو بلوغ الغايات المتعالية. وكان ديكارت، ولايبنتس، وكانط... من بين أولئك الذين بذلوا جهودًا كبيرة في سبيل توحيد جميع العلوم وإرجاعها كلها إلى علم واحد. العرضانية هي قراءة دينية وتفسير كلامي لمسألة العلّية في مجال الطبيعيات. إنها، في الحقيقة، مسعى وسعيٌ لتأسيس نظام كلامي عُدّلت فيه مسألة العلّية وسُوّيت على نحو يمكنها من أن تكون مفسِّرة ومبيِّنة لفعل إله الدين. وبعبارة أبسط، تقوم فلسفة العرضانية على أساس أن هناك موجودًا واحدًا فريدًا في الكون، تنبثق عنه جميع المخلوقات. في المقابل، يعتقد أصحاب مذهب وحدة الوجود أن جميع الموجودات هي تجلّيات لله، وأن أصل كل الأشياء هو الوجود الحقيقي الذي هو الله، فكل ما هو كائن هو تجلٍّ له؛ «ليس في الدار غير ديّار»، وهو ما يعني في الحقيقة عودة كل الأشياء، في عين الكثرة، إلى الوحدة. وبهذا التفسير، تكون الأشياء والموجودات إعلانات وجودية، موجودة جميعًا في صقع العلم الإلهي تحت مسمى الأعيان الثابتة، والله بمنزلة موجود يتجلّى ويتحقّق على الدوام في مرآة ذاته بهيئات شتى لذاته الإلهية اللامتناهية واللامحدودة. لا يمكن القول فقط إن النفس التي تعرف الحقيقة قد عرفت، إلى حدّ ما، الإله الذي تنطوي عليه الحقيقة، بل يمكن القول أيضًا إنها تعرف الأشياء، إلى حدّ ما، على النحو الذي يعرفها به الله. فهذه النفس تحصل في الحقيقة على معرفة بالعلاقات الحقيقية للأشياء التي يعلمها الله. إنها تعرفها من خلال إدراك كمالات الله التي تمثّل تلك الأشياء، والله أيضًا يعرفها على هذا النحو. في الطبيعيات، ينقل الغزالي مسائل عن الفلاسفة ويقول إن مخالفتهم ليست واجبة شرعًا إلا في أربعة أمور. المسألة الأولى من تلك المسائل الأربع، والتي تُعرف بمسألة «تهافت الفلاسفة» السابعة عشرة، وهي أهم مسائل هذا الكتاب وأشهرها وتُعدّ من إبداعات الغزالي، هي مسألة ردّ أصل السببية (الغزالي، 1361: 231) في الطبيعة وإرجاعها إلى الاقتران. ومن قبيل المصادفة، فإن أهم مسألة في كتاب «البحث عن الحقيقة» التي تُطرح بوصفها مقدمة لهذه المسألة بالذات، والتي تُعدّ أشهر آراء مالبرانش، هي مسألة «العرضانية» نفسها، أي ردّ أصل السببية في الطبيعة وإنكارها وإرجاعها إلى «الاقتران». يقول الغزالي: «إن الفلاسفة يحكمون بأن هذا الاقتران المشهود في عالم الوجود، بين الأسباب والمسببات، هو اقتران يلزم بالضرورة» (المصدر نفسه: ص 234). الاقتران بين ما يُسمى عادةً سببًا وما يُسمى مسبَّبًا ليس ضروريًا عندنا، بل اقترانهما إنما هو بتقدير الله سبحانه الذي خلقهما مقترنين، لا أنه ضروري في نفسه وغير قابل للانفكاك (راجع، المصدر نفسه: ص 237). لنيكولا مالبرانش نظريتان مشهورتان:
1- العرضانية (لا مؤثر في الوجود إلا الله) في البعد الميتافيزيقي
2- الرؤية في الله في بُعد نظرية المعرفة. يوجد تشابه كبير جدًا بين نظرية مالبرانش العرضانية ورأي الأشاعرة في كيفية فاعلية الله تعالى في الوجود. فكلا القولين يدّعي أنه لا مؤثر ولا فاعل في الوجود إلا الله. وهذا الكلام ليس جديدًا، فكل من ألمّ بالقولين، بغض النظر عن كونه شرقيًا أو غربيًا، مسيحيًا أو مسلمًا، قد أدرك هذا التشابه. وقد عبّر عن هذه النقطة جيلسون الفرنسي، والدكتور محمد علي بوريان أستاذ الفلسفة في جامعات الإسكندرية (راجع، جيلسون، 1402: ص 78)، وماجد فخري من بيروت (راجع، ابن عربي، 1366: ص 80)، وأبو العلا عفيفي من مصر (راجع، شريف، 1365: ص 327)، وأ. ك. م. عبد الحي أستاذ الفلسفة في الكلية الحكومية بباكستان، والدكتور سليمان دنيا من مصر (راجع، السهروردي، 1372: ص 39)، وآخرون كثيرون، واعتبروا عرضانية مالبرانش ونظرية الاقتران عند الأشاعرة شيئًا واحدًا. لكن من السمات المهمة للعرضانية يمكن الإشارة إلى ما يلي:
1- حضور الله في كل حركة وكون وفساد.
2- المواجهة مع إله له غضب ورضا، ورحمة وانتقام.
3- في هذه النظرية، لا شيء واجب أو لازم على الله (على عكس الربوبية).
4- رفض مبدأ السببية في الطبيعة.
5- نظرية الكسب.
