اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
نقد العلم الحديث يعني فحص حدوده وتعيينها؛ ذلك العلم الذي انطلق مع ديكارت وتصدّت لنقده ثلاثة تيارات: الفلسفة القارية، وفوكو، ومدرسة فرانكفورت. وقد رأى هايدغر في العلم الحديث هيمنةً للتقنية ونظرةً رياضيةً للعالم.

ما المقصود بـ«النقد» و«العلم الحديث»؟ «النقد» يعني الفحص وتحديد الحدود، وهو يختلف عن الانتقاد الذي تغلب عليه الصبغة السلبية. أما «العلم الحديث» فهو العلم الذي حقق تقدّمات مذهلة في القرون الأربعة الأخيرة (منذ ديكارت فصاعدًا). إن التمييز بين العلم الحديث والمعارف ما قبل الحديثة يعني أن هذا العلم يتمتع بخصائص ومميزات تفتقر إليها المعارف القديمة. والمقصود بـ«نقد العلم الحديث» هو فهم هذه الفروقات، أي فهم ما يميّز أمرًا مثل العلم الجديد عن العلم الذي كان سائدًا من قبل. ثمّة ثلاث جماعات في الغرب تناولت نقد العلم الحديث. المجموعة الأولى من النقدات تنتمي إلى الفلسفة المحضة (الفلسفة القارية في مقابل الفلسفة التحليلية) وخصوصًا الفلسفة الألمانية وشخص مارتن هايدغر الذي قدّم أشدّ النقدات للحداثة، والنقدان الآخران يتعلقان بميشيل فوكو ومدرسة فرانكفورت اللذين تناولا نقد العلم الحديث في فلسفة العلوم الاجتماعية. لنقد هايدغر (۱۹۷۶ ـ ۱۸۸۹) للعلم الحديث ثلاثة محاور رئيسية: ۱. إن انفتاحنا الأول على العالم هو انفتاح عملي وليس نظريًا، ولكن في العلم الحديث، وبما أن انفتاحنا على العالم أصبح نظريًا، فإننا نرى العالم لا بوصفه علامات بل بوصفه أعيانًا (موضوعات). ۲. النظرة الديكارتية للعالم (رؤية العالم رياضيًا). هذان النقدان وردا في «الكينونة والزمان» ويتعلقان بالمرحلة الأولى من فكر هايدغر. ۳. التكنولوجيا (= التطلع إلى فتح الطبيعة بدلًا من فهم الحقيقة) تتقدم وجوديًا على العلم الحديث. هذا النقد طُرح في مقالة «مسألة التقنية» (۱۹۳۶)، المتعلقة بالمرحلة الثانية من فكر هايدغر، والتي تُعد أول معالجة فلسفية جادة لمسألة التكنولوجيا، ويمكن القول بالتسامح إن فلسفة التكنولوجيا تبدأ بهذه المقالة. لدى هايدغر أيضًا في مقالة «عصر صورة العالم» (۱۹۳۸) نقد للتكنولوجيا ورد على سبيل الاستطراد، وهو أنه يقول بتاريخ الكينونة ويعتقد أن الكينونة في كل عصر تتجلّى لنا بنحو ما، وهذه المرة تجلّت لنا في القالب التكنولوجي. النقد الثاني للعلم الحديث يتعلق بميشيل فوكو (۱۹۸۴ ـ ۱۹۲۶)، الفيلسوف الفرنسي. في نظره أن العلم والسلطة وجهان لعملة واحدة، فلا يوجد مجال من العلم إلا ويحيط به مجال من السلطة، ولا يوجد مجال من السلطة إلا ويخلق علمه الخاص به. يتصور فوكو لكل عصر صياغة معرفية (Episteme) تُنشئ أنظمة السلطة-الحقيقة، ونظام السلطة-الحقيقة منذ منتصف القرن العشرين فصاعدًا هو نظام السلطة-الحقيقة للعلوم الإنسانية. النقد الثالث للعلم الحديث يتعلق بمفكري مدرسة فرانكفورت، ففي نظرهم أن العلوم الاجتماعية تصف الوضع القائم وتعبّر عن إرادة الطبقة الحاكمة وهيمنة عالم السيطرة وتبرره، في حين ينبغي لها أن ترسم الوضع المنشود.
موضوع البحث هو نقد العلم الحديث. العلم الحديث هو أحد أركان عالم-حياتنا؛ بمعنى أننا نعيش فيه، ونبني بيوتنا على أساسه، ونعالج أمراضنا بناءً عليه، ونعلّم أطفالنا ونربّيهم استنادًا إلى أسس مستمدة من العلم الحديث. بعبارة أخرى، لقد غمرنا العلم الحديث؛ لذا فإن فهم وضعيتنا الثقافية يبدو مستحيلًا دون فهم خصائص العلم الحديث.
في البداية يجب التمييز بين النقد والانتقاد، رغم أن كليهما من أصل واحد، فالصبغة السلبية في الانتقاد أبرز، ويجب التأكيد على أن المقصود بالنقد هو الفحص وتحديد الحدود وليس التأكيد على صبغته السلبية. والمقصود بالعلم الحديث هو العلم الذي حقق تقدّمات مذهلة في القرون الأربعة الأخيرة منذ ديكارت فصاعدًا. وعندما نعتبر هذا العلم مختلفًا عن العلم القديم والعلم العتيق، فذلك لأننا ندرك أن هذا العلم له خصائص كانت المعرفة القديمة تفتقر إليها. والمقصود بنقد العلم الحديث هو فهم هذه الفروقات، أي فهم ما يميّز أمرًا مثل العلم الجديد عن العلم الذي كان سائدًا من قبل. من المحتمل أن العلم الجديد والمعرفة القديمة مختلفان إلى درجة أنهما لا يشتركان إلا في اللفظ، وربما نضطر إلى ألا نطلق لفظ العلم على المعرفة القديمة بعد الآن.
الحداثة وأشدّ النقدات من داخلها
ثلاث مجموعات في الغرب مارست نقد العلم الحديث. أشدّ النقود وأكثرها إحكاماً للعلم الحديث انبثق من داخل الحداثة أو من العلم الحديث نفسه. أحد هذه النقود صدر عن الفلسفة المحضة، الفلسفة القارية أو الـ continental. تقف الفلسفة القارية في مقابل الفلسفة الأنغلوساكسونية أو البريطانية. فلسفة البلدان الناطقة بالإنجليزية هي الفلسفة التحليلية، بعبارة أخرى فلسفة تقترن بالمنطق، والمنطق دهليزها ومدخلها. تُسمّى هذه الفلسفة تحليلية، أناليتيكية أو أنغلوساكسونية، ولأن بريطانيا، رمز الناطقين بالإنجليزية والفلسفة الناطقة بالإنجليزية، جزيرة، فقد أُطلِق على الفلسفة الأخرى اسم الفلسفة القارية أو البرّية (مقابل البحرية).
