اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
كان مولانا يرى الفلسفة حجابًا بين العارف والمعروف ويسمّي العلم بناءً للإسطبل، ويختلف نقده جوهريًا عن نقد الغزالي؛ فالفيلسوف عنده من يبتعد عن الحقيقة باتكائه على الدليل والبرهان. تقرير عن محاضرة مهدي معين زاده.

ما الذي كان مولانا يعاديه في الفلسفة والفيلسوف؟ وما الذي كان يعرّض به وينقده؟ ربما يمكن القول إن أبرز نقد يوجهه هو أن الفلسفة تجعل بين المُدرِك والمُدرَك، بين الذات العارفة وموضوع المعرفة، واسطة؛ وهذه الواسطة هي حجاب (من وجهة نظر مولانا)، هي الدليل والبرهان. يقول مولانا إن الفلسفة تتباهى بهذا الحجاب.
الموضوع الذي نريد أن ندرسه هو تحدي مولوي للفلسفة. وقد أثمرت هذه الحكاية، كما يقول حافظ، في العالم. في الأساس، ليس عمل مولانا هذا في شأن الفلاسفة أمراً بديعاً وجديداً، فالمناخ الروحي والمناخ السائد على فكر ذلك الزمان كان على هذا النحو. فبعد هجوم الغزالي العنيف على الفلسفة في «تهافت الفلاسفة»، وإلى حد ما في «المنقذ من الضلال»، انفتح الطريق ووجد المفكرون جرأة أكبر لتوجيه هجمات متكررة على الفلسفة والفلاسفة. الشيخ شهاب الدين عمر السهروردي -وكلما ورد اسمه ينبغي أن نضيف تنبيهاً بأن شيخ الإشراق (المتوفى سنة 632) غيره، فقد ألف كتاباً باسم «رشف النصائح الإيمانية» في الطعن على الفلسفي والفلسفة وإنكارهما-، ونجم الدين الرازي أيضاً له هجمات عنيفة في «مرصاد العباد»، وكذلك بهاء الدين ولد، والد مولانا الذي كان يُعتبر سلطان علماء بلخ؛ وبالطبع فإن الأهم من هؤلاء هو كتاب تهافت الفلاسفة للغزالي.
كان الفلسفي والفلسفة يتعرضان للنقد والتعريض من جانبين (أهل الشريعة وأهل التصوف)؛ أما من جانب أهل الشريعة فسببه معلوم إلى حد ما، إذ إن الجدل والاستدلال في الفلسفة -بصرف النظر عن كونه يضر بالتعاليم الدينية أم لا- لا يمكن أن يقبله أهل الشريعة في الأمور التعبدية بالأساس، وإن كان بعض هذا الجدل قد تحول إلى أحكام ضد التعاليم الدينية، ومنها المسائل الثلاث التي كفّر الغزالي الفلاسفة فيها؛ كاستحالة حشر الأجساد أو المعاد الجسماني. لقد كان مولانا وارثاً لمثل هذا الفضاء الفكري، غير أن دعوانا -خلافاً لما هو مشهور ويشير إليه شخص كالمرحوم زرين كوب- هي أن جنس نقد مولانا وتعريضه يختلف عن كل هؤلاء. يصرح زرين كوب بأن مولانا يوجه للفلاسفة نفس نقد الغزالي، ليس كل تلك النقود، ولكن في حالتين أو ثلاث حالات يوجه فيها مولانا نقداً يشبه نقد الغزالي، وعلى الأقل فإن منهجه يشبه منهج الغزالي. لكننا سنبرهن على أنه وإن كان كلام مولوي، حين يذكر الفلسفة والفيلسوف صراحة، شديد الشبه بكلام الغزالي، إلا أننا إذا أخذنا المثنوي بأكمله والمناخ السائد عليه بعين الاعتبار، فإن سنخ نقده وإنكاره يكون من سنخ مختلف تماماً.
يطرح الغزالي في «تهافت الفلاسفة» وإلى حد ما في «المنقذ من الضلال» عشرين مسألة ويظهر في كل منها عجز الفلاسفة. وكلمة «تهافت» تعني التناقض كما تعني الانهيار التدريجي، أي التساقط، غير أنه في ثلاث مسائل، بالإضافة إلى التعجيز، يكفّر الفلاسفة أيضاً -وقد كان حجة الإسلام وصاحب فتوى وكان تكفيره نافذاً، كما أنه منع لعن يزيد على المنبر، وله في ذلك فتوى لا يستسيغها الشيعة على الإطلاق-؛ وهذه المسائل الثلاث هي: القول بقدم العالم؟ (06:20)، وعلم الله بالجزئيات، والمعاد الجسماني. ولدى مولوي إشارات إلى هذه المسائل الثلاث، ولا سيما القول بقدم العالم، وسنشير إليها. ولكي نبين كم أن الهجوم على الفلسفة متواتر في المثنوي وليس أمراً عارضاً طارئاً ورد في موضع واحد منه، نشير إلى بعض النماذج: أولاً، إنهم يعتبرون الفلسفة، كجملة من العلوم، علم بناء الإسطبل (وسنركز أكثر على هذا الجزء من كلام مولوي في نهاية المحاضرة).
نسج أثواب الزركشة/ العثور على الدرر من قاع البحر
دقائق علم الهندسة/ أو النجوم وعلم الطب والفلسفة
التي تعلقها بهذا العالم الدنيوي/ لا سبيل لها إلى السماء السابعة
كل هذا العلم بناء آخرة/ كان عماده البقر والجمال
لأجل بقاء الحيوان أياماً معدودة/ سمى هؤلاء الحمقى ذلك رموزاً
يُسمّي الفيلسوفَ بـ«الحكيمك» تحقيرًا: چون حکیمک اعتقادی کرده است/ کاسمان بیضه زمین چون زرده است
يقول لبطليموس: لننظر إلى السماء كمطلق بيضة، بيضة دجاجة. البيضة بمعنى الأبيض، فإذا نظرنا إلى بياض البيضة، كانت الأرض صفارها. وفي ديوان شمس يُسمّيه «فلسفيك»: فلسفیک کور شود نور از او دور شود. ولعل سبب عدم استخدامه لكلمة «فلسفيك» في المثنوي هو أنها لا تستقيم في بحر الرمل، وإلا لما توانى عن إيرادها هناك. يرى المولوي أن الفيلسوف أو «الفلسفي» كلّما بذل جهدًا أكبر في بلوغ مراده الذي هو الحقيقة، ازداد بُعدًا عنها، لأنه يدير ظهره للكنز، ومن الطبيعي أنه كلّما تقدّم ازداد ابتعادًا عن مراد القلب.
