اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يدرس الدكتور مهدي حجت تأثير التشيّع على الفن في ساحتي «الحكمة» و«الصناعة»، ويؤكد أنه قبل ظاهر الأعمال ينبغي رؤية تجلّي العقائد الشيعية في قلب الفنان. ويُعدّ جمع الأحاديث وزخارف القاشاني المنقوشة بأسماء الأئمة علامةً على تغلغل المعارف الشيعية.

ما يلي هو خلاصة محاضرة الدكتور مهدي حجت، الأستاذ في كلية العمارة بجامعة طهران، حول «تأثير التشيّع على أنواع الفنّ» في المؤتمرات العلمية للدراسات الشيعية.
أيّها السادة المحترمون، إنّني في هذه الجلسة، أكثر ممّا أسعى إلى شرح كيفية تأثير التشيّع على الفنون الإيرانية عبر التاريخ، أودّ أن أطرح هذا الموضوع: إذا أردنا أن ندرس هذا التأثير والتأثّر، فمن أيّ قنوات ينبغي أن ندخل وكيف ينبغي أن ننظر لكي نعثر على مداخل أكثر ملاءمة لدراسة هذا التأثير والتأثّر. لكي نرى أيّ يد تمدّ من جانب الفنّ وأيّ يد تمدّ من جانب التشيّع نحو بعضهما البعض ليتمكّنا من التصافح، ينبغي أن ندرس الأعضاء المكوّنة للفنّ من جهة، والأعضاء المؤثّرة عليه من جهة التشيّع. ثمّة تذكير موجز يلزم أن أورده، وهو أنّه كلّما تحدّثنا عن التشيّع، فإنّ الإسلام يتقدّم عليه. لذلك، قد نتحدّث في مواضع كثيرة عن أمر شيعيّ فيدّعي أحدهم أنّ هذا الأمر هو في جوهره أمر إسلاميّ تجلّى في صورة التشيّع؛ أي ربّما يمكن العثور على شبيه له بقوّة وضعف في المجالات غير الشيعية أيضاً. ثمّة نقطة أخرى ينبغي أن ننتبه إليها، وهي أنّه «رُبَّ هنديٍّ وتركيٍّ يتكلّمان لغةً واحدة»؛ ففي مواضع كثيرة عند دراسة تجلّيات الأحوال المرتبطة بالتشيّع، قد لا نرى هذا الأمر حصراً في إيران أو حتّى في المجتمعات المشهورة بالتشيّع، بل قد يكون ظاهرةً ظهرت بسبب الخصائص الذاتية لاهتمام جميع المذاهب الإسلامية بالتنوير وهداية القلوب نحو الله المتعال، وحتّى في سائر الأديان الإلهيّة. كان أحد العظماء يقول: أحياناً تكون بعض المجتمعات غير الشيعية شديدة الالتزام والتجلّي للتشيّع في كيانها في القالب الاجتماعيّ؛ فرغم أنّ هذه المجتمعات ليست مشهورة بالتشيّع، إلّا أنّها في رعاية الشريعة الإسلامية، تلتزم بقيود يدعو إليها التشيّع.
الحكمة والصناعة؛ جناحا تحليق الفنّان إذا أردنا أن ندرس كيف يمكن للفنّ أن يتأثّر بأمر كالتشيّع، فينبغي أن ننتبه إلى وجود عنصرين مكوّنين في الفنّ: أحدهما هو ما يُطرح في الأثر الفنّي؛ والآخر هو كيفية طرحه. بعبارة أخرى، أحدهما هو المعنى الذي يُطرح من خلال نشاط فنّي؛ والآخر هو الصورة العينيّة الخارجيّة التي تُبرز ذلك المعنى إلى منصّة الظهور. التعبير العامّ الكلّي في هذا الباب هو تعبير «الحكمة» و«الصناعة». لن أسهب في الشرح في هذا الباب؛ لأنّي أعتقد أنّه يتطلّب مجالاً آخر ويجب الحديث عنه في موضع آخر. لكنّ أساس كلامي يقوم على أنّ من جناحَي الفنّ، اللذين أحدهما «الحكمة» والآخر «الصناعة»، أحدهما هو جناح مشاهدة الحقائق العرفانيّة والسماويّة التي تُتاح لفكر الفنّان وحسّه عبر إلهامات. وهو بهذا الجناح (الحكمة)، يتلقّى ما يستطيعه من الحقائق الباطنيّة للعالَم بقدر وسعه؛ والآخر هو يد له في الأرض تمكّنه من إحداث تغيير في عالم المادّة لإظهار ما أُلهم به. إذن فجناحا «الحكمة» للتلقّي و«الصناعة» للصياغة، قابلان للتصوّر لدراسة ما يمكن أن يتأثّر من جانب الفنّ. لهذا السبب، أطرح هذا الأساس لكي ننتبه، عند دراسة تأثيرات التشيّع، إلى كلا القسمين من هذا المطلب؛ أي لنرى ما هو تأثير التشيّع على الحكمة وقدرة التلقّي التي يمتلكها الفنّان وما هو معروض للأخذ، ومن جهة أخرى، ما هو تأثيره على هذه الصناعة والصياغة.