6- جميع الأفعال صادرة عن الله. (راجع، جيلسون، 1402: صص 48-50)
ولكن اليوم يُستعمل مصطلح البانثيسم للتعبير عن مضمون وفحوى وحدة الوجود. وقد تُرجم البانثيسم خطأً بمعنى "كل شيء إله"، أي أن جميع موجودات العالم هي جزء من الله وتشكل بمجموعها إلهاً واحداً. تعرف البانثيسم الله بصفة الحلول في العالم، وإحدى السمات الأساسية للبانثيسم هي أن الله حالٌّ تماماً في العالم، وبعبارة أخرى، تنفي هذه النظرة الإلهيةَ القائلة بأن الله متعالٍ عن العالم. ففي هذا المنظور، الله والعالم واحد، وليس إلهاً متشخصاً كإله الأديان. يمكن البحث عن النموذج البارز للبانثيسم في أحد الفيدات الهندية. "كان بوروشا ذا ألف رأس، وألف عين، وألف قدم. كان يحيط بالأرض كلها من جميع جوانبها ويتجاوزها بعرض عشر أصابع. بوروشا هو في الحقيقة كل هذا (العالم المرئي)، وما سيكون. هو رب الأبدية، وبسبب حرارة (القربان) ينمو إلى ما وراء ذلك. هكذا هي عظمته، بل إن بوروشا أعظم من هذا. جميع الكائنات ربعٌ منه، وثلاثة أرباعه الأخرى خالدة في السماء. عندما أقام الآلهة القربان ببوروشا، كان الربيع زيتها، والصيف حطبها... هم (الآلهة) ذبحوا بوروشا، الذي وُلد قبل (الخلق)، قرباناً على العشب المقدس، وكانت معه آلهة، وأولئك الذين كانوا 'ريشيين' قربوه. عندما ذبحوا بوروشا، قسموه إلى عدة قطع: كان فمه 'براهمان'، وذراعاه 'كشاتريا'، وفخذاه 'فايشيا'، و'شودرا' نشأت من قدميه. من دماغه نشأ القمر، ومن عينه الشمس، ومن فمه نشأ 'إندرا' و'آغني'، ومن أنفاسه هبت الريح. من سرّته ظهر الفلك، ومن رأسه العرش، ومن قدميه الأرض، ومن أذنه ظهرت جوانب العالم وأطرافه. هكذا تكوّن عالم الوجود." (راجع، كاكائي، 1381: صص 61-62) ولكن في بحار الأديان المختلفة المتلاطمة، ثمة دائماً شاطئ ومرفأ مشترك، يقع، على عكس الشواطئ الأخرى، في وسط هذا البحر، وحول هذا المضيق تأتي سفن (ترمز للإنسان) وتعبر، أو تضرب خيامها بجانبه وتمكث، أو تواصل طريقها بغير حذق؛ أحياناً تصيبها العواصف، أو تنزلق كالزبد على وجه الماء وتذهب به يمنة ويسرة. في ماضٍ غير بعيد، لم تكن هناك سوى كلمة سر واحدة لعبور القوافل. بينما اليوم، بظهور أناس يدّعون أنهم ورثتهم، وبإهمالهم وإبعادهم لأنفسهم عن التيار الرئيسي، كالابن الذي أضاع بيت نبوته، أوجدوا لهذه الكلمة ألف تفسير، أدبي وعرفاني وفلسفي ونفساني وجدلي كما يُزعم. هذه التفاسير، التي غالباً ما صدرت عن ربابنة قليلي الخبرة استطاعوا بالخداع والمكر أن يصنعوا لأنفسهم محفلاً ويجدوا موطئ قدم بين الربابنة ذوي الخبرة، لم تستطع لا أن تساعد في عبور السفن القوية المحملة حديثاً بشكل أسرع، بل عطلتها أياماً وسنين، وكم من سفينة جنحت بهم. ومن هنا تحديداً:
حرب الاثنتين والسبعين ملة، كلها ضع لها عذراً
لأنهم لم يروا الحقيقة، سلكوا طريق الأسطورة (غني قزويني، 1382: ص48)
بابا طاهر ليس من النوع الأديب، ولا الفيلسوف، ولا الاجتماعي، ولا إلى غير ذلك مما هنالك. عرفانه، هو عرفان تعلمه عرفانياً. إنه يعلم أن ما تعلمه عمراً في المدرسة قد يفقده بغمزة من الساقي. لذلك تضيق نفسه بقال وقيل المدرسة، ويتعلم ألا يبل شفتيه من هذا النهر. أي تحليل، سواء أكان مادياً أم غير مادي، وسواء أكان عالماً أم غير عالم، ليس إلا نظرة من زاوية ومن كوة إلى مشهد هو أكبر بكثير من هذه الكوة، وهذا المشهد ليس سوى عالم الكون والمكان. إنه من سلالة العشق. متحرر لا يريد لذاته أن تتحلل وتفنى في الظلمات وليالي الغبار. هو سالك مجذوب، أسكروه ليلة بالكأس كحافظ. وجوده المملوء من الفراغ يميت في قلبه الموت والفناء والكيف والكم.