تشمل الفلسفة القارية في معظمها فلسفة ألمانيا. أشدّ النقود على الحداثة صدرت عن ألمانيا، وهذا الأمر له سابقة تاريخية. نزعة ألمانيا الاستقلالية في مقابل سائر أجزاء أوروبا تُلاحظ في حقب من التاريخ. كان الألمان آخر قوم خضعوا لقوانين الإمبراطورية الرومانية التي سادت بشكل موحّد في أوروبا. ربّى الألمان في أحضانهم "لوثر" الذي قدّم تفسيراً ألمانياً للمسيحية ووقف في وجه الكنيسة الكاثوليكية الرومانية. وكما انفصلت ألمانيا عن بقية أجزاء أوروبا، انفصلت الجامعة الألمانية عن جامعات أوروبا. في ألمانيا، مصطلح الجامعة الألمانية مصطلح معروف جداً، فلو قلت الجامعة الإنجليزية لكان خالياً من المعنى؛ لأن العلم هو العلم، لكن الجامعة الألمانية لها خصائصها المميزة. عقول كبيرة مثل كانط وفيشته ونيتشه وهايدغر ناقشت الجامعة الألمانية، وكل هذه المناقشات تتمحور حول فكرة أن الـ University يجب أن تكون Uni-versity. versity تعني التباعد، التشتت، الهاوية، الشتات المحض، و Uni تعني توحيد التشتت. ترى الجامعة الألمانية أن الكليات أجزاء متفرقة ومبعثرة من العلم ينبغي أن تجتمع تحت عامل توحيدي (الفلسفة).
ثلاثة تيارات ناقدة للحداثة
نشير على سبيل المثال إلى ثلاثة مواقف فكرية ناقدة للعلم الحديث: الفلسفة القارية، وميشيل فوكو، ومدرسة فرانكفورت.
في النقود المنبثقة عن الفلسفة القارية أو الـ continental، تُفحص بشكل خاص آراء "مارتن هايدغر". لدينا من هايدغر أعمق النقود وأكثرها تأسيساً للعلم الحديث على وجه الخصوص، وللعالم الحديث ومعرفة العالم الحديث على وجه العموم.
في التيار الثاني لنقد العلم الحديث، ينبغي الإشارة إلى الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو، وكالتيار الثالث يمكن الإشارة إلى مدرسة فلسفة العلوم الاجتماعية، وهي مدرسة فرانكفورت. من هذه التيارات الثلاثة، يتعلق أحدها بالفلسفة المحضة، ويتعلق التياران الآخران بفلسفة العلوم الاجتماعية.
وُلد هايدغر عام 1889 وتوفي عام 1976، وقضى معظم عمره في القرن العشرين. يمكن رؤية نقد هايدغر للعلم الحديث في ثلاثة مواضع: الأول، مبحث العلامة والإحالة، والثاني، النظرة الديكارتية للعالم ـ وكلاهما مأخوذ من كتاب الوجود والزمان ـ والثالث، من مقال بعنوان "مسألة التقنية". يتعلق الموضعان الأولان بالدور الأول من فكر هايدغر، والثالث بالدور الثاني من فكره.
هايدغر ونقد الحداثة
يؤسس هايدغر نقده لا على العلم الحديث، بل على الوجود الحديث، لأن الوجود عند هايدغر هو عين الفهم؛ لكن بما أن قسماً مهماً من الفهم هو المعرفة العلمية، فإن هايدغر يتجه حتماً نحو العلم أيضاً. هايدغر ليس فيلسوف علم، ومسألته الأساسية ليست العلم على الإطلاق، فالوجود هو المسألة الأزلية الأبدية للفيلسوف والفلسفة، لكن هايدغر ينتقل من الوجود إلى ميدان العلم.
نقد هايدغر الأول؛ النظرة التنظيرية للعالَم
يبدأ نقده للعلم من المقاربة التنظيرية للعالَم، ففي نقده للمقاربة التنظيرية للعالَم يعتقد أن أول انفتاح لنا على العالَم ليس انفتاحاً تنظيرياً، بل انفتاحاً تدبيرياً أو احتياطياً (circumspection). بعبارة أخرى، وبشيء من التسامح، يمكن القول إن أول مقاربة لنا للعالَم ليست مقاربة تنظيرية، بل مقاربة عملية.
يقول هايدغر إن اليونانيين كانوا يسمون الشيء «براغماتا» (pragmata). كانت اليونان، من وجهة نظر هايدغر، منبع الفكر الأصيل والنقي، وكان مراده من هذه العبارة أن الأمر في صفائه ونقائه كان على هذا النحو. أما اليوم فتُطلق البراغماتا على منفعة شيء ما. في اللغة اليونانية، كان الشيء هو عين منفعته، مع الانتباه طبعاً إلى أن هذا لا يعني البراغماتية أو النفعية. إن مقاربتنا الأولى للعالم هي مقاربة ننظم فيها الأمور وفقاً لمبتغياتنا.
ما معنى عبارة «مقاربتنا الأولى للعالم هي مقاربة تدبيرية»؟ سأحاول شرح ذلك بمثال. عندما ندخل من هذا الباب، سواء كمتحدثين أو مستمعين، فإن هذه القاعة لا تُفهم في البداية فهماً نظرياً؛ أي أن مساحة القاعة ليست هي المقصودة، لأننا جئنا لنلقي درساً أو نستمع إليه، فإن أول ما يظهر لنا من القاعة هو: هل هي مناسبة للدراسة والاستماع أو لإلقاء الدرس أم لا؟ وبعد أن نرى مثلاً أنها صغيرة لهذا الغرض، نسأل عن مساحتها. مثال المطرقة هو مثال هايدغر الشهير في كتاب «الكينونة والزمان»؛ فالنجار حين يعمل بمطرقته يقول لتلميذه: هذه المطرقة ثقيلة، ولنفترض أن النجار وتلميذه متعلمان، فهل يقصدان من ثقل المطرقة الكثافة والكتلة الحجمية؟ كلا، فالمطرقة ثقيلة في عالم الورشة بالنسبة لهما تعني «إنها ثقيلة على الطرق». إن مواجهتنا الأصلية الأولى للأمور تتجه نحو تدبيرنا للعالم. وسبب ذلك هو نمط الوجود الخاص للإنسان.