تأثير التشيّع على الفنّ عند دراسة كيفية تأثير التشيّع على الفنّ، ما يُغفَل عنه غالباً هو القسم الأوّل؛ أي التأثيرات التي يتركها التشيّع على الفنّان، وعلى معتقداته في تلقّيه، ونظرته إلى العالَم، وكيفية تجلّي هذه العقائد في قلبه. هذا ما لا يُلتفت إليه عادةً. غالباً ما ننتبه إلى كيفية التأثيرات التي تقبّلتها العناصر الظاهريّة والخارجيّة (الآثار الفنّيّة) من التشيّع، في حين أنّ أصل الموضوع هو التأثيرات التي يجدها قلب الفنّان من التوجّه إلى المعارف الشيعيّة:
ذاتٌ لم تَنَلْ من واهبِ الوجودِ
كيف تستطيعُ أن تَهَبَ الوجودا؟
ما لم يستنر قلب الفنان بالتشيع، لا تتأتّى إمكانية تجلّيه في الأمر الخارجي. لذا، ينبغي التدقيق في كلا هذين العالمين. وعليه، يمكن تقسيم المجالات التي يتأثر بها الفن إلى قسمين: قسم «حكمي» وقسم «صناعي»، ولكلٍّ منهما قابلية التأثر بالتشيع.
أما في القسم الآخر، المتعلق بالتأثيرات التي يتركها التشيع على ما ينشأ ويوجد؛ أي ما ينبغي دراسته بوصفه أثراً فنياً، فإن كثيراً من الأمور التي تخضع لتدقيقنا لا يمكن، للوهلة الأولى، تتبُّع كيفية تأثير المعتقدات الشيعية فيها بوضوح؛ لأننا اعتدنا في أحكامنا الفنية على الالتفات إلى الظواهر. ومن هنا، لا يتضح كيف يُعتبَر هذا التأثير العيني منبثقاً من الفكر الشيعي ومن أين ينبثق. وسأشرح هذا الجزء بمزيد من التفصيل عبر ذكر أمثلة عدّة لأوضح الموضوع أكثر:
أ. إعداد المجموعات القرآنية — الحديثية لعل النظرة المتعارفة لا ترى في البرمجيات القرآنية عملاً فنياً، ولا تعدّ هذا العمل واقعاً تحت تأثير الفكر الشيعي، في حين أنكم لو دققتم في مجموع الأنشطة التي قام بها أصدقاؤنا في إعداد المجموعات القرآنية والأحاديث والأخبار وأمثالها في إيران، لوجدتموها قد حظيت ليس بإعجابنا نحن فحسب، بل بإعجاب محافل دولية قوية جداً، ولأدركتم أن كلاً من الحكمة الكامنة وراء هذا العمل وكيفية بروزه هو أمر شيعي للغاية. إنني أعدّ هذا من الفنون الشيعية؛ لأنه ما لم تكن جواهر التشيع، أي المظلومية والمحرومية والعزم على إحقاق الحق، موجودة في إنسان، فلن يتولّد لديه مثل هذا العزم ليُبرز أمراً كهذا إلى منصة الظهور.
ب. المجموعات الغرافيكية يتجلّى حب الأئمة الأطهار وأبنائهم (ع) بشكل جلي في التشيع. وحين نواجه هذه الحقيقة، فإن ما يخطر ببالنا هو كيفية تجلّي الالتفات الذي وجده الشيعة تجاه الأئمة الأطهار (ع) من هذا الباب. هذا التجلّي موجود منذ القدم في نوع العشق الذي أظهروه مثلاً لاسم «علي (ع)» في مجموعات الأعمال الغرافيكية. ومن أجمل الأعمال الغرافيكية، التي تحظى حقاً بإشادة دولية، الأسماء الستة المباركة للإمام علي (ع) التي دُمجت بشكل موجب وسالب بعضها في بعض، واستُخدمت في كاشي جدران حاشية قبة السلطانية في زمن أولجايتو. كل من ينظر إلى هذه المجموعة يدرك كم يجب أن يكون في الفنان من الوله ليبلغ هذا النضج. وقد أُنجزت أعمال عديدة نظير هذا في فن الخط. وإذا أردتم التدقيق في حب الأئمة الأطهار (ع)، فيكفيكم أن تنظروا إلى كيفية البقاع المباركة التي نشأت عبر القرون وما تحويه، إلى أبوابها وجدرانها، فهناك مجال دراسي فني واسع جداً في هذه الأماكن، ظهرت فيه أنواع الفنون، وكيفية الأبنية، والفنون المرتبطة بالأبواب والنوافذ والأضرحة، وكيف أُعدّت وبأي قدر من القابلية الفنية؛ سواء أكانت خشبية أم معدنية، من ذهب أم من فضة؛ فجميعها تتمتع باعتبار فني فائق. على مر التاريخ، خُطّت على كاشي جوانب هذه البقاع خطوط تناسب فيها اللون، وتناسبت فيها العمارة، وجودة التصميم، وفي المجموع، نوع الجو والحياة الذي ينبغي أن يتحقق هناك، وحين تنظرون إلى كل هذا، وبخاصة حين تغوصون في تفاصيلها، فإنه لمما يثير الدهشة كم يوجد من الحب الذي استطاع، في عين البساطة، أن يرتقي بمحل الزيارة إلى هذا الحد من الجمال. قد تقولون إن في الأديان الأخرى أيضاً مثل هذا الحب لقديسيهم. نعم، هو موجود هناك أيضاً، ونحن لا نعدّ هذا أمراً حصرياً، بل المقصود هو أنه حيثما وجد مثل هذا الجذب، تجلّى مثل هذا الأمر. لذا، ينبغي لنا أن ندرسه بوصفه أصلاً. وبالطبع، فإن دراسة الخصائص المتفردة لكل بقعة والخصائص المشتركة فيما بينها، التي هي العرض الواقعي لتأثير التشيع على الفنون، تستدعي كثيراً من التأمل وبذل الاهتمام.