درجات سلم صعود بابا طاهر ليست من جنس الدرجات الندية البلورية. لقد مزق غم الفراق قلبه. حتى إنه يفقد صبره وجلده أحيانًا فيصرخ بمعشوقه قائلًا:
أقسم بالله وبالله وتالله
قسمًا بآية نصر من الله
بأني لن أرفع يدي عن ذيلك
حتى لو قُتلت فالحكم لله (بابا طاهر، 1383، ص10)
إنه يعلم أنه تذرو مسكين بلا ريش، وشمعة محترقة بلا رأس، وحقيبته المثقلة على الظهر ملأى بالفراغ. لكنه إذ يعلم أن إلهه في كل مكان وأن كل شيء يمثله، يطمئن قلبه ويستبطن قوله تعالى: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} استبطانًا حسنًا. هذه النقطة بالضبط على خلاف مذهب المناسباتيين الذين تقوم أفكارهم على مركزية الإله لا على وحدة الوجود. إنه يخشى أن يخطئ سهم معشوقه المجذوب في قوسه، والذي ينوي قتله، لا قدر الله؛ لأنه لا يعرف فنًا أفضل من الغم. فغم العشق هو الذي جعله عاريًا ربيب البيداء:
غمي غمٌ، وغمي مؤانس قلبي
غمي مصاحبي ومؤانسي ونديمي
أمهلني يا غم فإني وحيد جليس
هنيئًا، بارك الله، مرحبًا أيها الغم (المصدر نفسه: ص 8)
إنه يعلم أنه خُلق طاهرًا في يوم الأزل. وقد تقبل {كُنْ فَيَكُونُ} بكل كيانه وإيمانه راسخ:
أنت تأتي بالليل من بعد النهار
وقد حيي الكون والمكان بقدرتك
استمع الحقيقة من طاهر إذ يقول
بـ «كن» واحدة طُوي خلق العالمين (المصدر نفسه: ص 77)
وعلى هذا الأساس، فالإنسان في نظره مرآة صافية لله، وهو يرى فيه مظهر جميع الأسماء والصفات الربوبية. إن تلقي الإنسان (الإنسان الكامل) هذا جعله يتصور كل شيء، ومنه الإنسان، وجودًا إلهيًا منبسطًا وممتدًا. فإذا كان ابن عربي يرى الإنسان هكذا:
الإنسان الكبير هو رأس الأسماء (ابن عربي، 1388، ج 13: ف66)
الإنسان يجمع جميع حقائق العالم (المصدر نفسه، 97)
الإنسان الكامل تاج الملك
الإنسان الكامل مستهلك في الحق والحق مستهلك فيه. (المصدر نفسه، ج12: ف455)
فإن بابا طاهر أيضًا يصرخ قائلًا:
أيها القلب، غافل عن سبحانيتك، فماذا تجني؟
مطيعًا للنفس الشيطانية، فماذا تجني؟
إن قدرك لأعلى من الملائكة
وأنت لا تعرف قدرك، فماذا تجني؟ (بابا طاهر، 1383: ص50)
من جملة تناقضات فكر بابا طاهر مع مذهب المناسباتية أن الشاعر، على خلاف هذا المذهب، يعلي من قيمة الاختيار عند الإنسان. إنه يعتقد أنه بالرغم من القسمة الأزلية، يبقى الإنسان نفسه هو من يختار طريق السعادة أو الشقاء. إن سعادة البشر وشقاءهم هو مستقبل يتشكل بناءً على أفكارهم. لذا يرى الشاعر أن سعادة العالم الآخر تكمن في شقاء هذا العالم وفي كون القلب داميًا، ويقول:
أيها القلب، إن الحسان يستحسنون القلب الدامي
أيها القلب، كن دمًا فهذا ما يستحسنه الحسان
بضاعة الكفر والدين لا تخلو من مشترٍ
فريق يرضى بهذا، وفريق يرضى بذاك. (المصدر نفسه: ص 68)
وهو أيضاً يصرّح في موضع آخر بأن البشر المؤمنين أو السكارى الثملين، جميعهم إيمانهم منك، لكن كون المرء مجوسياً أو مسلماً فهو بيده هو:
إن كنا سكارى ثملين فمِن إيمانك
وإن كنا بلا اعتقاد فمِن إيمانك (المصدر نفسه: ص 47)
إن كنا مجوساً أو نصرانياً أو مسلماً
على أي ملة نكن فمِن إيمانك. (المصدر نفسه: ص 55)
أجل، نداؤه نداء جرس يصرخ معلناً رحيل المحامل. ونغم مزماره يشكو الفراق، وكالناي الوحيد يئن في هذا القصب الوحيد. فكر طاهر، طاهر، وهو كجريان نهر ينساب بصفائه على فراش من حجارة ورمال الأزمنة المكفهرة بالغم، وإن كان مساره الفكري يجر القارئ أحياناً إلى لامكان اليأس. لكن الأوهام والانحرافات الفكرية بين ما كان وما لم يكن، لا تدفع المرء إلى الهلاك.
أيها الأعزاء، إنه موسم الدرع المزهر
المرج على العشب، والصحراء مزرعة شقائق
اغتنم لحظة الفرصة في هذا الفصل
فإن دنيا الدنيء لا اعتبار لها (المصدر نفسه: ص55)
لأن عشقه ليس مما يُتعلم، بل هو مما يأتي. آتٍ قد غُرس في كيانه منذ يوم الأزل ويوم خلق البشر:
غم عشقك رأيته مولوداً معي
لم أره من تعليم أستاذ
وإني لسعيد أني بيمن غمك