يقول هايدغر إن الإنسان، أو بتعبيره هو «الدازاين»، هو الموجود الوحيد الذي تختلف ماهيته عن وجوده، ويعني هذا بالتسامح أن ثمة فرقاً بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكونه الإنسان.
لذا، فإن أمراً مثل الغاية قابل للتصور بالنسبة للإنسان، فالغاية هي ما يقصر عنه الإنسان، وهي ليست أمراً متعيناً ومعيناً، والإنسان حي بقصوره عما ينبغي أن يكونه، ولو سُلب هذا من الإنسان لسُلب منه كل شيء، لسُلب وجوده. يقول هايدغر إن المستقبل يصير ممكناً من حيث إن الدازاين، أو الوجود الخاص للإنسان، قاصر عما ينبغي أن يكونه. المستقبل هو الانبثاث الزماني لهذا القصور الذاتي للإنسان. كذلك يضرب هايدغر مثال الساعة لشرح المقاربة النظرية، فيقول إننا لا ننظر إلى الساعة بدافع التسلية والترفيه لنعرف كم الساعة، بل ننظر إلى الساعة لنعرف إن كنا ما زلنا في وقت مبكر لعمل ما، أم أن الوقت قد تأخر، أم أنه وقت العمل. هذا ليس أمراً نظرياً، بل هو عملي، وهو مقترن بفعل الإنسان في اتجاه غاية ما. لا يمكن طرح مسألة الزمان بطريقة نظرية، فمقاربتنا الأولى للزمان هي مقاربة تدبيرية.
إذا أردت شرح هذه المسألة في قالب مثال آخر، فعلي أن أشير إلى القلم. القلم هو في البداية أداة للكتابة، ثم تُطرح بعد ذلك خصائصه من طول ومادة صنعه، فالخصائص والماهيات هي أمور اشتقاقية. إن مقاربتنا للأمور تنتظم بالنظر إلى غايتنا، الناتجة بدورها عن قصورنا الذاتي عما ينبغي أن نكونه.
إذا كانت عبارتنا الأولى هي أن مقاربتنا الأولى للعالم تدبيرية، فإننا نصل إلى العبارة الثانية، وهي أن العالم ليس مجموعة من الأعيان (Object)، بل هو مجموعة من الأدوات؛ فالقلم أداة كتابة، والغرفة أداة سكن، والريح، كما يقول هايدغر، هي في الشراع. فمثلاً، الشخص الذي يركب قارباً أو سفينة في نهر أو بحر، لا يمكنه إلا بشكل اشتقاقي أن يفكر في سرعة الرياح بوحدة م/ث، فمقاربته الابتدائية ليست قياس السرعة، بل ما إذا كانت الريح في الأشرعة والقوارب ستصله إلى الشاطئ أم لا. لكن عندما يسحب هذا الشخص انخراطه الشخصي في المسألة ويصل مثلاً إلى الشاطئ، فلا يعود لديه انشغال نابض (concern)، حينها تُطرح النظرية. يقول هايدغر إن النجار ينتبه إلى الخواص النظرية للمطرقة عندما يعجز عن إنجاز عمله بها، وهنا يظهر العالم بنحو نظري، ومن الواضح أن العلم هو مقاربة نظرية للعالم.
القضية الثالثة هي أن أساس كون الشيء أداة يكمن في كونه «علامة»، وهنا يختلف موقف هايدغر عن البراغماتية، فلكي يكون الشيء أداة، ينبغي أن يكون علامة أولاً. يقول هايدغر إنكم تتعرفون على الأمور في ضوء غاية ما، بل إن المعرفة نفسها تتم تحت مظلة تلك الغاية، فالمطرقة مثلاً للطرق، والطرق لصنع الكرسي، والمطرقة لصنع الكرسي، والكرسي للجلوس، والجلوس للدراسة، والدراسة للنجاح في امتحان القبول، وفي النهاية للشغف بالتعلم أو لكسب الدخل أو العلم. وكلها تُعرَّف في إطار مشروع أو project، أي الإلقاء إلى الأمام، وبعبارة أخرى أنتم ألقيتم غاية ما إلى الأمام لأنفسكم، وتُعرف الأمور وتُفهم في ظلها. في الواقع ينبغي القول إن المطرقة علامة على الطرق، والطرق علامة على الكرسي، والكرسي علامة على الجلوس، والجلوس علامة على الدراسة... إلخ. العالم مجموعة من العلامات. وهنا يجب أن أؤكد أن الغاية عند هايدغر ليست أمراً متعيناً سلفاً، ونحن إنما عبرنا عن الأمر بهذه الصورة لجعله قابلاً للفهم فحسب.
صورة العالم في الفلسفة المشائية والحكمة الصدرائية
نعتقد بوجود تشابه بين رأي هايدغر القائل بأن «العالم ليس مجموعة أعيان بل مجموعة من العلامات» وصورة الحكمة المتعالية عن عالم الوجود.
كان العالم من منظور المشائين عبارة عن واجب الوجود وممكن الوجود؛ الممكنات أي تلك الأشياء التي يمكن أن توجد ويمكن ألا توجد، لكنها موجودة الآن. وأما واجب الوجود فواضح؛ أي الوجود الذي وجوده واجب، والعلاقة بين هذين هي علاقة علة ومعلول. واجب الوجود هو علة العلل أو العلة الأولى لممكن الوجود. في صورة الملا صدرا، يصبح العالم عبارة عن الله واللهنما (الإظهار، الإشارة) والعلاقة بينهما ليست علية، بل علاقة تشأن وتجلٍّ. اللهنما هي تجليات الله وآياته، والرؤية والنظرة الدينية من حيث المبدأ أكثر انسجاماً مع هذه النظرة، لأن سنخ العلاقات هو علاقات آيوية أكثر منها علية ومعلولية. عندما نقول إن شيئاً ما علامة على شيء آخر بدلاً من كونه معلولاً له، فهذا يختلف كثيراً عن قولنا إن شيئاً ما معلول لشيء آخر. العلة والمعلول يخلقان العلم، أما الجلوة والتجلي فيخلقان شيئاً آخر. لقد بُني العلم الحديث على أساس رؤيتنا النظرية للعالم؛ لذا اعتبر العلم العالم مجموعة أعيان، وبناءً عليه نشأت العلاقات العلية والمعلولية، وصار العلم دراسة للعلاقات العلية والمعلولية. والأمر الواقع هو أن هذه ليست الرؤية الممكنة الوحيدة؛ وهكذا نشأ العلم الحديث بالانتقال من رؤية العالم على نحو علاماتي (= آيوي) إلى رؤيته على نحو موضوعات وأعيان.