ج. استخدام الإيماء والإشارة والعلامة من السمات المميزة للتشيع على مر التاريخ أنه كان في ضائقة لإعلان وجوده وإظهاره. لم يكن الشيعة جماعة حرة تستطيع طرح معتقداتها بحرية. هذه الخاصية نفسها موجودة في جوهر التعبير الفني، حيث لا تعبّر في العمل الفني عن الأمر بشكل صريح؛ بل تستخدم الإيماء والإشارة والكناية والعلامة. لهذا الأسلوب في التعبير في الأدب والمسرح والسينما وكل فرع من فروع الفن نقاشه المفصل الخاص به. ليس غرضي الأساسي الخوض في هذه الفروع، لكنني أريد أن أبيّن كيف ينبغي لنا الانتباه إلى بعض المؤشرات، ومن هذا الطريق نجد خيوطاً لدخول نقاش كيفية انعكاس الضائقة والتقييد اللذين فُرضا على التشيع عبر التاريخ، وانعكاس ذلك في الفن. هذا يمهد لنوع من الإظهار يُعبّر عنه في الشعر بشكل، وفي المسرح بشكل آخر، وفي سائر الفنون يتجلى في كل منها بنوع خاص. عندما يُراد إظهار الودّ والعشق، ولكن بشكل خفي تماماً، بحيث يُظهر ويُخفى معاً، ويسكّن قائله ولا يكون تصريحاً يفضح الأمر فيتعقب الشخص، يُلجأ إلى هذه الطرائف. إذا نظرت إلى تاريخ الفن الشيعي، فستجد مجالات لا نظير لها من كل نوع من أنواع الإيماء والعلامة والإشارة والكناية ونماذج مختلفة منها، سواء في الاستخدام أو الشكل أو اللون أو موضع وضع كل شيء — يحمل معنى خاصاً.
لنفترض مثلاً حين كان ضريح الإمام الرضا(ع) على مسافة» قصيرة في إحدى زوايا الحرم المطهر وكان جانبه الآخر مفتوحاً، ما التأويلات التي كانت تُستقى من هذا الوضع آنذاك؟ وما التأويلات التي كنا نستخدمها نحن وماذا كنا نقول؟ هذه كلها جماليات تُخلق بفعل الضوائق، وهي في الحقيقة نوع من تحويل المحدودية إلى إمكانية.
د. الاجتهاد مسألة» الاجتهاد وإيجاد طرق جديدة هي من السمات الأخرى للتشيع. نحن لسنا وهابيين، نحن نقبل الاجتهاد. الاجتهاد يعني: »النظر وإيجاد طريق جديد«. أي شيء أشفى من هذا؟ أي شيء يحفز الإبداع أكثر من أن يُقال لك: يُسمح لك، مع الحفاظ على أصول محددة، أن تنظر جديداً متجدداً، كل يوم بشكل ما؟ إن هذا الإذن» بالنظر إلى شيء له بطن وبطن وبطن — عندما يتربى شخص على العقيدة الشيعية ويستقر التشيع في نفسه وروحه، فإنه ينشأ على نحو يمكن فيه لكل شيء أن يجد معناه في عصره، ومع أن الجيل السابق جدير بالاحترام، إلا أن إمكانية الاجتهاد قائمة أيضاً — انظر أي انفراج يحدثه هذا في الفن! وأي تفسير جميل يقدمه لكلمة »التقليد«! كم يوسع المفهوم الجاف والمتعارف عليه لـ »التقليد«! وكم يجعله مختلفاً عن التكرار والنكوص! هذه الثنائية، احترام التقليد والاعتماد على الاجتهاد، مع نمو جذورها، تولد في الوقت نفسه كل يوم زهرة جديدة. غير هذا الترخيص، ماذا يريدون من الفن بعد؟ لماذا حين ندرس الفنون الدينية في فروع الأديان الأخرى، لا نجد فيها هذا النوع من الازدهار والانفراج والحراك؟ نحن حين نتحدث مثلاً عن العمارة التقليدية يبدو وكأننا نريد أن نعيش مثل الماضي، بينما لو أولينا »التقليد« بمعناه الحقيقي اهتمامنا، لاتضح كم أن دور الإيمان بالاجتهاد في تشيعنا وحياتنا يحمل في طياته إبداعاً! نحن اليوم في مطلع القرن الحادي والعشرين نتحرك بثورة مزدهرة ونتقدم إلى الأمام، وهذه الثورة ليست إلا حصيلة الاجتهاد. هذا هو ما يسمح لنا بأن نقول: نحن مسلمون وشيعة، ونريد أن نعيش وفق أحدث المنجزات الجديدة في العالم. ولا يمكن لأحد أن يديننا بأنه لا توجد إمكانية لمثل هذا الادعاء. لهذا الموضوع خاصة في الفن تأثير يفصّل الحديث فيه، ولا يمكن هنا إلا الإشارة إليه.