رأيت خراب القلب عمراناً (المصدر نفسه: ص56)
لكنه يعلم أن دربه درب محفوف بالمخاطر، وأن إيصال أمانة الله إلى بر الأمان ينطوي على صعاب جمة. إنه حامل، حامل أمانة عظيمة. أمانة أبت السماوات والأرض أن يحملنها وأشفقن منها. لكنه، لاعتقاده أنه ولد طاهراً منذ الأزل:
أنا منذ الأزل ولدت طاهراً
ومن أجل ذاك اسمي بابا طاهر (المصدر نفسه: ص54)
لا يسلم نفسه للنسيان. فمادام هدفه البحر، فهو يتحد بالبحر ويحب أن يموت ذات ليلة في أحضان البحر. "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ" هي له هادية ومنقذة وساحل الأمان. وهو على خلاف أصحاب مذهب المناسبة الذين يعتقدون أن قوى الإنسان المحركة والمدركة بيد الله، وأن المتكفل بجميع أعمال الإنسان، حركة وإدراكاً، هو الله وحده، يعتقد أن الإنسان صاحب إرادة واختيار. وهو يرى نفسه من جذر آدم وحواء، وهذه النظرية على النقيض تماماً من فكر العرفاء الذين يرون معصية آدم مشيئة وإرادة إلهية:
أنا ذلك الخليع الذي رأيته عاصياً
بيد كأس وبيد قارورة رأيته
إن كنت بلا خطيئة فاذهب واملك
أنا من حواء وآدم رأيت جذوري (المصدر نفسه: ص80)
يُضرم ذكريات اللحظات العاشقة والليالي الطوال وجودَه نارًا. لحظات خضراء هي عنده أشدّ خضرةً من حلم الله. ليله مفعم بالشمع والشراب والشاهد والحلاوة، شاهدٌ يحمل شوق رأسه إلى كويها، وقد ترسّب في قلبه عشق محيّاها. شاهدٌ حيثما نظر رآها، ومنها يعرف داءه ودواءه ووصله وهجرانه. لكن الدنيا وأهلها يوقعانه أحيانًا في الشك والريب، فيصيبه ضربٌ من الحيرة والتيه:
لا أدري لِمَ أنا سرگردان
تارةً نائحًا وتارةً باكيًا لِمَ أنا
كلّ من رأى الدهرَ وجد الدواء
لا أعلم أنا الذي بلا دواء لِمَ أنا (المصدر نفسه: ص94)
ومن جهة أخرى يرى نفسه مثقلًا بالمعاصي:
أيها القلب، دربُك مملوء بالتراب والخسك
وممرُّك على أوج الفلك
ليلٌ دامس وصحراء بعيدة المنزل
هنيئًا لمن كان حمله أخفّ (المصدر نفسه: ص 69)
يرى طريقه دربًا محفوفًا بالمخاطر، ويعزو علّته إلى جهله بكيفية طريق السير والسلوك، ويعترف بذلك صراحةً:
بجهلٍ سلكتُ دربًا معوجًا
لم أعلم أني أهوي في بئر
قلتُ في قلبي: رفيقٌ حتى المنزل
لم أعلم أنه رفيق نصف الطريق (المصدر نفسه: ص65)
وهنا بالضبط تكتسب أشعاره وأبياته رائحة أشعار الخيام، ويطلق نداءً ظاهره عدم اعتبار الدنيا. وهنا بالضبط يجد الموتَ مفزعًا:
صوتُ جلّادي الموت آتٍ
إلى الأذن صوتُ النزع آتٍ
الرفاق يمضون نوبةً بعد نوبة
لكن تلك الساعة التي تأتي فيها نوبتي (المصدر نفسه: ص27)
فكره القائل بوحدة الوجود يخلق أمامه مسارًا وأفقًا جديدين، ويجيب عن كل حيرته وتساؤلاته التي ثارت لديه. الفارق بين بابا طاهر وأصحاب مذهب المناسبة هو أن عرفان بابا طاهر ينطوي على ثلاثة عناصر: تجلي الوحدة، والقرب، والمعية. وفارقه عن الحكماء هو أن:
شأن الحكمة رؤية وفرمودة
وشأن العارف رؤية وإفاضة
ذاك يزن بميزان الفن
وهذا يزن بميزان النظر (المصدر نفسه: ص59)
وهو نفسه يقول:
عينايّ تؤلمان، عيناك تقتلعان
لا تكن روحًا تراك عيناي
سمعتُ أنك ذهبت واتخذت يارًا
إن سمعت أذناي فلا ترى عيناي (المصدر نفسه: ص 75)
وعلى هذا الأساس يخطو في طريق المعرفة بثبات أشد، وحيث إن المعرفة قابلة للإدراك في ثلاثة مجالات، فإنه يوسّع نطاق معرفته بالله. هذه المجالات الثلاثة هي: معرفة الذات، ومعرفة الأفعال، ومعرفة الصفات.
إذا كان قد قال حتى الآن:
خوشــا آنانكه الله یـارشان بی
بحمد و قل هوالله كارشان بی
خـوشا آنانكه دایم در نمـازند
بهشـت جاودان بازارشـان بی (همان:ص 49)
حال می گوید:
دلـم میــل گل روی تـه دیده
سرم سودای گیسوی تـه دیده
اگــر چشمم بماه نـوكره میل
نظر بر طـاق ابروی ته دیده (همان:ص 67)
شخصی درون او مدام فریاد می كشد پیامی در گوش هایش آواز خوبی می خواند. نسیم یار مدامش مست می دارد و راز درونیش را برملا می سازد. اما او كه ندای درونش را نمی شناسد.