فلسفی خود را ز اندیشه بکشت/ گو بدو کور است سوی گنجست پشت
گو بدو چندانک افزون میدود/ از مراد دل جداتر میشود
يُعتبر الفيلسوف عند المولوي غريبًا عن حواس الأولياء؛ فهو ينفي، مثلًا، قضية الأسطوانة الحنّانة والمعجزات: فلسفی کو منکر حنانه است / از حواس اولیا بیگانه است، ومرة أخرى، يُعتبر الفيلسوف من يضع بينه وبين الحقيقة وسائط وحُجُبًا شتى من صنع يديه، وهذه الحُجُب هي الدليل والبرهان: میفزاید در وسائط فلسفی/ از دلائل باز برعکسش صفی، إنه قيد المعقولات، فقد أوقع نفسه في أسر قيود المعقولات: بند معقولات آمد فلسفی/ شهسوار عقل عقل آمد صفی، وفي موضع آخر ينسب المولوي للفيلسوف كفرًا، لكن لا ينبغي أن نأخذ هذا الكفر على محمل الجدّ كثيرًا، فرغم أن المولوي نفسه كان صاحب فتوى، وحسب قول أفلاكي في «مناقب العارفين» فقد كان يتلقى رزقه حتى آخر عمره من المرسوم المدرسي، وكانت معيشته تعتمد على إصدار الفتاوى. ومع كونه فقيهًا ومُفتيًا، لم تُنسب إليه تهمة الكفر في المثنوي إلا في موضع واحد، ولكن لا ينبغي أن يُفهم هذا البيت بمعنى التكفير فحسب: بلکه عکس آن فساد و کفر او/ این خیال منکری را زد بر او
وفي موضع آخر: فلسفی منطقی مستهان/ میگذشت از سوی مکتب آن زمان، والقضية أن المثنوي يروي أن مقرّبًا، حسب تعبير مولانا، كان يتلو الآية: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكُم بِمآءٍ مَّعِينٍ، أي إذا استيقظتم صباحًا فرأيتم ماء العين التي كنتم تشربون منها قد غار في الأعماق، فمن يأتيكم بماء معين؟ يسمع الفيلسوف هذا فيقول: نحن نستخرجه بـ... (١٢:٤٧) نستخرجه أيضًا، ثم يقول المولوي ذلك لأن هذا الكلام تضمّن طعنًا في كلام القرآن.
على أية حال، لقد بلغ تواتر هذه الهجمات العنيفة حدًّا يجعلنا نأخذ هذه القضية مأخذ الجد، ولا نفترضها أمرًا عرضيًا أو عابرًا. ومن جهة أخرى، نريد أن نعرف ما حقيقة هذا الأمر؟ هل كان الهجوم موجهًا إلى موضوعات الفلسفة؟ للعلم موضوع ومنهج، فأي جانب من هذا العلم كان مطعونًا عند مولانا، أهي موضوعاته، أم منهجه، أم شيء آخر جوهريًا؟ أم كانت له خصومة شخصية مع الفلاسفة؟ سنبحث أولًا في الموضوعات، هل أن الموضوعات التي تُفترض في الفلسفة عمومًا، والتي يطرحها الفلاسفة، كان بمقدور المولوي أن يعتبرها موضوعات بلا موضوع؟ عندما ننظر في المثنوي، نجد -حسب تعبير زرين كوب- أنه لا يخلو موضع فيه من الرؤية الفلسفية، وقليلة هي المسائل من أمهات المسائل الفلسفية التي لم تُتح لها فرصة الطرح في المثنوي، ولم يُعطَ لها جواب تمثيلي أو برهاني؛ كمسألة الجوهر والعَرَض مثلًا.
في الدفتر الثاني ثمة حكاية يستخدم فيها أحد الخواجا غلامين، ويدور بينهما حوار، لسنا معنيين بالحكاية نفسها، لكن الحوار بين الخواجا والغلامين ينشب حول مسألة العَرَض والجوهر. هنا يشير مولوي إلى الآية الشريفة: {مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} ويطرح القاعدة الكلامية والفلسفية: «الأعراض لا تبقى زمانين»، فالعَرَض لا يمكن أن يوجد بدون جوهره؛ أي أن هذا السواد كان مدار بحث الفلاسفة وقاعدة الفلسفة وعلم الكلام، فإذا ما خرج هذا السواد من هذا الميكروفون – وهو عَرَضه – «لا يبقى زمانين»، فلا بد أن يدخل في جوهر آخر، أن يلتحق بجوهر آخر، وإلا فإنه لا يمكنه أن يبقى قائماً بذاته زمانياً. يقول الله تعالى في القرآن: {مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ}، أي كل من يأتينا بالحسنة، لا أن يفعل الحسنة فحسب، لأن فعل الحسنة لا يعني بالضرورة إحضارها إلى حضرة الحق، فهذه الحسنة عَرَض. الصلاة والصوم في نظر مولوي عَرَض، وهذا العَرَض يجب أن يندرج في جوهر كالروح حتى نستطيع الذهاب به إلى حضرة الله، وإلا فإنه يبقى في هذه الدنيا كالمال والثروة، لأنه لم يصبح جوهراً، لأن «الأعراض لا تبقى زمانين».
شرطُ «مَن جَاءَ بِالْحَسَنِ» ليس الفعلْ / بل إحضارُ الحَسَنِ إلى الحضرة هو السبيلْ
ألديك جوهر إنسان أم حمارْ / هذه الأعراضُ إذا فنيتْ كيف تُحضرها يا فَخارْ
أعراضُ الصلاةِ والصومِ هذه / إذ لا تبقى زمانين انتفتْ
إن لم تتحول إلى جوهر، فهي منتفية. يدور بين الغلمان والخواجا هناك نقاش مستفيض حول مسألة الجوهر والعَرَض ربما يشمل أكثر من مئة بيت، وهي من أمهات المسائل الفلسفية. كذلك مسألة الحدوث والقِدَم هي من أمهات المباحث في الفلسفة وعلم الكلام معاً؛ في الدفتر الرابع يُنظم حوار بين مؤمن وسُني. حين يقول مولوي في المثنوي «سُني» فهو ينظر إلى المؤمن المطلق، فيدافع المؤمن عن حدوث العالم بينما يدافع الدهري (الملحد) عن قِدَم العالم. عند مولوي وعند كثيرين منهم، حتى أن شخصاً يُدعى ابن غيلان، بعد خمسين عاماً من وفاة الغزالي، كتب رسالة في الرد على حدوث العالم. كان هؤلاء يرون تلازماً بين القول بحدوث العالم وإنكار كون الله خالقاً، وهو تلازم غير صحيح، وقد بيّن ابن رشد عدم صحة هذا التلازم بعد مدة طويلة. لابن رشد كتاب اسمه «تهافت التهافت»؛ أي أنه كشف تناقضات «تهافت الفلاسفة» للغزالي ودافع عن الفلسفة. وقد أوضح فيه أن التلازم بين حدوث العالم وإنكار كون الباري صانعاً ليس تلازماً صحيحاً. يمكن اعتبار العالم قديماً والله صانعاً، لأن الفلاسفة يقولون في أصل العلية إن العلة التامة بمجرد وجودها توجد معلولها؛ وعليه، إذا كان الله هو العلة التامة، فبمجرد وجود الله القديم سيوجد العالم أيضاً وهو معلوله، فالعالم متأخر وجوداً عن الله، لكنهما من حيث الزمان كلاهما قديمان.