اختلاف نظرة العلم والدين إلى العالم
لفهم العلامة نضطر للاستعانة ببعض الأمثلة. خلال المئة والخمسين عاماً الأخيرة، وخصوصاً في الخمسين عاماً الأخيرة، سادت علينا صورة خاطئة، وهي أنه يمكن بناء العلم على أساس آيات القرآن، وتم التعامل مع هذا الأمر بشكل سطحي للغاية؛ كمطابقة العلقة والمضغة مع علم الأجنة مثلاً، أو القول إن القرآن يشير بشكل ما إلى قوانين الثيرموديناميك. هذا المنهج هو خلط بين الموضوع والآية. الشيء إذا كان آية، لم يعد بإمكانه أن يكون موضوعاً، وإذا كان موضوعاً لم يعد بالإمكان بناء الآيوية عليه. السهم هو ممثل العلامة، فمثلاً في لوحة إرشادات المرور نجد سهماً مكتوباً عليه شهيد همت-شرق؛ السهم يعبّر عن شيء ما، وهو أن لا تنظروا إليّ، بل انظروا إلى ذلك الشيء الذي أشير إليه. تقول العلامة: لا تنظر إلى ماهياتي ومختصاتي، ففي هذا المثال لو انتبهتم إلى ماهيات تلك العلامة لأضعتم طريقكم، ينبغي للعلامة أن تتراجع لكي تلفت الانتباه إلى ما تشير إليه. العلامة تحقق علاميتها عندما لا تجذب الانتباه إلى مختصاتها. عندما يقيسون كتلة نجم ما، فإن هذا النجم لم يعد ذلك النجم الذي يتحدث عنه القرآن، ولن يصبحه أبداً. عندما يوضع شيء تحت المجهر، لا يعود آية. لا يمكن بناء الآيوية على الموضوعية أو العكس. منبعهما نوعان مختلفان من الرؤية. إذا أردنا إقامة ألفة بين العلم والدين (وهذه الألفة موجودة)، فينبغي أن ننظر بعمق أكبر وبشكل أكثر جذرية.
النقد الثاني لهايدغر؛ النظرة الديكارتية للعالم ورؤية العالم رياضياً
نقد هيدغر للعلم الحديث نابع من اعتقاده بأن العلم يتخذ مقاربة نظرية لا إشارية؛ وقد جرى التعبير عن ذلك في الأطروحات الثلاث المذكورة آنفًا. ويستند موقف نقدي آخر لهيدغر، ورد في كتاب «الكينونة والزمان»، إلى أن نظرتنا للعالم قائمة على النظرة الديكارتية، وهي بدورها قامت على افتراض مسبق كان من الممكن ألا يكون؛ فقد نُظر إلى العالم بطريقة كان ظلّها ظهور شيء مثل العلم الحديث. على الأقل، على مستوى الإمكان العقلي، كان من الممكن النظر إلى العالم بطريقة أخرى، وحينها كان سيُنتج علمًا آخر، وفلسفة أخرى، وعالمًا آخر، وإنسانًا آخر. لا تتصوروا أن الحقيقة والصدق والإثبات هي هكذا فحسب، فهذا قائم على طريق سُلك، وهو بالمناسبة ليس أصيلًا على الإطلاق، يقول هيدغر إنه طريق «ساقط». الأمر الأصيل هو ذاك التفكير الآيوي الذي تركناه وأفلت من أيدينا.
النظرة الديكارتية للعالم هي موضع آخر للنقد؛ يقول هيدغر إن ديكارت نظر إلى العالم نظرة خاصة نشأت عنها رؤية العالم رياضيًّا. العالم الحاضر هو عالم فيزيائي-رياضي. عندما حولنا الآيوية إلى إحداثيات قابلة للقياس، حين فكرنا مثلًا أن الغرفة ليست مسكنًا، بل هي حاصل ضرب الطول في العرض في الارتفاع، وبالتالي مساحة وحجم، أي رقم. في هذه النظرة للعالم، صارت الكيفيات مرتبطة بالقياس والعدد، وأصبح الموت والكينونة واللاوجود مرتبطة بأعداد، صارت الرياضيات تسيطر علينا، هذا النوع من النظر لم يكن موجودًا منذ البداية، وهو ينتمي إلى العصور الحديثة، وينتمي إلى نوع خاص من النظر. كيف نظر ديكارت حتى صار العالم رياضيًّا؟ تصورنا أننا إذا عرفنا مجموعة من الأعداد عن شيء ما، فقد عرفنا ذلك الشيء، ويمكننا أن نضع تصميمًا آخر.
كيف نظر ديكارت؟
في المرحلة الأولى، دمج فكرة العالم بفكرة الجوهر. ما هو الجوهر في الفلسفة؟ (substance) بمعنى ما يقف تحت (sub standing)، الشيء الذي يقف في الأسفل؛ أي أن البنى الفوقية تتغير، لكن هذا الجوهر يبقى ثابتًا. الجوهر هو الشيء الذي يبقى ثابتًا رغم تغير الأشياء الأخرى. كان ديكارت يرى أن للعالم جوهرين، الذهن العارف أو (ego cogito) والجسمانية (corporea)؛ وجعل الجسمانية رهنًا بالجوهر؛ أي يجب البحث في كل مكان عن ذلك الشيء الثابت. قال ديكارت إن هذا الجسم له جوهر، وما كان جديدًا هو أن ديكارت اعتبر جوهر الجسم هو الامتداد. للجسم خواص متعددة، منها الوزن واللون والشكل؛ إذا أخذنا كل هذه من الجسم، يبقى الجسم، فقط إذا أخذنا شيئًا واحدًا من الجسم لا يبقى جسمًا، وهو الامتداد. مثلًا، عندما تصف شيئًا بأنه ناعم أو صلب، فعالمك حسي-شعري، لكن ديكارت كان يرى حتى النعومة والصلابة مرتبطة بالامتداد، كان رأيه أننا عندما نصف شيئًا بالنعومة، فذلك لأن امتداد يدنا يعاكس امتداد ذراته؛ الشيء ناعم لأنه مرتبط بامتداد.