به دنبال یاری می گردد تا رازش را با او در میان بگذارد. آیا كسی هست كه راز او را بداند و از این رو به آن رویش بگرداند:
كسیكه بفریــادم بــردنی
خبر بر سرو آزادم بردنی (همان:ص 91)
و مدام فریاد می زند كه:
نمـی دانم كـه رازم بـا كـه واجم
غم و سوز و گـدازم بـا كـه واجم
چه واجم هر كه دونه میكره فاش
دگــر راز و نیــازم بـا كه واجم (همان: ص 82)
من بين الأساليب الأخرى التي تعبر عن تناقضية بابا طاهر مع أفكار المدرسة العرضية يمكن النظر في هذه النقطة، وهي أن الشاعر، على عكس هذه المدرسة التي ترفض مبدأ السببية في الطبيعة، يعتبر السبب من بين القوى الدافعة للسالك نحو كعبته. وكأنه، مثل سنائي، يتصور طريقًا خاصًا لبلوغ المقصود. فهو يقول إنه للوصول إلى شمس الحقيقة، يجب أولاً تعلم علم القيل والقال في المدرسة والكتّاب، ثم تعلم علم الحال في الخانقاه، وبعد ذلك الوصول إلى سيمرغ الحقيقة. في الواقع، يجتاز الشاعر هذه المراحل الثلاث أيضًا:
علم الشريعة (علم القال) علم الطريقة (علم الحال) الحقيقة
تو که ناخـوانـده ای عـلم سماوات
تـو کـه نابـرده ای ره در خـرابـات
تو که سـود و زیـان خـود نـدانـی
به یاران کی رسی هیهات! هیهات! (همان: ص 93)
إنه يرغب في الابتعاد عن هذا العالم الفاني؛ وإزاحة الحجب الدنيوية جانبًا، والهتاف بالبشرى لأولئك الذين تلاشت أبدانهم وأرواحهم في بدن المعشوق وروحه. قلبه الذي كان يشبه خفقان طائر كانت السماء في داخله ملبدة بالغيوم والمطر، قد بلغ السكينة الآن، ولأنه تعب من البحث عن المحراب، فإنه يكشف عن أجمل ملاذ له. لم يعد هو نفسه. لقد تحول لونه في مصنع صبغة الله إلى اللالون، وما أجمله: صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة:
دلـی دیـدم خریدار محبت
كـز او گرمست بازار محبت
لباسـی دوختم بر قامت دل
ز پود محنت و تار محبت (همان: ص 86)
وبهذا الاتحاد عينه يقول الحلاج:
أنا مَن؟ ليلَى ومَن ليلَى؟ أنا
نحن روحٌ واحدٌ في بَدَنَينْ
يا إيازُ من عشقِكَ صرتُ كالشَّعرْ
بقيتُ من قصتِكَ، قصتي أنا احكِ (المصدر نفسه: ص 94)
هذه هي فكرته القائلة بوحدة الوجود ذاتها، حيث يرى اللهَ وذاته شيئًا واحدًا. ويقول مولوي في هذا الشأن أيضًا:
أنت تنادي لا أنا يا مقتدى أنا الطورُ أنت موسى وهذا النداء (مولوي، 1363: ص 1252)
لم يَعُد بحاجةٍ إلى جوابٍ لحيرته ودهشته. لقد بلغ عالمًا جديدًا، ولم تَعُد أمواج العصيان والتمرد العاتية تؤذيه. ذلك المسافر في الشك والريبة، الذي كان الخوف من عدم الوصول قد جذبه إلى فضاء العشق والفناء، لم يَعُد لا يخاف الحزن فحسب، بل صار مستعدًا لأن يُغرز المِبضع في قلبه بدل الحزن ليزداد سُعار عشقه:
إلهي سُعارَ عشقِكَ زِدْهُ
وقلبي الجريحَ بوجعِكَ أَجرِحْهُ
فإنْ غفلتُ عن هذا الغمِّ لحظةً
ففي روحي مئاتُ آلافِ المباضعِ فاغرِزْ (بابا طاهر، 1383: ص 31)
هنا يرفض الغفلة ويُحذِّر قائلاً: ((تفكروا في آلاء الله وفي ذات الله)):
كنتُ صقرًا بازًا ذاهبًا للصيد
فأصابَ سهمٌ بخفةٍ جناحي
لا ترعَ غافلاً في الجبال
فكل غافلٍ يرعى يصيبه السهم (المصدر نفسه: ص 41)
حتى أنه يبلغ به الحال أحيانًا أن يرى الهجوم على أصحابه وأهل زمانه فريضةً ليوقظهم من سبات الغفلة.
لا تفعلْ ما يُثقِلُ كاهلَكَ حجرًا
فتضيقَ بك الدنيا على رحابتها
فغدًا حين يقرأ القارئون الصحائفَ
ترى صحيفتَكَ فيُخزيكَ ما ترى (المصدر نفسه: ص 52)
في مثل هذه اللحظات، تتجاوز آهاتُ بابا العاري الندمَ، ويصير الحفر في الأعماق والمعاناة من الداخل قدره الذي لا مفر منه. صرخاتُه المليئة بـ«لماذا» و«كيف»، المصحوبة بالقلق والعطش للقاء، تزيح الستار عن عينيه ويبلغ قلبُه الطمأنينة. رؤية المعشوق وتجليات الظهور الإلهي هي الحارس الوحيد الذي يمكنه أن يُبعده عن الوساوس.