لذا، يمكن القول إنه لا يقع تناقض بين من يقول بقِدَم العالم ويقبل في الوقت نفسه كون الله صانعاً، كما أنه لم يتم إنكار كون الله صانعاً في أيٍّ من آثار فلاسفتنا. كان مقصودنا أن نبين أن مسألة الحدوث والقِدَم طُرحت أيضاً بالتفصيل عند مولانا. نظرية المعرفة عند أفلاطون هي نظرية التذكُّر. كان أفلاطون يعتقد أننا واجهنا المُثُل سابقاً، والآن حين نواجه في العالم أموراً هي أمثلة ناقصة لتلك المُثُل الكاملة، نتذكر أشياء. هذه الأبيات تستدعي بالضبط نظرية المُثُل:
مئات الآلاف من السنين كنتُ في الطيرانْ / كذرات الهواء بلا اختيارْ
إن كنتُ قد نسيتُ ذاك الوقت والحالْ / فلي منه تذكارٌ في منام الارتحالْ
حتى إن نظرية المُثُل تُطرح بشكل ما:
الطيرُ في الأعلى وتحتَ ظلُّهْ / يعدو على التراب طائراً في شكلهْ
أحمقٌ صيادٌ لذاك الظلِّ يصيرْ / يعدو حتى يصبح بلا زادٍ وخيرْ
غافلاً أن ذاك ظلُّ طير الهوا / غافلاً أن أصل ذاك الظلِّ أين هوى
غافلاً عن أن هذا ظل وذاك أصل، الأصل في الأعلى وأنا أعدو خلف الظل.
نظرية الحكماء في منشأ الموسيقى هي أيضاً من الأمور التي أخذها مولانا عن الحكماء ما قبل سقراط، وربما فيثاغورس:
ناله سرنا وتهديد دهل/ چيزكي ماند بدان ناقور كل
پس حكيمان گفتهاند اين لحنها/ از دوار چرخ بگرفتيم ما
بانگ گردشهای چرخست اينكه خلق/ میرسانندش بـــه طنبور و به حلق
ما همه اجزای عالم بودهایم/ در بهشت آن لحنها بشنودهایم
كانوا يعتقدون بأننا واجهنا؛ أولاً، الموسيقى هي ذات اللحن الذي تدور به الأفلاك والأجرام السماوية، وقد واجهنا هذا. عندما يأتي أنين المزمار وتهديد الطبل وصوت العود، نشعر في أنفسنا بالانسجام مع هارمونيا دوران الفلك. وعن نظرية هرقليطس وتلك الجملة المشهورة له بأنك لا تستطيع أن تنزل النهر الواحد مرتين، وجدنا مجالاً لطرحها في المثنوي:
عمر همچون جوی نو نو میرسد/ مستمری مینمايد در جسد
هر نفس نو میشود دنيا و ما/ بیخبر از نو شدن اندر بقا
پس تو را هر لحظه مرگ و رجعتيست/ مصطفى فرمود دنيا ساعتيست
فخر الرازي، في نقده لتعريف أرسطو للحركة بأنها خروج تدريجي من القوة إلى الفعل، يقول إنه ليس لدينا أمر تدريجي أصلاً، فالأمر الذي تفترضونه تدريجياً هو في الواقع شيء يوجد في مكان ما في كل لحظة، ثم يزول بالكلية آنياً فآنياً ويعود إلى الوجود ويستقر في اللحظة t۲. وما تشعرون به مستمراً ليس سوى لحظات منقطعة ينشأ فيها الشيء ويفسد بالكامل، أي يدخل في الكون والفساد. والمثال الذي يورده مولوي مشهور:
شاخ آتش را بجنبانی به ساز/ در نظر آتش نمايد بس دراز
آن ز تيزی مستمر شكل آمدست/ چون شرر كژ تيز جنبانی به دست
الفهرست طويل، ونكتفي بهذا القدر لنبين أن الموضوعات الفلسفية، سواء كانت كموضوع مطلق مثل ما قلناه عن الجوهر والعرض والحدوث والقدم، أو على شكل نظريات منسوبة ومتعلقة بالفلاسفة، قد وجدت مجالاً لطرحها في المثنوي. المسألة الأخرى هي أن الفلسفة ليست وحدها، بل كثير من المعارف الأخرى تتعرض للطعن والإنكار في المثنوي، وكذلك علم الكلام تحت عنوان «باحث»: فلسفی از نوع دیگر کرده شرح/ باحثی مر گفت او را کرده جرح -يُطلق لفظ «باحث» في المثنوي على المتكلم- حتى في العرفان النظري، فإن خصومة أهل التصوف مع الفلسفة تعود إلى أنهم كانوا يعتبرون الكشف والشهود عموماً منشأ المعرفة، ولم يستطيعوا أن يأتوا بالحجة والبرهان. في العرفان النظري لم يكن هذا أيضاً، فكما نرى عند ابن عربي ليس هناك تمسك بقوة البرهان وحدته كما عند الفلاسفة. ومولوي ليس على وفاق مع أهل البرهان النظري أيضاً، فمع صدر الدين القونوي، تلميذ محيي الدين العربي وشريك أذواقه في قونية، عندما ينشد تلك الأبيات في الدفتر الثالث، فمن المحتمل أن يكون نظره موجهاً إلى أحد تلامذة صدر الدين القونوي هؤلاء. الأبيات سامية جداً من الناحية المفهومية، ويمكن أن يكون لها هذا الدور المحوري في النظرية التي نقدمها، لأن حقيقة تعارض مولوي مع الفلسفة كانت تكمن في هذه المكونات.