هـ. الإمامة والعدالة
إن الإيمان بالولاية والإمامة، وبأن أئمة الشيعة هم سلسلة متصلة، وبأن هذه "هدية" إلهية تتناقلها الأيدي، قد أدى بنا – نحن المعماريين على سبيل المثال – إلى القول: إن رأس سلسلتنا هو النبي إبراهيم عليه السلام؛ لأنه كان أول معماري في العالم. وقد أدى هذا إلى نشوء "سلسلة" انتساب في كل فن من الفنون، وإلى خلق نهج الأستاذ والتلميذ، بحيث لا يحصل المرء على "إجازة" التدخل في العمل ما لم يتتلمذ ويتلقَّ تلك الهدية في الخفاء من مربيه ومراده. ولهذا السبب، نقول: "إن الفنون قلبية"، وإن الفنون تسير في قالب "الأستاذ والتلميذ". وهذا ليس في تعليم صناعة الفن فحسب، بل هو الأسلوب الفاعل الأساسي في حكمة الفن أيضاً. فليس الأمر أن تذهب إلى مدرسة وتجلس في مكان وتقرأ شيئاً فتصبح فناناً؛ وكما قال القدماء، لا بد أن تأكل دخان السراج، ولا بد أن تتربى مع الأستاذ. وهذا الأسلوب القائم على الأستاذ والتلميذ، الموجود في جميع فنوننا، يدين بجذوره – ليس شكلياً بل مضمونياً – للفكر الديني، وخصوصاً الفكر الشيعي. لأن هذه المعاني تترسخ في ذهن الإنسان منذ الطفولة في هذا المذهب، وتصبح جزءاً من معتقداته القلبية، فيستطيع الإنسان أن يتقبل في هذا المجال وجود مثل هذه العلاقة.
قد يُقال بالطبع إن علاقة التلميذ والأستاذ هذه موجودة في أماكن أخرى كثيرة، ولكن أولاً، إذا كانت هذه العلاقة موجودة في العالم الإسلامي فهي قائمة على جميع المعتقدات الإسلامية، التي يمثل التشيع فيها الستار الأعلى من مجموع ما هو موجود في سياق النظرة الإسلامية. وثانياً، إذا كنا نرى مثل هذه العلاقة في مجالات دينية أخرى، فإن لها هي الأخرى معتقدات وإيمانيات محترمة في موضعها، وتخلق منجزاتها الخاصة. "إثبات الشيء لا ينفي ما عداه". ليس قصدي أنهم هكذا أيضاً؛ كلا، بل أقول: إن هذه التأثيرات كانت لافتة في هذا المجال، وفي كيفية العلاقة بين الفنانين والسلسلة التي نشأت في المجالات الفنية، وعلاقات المراد والمريد، وهذه العلاقات القطبية التي تنشأ – حيث يكون للمرء أقدمية وأسبقية فيُحترم، وما لم يقم بسفر في داخله لا يبلغ المراتب والاعتبارات، ولا يجد القدرة على الوصول إلى تلك النقطة المنشودة التي تخوله الإذن بإبداء الرأي – كل هذا يعود إلى المعتقدات التي نحملها، وتلك المعتقدات هي التي توفر الأرضية لمثل هذه التصورات.
و. العدالة
النقطة الأخرى هي اهتمام التشيع الخاص بالعدالة، التي وجدت معناها الخاص في جميع الفنون. إذا فكرنا أن وضع كل شيء في موضعه هو العدالة، وفكرنا أن فنانينا سعوا إلى خلق نوع من الانتظام في أذهانهم، يكون على أساسه كيفية علاقة الجزء بالكل، أو كيفية العلاقة بين الكثرة والوحدة، محلاً لتجلي العدالة، فإن جميع الآثار المعمارية القيمة في ماضينا هي محل تجلٍّ لهذا الأمر عينه. وفي رأيي، إن أبرز نقطة تهديها لنا العمارة التقليدية هي مبحث العدالة. عندما ندخل عالم الفن من هذا المنظور، نرى أنه قد سُعي إلى وضع كل شيء في موضعه، وألا يفرض أي جزء قوته على الكل، ولا أي كل على الجزء، وأن يعبر كل جزء عن وحدة كل، وأن يكون كل كل مكوناً من جميع الأجزاء التي ذابت فيه وأوجدته؛ على نحو لا يدع مجالاً للشك في ذلك.