ما هي الحركة؟ في التعبير الأرسطي، الحركة تتبع رغبات الأجسام، أي العناصر الأربعة: الماء والهواء والتراب والنار. في التعبير الأرسطي، الحركة هي الميل نحو الأصل. أصل الحجر من التراب، فحين يُترك يتجه نحو التراب؛ أصل النار من الأثير، فحين تُترك تتجه نحو السماء؛ أصل الماء من البحر، فحين يُترك يتجه نحو البحر. تحول الميل نحو الأصل إلى جبر وقوة، وتغير العالم. الجسم ليس سوى شيء ممتد؛ لأننا كنا نبحث عن الجوهر/ الأمر الثابت، صار الجسم بوصفه شيئًا ممتدًا، وعندما نبحث فيه عن الجوهر الثابت، أي علم يكون أكثر تناسبًا مع هذا التثبيت؟ الرياضيات. بالطبع، تختلف الرياضيات اليوم عن التعبير الديكارتي للرياضيات. وفقًا لهيدغر، نحن في مواجهتنا للعالم بحثنا عن شيء ثابت ومقتنى آمن. المقتنى الآمن، في مجال الطبيعة وعلم الأجسام، أنتج الجوهر، ومن هذا الجانب استدعى علمًا يتناسب معه؛ الرياضيات. صار العالم رياضيًّا، لم تكن هذه العملية إلزامية، فعندما نثبت شيئًا، نكون كمن يسخره ولا يعود يفلت منا. كأننا في مواجهة العالم كان لدينا خوف، خوف المواجهة، ومن هذا الخوف لجأنا إلى علم يقول لنا: any things are ok، وهذا ما وفرته الرياضيات، ففي الرياضيات يمكن حل مسألة والاطمئنان، لكن في الفلسفة لا يمكن ذلك؛ لأن الحياة في حالة تجدد دائم، الحياة هيرمينوطيقية وتتجدد مع العيش.
هكذا صار عالمنا، بحسب هايدغر، رياضياً، وانتظمت معرفة الأجسام، بل حتى معرفة الجسد ومعرفة الإنسان لأحوال نفسه، بواسطة العدد.
لقد عرف الإنسان جنينه بالعدد، فأول سؤال يطرحه هو: كم يزن؟ كم مضى من الأسابيع على عمره؟ لم يعد الطعام موضوع حلال وحرام، بل صارت كمية السعرات الحرارية هي المهمة. لم تكن هذه العملية ضرورية، بل صارت ضرورية، وكان يمكن ألا تكون على هذا النحو. هذا هو القسم الثاني من نقد هايدغر للعلم الحديث.
النقد الثالث لهايدغر؛ الأسبقية الوجودية للتكنولوجيا على العلم
طُرح الموقف الثالث لهايدغر في مقالته «مسألة التقنية»، وهذه المقالة هي حصيلة خطاب ألقاه عام 1936، وهي أول معالجة فلسفية جادة لمسألة التكنولوجيا، ويمكن القول بالتسامح إن فلسفة التكنولوجيا تبدأ بهذه المقالة. يطرح هايدغر في هذه المقالة ادعاءً غريباً، وهو أن التكنولوجيا متقدمة على العلم، على عكس ما يعتقده معظمنا.
يعتقد معظمنا أننا نمارس العلم أولاً، ثم يتحول هذا العلم، في مقام التطبيق، إلى تكنولوجيا؛ فالهندسة هي تطبيق العلوم الأساسية، وفي الطب تُدرَّس العلوم الأساسية أولاً ثم الدروس السريرية. نظن أن العلم، من حيث الزمان والوجود، متقدم على التكنولوجيا. لا يشدد هايدغر على التقدم والتأخر الزماني (وإن كان البعض يرون التكنولوجيا متقدمة على العلم زمانياً أيضاً)، بل يشدد على التقدم والتأخر الوجودي. ما معنى هذه القضية القائلة إن التكنولوجيا متقدمة وجوداً على العلم؟ المقصود هو أن نزوة التصرف في العالم متقدمة على العلم، وما جعل العلم على ما هو عليه هو نزوة التصرف في العالم؛ وبتعبير آخر، العلم ليس فهماً للحقيقة، بل هو فتح للطبيعة. ليس المقصود أن اعوجاجاً قد حدث في العلم.
نظن أحياناً أن العلم استُخدم في مسار سيئ فأنتج القنبلة الذرية. يقول هايدغر إنه حين كان ديكارت يضع أسس الفلسفة الحديثة، كان الشيء قد اندثر هناك، ولم يكن سوى التجلي الخارجي لذلك هو القنبلتان الذريتان اللتان أُلقيتا على اليابان. لا ينبغي أن نظن أن اعوجاجاً قد حدث، وأن محتالين استخدموا علماً معصوماً لغايات وأهداف مجهولة، فكان أن برز هذا العلم على هذا النحو، بل إن هذا كامن في صميم العلم الحديث. لقد كانت نزوة التصرف في العالم سابقة على العلم، وهذه النزوة هي التي أوجدت علماً كهذا.
ما هي علامات نزوة التصرف هذه؟ في الجواب يمكن القول إن أول عمل للعلم هو تصنيف الأشياء وترتيبها، والتصنيف ليس سوى تدخل وتصرف، فبالتصنيف يمكن القول إن هذه الفئة من الأفراد مرضى (سنتناول هذه المسألة بتوسع أكبر في آراء فوكو)، وهذه الفئة طبيعية وعادية (normal)، ومن هنا يقيس كل فرد نفسه بالطبيعي (normal) وغير الطبيعي (anormal)، فالتصنيف يعني التصرف. يشير هايدغر إلى الغشتل (Geschtelle)، والغشتل في اللغة الألمانية تعني الرفوفة والتأطير، فالإنسان قد تصور العالم في إطار وأخضعه لضبطه. وبهذا يكون أساس العلم هو التكنولوجيا، والتكنولوجيا هي عين التصرف في العالم؛ كان يمكن ألا يكون الأمر على هذا النحو، لكنه صار هكذا مع ظهور النزعة الإنسانية. لقد رأى الإنسان العالم رؤية إنسانية، ففي النزعة الإنسانية يُنظَّم كل شيء حول نزوات البشر، ومن الطبيعي أن تصير معرفة العالم تابعة لنزوة الإنسان. في هذا الإطار، يكون البشر هو المحور. لم تعد الحقيقة حقيقة محضة، بل حقيقة ترضي ذائقة البشر، وتنسجم مع نزوته.
كان هذا هو نقد هايدغر للعلم الحديث الذي شُرح بإيجاز؛ وكما أشير سابقاً، ليس الأمر أن هايدغر نقد العلم الحديث فحسب، بل إن مسألته هي الوجود، وبما أن هايدغر يرى الوجود عين الفهم، فإنه في نقده للفهم يتطرق للعلم أيضاً. لقد بُحث نقد هايدغر حول ثلاثة محاور رئيسية، وستُضاف ملاحظة أيضاً. أولاً، لقد نُظر إلى العالم لا بوصفه علامة بل بوصفه أعياناً؛ ثانياً، رأى ديكارت العالم بوصفه امتداداً؛ ثالثاً، انتظم العلم على أساس التكنولوجيا التي كانت بدورها بمعنى نزوة التصرف.