خربطی ناگاه از خر خانهای -حلقهی صدرالدين قونوی را میگوید-/ سر برون آورد چون طعانهای
طعن کرد کاين سخن پست است يعنی مثنوی/ قصه پيغمبر است و پيروی
نيست بحث فكر و اسرار بلند/ كه دوانند اوليا آن سو سمند
از مقامات تبتل تا فنا/ پایه پایه تا ملاقات خدا
هذا لا يرسم على خلاف العرفان النظري؛ مثلاً المقام الأول والثاني والثالث هو كذا، أو مثل العطار الذي يقول المنزل الأول والثاني والثالث هو كذا حتى نصل إلى السيمرغ، إنه متفرق، وهذا التفرق والحديث عن الأرنب والأسد والثعلب كان ثقيلاً على العرفان النظري. يقول مولوي:
چون كتابالله بيامد هم بر آن/ اين چنين طعنه زدند اين كافران
كه اساطير است و افسانه نژند/ نيست تعميقی و تحقيقی بلند
في كتاب الله أيضًا، حين قالوا «ماهذا الی اساطیر الاولین»، فإن أحد التخمينات التي تُطرح في تأثيل كلمة «أساطير» هي story أو القصة. أساطير الأولين تعني أن القرآن قصة، يقول إنهم قالوا ذلك عنه، وهنا وفي مواضع أخرى يضع كتابه في مصاف كتاب الله. الفقه أيضًا في مرمى هجمات مولانا، لم يشتبك مولانا مع الفقهاء علنًا قط، لكن لديه إشارات عابرة. في حكاية النحوي والملاح، حين تقع السفينة في الدوامات، يقول:
محو میباید نه نحو اینجا بدان/ گر تو محوی بیخطر در آب ران
فقه فقه و نحو نحو و صرف صرف/ در کم آمد یابی ای یار شگرف
هنا بطن الحياة، هنا دوامة الحياة، الفقه والصرف والنحو وكل هذا ستجده قاصرًا، إنه بحاجة إلى شيء آخر. ذاك الجانب الذي يزيد فيه العشق ألمًا/ لم يدرس فيه أبو حنيفة والشافعي درسًا، يذكر إمامين من أئمة الفقه الأربعة عند أهل السنة بأن لا سبيل لهما إلى تلك الحقيقة، وحتى في الحديث: بلا صحيحين! يشير إلى صحيح مسلم وصحيح البخاري وهما من كتب الحديث المعتبرة لدى أهل السنة: بلا صحيحين وأحاديث ورواة/ بل اندر مشرب ماء الحياة؛ حتى أصول الفقه وأصول الدين: من أصوليّيك أصولُ نفسك خير/ كي تعرف أصلك أيها الرجل الجليل
كثرة الفروع التي يطعن فيها مولانا تدفعنا إلى التفكير بأن المسألة لم تكن مسألة الفلسفة وعشرين مسألة وثلاث مسائل موجبة للتكفير، بل لعل هذا التعارض كان ينبع من مكان آخر. فيما يخص المناهج، نعلم أن مناهج الفلسفة هي البرهان أو الحجة، والقياس، والاستقراء، والتمثيل، طبعًا التمثيل بحجية واعتبار أقل من الاستقراء، والاستقراء أقل قليلًا من القياس. إنه لا يرفض القياس مطلقًا، بل يرفضه حين يقابل النص. في ذلك القول المطلق «أول من قاس إبليس»، أي أن أول من قاس هو إبليس، يورد مولانا أن أول من أتى بالقياس في مقابل النص كان إبليس، وهذه إشارة إلى تلك القاعدة الفقهية التي تقول إن الفقيه إذا لم يستطع استخراج الحكم من النص، يمكنه استخدام القياس. وفي الاستقراء أيضًا لدينا مواضع في المثنوي يُستخدم فيها الاستقراء، وهذا البيت مشهور: پس بدان این اصل را ای اصل جو/ هرکه را در دست او بر دست بو، قبل ذلك يشير إلى عدة حالات تمامًا مثل الاستقراء ويقول: حسرت و زاری گه بیماریست/ وقت بیماری همه هشیاریست، يضرب المثل بالمرض وأشياء أخرى ثم يقول: هرکه را درد است او بر دست بو، أي أن كل من يُعطى ألمًا فذلك لأنه قد يشم رائحة أو قد شم رائحة.
أحيانًا يسعى مولانا إلى رفع التناقض. نعلم أن التناقض كان خميرة الفكر العرفاني، فهذه الآية «ما رميت إذ رميت» تنطوي على تناقض ظاهري، «ما رميت إذ رميت» تناقض صريح، حين رميت، لم ترم، وقد تكرر الاستشهاد بهذا في المثنوي نفسه وعند العطار والسنائي وفي «مرصاد العباد» و«كشف المحجوب». ومع ذلك، فإن مولانا بخصوص حديثين منقولين عن النبي -ويُحس بينهما تناقض واحتكاك-، يرى نفسه ملزمًا في الدفتر الثالث بأن يقوم برفع التناقض. «من رضي بالكفر كفر»، أي من رضي بالكفر فهو كفر، والحديث الثاني «لم يرض بقضائي فليتخذ ربًا»، أي من لم يرض بقضائي فليتخذ ربًا غيري. يريد مولانا أن يوفق بين هذين ويرفع التناقض ويقول إن رفع التناقض رهن بمعرفة الفرق بين القضاء والمقضي: پس قضا را خواجه از مقضی بدان/ تا شکالت رفع گردد در زمان، وبالطبع فإن برهان الخلف قد وجد له مجالًا للظهور في المثنوي، يقول في موضع:
چون پیمبر (في شأن دعوة الأنبياء) از برون بانگی زند/ جان امت از درون سجده کند
گوید این آواز ز آواها جداست/ زنده کردن کار آواز خداست
گرنه نامعقول بودی این مزه/ کی بدی حاجت به چندین معجزه
الكلام الذي يتفوّه به الأنبياء غير معقول، إرّيشينال (irrational) -ليس بمعنى أن النبي يتكلم بكلام مضاد للعقل بالطبع-؛ أي أنه لا يتوافق مع العقلانية المقبولة لدى بعض فروع المعرفة البشرية، وإلا لو كان معقولاً فهل كان هذا الطعم/ يُحتاج معه إلى هذا القدر من المعجزات/ كل ما هو معقول يدركه العقل/ دون بيان معجزة ودون جزر ومد، فإذا كان الشيء معقولاً كأن يقول قائل إن الكأس على الطاولة، فهذا لا يحتاج إلى معجزة، إنما تُطلب المعجزة حين يكون الكلام المطروح إرّيشينالاً غير معقول.