أليس لهذا أثر في الجذور العقدية للتشيع؟ إذا نظرت إلى نقش بلاطة خزفية أو إلى كيفية تموضع الكتابات الخزفية إلى جوار بعضها البعض، وإلى الفضاء الكلي الذي يتشكل بهذه الصورة، وذلك الفضاء إلى جوار فضاءات أخرى، ثم هي في نسيج يكوّن حيّاً سكنياً، وتشكّل الأحياء التي تكوّن مدينة، وكل هذه المقاييس، إذا نظرنا إلى لب الموضوع — أعني بلب الموضوع حيث تجلّى هذا الأمر بمعناه الحقيقي على »منصّة« الظهور؛ حيث نجح المصممون في إبراز ما كان في نيتهم على »منصّة« الظهور — نرى من الناحية المعمارية وحدة كاملة في مجموعة المدينة وأجزائها؛ الكل أشبه بآلات موسيقية مختلفة في أوركسترا كبير، تعزف كل منها لحناً واحداً، لكن ثمة من التواصل والتوازن بين جميعها ما يجعل هذا العالم الصغير يستدعي العالم الكبير، وكل الانضباط الذي يمكن للإنسان أن يراه هناك، تتوفر عينته هنا، والعلاقات الإنسانية التي تتحقق بوصفها مظروفاً لهذا الظرف، نُظمت على نحو من العدالة والدقة يذكّر الإنسان بعمق الإيمان بالعدالة.
ز. الأحكام الشيعية تأثير الأحكام التي يقول بها الشيعة — وهو تأثير ليس بالقليل بالطبع — يستحق دراسة واسعة. (كل واحد من هذه الحالات التي أعرضها هي رؤوس فروع لدراسات واسعة لمعرفة كيفية تأثير التشيع على الفن.) كيف أثّرت الأحكام الشيعية على الفن؟ كل واحدة من الخصائص التي عبّر عنها مجموع رواة الحديث لدينا على لسان الأئمة الأطهار (ع) هي مؤثرة. من قضى عمره يقرأها ويسمعها على المنابر وعاش معها، حين يريد أن يرسم لوحة أو يصمم عمارة أو يؤلف موسيقى، فإنها جميعاً تؤثر قطعاً في تلقيه، وهذا التأثير موجود بصورة خفية في الأمر الذي يبرز على »منصّة« الظهور، غير أن »لا تكن أذن غير المحرم موضع رسالة سروش«. ليس الأمر بحيث أن أي إنسان بلا وضوء ينظر إلى هذه الآثار، يستطيع أن يرى كيفية تجلي هذا الأمر فيها. ليس من السهل على باحث ثقافي أن يشخص الحالات والتلقيات الباطنية التي كانت موجودة لدى فنان شيعي، والتي نشأت من عمق الالتفات العرفاني لذلك الإنسان الشيعي وتجلت في هذا الأمر. مثل هذا الأمر محال. ولهذا السبب أيضاً، فإن مجموع الدراسات التي يجريها الإفرنج ومن يحاكيهم في كل مجالات آثارنا الفنية، لا يرون فيها سوى قشرة خارجية؛ لأن النظر إلى المعاني الباطنية التي تجلت فيها يحتاج إلى صاحب نظر وصاحب قلب حتى يستطيع أن يتلقى رسالة سروش تلك. إذن، لا بد أن يكون هناك من هيّأ لنفسه هذه الاستعدادات حتى يتمكن من ملاحظة هذه الإلهامات هناك، وإلا فمجرد النظر إليها لا يحل مشكلة. إذا أردنا — والعياذ بالله — في معرفة الإمام علي (ع) أن نلتفت إلى مقاس حذائه أو مقاس محيط خصره ونكتفي بذلك، فهذا هو الخطر نفسه الذي ينطوي عليه النظر الشكلي لدى دارسي الفن الغربيين؛ وهو نفسه الذي يعتمد فقط على ما يفهمه هو.
رحم الله المرحوم العلامة الجعفري الذي كان يقول: لو دخلت بقرة من أحد أطراف المدينة وخرجت من الطرف الآخر، وسألتها: أيتها البقرة العزيزة! ماذا رأيتِ؟ تقول: في زاوية كذا من المدينة كانت هناك بضع قشور بطيخ طازجة؛ وفي الجانب الآخر كان هناك عشب جيد جداً؛ وفي ذاك الجانب... لكن إذا دخل فيلسوف من أحد أبواب المدينة وخرج من باب آخر، يقول: كانت هناك مكتبة في ذاك الجانب، وكان هناك مقام الأستاذ الفلاني، وكان اثنان يخوضان في نقاش علمي عميق،... هناك قشور البطيخ، وهناك المكتبة، يرجع الأمر إلى ما يراه المرء. »كل من ظن بي صار خليلي«. إذن، يلزم عين متربّية لترى الطرائف والدقائق.
يثير الخجل أن يظهر اليوم أناس يقولون: نظرنا فلم نرَ؛ إذن فليس بموجود. أنت لم تنظر بالشكل الصحيح كما ينبغي، ولذا لم ترَ. لو نظر أهل النظر لرأوا، لكنك لا تريد أن تقبل أنك لست من أهل النظر؛ تقول: أنا معماري، أنا فنان، أنا رسام؛ لا، لست كذلك. العين التي تريد أن تنظر إلى هذه الأمور وتتلقى تلك المعارف، ليست عينك أنت حتى تنظر ثم تصدر حكماً قطعياً بأنك نظرتَ، ولأنك لم ترَ، إذن فليس بموجود.