ما إن تجلّى محيّاه في القلب حبًّا
حتى غدوتُ بحسنه شمسَ المشرق (المصدر نفسه: ص 68)
في المقابل، يُذكِّر بأنه ليس كل من أمال طاقيته يُعَدُّ إسكندرًا، ويقرن حق اليقين بعلم اليقين. لم يَعُد يخشى الموت، بل صار الموتُ هاديًا وخلاصًا وشاطئَ الأمان. ولا يخافه فحسب، بل يعدّ اللحظات لرؤية بارئه، وينتظر تلك اللحظة التي يُسفر فيها عن هذا الوجه، ويُعلن بصراحة أنه ليس على لوح قلبه إلا ألف قامة الحبيب:
مَن يذهبُ في طريق فريادي
ويحملُ خبرًا إلى سرويَ الحُر
ليجتمعَ كل حسان العالم
كسي كه يادت از يادم بردني(همان:ص 33)
ولكن من بين المشتركات بين مذهب وحدة الوجود وأشعار بابا طاهر، يمكن الإشارة إلى السير السلوكي للشاعر من الوحدة الوجودية إلى الوحدة الشهودية. فالشاعر يسعى للوصول إلى مقام يرى فيه أن النظر إلى كل ركن وزاوية من العالم هو نظر إلى وجه الحبيب، وهذا الوجه الجميل للحبيب هو ما يبعث السكينة والطمأنينة في لحظات وحدته:
به صحرا بنگرم،صحرا ته وینم
به دریا بنگـرم دریـا تـه ویـنم
بهر جا بنگرم کوه و در و دشت
نشان از روی زیـبای تـه ویـنم(همان:ص13)
وكأن بابا طاهر، مثل ابن عربي، يرى نفسه في وحدة فريدة مع إلهه، ولم يعد يرى أي مسافة بينهما. والشاعر، في معرض تناوله لهذا الموضوع، يستخدم تمثيل البحر والظرف، ويرى نفسه، مثل درويش عارف (أو بالأحرى: عارف درويش)، التجلي الأصغر لله:
من آن بحرم که در ظرف آمدستم
چـو نقطه بر سـر حـرف آمدسـتم
بهـر الفــی الــف قــدی بــر آیو
الـف قـدم کـه در الـف آمـدستم(همان:ص101)
وبتأثير من فكرة وحدة الوجود هذه بالتحديد يصل إلى رؤية الوحدة الشهودية. فلم تعد عينه قادرة أو مستطيعة أن ترى أحداً سوى المحبوب. فنظره في كل أرجاء الكون وأكنافه لا يرى سواه، وهو يحدق في عينيه، وبشوق لا يوصف أحرق صدره:
بـه سـر شوق سـر کوی تـه دیرم
بـه دل مـهـر مـه روی تـه دیـرم
بــت مــن کــعبه مـن،قبـله من
تـه ای هـر سـو نظر سوی ته دیرم(همان:ص203)
وعلى الرغم من مشاهدته لآثار الله وعلاماته في مخلوقات البشر والأشياء والأجسام (التجلي الصفاتي والأفعالي)، فإنه لا يزال تواقاً لأن يزور الله نفسه. إنه صَبَّار يسعى. سعيٌ لتسمية الله ورؤيته، سعيٌ لتسمية الغم. وتردده بين الفرح والحزن، والأمل واليأس، والاختيار والجبر، والمناسباتية ووحدة الوجود، وغيرها وغيرها، يدفع بانعكاس الله في أعماق شعوره إلى الأمام.
إنه مثل «رابيندرانات طاغور (R.D.Tagor)» يتألم؛ ويكابد المصاعب، ويندب حظه لكل جماعة، ويصير قرين السعداء والأشقياء. كان طاغور يقول:
أيها الموت تعال، أيها الكمال الأخير
يا حياة، أيها الموت تعال [مُت أيها القلب لتنعم بالراحة، فحتى أسلمت الروح لم أنجُ]
همهم لي
لأيامٍ ظللت أرتقبك. الفرح والألم وحتى حبي، كلها كانت تجري نحوك على الدوام في الأعماق الخفية:
نظرة واحدة لا نقاش فيها من عينيك، جعلت حياتي لك إلى الأبد (طاغور، 1354: ص 194)
دل عــاشق به پیغامی بسازد
خمــار آلـوده بـا جامی بسازد
مـرا كیفیت چـشم تو كافیست
ریاضـت كش به بادامی بسازد(بابا طاهر،1383: ص 100)
أو كما فعل رالف والدو إمرسون (R.W.Emerson) الذي كان ينظر إلى العالم بنظرة عرفانية، داعياً إلى تحرير البشر من التعلقات المادية: نحن لسنا أوعيةً ولا حاملات مصابيح، بل نحن أبناء النور. الطبيعة، بالنسبة لأولئك الذين يرون تجليات الروح الأعظم بوضوح، مقدسة وفي الوقت نفسه قابلة للإدراك والعقلنة. (راجع، سخنور، 1375: ص 65-68)
كشمعةٍ إن ألقوا برأسي مئة مرة
فإنني أزداد توهجاً وإشراقاً
أحترق كلي، أحترق كلي، أحترق كلي
بحرارة الجمر المتوهج أنا
وجهك الشمس وأنا كالحرباء
أو كزهرة اللوتس الذابلة أنا
في مملكة العشق روحٌ بلا علامة أنا
في مدينة القلب عابدُ صورةٍ أنا
ما إن أشرق وجهه في القلب من المحبة
حتى غدوتُ بجمال شمس المشرق أنا (بابا طاهر، 1383: ص 99)
إنه، مثل راينر ماريا ريلكه (R.M.Rilke)، يريد أن يطبع محبة هذا التراب الفاني الزائل في نفسه بعمق وشغف بحيث يُبعث جوهرها فيه بشكل غير مرئي. كما يقول ريلكه في إحدى تأملاته الشعرية الجميلة، متضرعاً: ((ماذا ستفعل يا إلهي، إذا ما متُّ. أنا كأسك (ماذا سيحدث إذا تحطمتُ وتكسرتُ). أنا خمرتك. (ماذا سيحدث إذا تغيرتُ. أنا رداؤك وخرقتك). بدوني تفقد معناك، فلن يكون لك بعدي بيتٌ تستقبلك فيه الكلمات، دافئةً قريبة، بالترحيب. الكرسي المخملي الذي هو أنا، سينهار تحت قدميك المتعبتين، رداؤك العظيم سيتركك وحيداً، ونظرتك التي أستقبلها بدفء على وجنتي كوسادة؛ ستبحث عني طويلاً وسترقد عند الغروب، في أحضان صخور غير مألوفة)). (سخنور، 1375: ص 30)
طوبى لتلك الساعة التي يأتي فيها الحبيب من الباب
وينقضي ليل الهجران ويوم الغم
أُخرج الروح من قلبي بمئة شوق
لأقول هاهنا يأتي الحبيب (المصدر نفسه: ص 88)
بابا طاهر من جهة أخرى يشبه بيجن جلالي، الشاعر المعاصر. يكمن التشابه بينهما في أن الروح في أشعارهما تكتسب وجهاً تواقاً، وتتجلى الأبدية بشكل ملموس. معظم أشعارهما هي مناجاة. مناجاة الله، مناجاة مع الوجود. حتى في أكثر اللحظات يأساً، ثمة ومضات من الإشراق والنور تتخلل هذه الأشعار. لا مكان فيها للضجيج والجلبة المحيطة. الوجود كلية متماسكة ومترابطة. الخير والرفاه والإيمان والحقيقة وخلود العالم ممتزجة بفطرة إنسانية. وما أجمله حين يتناغم جلالي مع بابا طاهر ويشاركه الألم، وحين لا يعرف لغمه اسماً، تماماً مثل عريان الهمداني.