وهناك نماذج أخرى إلى أن نصل إلى التمثيل. دور التمثيل في المثنوي واضح جداً، فلنُشر إشارة إلى دور التمثيل المنهجي أو الآية القرآنية أو أي شيء آخر. في موضع من "مقالات شمس"، يقول شمس لحلقة الأصحاب: ليس لكم الحق في قراءة القرآن، القرآن يضلّكم، وهذا له انعكاس في المثنوي حيث يشبّه القرآن بحبل وسبب إن كان لك سوداء الصعود إلى الأعلى: ليس للحبل ذنب أيها العنيد/ ما دمت لا تطمح إلى الأعالي، إن نظرت إلى الأعلى يأخذك الحبل نحو العلو، لأن كثيراً من الناس ضلّوا بالقرآن/ وبعض القوم سقطوا في البئر بهذا الحبل/ ليس للحبل ذنب أيها العنيد/ ما دمت لا تطمح إلى الأعالي، أنت لم تطمح إلى الأعالي فأنزلك هذا الحبل إلى الأسفل، ولو كنت تنظر إلى الأعلى لأخذك إليه. يقول شمس: لا يحق إلا لمولانا وحده أن يقرأ القرآن ويستشهد به، لأنه لا يستند إليه بل يستشهد به؛ فمثلاً كثير من أهل الجدل كانوا يأتون بآية قرآنية لإسكات خصمهم في الجدل قائلين إن القرآن يقول كذا. في المثنوي لم يُستخدم القرآن بهذه الكيفية قط؛ أي أن القيمة المنهجية للآية القرآنية في المثنوي تتساوى مع قيمة اللطيفة، فهي لفتح المطلب، كما يقول في شأن التمثيل: إذن آتي بمثال ناقص/ لأخلّص العقل من الحيرة، أنا أضرب هذا المثل لا لأنهم يقولون إن التمثيل لا يصلح دليلاً، فهو لا يستخدمه كدليل -لأخلّص العقل من الحيرة-، بل لتوضيح الموضوع، والأمر كذلك بالنسبة لآيات القرآن فلا يُستند إليها.
وصلنا إلى هذا السؤال: ما هو الشيء الفلسفي والفلسفة الذي عاداه مولانا بالضبط؟ وما هو الجانب الذي كان عرضة لتعريض مولانا ونقده؟ حددت ثلاثة محاور، سأشير إلى محور منها بالتفصيل وإلى المحورين الآخرين بإيجاز. ربما يمكن القول إن أهم نقد يوجهه هو أن الفلسفة تقحم واسطة بين المُدرِك والمُدرَك، بين الفاعل المعرفي وموضوع المعرفة؛ هذه الواسطة هي حجاب (من وجهة نظر مولانا)، هي الدليل والبرهان. يقول مولانا إن الفلسفة تتباهى بهذا الحجاب. وهناك أبيات تنمّ عن هذا المعنى. في كتب المنطق حين يريدون ترسيخ مسألة الدليل والبرهان يضربون مثلاً: "دلَّ على النارِ دُخان"، الدخان يدل على النار. ويقول مولوي هذا أيضاً: إن الدخان يصبح واسطة بيننا وبين معرفة النار، فنحن نستدل بالدخان بما هو واسطة على النار. الحجة والبرهان شيء من هذا القبيل، يقول: إن كان الدخان دليلاً على النار/ فنحن بدون دخان في هذه النار ننعم، نحن نحترق هنا ونحن سعداء ونرى الاحتراق، لا يريد أن يرى الدخان:
فنّ المرء ذاك أن يرى النار عياناً/ لا حديث "دل على النار دخان"
دليلك هذا مثال تلك العصا/ في كفك "دل على عيب العمى"
من يحمل العصا بيده، فالعصا وسيلة لمشيه، هذه العصا تدل على عدم الرؤية، ذلك الدخان يدل على أنني لا أرى النار، هذا الدليل مثالك كالعصا/ في كفك دلّ على عيب العمى، إنه يثبت فقط عماك، الغلغل والطقطقة والطنين والجلبة/ لأنني لا أرى فاعذرني، كل هذا الضجيج والغبار الذي أثرته بالدليل والوسائط لتقول إننا لا نرى، لماذا لا يطيق مولانا هذه الوسائط؟ إنه يتقدم خطوة ويتأخر خطوة. قد يسأل سائل: لماذا ينبغي للمعرفة الناشئة عن الوسائط أن تكون معرفة غير مقرونة بالحقيقة، ولا تسوق إلى الحقيقة؟ هذا يعود إلى رؤية مولانا للوجود وأنطولوجيته، فهذه الأبيات المشهورة تدل على أن مولانا كان يرى الفكر والوجود من طينة واحدة ومن جنس واحد، وكان يعتقد أن من كانت معرفته الحقيقية أكثر، كان له وجود وحياة أكثر، وجوده متشدد، له اشتداد وجودي:
أيها الأخ أنت كلك فكرة/ وما تبقى منك عظام وجذور
إن تكن فكرتك ورداً فأنت روضة/ وإن تكن شوكاً فأنت حطب المستوقد
ليست الروح إلا الخبر في الامتحان/ من زاد خبراً زادت روحه
(ليس أي خبر، سنقول في بحث الفضول إلى أي حد هو مطعون ومطرود عند مولانا، الخبر الذي يرتبط بأقوى صاعقة في دواخلي، الخبر الذي يرتبط بألمي)
روحنا من روح الحيوان أكثر/ لماذا؟ لأنها تزداد خبراً
فماهية الروح هي المخبر/ من كان أكثر وعياً كان أكثر روحاً
هذا الوعي ليس أي وعي، وإلا لما استطاع أن يرتبط بالروح. عندما يصبح الوجود والمعرفة من طينة واحدة، فمن الطبيعي أن هذا الوجود ينبغي أن يكتسب المعرفة بلا واسطة، فكلما نحتَّ وسائط بين الوجود والمعرفة، كلما اختل هذا التجانس والتماثل أكثر؛ ومن هنا فإن للتقليد والتحقيق عند مولانا معنى غير ما نعنيه نحن اليوم. الأعمال التي نقوم بها ونسميها تحقيقاً، لعلها عند مولانا كانت تقليداً. إنه يرى العلم التحقيقي علماً يكون، وفقاً لمبدأ وحدة المعرفة والوجود، متحققاً في روح المحقِّق؛ أي إذا كان يدافع عن رزاقية الله في علم الكلام، فيجب أن يكون الاعتقاد برزاقية الله متحققاً في روحه. المعرفة ليست كحلية يمكنني خلعها وإعطاءها لآخر أو حتى نقلها، إذا سألني أحدهم ما هي رزاقية الله، لا أستطيع إلا أن أقول: انظر إليّ، انظر إلى حياتي، سترى رزاقية الله هناك، تراها في طريقة كسبي ومعاشي، ومن هنا فإن العلم التقليدي عنده علم يطلب مشترياً، يطلب أن يُباع، وعندما يجد مشترياً يفرح. يقول زرين كوب إن هذا الوسواس الخاص بالمحققين، هو أكثر براءة بكثير من وساوس أهل السلطة؛ وجه ماندگار، دبلوم شرف، جائزة أوسكار، لكنها في النهاية علامة على أن هذا العلم يبحث عن مشترٍ:
العلم التقليدي كان للبيع/ حين يجد مشترياً يزدهي فرحاً
العلم القولي الذي كان بلا روح (ليس من طينة فكرنا ووجودنا، بلا روح)/ كان طالباً لوجوه المشترين
وإن بدا وقت البحث علماً ضخماً/ حين لا يجد مشتريه يموت ويمضي
مشتري العلم التحقيقي هو الحق/ سوقه دائماً رائجة
مشتريَّ هو الله، هو يرفعني/ إلى الأعلى لأن الله اشترى
وفي بحث الذين لديهم علم لكن هذا العلم لم يتحقق في أرواحهم؛ أي أن أهل العلم التحقيقي، في نظر مولانا ليسوا محققين، وله عليهم مطاعن حقيقية وقاسية جداً: عقلهم في نقل الدنيا ملتوٍ/ فكرهم في ترك الشهوة لا شيء، صدرهم وقت الدعوى كالشرق (صدورهم هناك رحبة)/ صبرهم وقت التقوى كالبرق (لا صبر لهم لحظة)، عالم في الفنون متباهٍ/ كالعالم الخائن وقت الوفاء
الخطوتان أو الثلاث التي قطعناها حتى الآن كانت حول: لماذا لا يطيق المولوي معرفةً تكتسب الوسائط فيها أهمية؟ لأنها لا تفي بنظرته القائلة بوحدة الوجود والمعرفة، كيف ينبغي أن يكون موضوع المعرفة حتى تكون المعرفة الحاصلة منه من سنخ وجودنا، وحينئذٍ يصير العلم تحقيقياً ويندرج ويتحقق في وجودنا؟ كيف ينبغي أن يكون موضوع التحقيق، موضوع العلم؟ بالطبع لقد قال فلاسفة الوجود كلمة بليغة جداً وسنتتبع هذه الكلمة من قول المولوي، قالوا: بشرط أن يكون للمحقق انخراط شخصي (Personal involvement) مع موضوع تحقيقه، أن يكون الموضوع موضوعه هو، وباختصار أن يكون ألمه هو، بل إن المولوي يعد هذا أهم من أصول الدين:
من أصولك (يقول أصول الاعتقاد وأصول الفقه) أصلُ نفسك بهِ / فاعرف الأصلَ يا فتى ذا الجاهِ
تلك أصول الدين قد عرفتها / فانظرن في أصلك إن كان سليماً
صرت شيخاً في حلّك للعُقَدِ / عُقَداً أخرى عليك بأن تحُلَّ
عُدَّها محلولةً أيها المنتهي / العقدة صعبة على كيسٍ خاوٍ
أي عقدة تتبع؟ اتبع تلك العقدة التي أخذت بخناقك، نحن جالسون ونبحث -بزعمنا- أهم مسألة فلسفية في العالم، يأتي شخص من هناك ويقول زادوا رواتبكم، وفي الحال ننسى أهم مسألة فلسفية في العالم ونركز على الرواتب. الإخلاص، الصدق، التفكر وكل شيء آخر سيُحصَّل من هنا، فقط التفكير حول تلك المسألة الأساسية هو ما يمكن أن يوصلنا إلى مكان وإلى المعرفة. حين يُقال إن فلاناً اشترى بيتاً بهذا السعر وفي ذاك المكان، تنكسر قلوبنا، هذا يرينا أين يكمن دافعنا الرئيسي، اتبعه وصر غنياً، أمرك واضح، التفكير في طرق الثراء هو عين معرفتك الحقيقية والتحقيقية، والتفكير في مواضع أخرى تقليد.
«الحكمة ضالة المؤمن» ماذا تعني؟ تعني أن الحكمة هي ضالتنا، نحن لا نبحث عن الضالة بلا مبالاة، ينبغي أن يكون حالنا عند سماع الخبر كحال من يقف أمام المحكمة والقاضي وهم يتلون حكمه، ذاك الحكم يقرر مصير هذه الحياة ويجب أن يفرق معنا كثيراً، لكن لأنها ليست مسألتنا، العالم قديم، فلننم، لنتناول الغداء؛ العالم حادث، هات غداءنا. حين لا يكون الدافع الرئيسي موجوداً فستطرأ هذه المسائل لا محالة؛ هذه هي النقاط التي أقول إن اسم الفلسفة والفلسفي لم يرد في المثنوي. خصومة مولانا مع الفلسفي هي نيابة عن كل معارف يُلقى فيها وسيط بين الإنسان والمعرفة لأنها ليست من جنس الوجود والسؤال الرئيسي للإنسان، ليست ضالة المؤمن، ليست ضالتنا، ليست مسألتنا، أن نجعل هذا الموضوع سؤالاً ومسألة، هذا يعيدنا إلى داخل أنفسنا. في المثنوي هذا الثيم: لا تنظر إلا إلى داخلك ودافعك الأصلي، البقية غرباء، البقية، لا الأشخاص، الموضوعات غريبة، حبيبك خرجك وكيسك (تصور أنك ألقيته على كتفك) / إن كنت رامين فلا تطلب غير ويسه (ويسه هنا هي دافعنا الرئيسي الذي تشخيصه صعب جداً بالطبع) ويسه ورامينك هما ذاتك / وهذه الأمور الخارجية كلها آفاتك، المعارف الغريبة، أي الغريبة عن داخلك، الغريبة عن مسألتك الرئيسية هي كلها آفاتك، كالأسد اجعل صيدك خاصتك / ودع غواية الأجنبي واختصص
لقد طوّر فلاسفة الوجودية هذا المعنى جيدًا، أنقل اقتباسين من شمس التبريزي، ثمة كلمات نافذة جدًا في مقالات شمس: قال أحدهم: الله واحد، فقال: وما شأنك أنت؟ لأنك أنت في عالم التفرقة، مئات الآلاف من الذرات، كل ذرة متناثرة في العوالم، ذابلة، كئيبة، أما هو فوجوده قديم، فما شأنك أنت؟ أنت نفسك هل أنت واحد؟ قال: من بين هذين الألْفَين من الأنا والـمَا، يا للعجب، أيّ أنا أنا / أَرْعِني سمعك لهذا العراك ولا تضع يدك على فمي - هذا في الديوان الكبير -، من بين هذه المئات من الألوف من الأنا والـمَا، عليك أنت أن تجعل نفسك واحدًا حتى تنفعك وحدانية الله، أنت ستة آلاف وأنت زائد، فصر أنت واحدًا، وإلا فلن تنال من وحدانيته شيئًا. وبخصوص الكلام الذي يُقال عن العظماء، فلديه كلام مشابه لهذا (01:05:20) هذه صفات ذي الجلال الطاهرة وكلامه المبارك، فمن أنت؟ وما الذي هو لك؟ وما هو كلامك؟ هذه أحاديث الحق المليئة بالحكمة؛ وهذه إشارات العظماء الأخرى، نعم هي كذلك، تعالَ، أيّها لك؟ أنا أتكلم من حال (01:05:55) وهذا ما فعله المولوي، الحقيقة نفسها هي نقد حالنا، تمامًا كما في نهاية الناي نامه، اسمعوا أيها الأصدقاء هذه الحكاية، أنا أتكلم من حالي، لا أتعلق بشيء، وأنت أيضًا حدثني إن كان لديك كلام.