إن أكبر مشكلة تواجه فننا اليوم هي التي تسببها هذه الأمور. إن قطع الصلة بين الدين والفن يأتي من هذه الأقاويل التي تُنسج وراء هذه الفنون. يقولون: »هذا مجرد كلام.« يقولون: لأننا ذهبنا وبحثنا، لم نجد شيئًا. هل كنتم تملكون »الوسيلة« اللازمة لفهم المعنى؟
إذا نظرنا إلى مجال الأحكام ورأينا الاهتمام الخاص وتأثير هذه الأحكام في عناصر الفن، فإن تأثير هذه الأحكام موجود في الفنون؛ فمثلاً في مجال العمارة، في كيفية تعزيز التفاعل الاجتماعي للمجتمع وإيلاء الأهمية للجماعة. أشير فقط: إذا كان من المقرر تصميم حي تكون فيه العلاقات بين الناس إيجابية، فكيف يتحقق هذا الأمر؟ في هذا الحي، يُنظر في إنشاء سبيل ماء، ويوجد مسجد، ومكان للكسب، وحمام، ويُهيأ مكان للتجمع لكي يتفاعل الناس أكثر مع بعضهم البعض، وهذا التفاعل نفسه يؤدي إلى تفريج كرب بعضهم.
في صلاة الليل، ليس من دون سبب أن يقولوا: اذكر أربعين مؤمنًا وادعُ لهم؛ وذلك لكي تتذكر أربعين إنسانًا وتكون أحوالهم في ذهنك، حتى إذا رأيتهم في اليوم التالي في الشارع يكونوا من معارفك؛ ولكي تحفظهم في خاطرك. عندما يقول: يجب أن تراعوا الجيران حتى أربعين جارًا من كل جانب، فأي نوع من التمدين يخلق هذا؟ عندما يقول: »يدُ اللهِ مع الجماعةِ«، إذن ما معنى الشقة السكنية (آپارتمان)؟ الشقة في اللغة تعني: »الانفصال«. أنتم جميعًا تعيشون في شقق، لكنه يقول: »يدُ اللهِ مع الجماعةِ«. هذا يختلف عن ذاك كثيرًا. أي أخلاق يخلق هذا؟ ثلاثون عامًا وأنت بجوار جارك ولا تعرف أصلًا ما اسمه، وكيف حاله، وماذا يفعل؟ هذه كلها تتعلق بذلك البناء والنسيج وذلك الوعاء. هذه الأمور التي ضاعت، سببها أن الأحكام قد نُسيت. كانت الحياة في ذلك الوقت على ذلك النحو، لأنه كان يتم الاهتمام بتلك الأحكام؛ تلك الأحكام التي –مثلاً– كل ما في طبيعة الله هو آية وعلامة عليه.
لذلك، يجب أن تُعرض الآيات على الأفراد حتى تسبب الذكر. في طريقة التفكير هذه، كنتم ترون كيف كان تصميم أحواض الزهور داخل ساحات بيوتنا القديمة، حتى أنها كانت تعيق المرور؛ أي إذا كان الشخص معنيًا بمسألة »الحمار«، كان ينبغي أن يفتح الطريق بحيث يستطيع الناس التحرك في هذه الساحة بسهولة أكبر، لكن أحواض الزهور كانت توضع بحيث تعترض طريقك؛ وذلك لأن المصمم يريد أن يعرض عليك الزهر والنبات، ويعرض عليك الماء، ولعبة الضوء، والنافورة داخل الحوض التي تصبح قاعدة بركار وجود ذلك البيت كله، وملتقى النور والماء يجذب انتباهك إليه. هذه كلها جزء من المعارف التي يضعها الإسلام، وبشكل خاص التشيع، تحت تصرفنا لنستطيع في هذا النوع من النظرة أن نرى القيم.
الهره چيني (البناء بالحجر غير المنتظم)، واستخدام المواد والمصالح المتنوعة وما شابه ذلك، كلها لها حكمة؛ أو مثلاً، تراهم يصنعون »جدار صندوقه« (»صندوقه« يعني أنهم يبنون جدارين متوازيين، لكن الوسط بينهما فارغ)، إذا سألت المعماري التقليدي لماذا تجعل هذا الجدار صندوقه، يقول: نصب المواد المتبقية في وسطهما كي لا تُهدر. في بناء الجدار، يظهر الحكم الشرعي. أشير فقط، على سبيل المثال، إلى بعض الحالات، وإذا دخلنا في هذه المقولات، فلا نهاية لها. هناك حالات متعددة قابلة للبحث. يجب أن أشير إلى أن الفن الشيعي قد وقع عليه الظلم ولم يلتفت إليه أحد، مع أن مجال العمل واسع جدًا.