تاريخ الوجود في آراء هايدغر
تناول هايدغر العلمَ من زاوية أخرى في مقالة له بعنوان «عصر صورة العالم» عام 1938. ينشأ مصطلح البارادايم من علم المعرفة عند توماس كون، ومصطلح الإبستيميه عند فوكو وهو يقابله تقريباً. ينبغي البحث عن منبع هذين المصطلحين في مبحث لهايدغر، إذ كان يقول بما يُسمى تاريخ الوجود. وخلاصة الأمر أن الوجود في كل عصر يتجلى بخصائص قد تختلف عن خصائص العصر السابق. ويصرح هايدغر بأن الإنسان لا دور يُعتد به في هذا الشأن، فالوجود هو الذي تجلى على هذا النحو. وفي هذا المبحث، يبرز التجلّي والظهور بقوة، وكأن المعشوق (الوجود) أظهر لنا هذه المرة طرف حاجبه، فانشغلنا بطرف حاجبه وتأملناه وفهمناه، وفي الغد يُظهر شامة. ينبغي الانتباه إلى الفرق بين هذين المنظورين. فالوجود، أو بتعبير هايدغر الدازاين، يتجلّى للإنسان بكيفية ما بمحض إرادته، ومن الطبيعي أن نرى له صورة أخرى، وكأن الوجود تجلّى لنا هذه المرة في قالب تكنولوجي.
فرديد هو أول من قدّم آراء هايدغر للمجتمع العلمي الإيراني في محاضرة ألقاها عام 1327 في جامعة طهران، وله تفسير لتاريخ الوجود، إذ يطرح مبحثاً بعنوان علم الأسماء الإلهية، ويرى أننا نعيش في كل عصر تحت اسم من أسماء الله. وفي هذا العصر تجلّى الله بصفة القهار، فهناك قهر بين السماء والأرض.
على أية حال، كانت الانتقادات الثلاثة الأولى هي انتقادات هايدغر الرئيسية، وهذا النقد الأخير يأخذ طابع ملاحظة هامشية لا يُركّز عليها كثيراً.
ميشيل فوكو وجينيالوجيا الظواهر
ميشيل فوكو، وُلد عام 1926 وتوفي عام 1984. تستند آراء فوكو حول العلم، وخاصة العلوم الإنسانية، إلى آراء نيتشه وبالأخص نظريته في إرادة القوة. يُظهر فوكو أن العلم والسلطة وجهان لعملة واحدة، فلا يوجد مجال من العلم إلا ويحيط به مجال من السلطة، ولا يوجد مجال من السلطة إلا ويخلق علمه الخاص. يُعرف المنهج الذي يستخدمه فوكو بالجينيالوجيا أو geonology؛ أي أنه يدرس نسب الظاهرة.
يستخدم فوكو مصطلح الإبستيميه الذي ينبغي تقديم بعض التوضيح حوله. الإبستيميه تُعرّف بأنها «التشكّل المعرفي لكل عصر». المعرفة أمر غير متعين، لكنها تكتسب في كل عصر تعيناً وشكلاً خاصاً؛ فمثلاً، لو سألنا إسكافياً عن حال تجارته، لقال: الله هو الرزاق. هذه معرفة وعين المعرفة، لكن لا يمكن اعتبار هذا الشخص عالماً، لأنه لم يعبّر عن كلامه في قالب المصطلحات العلمية، ولم يُقل كلامه داخل مؤسسة علمية، وكلامه في الواقع يفتقر إلى المنهج العلمي. وكأن المعرفة لا يمكن أن تكون بلا قالب، بل لا بد أن تُقدّم لنا في قالب لغة، وفي مؤسسة، وفي مكان متعين.
يقول فوكو إن المعرفة تتخذ في العصور المختلفة أشكالاً قالبية، وهذه الأشكال القالبية هي وليدة السلطة. يتناول فوكو بأطروحة الإبستيميه مختلف فروع العلوم الإنسانية، ويبيّن أن العلوم الإنسانية هي أنظمة سلطة-حقيقة؛ أي أن السلطة والحقيقة شيء واحد.
يصرح فوكو بأن نظام السلطة-الحقيقة المهيمن،至少在 النصف الثاني من القرن العشرين، كان هو نظام السلطة-الحقيقة للعلوم الإنسانية؛ أي أن الهيمنة على العالم تُمارس من جانب العلوم الإنسانية بشكل أكبر. يدرس فوكو ظاهرة الجنون في كتابه «تاريخ الجنون». فالمجنون أو المختل عقلياً، وفقاً للفكر العلمي اليوم، يجب أن تتوفر فيه خصائص علمية، من هلوسة وهذيان وغيرها... ولا نفكر أبداً في أن سلطة ما تُمارس هنا، فالسلطة التي يقصدها فوكو ليست سلطة الطبقة الحاكمة، بل هي سلطة يمارسها الأفراد والمؤسسات على بعضهم البعض بشكل غير مرئي.
يذكر فوكو أنه عندما أُنشئ المستشفى العام في باريس عام ١٦٥٦، كان يُحتجز فيه أشخاص شديدو الاختلاف والتباين، بمن فيهم المجانين والفقراء والأيتام والمعوقون وغيرهم. كانت هذه العناصر غير المرغوب فيها هي أولئك الذين لم يستطيعوا أن يكونوا في خدمة الإنتاج، ولم يستطيعوا إنتاج أي شيء، وبالتالي كان لا بد من إنشاء مركز يُجبرهم على الإنتاج، ولو بالقليل، بطعام زهيد وباستخدام السخرة. وكانت لهذه المراكز ميزة أن هذه العناصر غير المرغوب فيها لم تعد على مرأى من الآخرين. ثم نشأ علم يُدعى الطب النفسي وفقاً لهذه الحاجة. هناك نظرية متضخمة جداً في الطب النفسي وعلم النفس وكأن الأمراض النفسية تُشخَّص بناءً على الوظيفة الاجتماعية؛ أي وكأن الفرد لا يُوصم بالمرض النفسي ما دام يؤدي وظيفته الاجتماعية. بعبارة أخرى، نحن نشغل الطبقة أو المجموعة التي لا تستطيع أن تساهم في الإنتاج بإنشاء علم يُدعى الطب النفسي. لم يعد المسنون قادرين على الإنتاج، فنرسلهم إلى دار المسنين، ونودع الأطفال في دور الحضانة بسبب عمل الأمهات، ولم يعد المعوقون يُعتَنى بهم في الأسرة بل تتولى رعايتهم منظمة الرعاية الاجتماعية. وهناك تبرير علمي لكل هؤلاء أيضاً، لأنه صُمم على مقاس ذلك العلم. ترتبط ظاهرة الطب النفسي بالرعاية والعقاب والنظام القانوني. للمنبوذين في النظام القضائي الوضع نفسه، فنظرة شاملة تراقب المنبوذين ليل نهار.