أُشير هنا إلى الفلسفة الوجودية، يُعتبر كيركغور أبًا للوجودية، وإن لم يصغ هو هذه الكلمة ولم يعتبر نفسه فيلسوفًا، لكنه بحق، إلى جانب دوستويفسكي، يمكن اعتباره من مؤسسي فلسفة الوجود التي تلتها لاحقًا الفلسفة القارية. يطرح كيركغور نوعين من الحقيقة، الحقيقة الموضوعية والحقيقة الذاتية، وقد ترجمها السيد ملكيان بـ «الأنفسي والآفاقي». يأخذ مسيحيًا بعين الاعتبار، ويقول إن السؤال الموضوعي أو الآفاقي للمسيحي هو: هل المسيحية على حق؟ حينها تبرز تلك النقاشات حول تقديم الحجج بأن هناك إلهًا أولاً، ثم إن هذا الإله أرسل نبيًا اسمه عيسى، وأن إرساله كان بصفته كلمة الله ولبثًا. أما سؤال الحقيقة الأنفسية أو الذاتية فهو سؤال آخر، إنه يسأل: ما هي صلتي ونسبتي بهذا الإله وهذا المسيح؟ في هذه الدوامة أو الموقف (situation) كما يقول سارتر، والانقذاف (الانقذاف لا يشير مطلقًا إلى نفي البارئ) أو الموقف في مهب الريح، في المرحلة الأولى تواجهون هذه الأوضاع والمحيطات ذاتها، لا المبادئ الكلية. كان كل تركيز كيركغور على أن السؤال الآفاقي عن حقانية المسيحية، الذي أوجد المعارف الدينية في المسيحية، لا يمت بصلة، لا للمسيحية ولا لنا، إنه لا يولّد يقينًا على الإطلاق، فحتى اللحظة الأخيرة قد تعثرون على وثيقة أو مستند يثبت أن المسيحية كانت باطلة منذ البداية، والاحتمال قائم دائمًا.
وبالتالي، فإن إيمانكم بالمسيحية سيبقى مؤجلًا حتى اللحظة الأخيرة. في القرن التاسع عشر، نشأت نقاشات مشابهة حول ما إذا كان هناك عيسى تاريخي؟ ستغرقون، هذا يقول كذا وذاك يقول كذا، ينقضي العمر دون أن نحصل على معرفة وإيمان، ولا يلقى إلينا سوى نور تقليدي. يقول كيركغور: كل معرفة أصيلة تتعامل مع الوجود، أو المعرفة التي لها صلة ونسبة بالوجود هي معرفة أصيلة. وكل معرفة ليست وجودية هي معرفة عرضية، ورتبتها وسعتها غير مهمة بالأصالة، فهذه المعلومات لا أهمية لها في جوهرها، وهنا تبرز مسائل مثل الفضول والثرثرة الفارغة.
كان أحد عظماء الفكر الحديث الآخرين، هايدغر، يرى أن انفتاحنا الأول على العالم هو انفتاح معالَجتي، أي انفتاح عملي. في فضاء الفكر، لا يتميز هايدغر والفلسفة القارية. سؤالنا الأول عن العالم هو: بماذا ينفعني هذا الماء؟ أن نعالج هذا الماء في اتجاه آمالنا وأهدافنا وآياتنا التي لدينا، وإن لم تكن هذه الآيات متعينة، فانفتاحنا الأول ليس نظرياً؛ يضرب مثلاً: يقول أستاذ النجارة لتلميذه الذي أمسك بالمطرقة ويدق المسمار: هذا ثقيل. هذا ثقيل أي ثقيل لدق هذا المسمار، فيذهب ذلك التلميذ ويأتي بأخف منه. هذا لا علاقة له بالكثافة ولا بالكتلة الحجمية ولا بشيء آخر؛ أي إنه مع الحالة الأصيلة للمعرفة المعالَجتية. المعرفة في المشغل هي هكذا، فقط عندما تخرج من حالتها الأصيلة تُطرح الكتلة الحجمية والكثافة. عندما تتعطل، بتعبير هايدغر، وتحدث فوضى في العمل، حينها نفكر كم كانت كتلتها الحجمية. ما دام انفتاحنا المعالَجتي صحيحاً فهي تعمل بشكل صحيح أيضاً. الثرثرة هي إمكانية فهم عموم الأشياء دون أن تكون قد خصصت الأمر لنفسها مسبقاً. الأمر لم يُخصص لي مسبقاً؛ أي لم يكن ملكي، لم يكن رهاني الأساسي.
لذلك، نظن أنه ينبغي أن نعرف عموم الأشياء، وإن عرفناها فليست معرفة لنا، كل شيء نتحدث عنه هو ثرثرة، ويقول عن الفضول، إننا نعتبر هذه الأشياء قيمة، سؤال الفضول هو: what is the next? (ما التالي؟) الفضول ليس من أجل فهم المرئيات أو بمعنى آخر، ليس من أجل الاقتراب نحو المرئيات، إنما لمجرد الرؤية، يشغل نفسه بالرؤية.
أشير إشارتين موجزتين إلى المحورين التاليين اللذين يظهران حقيقة تقابل مولانا مع الفلسفة؛ أولاً التفكر بصفته وقوفاً وجهاً لوجه أمام الأدب هو شيء طرحه هايدغر في كتاب «ماذا يسمى التفكير؟» وبالطبع يمكن أن يكون له تجلٍّ كبير عند مولانا أيضاً. أحد تجلياته هناك حيث يشير إلى آية إنا فتحنا ويقول: وقت واگشت حديبيه بِذَل/ دولت إنا فتحنا زد دهل، في نظر عموم المسلمين كانت الحديبية هزيمة كاملة، لأن مضمون المعاهدة كان ضد المسلمين تماماً وقد سمع الأعاظم اعتراضات عمر. في شأن نزول إنا فتحنا قولان، أحدهما في الحديبية والأقوى أنها نزلت في مكة. يستحسن مولانا الحديبية ويقول: وقت واگشت حديبيه بِذَل (حينما كانوا يعودون من الحديبية بذلة) / دولت إنا فتحنا زد دهل، ليس أن النبي قيل له ستفتح لاحقاً، هذا عين الفتح. كونها عين الفتح يعني أنه لم يكن ثمة فرق عند النبي بين الفتح وغير الفتح، ومن هذه الناحية لم يكن التعين الخارجي للأمور مطروحاً.