من علوٍّ ننظر إلى غمِّ التراب
ونسمي الترابَ أماً
وفي أمواجه نغرق زمناً طويلاً
ويا للأسف حين نفيق إلى أنفسنا
ندرك غماً
لا اسم له (جلالي، 1306: ص 128)
ذلك الغم نفسه الذي يقول عنه بابا:
غمي غمٌّ، ومواسي قلبي غمٌّ
غمي هو محدثي وسري ونديمي
لا تمهلني يا غم كي أجلس وحدي
لا ترحل، بارك الله، مرحباً أيها الغم (بابا طاهر، 1383: ص 8)
بكاء طاهر في قالب القلب الولول وغم الهجران، هو أنين متألم. ليس ندباً ولا مأتماً. بل هو أنين يبعثه شوق لقاء الحبيب.
قلبٌ كالقلب الولول لا أملك
وغمٌ كغم الهجران لا أملك
إن يكن بحرٌ أو يكن غيم الربيع
فندّ العين الباكية لا أملك (المصدر نفسه: ص12)
وعلى هذا الأساس يريد من الله أن يزيده غماً. فالله هو إحدى المسائل الجوهرية في حياته. الحقيقة التي تجلت له منذ الأزل في صورة الله، تتجلى الآن في صورة عالم الخلق والموجودات فيه. إنه عارف بنفسه على نحو ما. ليس في أمره تلاعب حتى يُخشى عليه من الضلال. إنه يرى نفسه ناجياً، وإن تشبث أحياناً بأذيال اليأس والعبث؛ فذلك لأنه وقع في حيرة لقاء الله (التجلي الذاتي). فهو من جهة يدرك معنى ((لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ))، ومن جهة أخرى يسوقه شوق لقاء حبيبه إلى حد الجنون والحيرة. حكايته حكاية فكر البلبل الذي يريد أن يظفر بحبيبه، وغمه هو أن الحبيب، لا قدر الله، قد لا ينظر إليه. ومع أنه، مثل هاتف، يبتعد عن وصله بملامة لا حد لها، إلا أنه لم يبتعد خطوة عن كويه، بل ينظر إلى الوراء ويعترف صراحة بأنه مذنب خجل، ولا زاد له:
أنا الذي كالجمال قانع بخوري
جهازي خشب وحمل خوارٍ أحمل
بهذا الأجر القليل والعناء الكثير
لا أزال من وجه المالك خجلاً (المصدر نفسه: ص 34)
ولأنه يعلم أن ((أَنَا عِنْدَ الْمُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهُمْ))، يزداد ((لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي)) ويهتف صارخاً:
إن تقتلني بالتضرع ممن تخاف
وإن تطردني بالمهانة ممن تخاف
أنا بهذا القلب الناقص لا أخاف من أحد
إن كنت تملك قلب العالمين فممن تخاف (المصدر نفسه: ص 46)
قلبه غمين، ووساده وفراشه ليسا أكثر من طوبة وأرض، وجرمه الوحيد أنه محب لحبيب هو محب للجميع. شكواه من الغربة؛ إنه يعلم أن الآدمي لا يُنال في هذا العالم الترابي، وأن عالماً آخر ينبغي أن يُبنى، وآدمي جديد. غيرته لا تسمح له أن يبقى لحظة بدون حبيبه، ويؤذيه أن يفكر الآخرون في حبيب غيره. جيبه الذي مزقه الحبيب لن يخيطه أبداً، ويحنئ هامته بالتسليم أمام الحبيب ويقبل حكم ما تأمر به:
إن تدعني أو تطردني فأنت تدري
وإن تحرقني في النار فأنت تدري
وإن تضربني على رأسي جبل الوند وميمند
سأظل أقول: يا إلهي، أنت تدري (المصدر نفسه: ص 81)
كل الأشياء من وجهة نظره تحمل مرآة خفية تعكس جمال الله، فهو يرى بشراً يذكّر صفاؤهم وشفافيتهم بعبور المرايا. يرفع شيخوخته عن المرايا كي يبقى ماء وجه العشق، هذا الرفيق الوحيد الحنون والقلم الأول الذي خط لوح القلب، مصوناً وحياً. ينبع إشراقه من ليلة تمنى فيها رؤية النبي وساقي الكوثر كي يميت قلبه وينال الراحة الأبدية. يود لو يموت ليتحرر من حجاب الروح. وهو مستعد لأن يحوّل عظمه إلى قلم، ودمه إلى مداد ذلك القلم، ويصنع من قلبه ورقاً ليكتب رسالة إلى حبيبه ويطلب لقاءه. لأنه يعتقد أن الله قد وضع العشق في وجوده وفي وجود الآخرين، وأن ذلك العشق كالقميص الذي يرتديه. نعم، إن المحبة والعشق اللذين طهّرا طاهراً لثوب عجيب لا يقدر أحد على خياطته. يعلم ويوقن أن محبوبه سيتجاوز عن زلاته. ونتيجة لذلك يبوح جهاراً وهو مغتبط بقوله. إنه العاشق المشرد الذي لا مأوى له، كالشوك التائه في الصحراء، كميت بين يدي غاسل الموتى، وكشاة في عنقها حبل المحبة الإلهية. هو هائم في الجبال والصحارى. لقد عرّى وجوده حتى إن آهته ستحرق القبة الخضراء والفلك من الرأس إلى القدم. عينه مفتوحة لترى وجه المحبوب، لأنه يعلم أن فائدة العين هي رؤية الحبيب. لا يقبل أي مانع ويرى كل شيء تجلياً له. حتى أنه يترك أصفهان بكل ما فيها من بهاء ويتوجه إلى شيراز ليجد صديق صديقه:
أصفهانم أصفهانم ما أروعها مكانا
حيث كل صديق تتخذه كان خؤونا
سأمضي مسرعاً لا ألوي على شيء حتى شيراز
ففي كل منزل بها مئة صديق حنون (المصدر نفسه: ص 71)
لكنه، بما أنه يعلم أن القلب الفرح غافل عن قلبه الذليل، وأن الفرسان لا علم لهم بحال المثقلين بالأحمال، فإنه لا يبوح بحديث الحبيب لأحد سوى حضرة الحبيب، ولن يفعل؛ حتى لو صلبوه مثل الحلاج. حقاً إن العالم مرآة يظهر فيها الله بتمامه إذا ما شملت الإنسانَ البصيرةُ والعلم الإلهي.