ح. السيرة العملية للأئمة الأطهار (ع) لقد شاركنا منذ طفولتنا في مجالس العزاء لأهل البيت (ع) وسمعنا الكثير عن سيرتهم. في الحرب التي استمرت ثماني سنوات وفُرضت على بلادنا، لولا حكاية آلام وشجاعة زينب الكبرى (س) وما كانت تُروى تلك القصص على مسامع أبنائنا، لما صُنع "رواية الفتح". ما هي "رواية الفتح"؟ مجموعة ذهبوا إلى الجبهة، قاتلوا، ووقع عليهم الظلم، اجتمعت كل دول العالم وساعدت أعداءهم ليقضوا عليهم، فاستُشهدوا في غمرة من المظلومية. الآن لا بد أن يوصل أحد صوتهم إلى العالم. إذن علينا أن نصنع "رواية الفتح" ليُبث صوت مظلوميتهم عبر وسائل الإعلام. هذا هو معنى أثر فعل زينب الكبرى (س). هكذا ينبغي أن نبحث عن أثر التشيع في الفن، علينا أن نغوص في صميم الموضوع؛ لنرى أين تكمن تلك الحركة العظيمة التي أدت إلى خلق كل هذه الطاقة الاجتماعية. حتى مجتمعنا نفسه لم يستوعب جيدًا أحقية حربنا. كم كان تأثير "رواية الفتح" عظيمًا! كانت تقوم بالضبط بما كان يحدث بعد واقعة عاشوراء. رحم الله الشهيد آويني الذي خطرت له هذه الفكرة. هذه ثمرة تربية التشيع التي تلقي في الأذهان: علينا أن ننهض ونتحرك. وعندما تحركوا صمدوا حتى النهاية حتى قُطّعوا إربًا. كلهم تربوا في مجالس العزاء الحسيني ليتصرفوا هكذا. هكذا يجب أن ننظر إلى القضية. إذا نظرنا إليها هكذا، فإن نطاق تأثير التشيع في الفن واسع جدًا، ويمكننا أن ندرس أشياء كثيرة لا يتسع لها هذا المجال الضيق.
ط. الأدعية لننظر إلى الأقوال والأدعية وما تبقى من المعصومين (ع)، لنرَ أي روح تسكنها، وأي عالم ترسمه هذه الأدعية؟ لنشغل أذهاننا قليلاً ونتعمق في أدعية شعبانية، وكميل، والندبة، وأمثالها، لنرَ أي فضاء تخلقه. الذهن الذي تربى عشرين أو ثلاثين سنة على هذه الأدعية والأقوال، حين يريد أن يبدأ العمل، يستلهم منها؛ يرفع يده نحو السماء، وينظر، ويضع شيئًا. كيف استطاع ذلك الرسام العزيز أن يرسم سروةً هيفاء وعلى كتفها شال أحمر؟ حين ننظر إليها، كم نثني عليه! لأنه متصل بشكل ما بعالم تصنعه هذه الأدعية، ليس الأدعية فحسب، بل كل الاحتفالات، والتعازي، وذكر المصائب، وكل هذا؛ أي الأدب الديني المرتبط بحوزة التشيع. هذه المجموعة تصبغ ذهن فنانينا بلون يرون به هذا العالم، وبهذا الذهن يتربون.
يقول الإمام علي (ع) في دعاء كميل: إلهي، هبني صبرت على عذابك، فكيف أصبر على فراقك؟ الذهن الذي تربى هكذا، هل يرسم أبدًا أهواءه النفسية؟ لماذا يحدث ذلك في الجانب الآخر من العالم؟ لأن الناس هناك لا يتربون بهذه الذهنية. عندما يقرأ المرء القرآن باستمرار، ويقرأ الدعاء، وينشأ بهذا الذهن، يرى ذهنه هذا العالم كما طرحه الأئمة الأطهار (ع). إذن، هو يتنفس في هذا العالم. إذا أراد أن يأخذ شيئًا ويعطيه، فكل ذلك يحدث في هذا العالم نفسه. إدراك ماهية هذا العالم، وأثر كل جزء من أدعيتنا في كل مكان، هو عالم من العمل اللطيف يحتاج إلى أهل له، يحتاج إلى إنسان مزكى يقرأ الأدعية، وعندما ينظر إلى هذه الآثار، يدرك أن ما يراه من هذه الآثار خارج الذهن هو نتيجة تأثيرها. عندما نقول إن ذلك الدعاء تجلى في هذا الأثر، ماذا يعني ذلك؟ إذا كان الدعاء قد أثّر حقًا في وجود فناننا، فسيظهر نفسه في رسمه، وفي تصميمه الغرافيكي، وفي موسيقاه.
غالباً ما أقول لطلابي في الصف: أتظنون أن من قبيل الصدفة أن موسيقانا تقول: آه داد، بيداد، أمان؛ بينما موسيقى أولئك تقول: غمب غمب، غمب غمب؟ هذه الموسيقى واقعة تحت تأثير فضاء ثقافي، تحت تأثير رؤية للعالم. تحت تأثير هذه الرؤية للعالم، تولدت هذه الألحان، ونشأت هذه النغمات. موسيقى هذا الجانب، حتى حيث تكون فرحة، لا تزال نبيلة، وحيث تكون حزينة، فحزنها حزن عميق عرفاني أصيل؛ لا تدعو الإنسان أبداً إلى الرقص المطلق. لا تستخفوا بذلك! لو توغلنا حقاً في باطن هذه الأمور، لرأينا عالماً عجيباً، إنها مرآة شفافة وجميلة للتعبير عن أحقية التشيع. كم ظُلمت الفنون الشيعية حين لم يُسمح لها بأن تتبوأ مكانتها الحقيقية وتُظهر كم يمكنها أن تكون مرآة شفافة للتعبير عن معتقدات الأمة الشيعية! هذه الأمور تحتاج إلى عمل، وتحتاج إلى دقة، وتحتاج إلى دراسة حتى نتمكن من تهيئتها وتقديمها. وهذا الأمر بالطبع له امتداد؛ مثلاً الاعتقاد بالتأويل والاهتمام بالباطن بدل القشر؛ كما أن للعالم بطناً، فللقرآن بطن. لدينا تأويل وهناك مجال لأن يكون لنا فهم متجدد ومتجدد للقرآن والأحاديث. إني لأزعم أن هذا الاعتقاد هو الذي يُخصب سينمانا بحيث أينما ذهبت، يجدون أن لديها ما تطرحه من كلام.