والتربية والتعليم على هذا النحو أيضاً، يقول فوكو إننا نتصور أننا نرسل أبناءنا إلى المدرسة للتربية والتعليم، في حين أن الطفل يتلقى هناك ضرباً من الانضباط. في المدارس، حين يُعلَّم الأطفال العلم، تُنقل ضمن هذا العلم أسس السلطة أيضاً، ولكنها سلطة غير مرئية. هذه العملية هي ذاتها نظام الأشياء وتصنيفها باتجاه ممارسة السلطة على نحو متزايد.
وميادين أخرى مثل اللغة العلمية هي كذلك. تخلق المصطلحات العلمية هيمنة، أو كما يقول دريدا، رطانة. المعرفة هي إبستيمية ويجب أن تُصَب في القالب الذي تحدده السلطة، وتلك السلطة هي سلطة تخلق علماً، وبالعكس، القادر هو من يعلم، المعرفة تعني الاستيلاء وهذا في صميم العلم الحديث، في حين لم يكن الأمر كذلك في المعرفة القديمة.
مدرسة فرانكفورت ونقد الحداثة
مدرسة فرانكفورت هي إحدى نحل فلسفة العلوم الاجتماعية، وفي هذه المدرسة تخضع العلوم الإنسانية والاجتماعية للنقد. كان أشخاص مثل أدورنو وهوركهايمر وإريك فروم وهابرماس وهربرت ماركوزه من أتباع هذه المدرسة. كان هؤلاء يرون أن العلوم الإنسانية والاجتماعية الحديثة قد أُسست على أساس السلطة الحاكمة. السلطة في نظرية فوكو غير مرئية وتمارسها المؤسسات على بعضها البعض، لكن الفرانكفورتيين، لكونهم ماركسيين وهيغليين جدد يساريين، كانوا يعبرون عن السلطة كمسألة طبقة حاكمة. كانوا ينظرون إلى المسألة من منظور منهجي ويعتقدون أن النظرية العلمية الحديثة أو النظرية الوضعية تصف الوضع القائم فقط ولا تعنى بالوضع المنشود، وهذا من عمل القوة أو الطبقة الحاكمة للحفاظ على الوضع القائم، وهم محقون إلى حد ما في قولهم هذا.
كان الفرانكفورتيون يرون أن العلم ينبغي أن يأخذ الوضع المنشود في الاعتبار أكثر من الوضع القائم، فإذا وصف الوضع القائم، فهو وضعي وقد أوجدته الطبقة الحاكمة للحفاظ على حكمها. وبتعبير آخر، العلوم الاجتماعية هي علم إنساني خاص وقد أُسست على أساس نظام الهيمنة.
كتاب جدل التنوير (من تأليف هوركهايمر وأدورنو) هو بمثابة مانيفستو الفرانكفورتيين. كانوا يقولون بالجدل لكونهم ماركسيين. وقد وردت في هذا الكتاب العديد من ثيمات فكر الفرانكفورتيين. يُشار في هذا الكتاب إلى أن التنوير عند بزوغه لم يكن يوصي فقط بأن نستخدم العقل ونتقدم بالعلم، فوفقاً لمبادئ التنوير، كان العلم يمنح الدنيا والعقبى معاً. كان العلم يجلب العدل والخير والسعادة والصحة، ولم تكن حصيلة العلم مجرد تنظيم الدنيا، بل كان فيه لون من الروحانية. السعادة ليست مجرد رفاه، بل هي أمر أسمى من ذلك. لقد دخلوا بهذا التفاؤل وانتهى الأمر في النهاية إلى الحرب العالمية الثانية بخمسين مليون قتيل.
تأسست مدرسة فرانكفورت عام ۱۹۲۳ وازداد نشاطها بين الحربين العالميتين الأولى والثانية. في البداية سُمّيت معهد الدراسات الاجتماعية في فرانكفورت، وكانت إشكاليتهم: كيف انبثقت الفاشية من صلب التنوير؟ وقد اقتربوا في تحليلهم من فكرة أن الطبقة الحاكمة تخلق، من أجل إدامة سلطتها، ثقافةً أطلق عليها الفرانكفورتيون اسم صناعة الثقافة. فكما أن صناعة السيارات هي نوع من الإنتاج، فإن التلفزيون والسينما والكتاب والعلوم الإنسانية تنتج ثقافةً وظيفتها استمرار حكم الطبقة الحاكمة والحفاظ عليه.
باختصار، إن نقد العلم الحديث هو فحص لحدود العلم وثغوره وتحديد لها، وقد جرى في هذه الفحوص تأكيد أكبر على الفلسفة المحضة، ومن بعدها على فلاسفة العلوم الاجتماعية.
أسئلة وأجوبة
أولاً، إن نقد العلم الحديث انبثق من داخل الحداثة. لا شك أن هذا الأمر قد اقترن في مجتمعنا بدعاوى إيديولوجية، دعاوى لم تكن في أحيان كثيرة معرفية حتى. العلم المحلي لم يتحقق بعد، للعلم سلسلة من المستلزمات، والعلم منتج اجتماعي؛ إنه ليس مونولوغاً، بل حوار يحتاج بالمناسبة إلى مشتغلين كثر. يبدو أن هذه النقاشات، وإن لم تبلغ مقصدها وليس مقدّراً لها أصلاً أن تبلغه، وكانت في الغالب إيديولوجية ولأجل تأسيس شيء ما، وإن شابتها بعض الدعاوى، فإنها بهذا القدر مباركة جداً.
على كل حال، نحن نواجه ظاهرة العلم. يبدو أن المسألة يمكن صياغتها على نحوين، وإذا تابعنا أحد هذين النحوين، فقد يكون أصيلاً ومقبولاً على الأرجح. النحو الذي سعينا إليه حتى الآن هو أننا ندّعي وكأننا نقبل بهذه الأمور، لكننا نريد أن نقوم بها بأنفسنا، إننا في الواقع نريد أن نخلق علماً لأنفسنا، بعبارة أخرى، لدينا دعوى تأسيس شيء ما؛ أشبه بأن أرغب في نقد شيء نفيس تملكونه لكي أستولي عليه أنا. نريد أن نجلس نحن مكان الحداثة. إذا كانت لدينا دعوى تأسيس علم محلي، فينبغي أن نعلم أن العلم ليس قابلاً للإيجاد أصلاً، العلم لا يريد إرادة إيجاد، إنه يتحصّل جمعاً ويتكوّن العلم. إذا تصور أحدهم أننا سنجلس ونكتب تعليمات لإيجاد علم محلي، فهذا غير ممكن أصلاً.