المحور الثالث، هو أسلوب قصص المثنوي. أسلوب قصص المثنوي يُظهر تقابله مع الفلسفة بأفضل وجه. قصص المثنوي تبتعد بشكل متزايد عن النموذج القصصي الذي كان لدينا والذي كان عبارة عن الحكاية. كان لدينا كليلة، تُروى القصة في ٤-٥ أسطر وتُقال النتيجة الأخلاقية في ١٥-٢٠ سطراً، القصة منفصلة، والنتيجة الأخلاقية منفصلة. النتيجة الأخلاقية تأتي بصورة كلية تكون تلك القصة مصداقاً لها؛ أي أنها تُطلق عليه وتُحمل عليه. حتى العطار هكذا، إذا قارنا قصة بين العطار والمثنوي يتضح الأمر أكثر. كون مولوي يضيع خيط الكلام في المثنوي، تبدأ حكاية في الدفتر الثاني وتُختتم في الدفتر الثالث، وهو مليء بهذه الأقوال: قصهی شاه ووزیران وحسد (يقول سلطان محمود) / ور غلام خاص وسلطان خرد / دور ماند از جر جراران کلام / باز باید گشت وکرد آن را تمام، ما سبب جر جراران کلام؟ لم يكن سببه شرود ذهن هذا السيد، ولم يكن استغراقه بذلك المعنى، لم يكن استغراقه في المعاني فحسب، طريقة المثنوي هي طريقة التداعي لكن سبب هذا لم يكن الاستغراق فحسب. الاستغراق والتداعي يجب أن يكون لهما افتراض مسبق قبلهما وهو أنه لا فرق بين المتن والهامش، لا فرق بين الحكاية ونتيجة الحكاية، لا يُضحى بأي بيت في المثنوي من أجل بيت آخر؛ أي عندما يتحدث مثلاً في قصة الأعرابي وزوجته عن كيف كان الأعرابي يحافظ على جرة الماء ليأخذها إلى الخليفة، فإن أحوال محافظته هي قصة بذاتها.
عند العطار ينتهي الأمر في سبعة أبيات من مصيبت نامه. في المثنوي، أولاً، تتبدل الشخصيات، فعند العطار التمثيل معلوم، الرجل هو العقل والمرأة هي النفس، وينبغي للعقل أن يغلب النفس. أما عند المولوي فتتبدل هذه الشخصيات باستمرار، وهذا الفرق الأخير هو فرق جوهري بين الاثنين، وينبغي لنا أن نبحث هناك عن تعارض المولوي مع الفلسفة. إن عدم التضحية بأي بيت لصالح بيت آخر هو ما يسفر عن هذا، فعندما يصل إلى بيت، يرى أن حق هذا البيت ينبغي أن يؤدى، وليس هو ضحية لتلك النتيجة، يقول: أحتفظ بهذا، فالنتيجة أهم. ومن هنا نشأ قول المولوي إنه سلّم نفسه لأصحاب الجرّ الجرار. بخصوص قصة الأعرابي وزوجته في مصيبت نامه، تنتهي في ستة أو سبعة أبيات. القصة هي:
ذات ليلة قالت أعرابية لبعلها/ وأمعنت في الجدال والخصام
كل هذا الرنج والجفاء نكابده/ والعالم كله في عيش رغيد ونحن في بؤس
(مثل الأشياء التي تقولها لنا أكثر نسائنا، نحن فقراء فلتقم أنت بعمل ما)، نضرب عرق الذبابة في الهواء/ حسبنا قرص القمر قرص خبز، حالنا خراب، وحسب المعتاد يقول الزوج: وهل بيدي شيء؟ فتقول: اذهب إلى بغداد، فقد ظهر فيها خليفة، هذا الخليفة يسميه العطار المأمون، لكن المولوي، ولعله بسبب كراهية المتشرعة للمأمون – لتكريمه المعتزلة – لا يذكر الخليفة باسمه، يقول: اذهب إلى الخليفة، فهذا الخليفة يعطي الصلات. فيقول: بأي حجة أذهب؟ كانت لهم واحة تتجمع فيها مياه الأمطار، وكانت ماءً كدراً، فتقول: في بغداد لا توجد هذه المياه، احمل هذا الماء وأعطه للخليفة، فسيمنحك صلة حتماً. فيحمل جرة الماء تلك بأي حال، ويوصلها إلى الخليفة. يقول المولوي (حتى هنا القصة واحدة بين العطار والمولانا) يضحك البوابون، لكن لأن خلق الخليفة (الناس على دين ملوكهم) كان قد سرى إلى البوابين، يقبلون ويدخلون جرة الماء. فيملأ الخليفة الجرة ذاتها بقطع الذهب. لكن الفرق هنا، العطار قال: عند عودته أرجعوه من البادية كي لا يرى دجلة، فإن رأى دجلة يشعر بالخجل؛ أما عند المولوي فيُقال العكس، يقول الخليفة: خذوه من طريق دجلة. كيف يمكن تأويل هذا الفرق؟ إن نسيان المولانا ليس أمراً غير مسبوق، فهو ينسى أول الحكاية وآخرها باستمرار، وهذا الفرق جدير بالتأمل، عندما يُقال: خذوه من البادية، من الذي يتعاظم هنا؟ خليفة الرب يتعاظم، لقد كان كريماً إلى حد أنه قال: لا تدعوه يرى دجلة بمياهها الهادرة. خذوه من البادية، فيتعاظم الرب، لكن التحدي يتوقف عند العبد، فالعبد لا يرى دجلة ولا يقع في التحدي. ختم القصة بتقرر معنى أن الرب كريم جداً ومعطاء، أما عند المولوي فيقول: خذوه من طريق دجلة، وهذا يعني استمرار تحدي الأعرابي. الفرق هنا، الفرق هو في أصالة الأمر الجزئي أو الأمر الكلي، الأمر الجزئي هو حياة هذا الأعرابي، والأمر الكلي هو القضايا التي تُقال عن كرم الرب. عندما نقول إن المولانا يستحصل المعرفة من بطن هذه الحياة، يستحصلها من بطن المواجهة مع الحياة، لا يُفرض عليه أي أصل كلي؛ وقد بيّنا في الواقع خصومته مع الفلسفة، لأن الفلسفة الغالبة على الأقل، كانت فلسفة تبدأ من الأصول الكلية.
.
.
.
.
الأدب
الفلسفة
الدين
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.