الخلاصة:
نشأت مذاهب شتى في التاريخ وتطورت ثم اندثرت. وما هو مشترك بينها أساساً هو الإيمان بسلسلة من المبادئ الميتافيزيقية. والمبادئ الميتافيزيقية في صورتها الأعم هي نظرياتنا حول العالم وبنيته ومستقبله. ومع أن تقدم العلم والمعرفة البشرية كشف النقاب عن ألغاز أكثر ويزداد عمقاً واتساعاً، فإن هذه الأسئلة لا تزال قائمة في مكانها. طبعاً يمكن لرؤية ميتافيزيقية أن تسعى لتكون أكثر توافقاً مع منجزات العلم وترتكز على أعمدة العلم، أو يمكنها أن تستند إلى فكر يعود لآلاف السنين وتعتمد على إيمان الأنبياء وآرائهم. يمكن اعتبار هذا الاختيار أهم أوجه التمايز بين الميتافيزيقا الدينية والميتافيزيقا الفلسفية. وكما يقول فرانسيس بيكون، فإن الدين يبدأ من الإيمان ويستفيد من ذاته لإثبات ذاته، بينما تبدأ الفلسفة بالعقل ويمكنها أن ترتقي إلى الإيمان.
إن العرضية (الأوكازيونالية) ووحدة الوجود (البانثيئية) هما أيضاً حركتان ميتافيزيقيتان اختارتا طريقين مختلفين للوصول إلى الله. لقد أصبحت هاتان العجينتان الفكريتان (مركزية الإله والألوهية الكلية) ذريعة لكثير من المفكرين في العالم الحديث اليوم. بابا طاهر أيضاً، هذا الدرويش العارف أو هذا العارف الدرويش، في سعيه نحو كعبة المقصود، يجد تشابهات مع تعاليم هاتين الحركتين، وبالتحليل الدقيق لأشعاره، تتضح هذه النقطة البديهية بأن أفكاره وتأملاته، أكثر مما تتطابق مع مذهب العرضية، فهي تتوافق مع مذهب وحدة الوجود وتعاليمه. إنه بسيره من وحدة الوجود إلى وحدة الشهود، يجد عالم الوجود نقشاً وتجلياً لله، بحيث لا يعود يرى أي تمييز بينهما. لم يعد ينظر إلى أي مكان إلا ويراه هو وحده، ولا يتحدث إلا معه. حقاً إن أفكاره يمكنها أن ترسم رؤية كونية أخرى لكل فرد.
قائمة المصادر
1- ابن عربي، م.، 1366، تعليقات على فصوص الحكم، طهران: الزهراء.
2- ابن عربي، م.، 1388، الفتوحات المكية، مقدمة وتعليق محمد خواجوي، المجلد 13، طهران: مولا.
3- ابن عربي، م.، 1388، الفتوحات المكية، مقدمة وتعليق محمد خواجوي، المجلد 12، طهران: مولا.
4- الأندلسي، أ.، 1383، تهافت التهافت، ترجمة وتوضيح علي أصغر حلبي، طهران: جامي.
5- بابا طاهر، 1383، دوبيتيات بابا طاهر، طهران: نكاران قلم.
6- طاغور، ر.، 1354، زنبق العشق، ترجمة ع. باشايي، ج 2، طهران: طهوري.
7- جلالي، ب.، 1306، أيام، طهران: قلمرو شعر.
8- جيلسون، إ.، 1402، نقد الفكر الفلسفي الغربي، إتيين، ترجمة أحمد أحمدي: حكمة.
9- سخنور، ج.، 1375، كتاب الشعراء (ريلكه، تراكل، سيلان)، ترجمة يوسف أباذري، مراد فرهاد بور، ضياء موحد، طهران: روشنكران.
10- سخنور، ج.، 1375، نقد لأحوال وآثار إمرسون، طهران: پژوهش نامه دانشكده ادبيات دانشگاه شهيد بهشتي.
11- السهروردي، ش.، 1372، أسس فلسفة الإشراق، طهران، محمد علي أبو ريان، جامعة شهيد بهشتي، مركز الطباعة والنشر: طهران.
12- شريف، م.، 1365، تاريخ الفلسفة في الإسلام، طهران: مركز النشر الجامعي.
13- الغزالي، أ.، 1361، تهافت الفلاسفة، ترجمة علي أصغر حلبي، طهران: ستاد انقلاب فرهنگي.
14- غني قزويني، 1382، ديوان حافظ، طهران: حافظ نوين.
15- كاكائي، ق.، 1381، وحدة الوجود برواية ابن عربي، طهران: هرمس.
16- مولوي، ج.، 1363، المثنوي المعنوي، بجهود رينولد نيكلسون، طهران: أمير كبير.
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.