لكن طرح المسألة بشكل صحيح ممكن أيضاً. المسألة هي أن المنهج العلمي المتصلب قد تغلغل في أذهاننا إلى حد أننا لم نستطع التفكير أصلاً، كنا مأخوذين بالرهبة إلى درجة أننا لم نستطع التفريق بين مسائل هذين المجالين، وأن نقول إن العلم إذا كان ينبع من مسائل ملموسة، فإن مسائل الغرب تختلف عن مسألتنا. ينبغي أن نعلم أن هذا المخطط الذي طُرح لم يكن المخطط الوحيد الممكن، يبدو أن هذه النقاشات، وإن لم تمضِ في مسار جيد وتعرضت لخدش كثير، فإن كان لا بد من شيء يُحرز، فإنه يُحرز من داخل هذه النقاشات نفسها. لا يمكن الادعاء بأن علماً محلياً، أو علماً نفسياً محلياً، أو علم اجتماع محلياً، أو فلسفة محلية قد أُنشئت، لكن طُرحت نقاشات مفادها أن علينا أن نبحث عن مسائلنا الخاصة في العلم، وهذه ليست بمسألة صغيرة.
نعم، هذا صحيح، لقد ذكرنا بيت الشعر "توانا بود هركه دانا بود" لتقريب المعنى إلى الأذهان، لكن القدرة ليست هي القوة.
اسمحوا لي أن أشير إلى نقطة أخرى تتعلق بما طُرح في السؤال الأول؛ لقد قيل هل نحن بحاجة إلى تشكيل فكر محلي، يجب أن أقول إن الفكر المحلي في طور التشكل. إن حديثنا عن الفكر القائم على المعرفة وتأكيدنا على أن العلم يجب أن ينتج الثروة، وإن كان لا يبدو فكراً صائباً؛ لأنه سيجعل فكرنا تجاه العلم فكراً تجارياً، إلا أن هذا النوع من التفكير في طور التشكل على أية حال. الموضوع التالي يتعلق بالأمراض النفسية، من الصحة إلى المرض هناك طيف، ونحن مضطرون للعلاج عندما يختل الأداء الاجتماعي للفرد.
لقد قيل في البداية إن نقدنا هذا لا يعني الانتقاد، وإن كان قد يتخذ نبرة حادة في بعض الأحيان، والسبب هو أن الجانب الآخر من القضية ظل مغفولاً عنه. لقد قيل إن إحدى نظريات الطب النفسي هي نظرية الوظيفة (function)، ولها نظريات منافسة. نحن في مواجهتنا لأي قضية، نفحص دائماً الجوانب المغفول عنها، فإذا كان أحدهم يرى المرض النفسي برمته أمراً وظيفياً (functional)، فيجب أن نذكره بأن هذا الاختلال قد يحدث أيضاً على المستوى الخلوي والجزيئي؛ فعلى سبيل المثال، عندما يرتفع مستوى الدوبامين في دماغ المريض، يصاب بالجنون. نظرية الدوبامين في الجنون ليست نظرية يمكن دحضها بسهولة، ولكن يجب التأكيد على الجانب المغفول عنه. ضغط الدم الطبيعي هو 12 على 8، فهل ترتبط هذه الطبيعية بالوظيفة الجزيئية-الخلوية؟ هل يتم إيصال الأكسجين إلى الأنسجة بشكل أفضل عند هذا المستوى من ضغط الدم؟ كلا، ليس الأمر كذلك. ضغط الدم عند غالبية البشر هو 12 على 8، إنه المعيار (normal). يجب رؤية هذا الجانب من سلطة العامة.
سأقول رأيي فقط، كل حديثنا هو أن العلم ينبثق من عالم حياة، ومن نوع من النظرة الفلسفية والرؤية الكونية. واقع الأمر هو أن اللعبة السائدة في العالم الراهن ليست لعبتنا على ما يبدو. لا أقصد المبالغة أو إثارة مباحث هبوط الإنسان الغربي والإنسان الشرقي، لكن ارتباط العلم بالجوانب الاجتماعية والفكرية والاقتصادية هو ارتباط عميق جداً. إذا كان المقصود بالعلم هو ما هو كائن الآن، وإذا كان المقصود بالتكنولوجيا هو ما هو موجود، فمن المستبعد جداً أن نتمكن من الصدارة. لكن كل الحديث هو أن صياغة المعرفة في هذا العصر قد أصبحت هكذا، ومن المؤكد أن العلم ليس هذا فقط، ومن المؤكد أنه يمكن إيجاد نمط حياة آخر، وتفكير آخر، وعلم آخر، ربما بقدرات أكبر بكثير. العلم في الوقت الحاضر يدمر، وربما حدثت اعوجاجات كثيرة. إذا كانت هناك أسس أخرى قيد العمل، فسيُفصل علم آخر على قامة هذه الأسس، والمقصود بالمرجعية العلمية ليس في هذا العلم بالذات، بل المرجعية المعرفية.
إذا كانت اللعبة هي ما هي عليه، فلا يمكننا أن نأمل كثيراً في أن نكون رابحين في هذه اللعبة، لكن منذ الثورة نشأ لدينا فهم مفاده أنه لا ينبغي أن نكون مبهورين، ويجب أن نبحث عن ذواتنا وعن مسائلنا. في بداية الثورة، أواخر سبعينيات القرن العشرين، كان العالم كله يسعى وراء المنفعة المادية، لكننا بحثنا عن شيء آخر، وهذا البحث عن شيء آخر لا يزال معنا ونحن نعيشه. هذه الكرة وهذا الميدان، هما للبحث عن شيء آخر، عن عالم آخر، عن إنسان آخر.
.
.
يمكنكم تحميل الملف الصوتي لهذه المحاضرة من هنا.
الحجم: ۲۳ ميغابايت.
المدة: ۹۸ دقيقة.
الزمان والمكان: ۱۶ شهريور ۱۳۹۳، مؤسسة النخب بطهران.
مصدر الملف الصوتي: موقع فرهنگ امروز، رابط الجزء الأول | رابط الجزء الثاني (كانت هذه المحاضرة قد نُشرت في جزأين وقمنا بدمجهما في ملف واحد.)
يمكنكم تحميل النص الكامل لهذه المحاضرة من هنا أو قراءته في تتمة المقال.
يمكنكم الحصول على ملخص هذه المحاضرة من هنا.
.
.
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.