لماذا إذا أرادوا أن يدرسوا بين جميع بلدان العالم ويجدوا بلداً يكون مهداً للعرفان، كان ذلك البلد هو إيران؟ لماذا ينبغي أن يكون الأمر هكذا؟ ما العلاقة بين إيران والتشيع والعرفان؟ في رسمها، في سينماها وموسيقاها، في عمارتها، في جميع فنونها إذا نظرت، ترى أن هذا العمق من العرفان موجود. أي مكان في العالم فيه كل هذا العدد من الشعراء العارفين، كلهم معاً، وفي جميع الأزمنة، وبهذه الصورة؟ مولانا، حافظ، سعدي، نظامي، كل واحد منهم يُعدّ بطلاً في مجاله. ونظائرهم موجودة في سائر الفنون أيضاً؛ لم تُدرس، ولم تُعرف أقدارهم. أتظنون أن رضا عباسي لا يبلغ مكانة مولانا في مجاله مقارنة بسائر الفنانين؟ لو فُهم بشكل صحيح لماذا رسم بهذه الطريقة، ولماذا رسم هذه الموضوعات، ولماذا وقع عليه الغضب بتلك الصورة، وكيف أن هذا الفنان العزيز –بالمعنى الحقيقي للكلمة– تعرض للظلم هكذا، وكيف كان عرضة لسخط أجهزة الحكم مثل أوليائه، لاتضحت الحقيقة. لماذا كلما قلنا: »فنان«، قالوا: فقير، بائس. لماذا الأمر هكذا؟ لماذا لا تُهيأ هذه الأرضية للفنانين؟ هذه الأمور التي أطرحها تحتمل السؤال والجواب. ينبغي التدقيق فيها حتى تزول الالتباسات.
خلاصة البحث إذن، خلاصة قولي هي أننا أولاً، في الفن، ينبغي أن نولي كلا بُعدي »الحكمة« و»الصناعة« اهتمامنا، وننتبه إلى أن قلب الفنان يجب أن يتأثر أولاً بالتشيع حتى يتجلى هذا الموضوع في أثره، وما لم يتأثر قلب الفنان بشيء، فعمله ليس فناً أصلاً. إذا كان أحدهم ينسخ عملاً ولا علاقة لعمله بإحساسه وذهنه، بل ينظر فقط إلى صورة، ثم تتحرك يده، وفكره في مكان آخر؛ فهذا باطل أصلاً. هذا ليس عملاً فنياً. العمل الفني هو ما ينبع من القلب ويتجلى في الخارج. أما مسألة ما إذا كان معين هذا القلب هو التشيع أم لا، فينبغي أن نعمل ونفكر فيها كثيراً. بعض الأمور التي ذكرتها هي تلك التي تؤثر في القلب ليصبح محلاً للتجلي. وبعضها الآخر يظهر في الصورة والصناعة؛ وللتشيع تأثير على كل واحد من هذه.
من ناحية أخرى، لكي نقيس تأثيرات التشيع على الفن، ينبغي أن نحدد المؤشرات الرئيسية الموجودة فيه ونتتبع أين يمكن لكل واحد من هذه المؤشرات أن يكون مؤثراً. عندما ندخل في الموضوع ونتفحص قليلاً، نرى أنه يمكن أن يخلق عالماً رحباً. إذن، أولاً، ينبغي ترتيب وتنظيم هذه المؤشرات وإكمالها أكثر. ثانياً، مقابل كل مؤشر، ينبغي أن ندرس ونتابع تلك التأثيرات في مجال الفن. لكن هذه المؤشرات لا نهاية لها؛ فبقدر ما يستطيع الإنسان أن يمنح فكره عمقاً أكبر، يمكنه أن يجد عناصر أكثر وتأثيرات أكثر. كما أن كيفية تأثير هذه المؤشرات على الفن يمكن أن يكون لها نطاق واسع.
أتصور أننا لو استطعنا فتح مدخل »تأثير التشيع على الفن«، لواجهنا كنزًا عظيمًا لم يخضع منه إلا القليل جدًا للتدقيق حتى يومنا هذا، ولكن تقبع عظمة استثنائية خلف ستار تقصيرنا وقلة اهتمامنا. أدعو جميع المهتمين بمجال الفن والتشيع إلى أن يميلوا أكثر نحو هذا الاتجاه ويعملوا في هذا المجال، فمن المؤكد أن إنجازات قيّمة للغاية يمكن أن تنتظرنا في هذا الصدد.
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.